المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثم يقول الحق سبحانه: {الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فالذين - تفسير الشعراوي - جـ ١٦

[الشعراوي]

الفصل: ثم يقول الحق سبحانه: {الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فالذين

ولقائل أنْ يقول: أليس الملْك لله يومئذ، وفي كل يوم؟ نعم، الملْك لله في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الدنيا خلق الله خَلْقاً وملّكهم، وجعلهم ملوكاً من باطن مُلْكه تعالى، لكنه مُلْك لا يدوم، كما قال سبحانه:{قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] .

إذن: ففي الدنيا ملوك مَلّكهم الله أمراً من الأمور، ففيها ملك للغير، أمّا في الآخرة فالملْك لله تعالى وحده:{لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .

وفي القيامة {الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ. .} [الحج:‌

‌ 56]

فقد رَدَّ الملْك كله إلى صاحبه، ورُدَّت الأسباب إلى مُسبِّبها.

ومعنى {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ. .} [الحج: 56] أن هناك خصومةً بين طرفين، أحدهما على حق، والآخر على باطل، والفَصْل في خصومات الدنيا تحتاج إلى شهود، وإلى بينة، وإلى يمين فيقولون في المحاكم: البينة على المدَّعي واليمين على مَنْ أنكر، هذا في خصومات الدنيا، أما خصومات الآخرة فقاضيها الحق سبحانه وتعالى الذي يعلم السرَّ وأخفى، فلا يحتاج إلى بينة ولا شهود ولا سلطة تُنفِّذ ما حكم به.

ص: 9893

محكمة الآخرة لا تحتاج فيها إلى مُحامٍ، ولا تستطيع فيها أنْ تُدلِّس على القاضي، أو تُؤجِّر شاهد زور، لا تستطيع في محكمة الآخرة أن تستخدم سلطتك الزمنية فتنقض الحكم، أو تُسقطه؛ لأن الملْك يومئذ لله وحدة، والحكم يومئذ لله وحدة، هو سبحانه القاضي والشاهد والمنفِّذ، الذي لا يستدرك على حكمه أحد.

وما دام هناك حكومة، فلا بُدَّ أن تسفر عن محكوم له ومحكوم عليه، ويُوضِّحهما قوله تعالى:{فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جَنَّاتِ النعيم} [الحج: 56] .

وهؤلاء هم الفائزون الذين جاء الحكم في صالحهم.

ص: 9894

وهؤلاء هم الجبابرة وأصحاب السيادة في دنيا الكفر والعناد، والذين حكم الله عليهم بالعذاب الذي يُهينهم بعد عِزَّتهم وسلطانهم في الدنيا، وتلحظ أن العذاب يُوصَف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه عظيم، ومرة بأنه مُهين.

فالعذاب الأليم الذي يُؤلم صاحبه، لكنه قد يكون لفترة ثم ينتهي، أما العذاب العظيم فهو الدائم، والمهيمن هو الذي يُذِله ويدوس كرامته التي طالما اعتز بها. وأنت تجد الناس يختلفون في تقبُّل ألوان العذاب: فمنهم مَنْ لا يؤثر فيه الضرب الموجع ولا يحركه، لكن تؤلمه

ص: 9894

كلمة تجرح عِزَّته وكرامته. لذلك جاء العذاب هكذا ألواناً؛ ليستوعب كل صنوف الملَكات النفسية، ويواجه كُلَّ نفس بما يؤلمها.

ثم تكلم الحق سبحانه عن أمر كان لا بُدَّ أن نعرفه، فالمسلمون الأوائل في مكة أُخرِجوا من ديارهم وأبنائهم وأموالهم لأنهم قالوا: ربنا الله، ولا شَكَّ أن للوطن وللأهل والبيئة التي نشأ فيها المرء أثراً في ملكات نفسه، لا يمكن أنْ يُمحَى بحال، فإنْ غاب عنه اشتاق إليه وتمنَّى العودة، وكما يقول الشاعر:

بَلَدِي وَإنْ جَارَتْ عليَّ عَزيزَةٌ

أَهْلِي وإنْ ضَنُّوا عليَّ كِرَامُ

لذلك، فطالب العالم عندما يترك بلده إلى القاهرة يقولون: لا بُدَّ له أنْ يرجع، ولو أن تعضَّه الأحداث والشدائد، فيعود ليطلب من أهله العون والمساعدة، أو حتى يعود إليها في نهاية المطاف ليدفنوه في تراب بلده.

وقالوا: إن سيدنا سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما تفقَّد الطير {فَقَالَ مَالِيَ لَا أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [النمل: 20 - 21] .

ذلك لأنه نبي، فالمسألة ليستْ جبروتاً وتعذيباً، دون أن يسمع منه. وقالوا: إن الطير سأل سليمان: كيف يعذب الهدهد؟ قال: أضعه

ص: 9895