الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا: فى الصوم: ونسخ صوم رمضان لما عداه
ورد الصوم فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 183 - 185].
قال الرازى فى المسألة (1) الثانية: اختلفوا فى قوله تعالى- أياما معدودات- على قولين: الأول:
أنها غير رمضان، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء، ورواه عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء فقيل: ثلاثة أيام من كل شهر عن عطاء، وقيل: صوم يوم عاشوراء، عن قتادة ثم اختلفوا أيضا، فقال بعضهم: إنه كان تطوعا ثم فرض، وقيل: بل كان واجبا، واتفقوا على أنه منسوخ بصوم رمضان، وهؤلاء الذين قالوا إن الأيام المعدودات غير رمضان احتجوا بوجوه منها:
الوجه الأول: ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن صوم رمضان نسخ كل صوم، فدل هذا على أن صوما آخر كان واجبا قبل وجوب رمضان.
الوجه الثانى: أن الله تعالى ذكر حكم المريض والمسافر فى هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضا فى الآية التى بعدها الدالة على صوم
(1) الرازى: التفسير الكبير 5/ 71 - 73.
رمضان، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان، لكان ذلك تكريرا محضا من غير فائدة وأنه لا يجوز.
الوجه الثالث: أن قوله تعالى فى هذا الموضع- وعلى الذين يطيقونه فدية- يدل على أن الصوم واجب علي التخيير، يعنى إن شاء صام، وإن شاء أعطى الفدية، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان.
أما القول الثانى فى هذه الأيام المعدودات، وهو قول أكثر المحققين واختيارهم، كابن عباس والحسن وأبى مسلم، أن المراد بهذه الأيام المعدودات: شهر رمضان وقالوا فى تقريره أنه تعالى قال أولا كتب عليكم الصيام- وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله- أياما معدودات- فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله- شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن- فعلى هذا الترتيب يمكن جعل هذه الأيام بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره، ولا وجه لإثبات النسخ فيه، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها، فلا يجوز القول به.
وقال الرازى بعد أن فند حجج أصحاب الرأى الأول، واعلم أن على كلا القولين، لا بدّ من تطرق النسخ إلى هذه الآية، فعلى القول الأول فالنسخ فيها ظاهر، أى نسخت الآية صيام عاشوراء أو غيره، تطوعا كان أو فرضا أو واجبا، فتكون الآية قد نسخت سنة كانت ثابتة، والناسخ هو قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، وتكون من نسخ الكتاب للسنة (1) وهو نسخ إلى بدل أثقل.
والقول الثانى: يقتضى (2) أن صوم رمضان كان واجبا مخيرا،
(1) مكى بن أبى طالب: الإيضاح 122.
(2)
الرازى: التفسير الكبير 5/ 71.
- المحصول 1/ 3/ 510.
والآية التى بعدها تدل على التعيين قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وتكون هذه الآية ناسخة، لقوله وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ وهى منسوخة، وفيه إشكال وهو أنه كيف يصح أن يكون قوله- فمن شهد منكم الشهر فليصمه ناسخا، للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح، والجواب عن الإشكال عند الرازى إن الاتصال فى التلاوة لا يوجب الاتصال فى النزول وهذا كما قاله الفقهاء فى عدة المتوفى عنها زوجها (1)، أن المقدم فى التلاوة هو الناسخ والمنسوخ متأخر، وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ، وهو موجود فى القرآن الكريم.
قال فى الإيضاح (2) الأشهر والمعول عليه فى هذه الآية أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 184]، إنها منسوخة بقوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: 185] فالناسخ والمنسوخ من القرآن، وهو كما قال الرازي صوم رمضان نسخ ما ثبت قبله من صيام عاشوراء أو غيره فهو نسخ للسنة بالقرآن، وشهود الشهر ناسخ للتخيير فى الصيام أو دفع الفدية، وهو نسخ قرآن بقرآن، فالرازى يعدها من نسخ القرآن للسنة الثابتة.
(1) الرازى: التفسير الكبير 5/ 73.
(2)
مكى بن أبى طالب: الإيضاح 125.