المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نُعِنهم على الزواج، - تفسير الشعراوي - جـ ١٦

[الشعراوي]

الفصل: في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نُعِنهم على الزواج،

في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نُعِنهم على الزواج، ولم يقدروا هم على القيام بنفقاته يصف لهم الحق سبحانه وتعالى العلاج المناسب، وهو الاستعفاف، وقد طلب الله تعالى من المجتمع الإسلامي سواء - تمثَّل في أولياء الأمور أو في المجتمع العام - أن ينهض بمسألة الأيامى، وأنْ يعينهم على الزواج، فإنْ لم يقُمْ المجتمع بدروه، ولم يكُنْ لهؤلاء الأيامى قدرة ذاتية على الزواج، فليستعفف كل منهم حتى يغنيهم الله، مما يدل على أن التشريع يبني أحكامه، ويُراعي كل الأحوال، سواء أطاعوا جميعاً أو عَصَوْا جميعاً.

وقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ. .} [النور:‌

‌ 33]

يعني: يحاول العفاف ويطلبه ويبحث عن أسبابه، يجاهد أن يكون عفيفاً، وأول أسباب العفاف أن يغضَّ بصره حين يرى، فلا يوجد له مُهيِّج ومثير، فإنْ وجد في نفسه فُتوة وقوة فعلية أن يُلجمها ويُضعِفها بالوسائل الشرعية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم َ:«ما معشر الشباب مَنِ استطاع منكم الباءة - يعني: نفقات الحياة الزوجية - فليتزوج، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .

والصوم يعمل على انكسار هذه الشهوة ويُهدِّيء من شراسة الغريزة؛ ذلك لأنه يأكل فقط ما يقيم أَوْدَه، ولا يبقى في بدنه ما يثير الشهوة، كما جاء في الحديث الشريف: «بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صُلْبه

» .

ص: 10264

أو: أن يُفرِّغ الشاب نفسه للعمل النافع المفيد الذي يشغله ويستنفد جَهْده وطاقته، التي إن لم تصرف في الخير صرفت في الشر، وبالعمل يثبت الشاب ذاته، ويثق بنفسه، ويكتسب الحلال الذي يُشجِّعه مع الأيام على الزواج وتحمُّل مسئولياته.

لذلك قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ. .} [النور: 33] ولم يقُلْ: وليعف، فالمعنى ليسلك سبيل الإعفاف لنفسه وليسْعَ إليه، بأن يمنع المهيِّج بالنظر ويُهدئ شراسة الغريزة بالصوم، أو بالعمل فيشغل وقته ويعود آخر النهار متعباً يريد أن ينام ليقوم في الصباح لعمله نشيطاً، وهكذا لا يجد فرصة لشيء مما يغضب الله.

ومعنى: {الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً. .} [النور: 33] أي: بذواتهم قدرة أو بمجتمعهم معونة.

وقوله تعالى: {حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ. .} [النور: 33] يدل على أن الاستعفاف وسيلة من وسائل الغنى؛ لأن الاستعفاف إنما نشأ من إرادة التقوى، وقد قال تعالى في قضية قرآنية:{وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] فمن هذا الباب يأتيه غِنَى الله.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ. .} [النور: 33] .

الكتاب: معروف أنه اجتماع عدة أشياء مكتوبة في ورق، والمراد هنا المكاتبة، وهي أن تكتب عَقْداً بينك وبين العبد المملوك، تشترط فيه أن يعمل لك كذا وكذا بعدها يكون حراً، إنْ أدَّى ما ذكر في عَقْد المكاتبة.

ص: 10265

{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. .} [النور: 33] يعني: إنْ كانت حريتهم ستؤدي إلى خير كأنْ ترفع عنهم ذِلَّة العبودية، وتجعلهم ينشطون في الحياة نشاطاً يناسب مواهبهم.

لذلك جعل الحق سبحانه وتعالى هذه المكاتبة مَصْرفاً من مصارف الزكاة، فقال تعالى:{وَفِي الرقاب. .} [البقرة: 177] يعني: المماليك الذين نريد أنْ نفكَّ رقابهم من أَسْر العبودية وذُلِّها بالعتق، وإنْ كان مال الزكاة يُدفع للفقراء وللمساكين. . إلخ ففي الرقاب يدفع المال للسيد ليعتق عبده.

كما جعل الإسلام عِتْق الرقاب كفارةً لبعض الذنوب بين العبد وبين ربه؛ ذلك لأن الله تعالى يريد أن يُنهي هذه المسألة.

{وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ. .} [النور: 33] .

الحق تبارك وتعالى هو الرازق، والمال في الحقيقة مال الله، لكن إنْ ملّكك وطلب منك أن تعطي أخاك الفقير يحترم ملكيتك، ولا يعود سبحانه في هِبَته لك؛ لذلك يأخذ منك الصدقة على أنها قَرْض لا يردُّه الفقير، إنما يتولى ربك عز وجل رَدَّه، فيقول:{مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً. .} [البقرة: 245] ولم يقُلْ سبحانه: يقرض فلاناً، وإنما يُقرِض الله لأنه تعالى هو الخالق، ومن حق عبده الذي استدعاه للوجود أنْ يرزقه ويتكفّل له بقُوتِه.

واحترام الملكية يجعل الإنسان مطمئناً على آثار حركة حياته وثمره جهده، وأنها ستعود عليه، وإلاّ فما الداعي للعمل ولبذل المجهود إنْ ضاعت ثمرته وحُرِم منها صاحبها؟ عندها ستتعطل مصالح كثيرة وسيعمل الفرد على قَدْر حاجته فحسب، فلا يفيض عنه شيء للصدقة.

ص: 10266

ثم يقول سبحانه: {وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] .

يُقَال للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم َ أن يقول الرجل: عبدي وأَمَتي إنما يقول: فتاي وفتاتي، فهذه التسمية أكرم لهؤلاء وأرفع، فالفتى من الفُتوّة والقوة كأنك تقول: هذا قوتي الذي يساعدني ويعينني على مسائل الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم َ يريد أن يرفع من شأنهم.

ومن هؤلاء جماعة المماليك الذين حكموا مصر في يوم من الأيام، وكانوا من أبناء الملوك والسلاطين والأعيان.

والبغاء ظاهرة جاء الإسلام فوجدها منتشرة، فكان الرجل الذي يملك مجموعة من الإماء ينصب لهُنّ راية تدل عليهن، ويأتيهن الشباب ويقبض هو الثمن، ومن هؤلاء عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق، وكان عنده (مسيكة، ومعاذه) وفيه نزلت هذه الآية.

وتأويل الآية: لا تُكرِهوا الإماء على البغاء، وقد كُنَّ يبكين، ويرفضْنَ هذا الفعل، وكُنَّ يؤذيْنَ ويتعرضْنَ للغمز واللمز، ويتجرأ

ص: 10267

عليهن الناس، وكان من هؤلاء الإماء بنات ذوات أصول طيبة شريفة، لكن ساقتهن الأقدار إلى السَّبْي في الحروب أو خلافه، في حين أن الحرة العفيفة تسير لا يتعرض لها أحد بسوء.

ومعنى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً. .} [النور: 33] يتكلم القرآن هنا عن الواقع بحيث إنْ لم يُرِدْن تحصُّناً فلا تُكرهِوهُنَّ {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا. .} [النور: 33] طلباً للقليل من المال الزائل {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] لأنهن في حالة الإكراه على البغاء يفقدن شرط الاختيار، فلا يتحملن ذنب هذه الجريمة، عملاً بالحديث النبوي الشريف:«رُفِع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه» .

لذلك يُطمئِن الحق تبارك وتعالى هؤلاء اللاتي يُرِدْنَ التحصُّن والعفاف، لكن يكرههن سيدهن على البغاء، ويُرغمهن بأيِّ وسيلة: اطمئنن فلا ذنبَ لَكُنَّ في هذه الحالة، وسوف يُغفر لَكُنَّ والله غفور رحيم.

ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ. .} .

ص: 10268

المعنى: لا عذر لكم؛ لأن الله تعالى قد أنزل إليكم الآيات الواضحة التي تضمن لكم شرف الحياة وطهارتها ونقاء نسل الخليفة

ص: 10268

لله في الأرض، وهذه الآيات ما تركتْ شيئاً من أقضية الحياة إلا تناولتْه وأنزلتْ الحكم فيه، وقد نلتمس لكم العذر لو أن في حياتكم مسألة أو قضية ما لم يتناولها التشريع ولم ينظمها.

لذلك يقول سيدنا الإمام علي رضي الله عنه عن القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفَصْل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

ولا يزال الزمان يُثبِت صِدْق هذه المقولة، وانظر هنا وهناك لتجد مصارع الآراء والمذاهب والأحزاب والدول التي قامت لتناقض الإسلام، سواء كانت رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة. إلخ. كلها انهارت على مَرْأىً ومَسْمع من الجميع.

نعم، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، لأنه خالقك، وهو أعلم بما يُصلحك، فلا يليق بك - إذن - أن تأخذ خَلْق الله لك ثم تتكبر عليه وتضع لنفسك قانوناً من عندك أنت.

وسبق أنْ قُلْنا: إن الآيات تطلق على ثلاثة إطلاقات: الآيات الكونية التي تلفتك إلى الصانع المبدع عز وجل، وعلى المعجزات التي تأتي لتثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وتُطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم، وفي القرآن هذا كله.

وقوله تعالى: {وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [النور: 34] .

ص: 10269

أي: جعلنا لكم موعظة وعبرة بالأمم السابقة عليكم، والتي بلغت شأوها في الحضارة، ومع ذلك لم تملك مُقوِّمات البقاء، ولم تصنع لنفسها المناعة التي تصونها فانهارت، ولم يبق منهم إلا آثار كالتي نراها الآن لقدماء المصريين، وقد بلغوا من الحضارة منزلةً أدهشت العالم المتقدم الحديث، فيأتون الآن متعجبين: كيف فعل قدماء المصريين هذه الحضارة؟

وكان أعظم من حضارة الفراعنة حضارة عاد التي قال الله عنها: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد} [الفجر: 6 - 14] يعني: لن يفلت من المخالفين أحد، ولن ينجو من عذاب الله كافر.

والمثَل كذلك في مسألة الزنا وقَذْف المحصنات العفيفات، كحادثة الإفك التي سبق الكلام عنها، وأنها كانت مَثَلاً وعِبرةً، كذلك كانت قصة السيدة مريم مثلاً وقد اتهمها قومها، وقالوا:{ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} [مريم: 28] .

وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، وكلها مسائل تتعلق بالشرف، ولم تَخْلُ من رَمْي العفيفات المحصنات، أو العفيف الطاهر يوسف بن يعقوب عليهما السلام.

وهذه الآيات مبينات للوجود الأعلى في آيات الكون، مُبينات لصِدْق المبلِّغ عن الله في المعجزات، مُبيِّنات للأحكام التي تنظم حركة

ص: 10270

الحياة في آيات القرآن، ثم أريناهم عاقبة الأمم السابقة سواء مَنْ أقبل منهم على الله بالطاعة، أو مَنْ أعرض عنه بالمعصية، ولا يستفيد من هذه المواعظ والعِبَر إلا المتقون الذين يخافون الله وتثمر فيهم الموعظة.

ص: 10271

قلنا: فإن الله تعالى أعطانا النور الحسيِّ الذي نرى به مرائي الأشياء، وجعله وسيلة للنور المعنوي، وقلنا إن الدنيا حينما تظلم ينير كل مِنّا لنفسه على حسب قدراته وإمكاناته في الإضاءة، فإذا ما طلعتْ الشمس وأنار الله الكون أطفأ كل مِنَّا نوره؛ لأن نور الله كافٍ، فكما أن نور الله كافٍ في الحسيات فنوره أيضاً كافٍ في المعنويات.

فإذا شرع الله حكماً معنوياً يُنظِّم حركة الحياة، فإياكم أن تعارضوه بشيء من عندكم، فكما أطفأتم المصابيح الحسية أمام مصباحه فأطفئوا مصابيحكم المعنوية كذلك أمام أحكامه تعالى وأوامره، والأمر واضح في الآيات الكونية.

ص: 10271

{الله نُورُ السماوات والأرض. .} [النور: 35] كما نقول ولله المثل الأعلى: فلان نوَّر البيت، فالآية لا تُعرِّف الله لنا، إنما تُعرِّفنا أثره تعالى فينا، فهو سبحانه مُنوِّر السموات والأرض، وهما أوسع شيء نتصوره، بحيث يكون كل شيء فيهما واضحاً غيرَ خفيّ.

ثم يضرب لنا ربنا عز وجل مثلاً توضيحياً لنوره، فيقول:{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ. .} [النور: 35] أي: مثَلُ تنويره للسموات وللأرض {كَمِشْكَاةٍ. .} [النور: 35] وهي الطاقة التي كانوا يجعلونها قديماً في الجدار، وهي فجوة غير نافذة يضعون فيها المصباح أو المِسْرجة، فتحجز هذه الفجوة الضوء وتجمعه في ناحية فيصير قوياً، ولا يصنع ظِلاً أمام مسار الضوء.

والمصباح: إناء صغير يُوضع فيه زيت أو جاز فيما بعد، وفي وسطه فتيل يمتصّ من الزيت فيظل مشتعلاً، فإنْ ظلَّ الفتيل في الهواء تلاعبَ به وبدَّد ضوءه وسبَّب دخاناً؛ لأنه يأخذ من الهواء أكثر من حاجة الاحتراق؛ لذلك جعلوا على الفتيل حاجزاً من الزجاج ليمنع عنه الهواء، فيأتي الضوء منه صافياً لا دخانَ فيه، وكانوا يسمونه (الهباب) .

وهكذا تطور المصباح إلى لمبة وصعد نوره وزادت كفاءته، ومن ذلك قوله تعالى:{المصباح فِي زُجَاجَةٍ. .} [النور: 35] لكنها ليست زجاجة عادية، إنما زجاجة {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. .} [النور: 35] يعني: كوكب من الدُّرِّ، والدُّر ينير بنفسه.

كذلك زَيْتها ليس زيتاً عادياً، إنما زيت زيتونة مباركة.

ص: 10272