المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

إذن: فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق، إنما على مرادات - تفسير الشعراوي - جـ ١٦

[الشعراوي]

الفصل: إذن: فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق، إنما على مرادات

إذن: فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق، إنما على مرادات الخالق؛ لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون، وكلُّ صانع يغَارُ على صَنْعته، وهذا مُشَاهد حتى في صنعة البشر، ولك أنْ تتصوّر ماذا يحدث لو أفسدتَ على صانعٍ ما صنعَه.

وعدالة الأشياء أن تسير على وَفْق مرادات الصانع، لا هوى المصنوع؛ لأن الأهواء تملكها الأغيار، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وَفْق هواه لأخذ مَا ليس له، ولَقبل الرشوة، ومال إلى الفِسْق والانحراف؛ لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر العاقبة والمحصلة النهائية، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد.

لذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ. .} [المؤمنون:‌

‌ 71]

ولك أن تقول: نعم، اتباع الأهواء يُفسِد الأرض، ويُفسِد حركة الحياة فيها، لكن كيف يُفسِد السماء؟ وهل لأحد قدرة عليها؟

ونقول: ألم يكُنْ من أمنيات هؤلاء: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً. .} [الإسراء: 90 - 92] .

ص: 10093

إذن: من أهوائهم أنْ تتهدّم السماء، ولو حتى على رؤوسهم، وأي فساد بعد هذا، وهكذا لو اتبعتَ أهواءهم لفسدَتْ السموات والأرض، ليس هذا وفقط بل {وَمَن فِيهِنَّ. .} [المؤمنون: 71] حيث سيتعدّى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود.

لذلك يقيد النبي صلى الله عليه وسلم َ هذه الأهواء في قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» لأنه صلى الله عليه وسلم َ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3 - 4] .

وقد توقف بعض المستشرقين مُعترِضاً على هذه الآية {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3] يقولون: يعني كلامه كله صحيح، فلماذا يُعدِّل له ربه بعض الأحكام؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدّل حين نطق به كان ينطق عن هوى.

ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض، فالهوَى أن تعرف الحق، لكن هواك يصرفك عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم َ لم يكُنْ يعرف في هذه المسائل حُكْماً وانصرف عنه، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء، ثم نزل الحكم من الله ليُعدِّل اجتهاد رسوله.

إذن: لم يكُنْ لرسول الله هَوَىً ينطق بمقتضاه، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صِدْقه صلى الله عليه وسلم َ وأمانته في البلاغ عن ربه، وإلَاّ فلم يكُنْ أحد ليعلم هذا التعديل، لو أخفاه رسول الله تعصّباً لنفسه، أو لدفْع الخطأ عنه.

ص: 10094

ومن ذلك قوله تعالى: {ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ. .} [التحريم: 1] ويقول سبحانه: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ. .} [التوبة: 43] .

وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه وتُعَدُّ مأخذاً عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم َ كان أميناً يقول ما له وما عليه، لذلك يقول عن ربه:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين} [الحاقة: 44 - 46] .

ثم يقول تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] و (بل) تفيد الإضراب عن الكلام السابق، وإثبات كلام جديد بعدها، والذكْر هنا يعني: الشرف والصِّيت والمكانة العالية، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ. .} [الزخرف: 44] .

وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن، ويرفعوه فوق رؤوسهم، ففيه مجدهم وشرفهم وعِزَّتهم، والعرب بدون القرآن لا ذِكْرَ لهم، فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل، ولا تستقر إلا على منابع الماء ومواضع الكلأ، كانوا بَدْواً تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات وقَطْع الطريق، كان الواحد منهم يسرق ليُكرم ضيفه بما سرق.

وهذه من الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية، فلم يكن

ص: 10095

لديهم منهج يحكم حياتهم، عجيب أنْ ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرام في طبيعة واحدة، فهو يفعل ما يعِنُّ له، وما يخطر بباله، فالمسألة ليست محكومة عندهم بقانون، حتى قال فيهم الشاعر:

لا تمدحَنَّ ابْنَ عبَّادٍ وإنْ هطلَتْ

كَفَّاهُ بالجُود حتَّى أشبَه الدِّيَمَا

فَإنَّها خطرَاتٌ من وَسَاوِسِهِ

يُعْطي ويمنَع لَا بُخْلاً ولَا كرَمَا

ومن أشهر قصائد الشعر العربي في الكرم هذه القصيدة التي تأصَّل فيها هذا الخُلق حتى عند الأطفال، وحتى أن الأب يهِمُّ بذبح ولده للضيف، لأنه لم يجد ما يذبحه لِقرَاه.

ويقول فيها الشاعر:

وَطَاوٍ ثَلاثاً عَاصِبِ البطن مُرْملٍ

ببيداءَ لم يَعْرف بها ساكنٌ رَسْما

أَخِي جَفْوةٍ فيه من الأُنْسِ وَحْشةٌ

يرى البُؤْس فِيَها مِنْ شراسته نُعْمي

رَأَى شبحاً وِسْط الظّلام فَرَاعَه

فَلما رأَى ضَيْفاً تشمَّر واهْتما

وقَالَ هَيَّا ربّاه ضَيْف ولا قِرَى!!

بحقِّك لَا تحرمْه تالليلةَ اللّحْمَا

ص: 10096

وأفرد في شِعْب عَجُوزاً إزَاءَهَا

ثَلاثَة أَشْباحٍ تَخَالهموا بُهْمَا

حُفاةً عُراةً مَا اغتذَوْا خُبْز مَلَّة

ولَا عَرفُوا للبُرِّ مُذْ خُلِقوا طعْما

فَقالَ ابنُه لَمَّا رآهُ بحيْرةٍ

أيَا أبْتِ اذْبحْني ويسِّر لَهُم طُعْما

ولَا تَعتذِرْ بالعُدم على الذِي طَرَا

يظنُّ لَنَا مَالاً فيُسِعُنا ذمّا

فروَّى قليلاً ثُمَّ أحجمَ بُرْهةً

وَإنْ هُوَ لم يذبح فَتَاهُ فَقَد همَّا

فبَيْنَا هُمَا عَنَّتْ على البُعْد عَانَةٌ

قَد انتظمتْ من خَلْف مِسْحلها نَظْما

عطَاشاً تريد الماءَ فانْسَابَ نحوهَا

علَى أنَّه مِنْها إلىَ دَمِها أَظْما

فَأَمهلَها حتَّى تروَّتْ عِطاشُها

وأرسَل فيها من كِنَانتِه سَهمْا

فَخَرَّت نَحُوصٌ ذَات جحش قَدْ

اكتنزَتْ لَحْماً وقد طُبِّقَتْ شحْما

فَيَا بشْرَهُ إذْ جرَّها نَحْو قومهِ

ويَا بشْرهُم لما رأوا كَلْمها يَدْمَى

وباتَ أبُوهم من بَشَاشتِه أباً

لَضَيْفِهموا والأمم مِنْ بِشْرها أُمَّا

لقد تأصلتْ خَصْلة الكرم في العربي، حتى في الأطفال الصغار، فهو وإنْ كان فقيراً لكن لا يحب أن يُعرف عنه الفقر، يحب أن يظهر في صورة الغني الكريم المعطاء، وإنْ ناقض ذلك صفات أخرى ذميمة فيه.

والشاهد أنهم جماعة تناقضتْ خصالهم، وقد عاشوا في أمية تامة فلم يعالجوا حضارة، وهذه حُسِبت لهم بعد ظهور الإسلام

ص: 10097