الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النافون للنسخ وأدلتهم التى اعتمدوا عليها
والرأى الثانى أمام الناسخ والمنسوخ من الآيات القرآنية:
يرى بعض العلماء أن ليس فى القرآن ناسخ ولا منسوخ، وأن مثل هذه الآيات السابقة ذات الموضوع الواحد، والأحكام المختلفة أو المتغايرة، إنما جاءت لتعالج ظروفا خاصة، بحيث لو وجدت هذه الظروف فى مجتمع من المجتمعات، لكان لأهله أن يأخذوا الحكم الذى يناسب ظروفهم سواء أكان هذا الحكم هو السابق أم اللاحق، فالمدار على وجود الظروف التى تحتاج إلى تطبيق الحكم، قال د.
الجيوشى (1) ويؤيده من المعاصرين د. محمد البهى، وهو رأى له وجاهته، ولكن لم يحدد موقفه هو منه، وهو رأى مردود عليه من الجمهور.
وخير مثال على ما سبق من النسخ على رأى الجمهور قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 240]، نسخها قوله تعالى فى نفس السورة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: 234].
فمن العلماء من جعل الثانية ناسخة للأولى، ومنهم من جعلها محكمة، لأنها فى مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج، ولم تتزوج وأما الآية الثانية فهى لبيان العدة، ولا تنافى بينهما، وهذا الناسخ
(1) د. محمد إبراهيم الجيوشى: دراسات قرآنية 62.
مقدم فى النظم على المنسوخ (1) على رأى الجمهور.
ومن هنا فالنسخ: إبطال الحكم الشرعى المتقدم بحكم شرعى آخر متأخر عنه، مع بقاء الآيتين فى النظم القرآنى حجة للبشر، وإثباتا لقدرة الله تعالى على المحو والإثبات ورفع الدرجات، وتذكيرا بنعمة الله على خلقه فى تيسيره عليهم.
قال الرازى فى المحصول:- والأولى أن يقال: «النسخ طريق شرعى يدل على أن مثل الحكم الذى كان ثابتا بطريق شرعى لا يوجد بعد ذلك، مع تراخيه عنه على وجه لولاه كان ثابتا» (2).
وزاد الأرموى فى الحاصل من المحصول:-
«والأجود فى تعريف النسخ هو طريق شرعى يبين انتهاء حكم شرعى ثبت بطريق شرعى مع تراخيه عنه» (3).
وهذا ما اتفق عليه الجمهور، ودافع عنه الرازى فى وقوع النسخ ووجوده، ولا مانع منه عقلا ولا شرعا بل هو الصواب وما عداه لا ينظر إليه، وهو مردود على أصحابه بأدلة ثابتة صريحة، ولكن خلاصة الرأى الثانى يمثله أبو مسلم الأصفهانى الذى رفض وجود النسخ فى الشريعة الإسلامية عموما، مستندا إلى قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[فصلت:
42]. ومدعيا أن هذه الآية الكريمة تقرر أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا، والنسخ إبطال للحكم، فهو لا يرد على هذه الأحكام لأنه محال أن يقع مثل ذلك فى القرآن الكريم.
(1) الزركشى: البرهان 2/ 83.
(2)
الرازى: المحصول 1/ 3/ 428، التفسير الكبير 3/ 227.
(3)
الأرموى: الحاصل 2/ 3/ 638.
وقد تابعه كثيرون- قديما وحديثا- إما رفضا لوجود النسخ أو تأويلا لحدوثه ووقوعه، فصاحب كتاب «الرأى الصواب فى منسوخ الكتاب (1) جعل أبا مسلم فذا فى آرائه، رائدا فى أحكامه، قال جواد موسى محمد عفانة «قال عدد قليل من المتأخرين، وعالم واحد فيما نعلم من السابقين بعدم وجود آيات منسوخة فى القرآن الكريم، إلا أننى أوافقهم فى النتيجة لا فى ادعائهم عدم حصول النسخ فى الشريعة الإسلامية أو الشريعة الواحدة (2) ثم ذكر من قال بهذا الرأى من السابقين، وهو أبو مسلم الأصفهانى (3) ومن المتأخرين الإمام محمد عبده، وعبد المتعال الجبرى صاحب كتاب «النسخ فى الشريعة الإسلامية كما أفهمه» (4) أو لا نسخ فى القرآن، والدكتور أحمد حجازى السقا فى كتابه «لا نسخ فى القرآن» (5)، ود. محمد البهى كما ذكر د. الجيوشى سابقا، والكلام يحتاج إلى تفصيل للرد عليهم فيما كتبوه أو تعرضوا له من النسخ.
…
(1) جواد موسى محمد عفانة: الرأى الصواب فى منسوخ الكتاب 67 - 68.
(2)
جواد موسى محمد عفانة: الرأى الصواب فى منسوخ الكتاب 67 - 68.
(3)
تتبعه الرازى فى تفسيره ردا عليه أو موافقة له فى أقواله.
(4)
صدر فى القاهرة 1380 هـ طبعة مكتبة وهبة 1987 م.
(5)
صدر فى القاهرة 1398 هـ طبعة دار الفكر العربى.