الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيّا وهو ظاهر لكل أحد. والثاني الذي يكون روحانيّا. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة.
وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما أنّ الخبيث والطيّب في عامل الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان. بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشدّ لأن مضرة خبث الخبيث الجسمانيّ شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأمّا خيث الخبيث الروحانيّ فمضرّته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطّيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. وهو القرب من جوار ربّ العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية.
الثاني: قال بعض المفسّرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح. وأنّ الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميّز المؤمن في المجلس.
انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 101]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا أي: نبيكم عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ أي: تظهر لَكُمْ تَسُؤْكُمْ لما فيها من المشقة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أي: وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه ف (حين) ظرف ل (تسألوا) .
وثمة وجه آخر: وهو جعل (حين) ظرفا ل (تبد)، والمعنى: وإن تسألوا عنها.
تبد لكم حين ينزل القرآن.
قال ابن القيّم: والمراد ب (حين النزول) زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن
للنزول. وكأنّ في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا. ثم قال: وثمة قول ثان في قوله تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها
…
إلخ، وهو أنّه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم بيان ما سألتم عنه بما يسوؤكم: والمعنى:
لا تتعرّضوا للسؤال عمّا يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم.
انتهى.
وقال بعضهم: إنه تعالى، بيّن أولا أنّ تلك الأشياء- التي سألوا عنها- إن أبديت لهم ساءتهم. ثم بيّن ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم. فكان حاصل الكلام إن سألوا عنا أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم، إن سألوا عنها، ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرّهم.
قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ صفة ل (أشياء) داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا. فقيل: وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم. أي:
تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل.
والمراد به: ما يشق عليهم ويغمّهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أنّ السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عمّا يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل، من غير بحث فيه ولا تعرّض لكيفيته وكمّيته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّا لا يعنيكم من نحو تكاليف شاقة عليكم- إن أفتاكم بها وكلّفكم إياها حسبما أوحي إليه- لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمور مستورة تكرهون بروزها.
عَفَا اللَّهُ عَنْها أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلّا يسوءكم بيانها. فالجملة في موضع جرّ صفة أخرى ل أَشْياءَ. أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرّد صيانتهم عن المساءة. بل لأنها في