الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
،
وقال «1» صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار»
، فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم. إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن. والظن كان معتبرا في الدنيا.
وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن. لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا. ولم يذكروا ما معهم من الظن. لأن الظن لا عبرة به في القيامة. والله أعلم.
الثالث: دلت الآية عل جواز إطلاق لفظ (العلّام) عليه. كما جاز إطلاق لفظ (الخلّاق) عليه. وأما العلّامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقه في حقه. ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث. أفاده الرازيّ.
على أن المختار أن أسماءه تعالى توقيفية.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 110]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين، من المفاوضة، على التفصيل. إثر بيان ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال، ليكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين.
وتخصيص شأن عيسى عليه السلام بالبيان، تفصيلا بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام، مع دلالتها على كمال هول ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل-
(1) أخرجه البخاري في: الشهادات، 27- باب من أقام البينة بعد اليمين، حديث 1212 عن أم سلمة.
وأخرجه مسلم في: الأقضية، حديث 4 و 5 و 6.
لما أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم. فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم وندامتهم، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم. أفاده أبو السعود.
اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ أي: منّتي عليك وَعَلى والِدَتِكَ بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين إِذْ أَيَّدْتُكَ أي: قوّيتك بِرُوحِ الْقُدُسِ أي: بجبريل عليه السلام لتثبيت الحجة. أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية. بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر، فيشهد ببراءتك وبراءة أمك. ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة. لذلك تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي: في أضعف الأحوال وأقواها.
بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة. الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد.
قال ابن كثير: أي جعلتك نبيّا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في المهد صغيرا. فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي. لهذا قال تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي:
تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن تُكَلِّمُ تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. انتهى.
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ أي: الخط وظاهر العلم الذي يكتب وَالْحِكْمَةَ أي:
الفهم وباطن العلم الذي لا يكتب. بل يخص به أهله وَالتَّوْراةَ وهي المنزلة على موسى الكليم عليه السلام وَالْإِنْجِيلَ وهو الذي أنزله عليه، صلى الله عليه وسلم وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي: تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة الطير بِإِذْنِي أي:
لك في ذلك فَتَنْفُخُ فِيها أي: في تلك الهيئة المصورة فَتَكُونُ أي: فتصير تلك الهيئة طَيْراً لحصول الروح من نفختك فيها بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي:
الذي يولد أعمى مطموس البصر وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى أي: من القبور أحياء بِإِذْنِي فهذا مما فعل به من جرّ المنافع. ثم أشار إلى ما دفع عنه من المضارّ، فقال سبحانه وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ أي: منعت اليهود الذين أرادوا بك السود وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ورفعتك إليّ وطهرتك من دنسهم إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي: المعجزات التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي: ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر.