الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المثبتون وأدلتهم فى وجود النسخ
شغلت قضية النسخ عقول العلماء قديما وحديثا، ما بين مثبت له فى القرآن الكريم، والشرائع السابقة عليه، وبين ناف له، ظنا أن النسخ قصور فى علم الله تعالى أو نقص عنده لا يجوز عليه، والأمر أبعد من ذلك بكثير، قال فى الإيضاح (1) «الله تعالى قد علم ما يأمر به خلقه ويتعبدهم به، وما ينهاهم عنه قبل كل شىء، وعلم ما يقرهم عليه من أوامره ونواهيه وما ينقلهم عنه إلى ما أراد من عبادته، وعلم وقت ما يأمرهم وينهاهم ووقت ينقلهم عن ذلك قبل أمره لهم ونهيه بلا أمد، وذلك منه تعالى لما فيه من الصلاح لعباده، فهو يأمرهم بأمر فى وقت لما فيه من صلاحهم فى ذلك الوقت، وقد علم أنه يزيلهم عن ذلك فى وقت آخر لما علم فيه من صلاحهم فى ذلك الوقت الثانى، فهو تعالى لم يزل مريدا للفعل الأول إلى الوقت الذى أراد فيه نسخه، ومريدا لإيجاب بدله أو إزالة حكمه لغير بدل فى الوقت الذى أراد رفع الحكم الأول، فينسخ بحكمه مأمورا به بمأمور به آخر، فأمره هو كلامه، صفة له، لا تغيير فيه ولا تبديل، وإنما التغيير والتبديل فى المأمور به، فافهم هذا، فإن أهل البدع ربما لبّسوا فى ذلك، وجعلوا التغيير والتبديل فى أمره، ليثبتوا خلق القرآن، تعالى الله عن ذلك، لا تبديل لكلماته، ونظير ذلك وتمثيله مما لا خفاء به على ذى لب.
إن الله تعالى قدر فى غيبه الأول بلا أمد تغيير الشرائع وتبديل الملل على ألسنة الأنبياء المرسلين- عليهم السلام واختلاف أحكامها كما أراد، فأتى كل رسول قومه بشرع شرعه الله له مخالف
(1) مكى بن أبى طالب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه 48 - 50
لشرع من كان قبله من الرسول بدليل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48]. وقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية: 18].
فالملل والشرائع كلها متفقة فى أنها عبادة لله، وطاعة له وهى مختلفة فى الهيئة والعدد والرتبة، وكذلك الناسخ والمنسوخ كله عبادة لله وطاعة له، وفرض منه علينا وفعله كله طاعة لله على ما رتبه، وأمر به فى أزمانه وأوقاته وإن كان مختلفا فى الهيئة والصفة، ولأجل ما أراد الله تعالى من النسخ للرفق بعباده والصلاح لهم أنزل القرآن شيئا بعد شىء، ولم ينزله جملة واحدة، لأنه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ غير جائز أن يقول فى وقت واحد: افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، لذلك الشيء بعينه».
ومن هنا يتساءل الإنسان، فما الحكمة من الناسخ والمنسوخ فى قصة إبراهيم وولده إسماعيل- عليهما السلام، حينما أمره الله تعالى بذبحه ثم فداه؟!
يجيب صاحب الإيضاح على هذا السؤال بقوله: فمن كتاب الله تعالى أن الله أمر إبراهيم- عليه السلام بذبح ابنه ليبتليه ويختبر طاعته، ويثيبه اختبارا موجودا لتقع عليه المجازاة، وقد علم الله
تعالى قبل أمره له أنه يطيعه فى ما أمره به، ولكن المجازاة إنما تقع على الأعمال الموجودة، لا على علم الله بذلك- جل ذكره- قبل وجود طاعة الطائع ومعصية العاصى، وعلم أيضا أنه يفدى الذبيح بكبش بعد اضجاعه للذبح، فاستخرج منهما التسليم لأمره، والطاعة له فى ما أمرهما به، لتصح المجازاة على فعل موجود، والذبح من إبراهيم لابنه مأمور به وذبحه للكبش بدلا منه مأمور به أيضا، وكلاهما مراد لله تعالى وأمر، وكلام الله واحد لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف فى المأمور به فى وقتين مختلفين متقدمين فى علم الله قبل كل مخلوق، لم يسبق أحدهما الآخر، تعالى الله عن أن يكون ما لا يعلمه، وأن يبدو له ما لم يتقدم فى علمه (1).
فالقرآن الكريم يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل قد جاء مصدقا ومؤكدا لما قبله، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدق ومؤيد لهما، ولكل ما بين يديه من الكتب، تصديقا لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81]. والواقع (2) أن الإنجيل جاء بتعديل بعض أحكام التوراة، إذ أعلن عيسى- عليه السلام أنه جاء ليحل لبنى إسرائيل بعض الذى حرم عليهم، وكذلك القرآن جاء بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة إذ أعلن أن محمدا- صلى الله عليه وسلم جاء ليحل للناس كل الطيبات ويحرم عليهم كل الخبائث، ويضع عنهم
(1) مكى بن أبى طالب: الإيضاح 51
(2)
د. شعبان محمد إسماعيل: نظرية النسخ فى الشرائع السماوية 36
إصرهم ويزيدهم حلالا إلى ما عندهم تصديقا لقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الاعراف: 157]. قال د. دراز (1).: الشرائع السماوية كلها عدل وصدق فى جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق بعضها بعضا من ألفها إلى يائها، وهذا التصديق على ضربين: تصديق القديم مع الإذن ببقائه واستمراره وتصديق له مع إبقائه فى حدود ظروفه الماضية، وذلك لأن الشرائع السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات: نوع خالد لا يتبدل ولا يتغير بتبدل الأصفاع والأوضاع كالوصايا التسع ونحوه فى القرآن الكريم قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 151 - 153].، فإذا فرض أن
(1) د. محمد عبد الله دراز: موقف الإسلام من الأديان الأخرى بحث ألقى فى لاهور/ باكستان 1958 م، نقله د. شعبان محمد إسماعيل فى كتابه نظرية النسخ فى الشرائع السماوية.
أهل شريعة سابقة تناسوا هذا الضرب من التشريع، جاءت الشريعة اللاحقة بمثله أى أعادت مضمونه تذكيرا له وتأكيدا عليه.
والنوع الثانى من التشريعات الموقوتة بآجال طويلة أو قصيرة، فهذه تنتهى بانتهاء وقتها، وتجئ الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة، وهذا والله أعلم هو تأويل قول الله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106]. فكل شريعة جديدة تحافظ على الأسس الثابتة التى أرستها الشريعة السابقة فى التوحيد والعقيدة، ثم تزيد عليها ما يشاء الله زيادته من تشريعات أو حلال وحرام، فمثلا شريعة التوراة عنيت بوضع الأسس والمبادئ الأولية لقانون السلوك، لا تقتل، لا تسرق، فطابعها تحديد الحقوق، وطلب العدل والمساواة بين الناس، ثم نرى شريعة الإنجيل تقرر هذه المبادئ وتؤكدها، ثم تزيد عليها، وتترقى بآداب مكملة يبرز فيها التسامح والرحمة والإيثار والإحسان، وأخيرا تأتى الشريعة الإسلامية فتقرر المبدأين معا فى نسق واحد: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[النحل: 90].
فتقدر لكل مبدأ درجته فى ميزان القيم الإسلامية، ومميزة بين المفضول منها والفاضل، وهكذا فى سور القرآن مثل سورة النور والحجرات والمجادلة وغيرها من السور التى صاغت قانون اللياقة فى السلوك الكريم للمجتمعات الرفيعة من التحية، والاستئذان، والمجالسة، والمخاطبة، إلى غير ذلك من إضافة أحكام وتغيير أخرى، فالحاصل أن الشرائع السماوية يكمل بعضها بعضا،
فالإسلام غيّر كثيرا من أحكام التوراة والإنجيل وبدلها، بل أضاف ما لم يكن موجودا، وأنهى ما كان موقوتا، وكل هذا داخل تحت مسمى النسخ أى وارد فى القرآن الكريم بمعنى إبطال الحكم الشرعى المتقدم بحكم شرعى آخر متأخر عنه مع بقاء الحكمين معا فى النظم القرآنى حجة للبشر، وهذا يقتضى وجود الناسخ والمنسوخ من الآيات فى القرآن الكريم، وعليه فالناس (1) أمام هذا النسخ فريقان:
غالبيتهم وهم الجمهور يرون أن الحكم الذى استقر عليه العمل هو المأخوذ من الآيات المتأخرة فى النزول، وهو الذى استقر عليه الشرع، بخاصة الآيات التى تغطى موضوعا واحدا، والحكم المستفاد من الآية أو الآيات اللاحقة أو المتأخرة يختلف عن المستفاد من الآية أو الآيات اللاحقة أو المتأخرة يختلف عن المستفاد من الآية أو الآيات السابقة أو المتقدمة، والحكم المتقدم أو المستفاد من الآيات السابقة فقد نسخ العمل به، ولم يعد له مجال للتطبيق، فقد كان حكما مرحليا زال بزوال ظرفه الذى أو جده، وهو النسخ إثباتا عند الجمهور، حيث بقيت الآيتان معا، مجتمعتين أو منفصلتين، فالآية الأولى منسوخة، والآية الثانية ناسخة.
…
(1) د. محمد إبراهيم الجيوشى: دراسات قرآنية 61.
- السيوطى: الإتقان 2/ 39.