المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}   ‌ ‌سورة الشّورى سورة (الشورى) وتسمى سورة (عسق) - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٨

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}   ‌ ‌سورة الشّورى سورة (الشورى) وتسمى سورة (عسق)

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}

‌سورة الشّورى

سورة (الشورى) وتسمى سورة (عسق) وسورة (حم عسق) وهي مكية في قول ابن عباس، والجمهور، وحكي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: إلاّ أربع آيات نزلت بالمدينة أولها: {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى..} . وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمئة، وثمانية وثمانون حرفا. والله أعلم. انتهى. خازن بحروفه.

بسم الله الرحمن الرحيم

{حم (1) عسق (2)}

الشرح: قال عبد المؤمن: سألت الحسين بن الفضل: لم قطع حروف {حم} من:

{عسق} ولم تقطع {كهيعص} و {المر} و {المص؟} فقال: لأنّها بين سور أوائلها {حم} فجرت مجرى نظائرها، قبلها، وبعدها، فكأنّ {حم} مبتدأ، و {عسق} خبره، ولأنها عدت آيتين، وعدت أخواتها التي لم تقطع آية واحدة. وقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في {كهيعص} وأخواتها: أنّها حروف التهجي. وقيل: كتبت {حم (1) عسق} منفصلا، و {كهيعص} متصلا؛ لأنّه قيل: معنى {حم} فعل؛ أي: حمّ ما هو كائن، ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل، وبين ما لا يقدر، ثم لو فصل هذا، ووصل ذا؛ لجاز.

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: ح: حلمه، م: مجده، ع: علمه، س: سناه، ق:

قدرته؛ أقسم الله عز وجل بها. وقيل: هذا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، فالحاء: حوضه المورود، والميم:

ملكه الممدود، والعين: عزه الموجود، والسين: سناه المشهود، والقاف: قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة من الملك المعبود. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه: {حم (1) عسق} فلذلك قال تعالى: {كَذلِكَ يُوحِي..} . إلخ.

هذا؛ وذكر القشيري-واللفظ للثعلبي-: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: يا رسول الله! ما أحزنك؟ قال: «أخبرت ببلايا تنزل بأمتي من خسف، وقذف، ونار تحشرهم، وريح تقذفهم في البحر، وآيات متتابعات متصلات بنزول عيسى، وخروج الدجال» . والله أعلم. انتهى. ما تقدم من الخازن، والقرطبي. هذا؛ وانظر ما ذكرته في أول سورة (غافر) بشأن الحواميم. هذا؛ ومن الضلال المبين ما قيل في تفسير {حم (1) عسق}

ص: 482

حيث قيل: الحاء: حرب عليّ، ومعاوية، والميم: ولاية بني مروان، والعين: ولاية العباسيين، والسين: ولاية السفيانيين، والقاف: القدوة بالمهدي إلى غير ذلك من الضلال.

الإعراب: {حم:} مبتدأ. {عسق:} خبره، وإن اعتبرتهما اسما مركبا، فقل في إعرابه ما رأيته في أول سورة (غافر) والله ولي التوفيق.

{كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)}

الشرح: أي: كما أنزل إليك هذا القرآن؛ كذلك أنزل على الأنبياء قبلك مثله. {وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} أي: وإلى الرسل الذين كانوا قبلك. وقيل: معناه: كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك. {اللهُ الْعَزِيزُ:} في ملكه، القوي في سلطانه، {الْحَكِيمُ:} في صنعه.

الإعراب: {كَذلِكَ:} الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف أيضا، عامله ما بعده، التقدير: يوحي إليك، وإلى الذين من قبلك إيحاء كائنا مثل ذلك الإيحاء.

هذا؛ وقيل: إن {كَذلِكَ} مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، وهذا يعني: أنّ الكاف اسما بمعنى: مثل، فهو مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وهو مضاف، و (ذا) في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. {يُوحِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {إِلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.

{وَإِلَى الَّذِينَ:} معطوفان على ما قبلهما. {مِنْ قَبْلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جرّ بالإضافة. {اللهُ:} فاعل: {يُوحِي،} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، أو في محل رفع خبر المبتدأ على نحو ما رأيت سابقا. {الْعَزِيزُ:} بدل من لفظ الجلالة. {الْحَكِيمُ:} بدل ثان. وقيل: هما صفتان للفظ الجلالة، والأول أقوى.

هذا؛ ويقرأ: «(يوحى)» بفتح الحاء، وعليه فالجار والمجرور:{إِلَيْكَ} في محل رفع نائب فاعله، ويجوز أن يكون نائب الفاعل ضميرا مستترا التقدير: يوحى إليك القرآن، الذي تضمنته هذه السورة، ويكون لفظ الجلالة مرفوعا بفعل محذوف، التقدير: يوحيه الله إليك، على مثال ما رأيت في سورة (النور) رقم [36]. وأنشد سيبويه قول الحارث بن ضرار النهشلي، وهو الشاهد رقم [1048] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الطويل]

ليبك يزيد ضارع لخصومة

ومختبط ممّا تطيح الطّوائح

فقال: ليبك يزيد، ثم بين من ينبغي أن يبكيه، فالمعنى يبكيه ضارع. ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا، كأنّه قال: الله يوحيه. وضعفه ابن هشام في المغني. أو على تقدير إضمار

ص: 483

مبتدأ؛ أي: الموحي الله. وقواه ابن هشام في المغني. أو يكون مبتدأ، والخبر {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .

انتهى. قرطبي. وجوّز مكي اعتبار الاسمين الكريمين صفتين للفظ الجلالة، والخبر الجملة الاسمية في الآية التالية. وهذا كلّه على تقدير سؤال سائل. تأمّل.

{لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)}

الشرح أي: إنّ جميع الموجودات في السموات، والأرض من أفلاك، وكواكب في السموات، وما على الأرض من جبال، وأنهار، وبحار؛ فكل ذلك ملك لله تعالى، وفي تصرفه، وعنه نشأ، ومنه بدأ، لا يشركه فيه أحد. وما يملكه العبد في هذه الدنيا الفانية؛ فإنّما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، فويل لمن قصّر في الوكالة، وخان في الأمانة. وقيل: معناه: إنّ خزائنه المطر، والرزق بيد الله، ولا يملكها أحد سواه.

{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:} هو كقوله تعالى: {الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ،} {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .

الإعراب: {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. {فِي السَّماواتِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرتها مبتدأ، والخبر محذوفا، لدلالة ما قبله عليه؛ فالعطف يكون عطف جملة على جملة. {فِي الْأَرْضِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول.

{وَهُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:} خبران للضمير، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور باللام؛ فلست مفندا، ويكون الرابط:

الواو، والضمير.

{تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)}

الشرح: {تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أي:

تكاد كل واحدة منها تنفطر فوق التي تليها من قول المشركين: {اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} رقم [116] من سورة (البقرة)، وسورة (مريم) [90 و 91]:{تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً} . وقال الضحاك، والسّدي: أي: يتشققن من عظمة الله، وجلاله فوقهن. وقيل:{فَوْقِهِنَّ} فوق الأرضين من خشية الله؛ لو كنّ مما يعقل. هذا؛ وقرئ:

ص: 484

{تَكادُ} بالتاء، والياء، و {يَتَفَطَّرْنَ} بالنون من الانفطار، وهو التشقق، كقوله تعالى في سورة (الانفطار) الآية رقم [1]:{إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،} وقال تعالى: {السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} سورة (المزمل) الآية رقم [18].

هذا؛ ومعنى: {مِنْ فَوْقِهِنَّ} أي: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها كلمة الكفر؛ لأنّها جاءت من الذين تحت السموات، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن؛ دع الجهة التي تحتهن. وقيل: {مِنْ فَوْقِهِنَّ} من فوق الأرض، فالكناية راجعة إلى الأرض؛ لأنّه بمعنى: الأرضين. وقيل: يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة، قال عليه الصلاة والسلام:«أطّت السماء أطّا، وحقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم؛ إلاّ وعليه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد» . انتهى. نسفي. وقال الجمل نقلا عن السمين: في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه عائد على السموات؛ أي: يبتدأ انفطارهن من هذه الجهة.

والثاني: أنّه عائد على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض قبل ذلك. الثالث: أنّه عائد على فرق الكفار، والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. انتهى.

{وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي: ينزهونه عمّا لا يليق بجلاله، ويذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال، والإكرام، وجعل التسبيح أصلا، والحمد حالا؛ لأنّ الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح، والتحميد: هو الاعتراف بأنّه هو المنعم على الإطلاق.

{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} أي: من المؤمنين دون الكافرين بدليل قوله تعالى في سورة (غافر) رقم [7]: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا..} . إلخ إذا فالآية هنا عموم يراد به الخصوص؛ لأنّ الكافر لا يستحق أن تستغفر له الملائكة. وقيل: يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض، أما في حق الكافرين، فبواسطة طلب الإيمان لهم، ويحتمل أن يكون المراد من الاستغفار ألاّ يعاجلهم بالعقاب، وأمّا في حق المؤمنين؛ فبالتجاوز عن سيئاتهم. وقيل: استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم، فيدخل فيه المؤمن، والكافر. وقال مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين.

{أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:} يعني: أنّه تعالى يعطي المغفرة؛ التي سألوها، ويضم إليها بمنّه، وكرمه الرحمة العامة الشاملة. وانظر شرح الملائكة في الآية رقم [43] من سورة (الأحزاب).

الإعراب: {تَكادُ:} فعل مضارع ناقص يرفع الاسم، وينصب الخبر. {السَّماواتُ:} اسم {تَكادُ} . {يَتَفَطَّرْنَ:} فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:{تَكادُ،} والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. {مِنْ فَوْقِهِنَّ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. {وَالْمَلائِكَةُ:}

ص: 485

الواو: حرف استئناف. (الملائكة): مبتدأ. {يُسَبِّحُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. {بِحَمْدِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين بحمد. قال الثعلبي: والعرب تدخل الباء أحيانا على التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى في سورة (الواقعة):{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} وقال في سورة (الأعلى): {*سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و (حمد): مضاف، و {رَبِّهِمْ:} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَالْمَلائِكَةُ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.

{وَيَسْتَغْفِرُونَ:} مضارع، وفاعله. {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {فِي الْأَرْضِ:}

متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يستغفرون للذي يوجد في الأرض، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {أَلا:} حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {هُوَ:}

ضمير فصل لا محل له، أو هو مبتدأ. {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ:} خبران ل: {إِنَّ} على اعتبار الضمير فصلا، وخبران للضمير على اعتباره مبتدأ، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر:{إِنَّ،} وجملة: {إِنَّ..} . إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، أو مستأنفة.

{وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)}

الشرح: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ:} جعلوا لله شركاء، وأندادا في العبادة، وهي الأصنام؛ التي اتخذوها آلهة، وعبدوها. {اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} أي: رقيب على أحوالهم، وأعمالهم، لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم، ومجازيهم عليها، لا رقيب عليهم إلاّ هو وحده. {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} أي: يا محمد بموكل بهم، ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، كما قال تعالى:{إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ} رقم [7] من سورة (الرعد). وقوله تعالى: {فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ} رقم [40] منها.

و {اللهُ} علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنّما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلّف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمئة وستين موضعا.

الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {اِتَّخَذُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق،

ص: 486

والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. {مِنْ دُونِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: {أَوْلِياءَ} كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» . والهاء في محل جر بالإضافة. {أَوْلِياءَ:} مفعول به ثان، والأول محذوف، التقدير: اتخذوا الأصنام أولياء من دونه. {اللهُ:} مبتدأ. {حَفِيظٌ:} خبره. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان ب: {حَفِيظٌ،} والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَالَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. {وَما:} الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس» .

{أَنْتَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسمها. {عَلَيْهِمْ:} متعلقان بما بعدهما.

{بِوَكِيلٍ:} الباء: حرف جر صلة. (وكيل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:{وَما أَنْتَ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.

{وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)}

الشرح: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا} أي: وكما أوحينا إليك، وإلى من قبلك هذه المعاني، كذلك أوحينا إليك قرانا عربيا بيناه بلغة العرب. وقيل: أي: أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه، والمعنى واحد. انتهى. القرطبي. وانظر سورة (الزمر) رقم [28] ففيها بحث جيد. {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى} أي: أهل مكة. فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، و {أُمَّ الْقُرى:} أصل القرى، وهي مكة. وسميت بهذا الاسم إجلالا لها؛ لأنّ فيها البيت، ومقام إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والعرب تسمي أصل كل شيء: أمه، حتى يقال: هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان. انتهى. صفوة التفاسير نقلا من الفخر.

وفي مختصر ابن كثير: وسميت مكة: أم القرى؛ لأنّها أشرف من سائر البلاد، لأدلة كثيرة، منها: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت» . أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. انتهى.

{وَمَنْ حَوْلَها} أي: جميع القرى التي هي متفرعة من مكة، والمراد: جميع الأمصار، والقرى الموجودة في الدنيا.

{وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} أي: تخوف الناس يوم القيامة؛ الذي يجمع الله فيه الأولين، والآخرين للحساب، والجزاء، أو يجمع فيه الأرواح، والأشباح، أو الأعمال، والعمال. {لا رَيْبَ فِيهِ:}

ص: 487

لا شك في يوم الجمع بل هو متحقق الوقوع، قال تعالى:{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ} رقم [9] من سورة (التغابن). {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} أي: بعد جمعهم في الموقف للحساب، والجزاء يفرقون، فمنهم فريق يدخل الجنة، ومنهم فريق يدخل النار، كما قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} رقم [105] وما بعدها. وانظر سورة (الدخان) رقم [40].

هذا؛ وقرئ: «(فريقا في الجنة وفريقا في السعير)» والفريق: الطائفة من الناس. والفريق:

أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كقوم، ومعشر، ونفر

إلخ. هذا؛ والسعير: النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركاتها، وطبقاتها. والسعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي:[الوافر]

حلفت بمائرات حول عوض

وأنصاب تركن لدى السّعير

فعوض عندهم صنم صغير، والسّعير صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنيزة، فنفرت ناقته من الصنم فأنشأ يقول:[الكامل] نفرت قلوصي من عثائر صرّعت

حول السّعير يزوره ابنا يقدم

وجموع يذكر مهطعين جنابه

ما إن يحير إليهم بتكلّم

قال أبو المنذر: يقدم، ويذكر ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير. انتهى.

بغدادي. هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي أيضا: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين، والوحي أيضا:

الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى أم موسى إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [68] تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، وخذ ما يلي:

فعن عائشة-رضي الله عنها-قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس-وهو أشدّه عليّ- فيفصم عني؛ وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول» قالت عائشة-رضي الله عنها: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه صلى الله عليه وسلم ليتفصّد عرقا. أخرجه البخاري، ومسلم. وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! هل تحسّ بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلاّ ظننت أنّ نفسي تقبض» .

أخرجه الإمام أحمد. وخذ ما يلي:

ص: 488

فعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما-قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفه، ومعه كتابان، فقال:«أتدرون ما هذان الكتابان؟» قلنا: لا يا رسول الله! فقال للّذي في يده اليمين: «هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة» . ثم قال للذي في يساره: «هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وعشائرهم، وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام؛ إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة» . فقال عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه: ففيم العمل إذا؟ قال: «اعملوا، وسدّدوا، وقاربوا، فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيّ عمل» ثمّ قال: «فريق في الجنة، وفريق في السّعير، عدل من الله تعالى» . أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. انتهى. خازن بحروفه.

وفي مختصر ابن كثير زيادة: «وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار؛ وإن عمل أي عمل» . ثم قال صلى الله عليه وسلم بيده، فقبضها، ثم قال:«فرغ ربكم من العباد» ثم قال باليمنى، فنبذ بها فقال:«فريق في الجنة» ونبذ باليسرى، وقال:«فريق في السعير» أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي. هذا؛ وأقول: انظر قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [30]: {فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} .

الإعراب: {وَكَذلِكَ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. الكاف: اسم بمعنى: مثل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدّم للفعل بعد، وهذا على اعتبار الإشارة عائدة إلى معنى الآية المتقدمة، أو الكاف في محل نصب مفعول مطلق للفعل بعده على اعتبار الإشارة عائدة إلى مصدر:{أَوْحَيْنا،} والكاف مضاف، واسم الإشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. {أَوْحَيْنا:} فعل، وفاعل.

{إِلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {قُرْآناً:} حال من المفعول به؛ أي: أوحيناه إليك، وهو قرآن عربي، وهذا على اعتبار الكاف مفعولا، وأمّا على اعتبارها مفعولا مطلقا، ف:

{قُرْآناً} مفعول به. {عَرَبِيًّا:} صفة: {قُرْآناً} . {لِتُنْذِرَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {أُمَّ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْقُرى} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على: {أُمَّ الْقُرى،} وانظر تقدير المضاف في الشرح. {حَوْلَها:} ظرف مكان متعلّق بمحذوف صلة الموصول.

و (ها): في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر

ص: 489

باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:{أَوْحَيْنا،} والجملة الفعلية لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين بالواو. {وَتُنْذِرَ:} الواو: حرف عطف. (تنذر): معطوف على سابقه منصوب مثله، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {يَوْمَ:} هذا هو المفعول الثاني، والأول محذوف، التقدير:

وتنذر الناس عذاب يوم الجمع، فحذف المفعول الأول من الإنذار الثاني، كما حذف المفعول الثاني من الإنذار الأول، تقديره: لتنذر أهل أم القرى العذاب. انتهى. جمل نقلا من السمين.

و {يَوْمَ:} مضاف، و {الْجَمْعِ} مضاف إليه. {لا:} نافية للجنس تعمل عمل «إن» . {رَيْبَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب. {فِيهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {لا،} والجملة الاسمية في محل نصب حال من: {يَوْمَ الْجَمْعِ،} والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبارها مستأنفة، لا محلّ لها. {فَرِيقٌ:} مبتدأ، جوز الابتداء به التفصيل، والتقسيم. {فِي الْجَنَّةِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار الخبر محذوفا، التقدير: منهم فريق، كما أجيز اعتبار:{فَرِيقٌ} خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هم-أي: المجموعون-فريق، وعلى هذين الوجهين يكون الجار والمجرور:{فِي الْجَنَّةِ} متعلقين بمحذوف صفة: {فَرِيقٌ} . هذا؛ وعلى قراءته بالنصب فهو حال. هذا؛ وعلى قراءة النصب، فالكسائي قال: التقدير: لتنذر فريقا في الجنة، وفريقا في السعير. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي: منصوب على الحال من:

«هم» أي: وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى: مشارفين للتفرق، أو متفرقين في داري الثواب، والعقاب. انتهى. بيضاوي. وقول الكسائي أحق بالاعتبار، وهو قول الفراء أيضا، وعلى قراءة الرفع فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.

{وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8)}

الشرح: {وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً} أي: أهل دين واحد، إما على الهداية، أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضلّ من يشاء عنه، وله الحكمة البالغة، والحجة الواضحة، لا يسأل عمّا يفعل، وهم يسألون. هذا؛ وقال تعالى في سورة (هود) رقم [118 و 119]:{وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} وهو فحوى قوله تعالى هنا: {وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ} أي: بالهداية للإيمان، والتوفيق للطاعة.

{وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} أي: يدعهم بغير ولي يتولى أمورهم، وشؤونهم، وليس لهم نصير ينصرهم من عذاب الله تعالى، بل يكلهم إلى شياطينهم يتلاعبون بهم.

هذا؛ و {شاءَ} مضارعه: يشاء، لم يرد له أمر، ولا ل:«أراد» فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شيء على وزن فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا

ص: 490

لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول:«أراد» حتى لا يكاد ينطق به إلاّ في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى:{لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا} وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل]

فلو شئت أن أبكي دما لبكيته

عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع

وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد: «لو» وليس كذلك. أما {أُمَّةً} فهي بمعنى:

الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى:{إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ} والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين:

{إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} الآية رقم [22] من سورة (الزخرف) وبها فسرت الآية رقم [92] من سورة (الأنبياء): {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون:[الطويل]

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟

وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى:{وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ} والأمة: الحين والوقت، كقوله تعالى:{وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أي: بعد وقت، وحين.

هذا؛ والولي: من يتولى شؤون غيره. والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أنّ الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، وجريح بمعنى: مجروح، فعلى هذا هو: من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى:{وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ} . والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو: من يتولى عبادة الله تعالى من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّ من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فليس بولي، بل هو مغرور مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطريقة، رحمهم الله تعالى. انتهى. من شرح ألفاظ:«الزبد» للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، -رحمه الله تعالى-هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي:«من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب» .

الإعراب: {وَلَوْ:} الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {شاءَ اللهُ:} ماض، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} والهاء مفعوله الأول. {أُمَّةً:} مفعول به ثان. {واحِدَةً:} صفة: {أُمَّةً،}

ص: 491

والجملة الفعلية جواب (لو) لا محلّ لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. {وَلكِنْ:}

الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. {يُدْخِلُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهُ} . {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.

{يَشاءُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: يدخل الذي يشاؤه. {فِي رَحْمَتِهِ:} متعلقان بالفعل: {يُدْخِلُ،} والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{وَلكِنْ يُدْخِلُ..} . إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محلّ لها مثله. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له. {وَالظّالِمُونَ:} الواو: حرف استئناف.

(الظالمون): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ. {ما:} نافية. {لَجَعَلَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَنْ:} حرف جر صلة. {وَلِيٍّ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَالظّالِمُونَ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.

{وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. {نَصِيرٍ:} معطوف على ما قبله.

{أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)}

الشرح: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} أي: بل اتخذ الكفار من دون الله أعوانا، وأنصارا، هي الحجارة؛ التي يعبدونها، ويقدسونها، ويعظمونها. {فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ} أي: وليك يا محمد، وولي من اتبعك، واهتدى بهديك، لا ولي سواه، وكفى بالله وليا، وناصرا، ومعينا. {وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى:} يوم القيامة. {وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:} وغيره من الأولياء لا يقدر على شيء. فهو كالتقرير لكونه حقيقا بالولاية.

هذا؛ و (دون) بمعنى: «غير» و «سوى» هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء؛ أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.

هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى: «قدّام» قال الشاعر: [الطويل]

تريك القذى من دونها وهي دونه

إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق

هذا؛ ومثله: «أدنى» وألفه منقلبة عن واو؛ لأنّه من: دنا، يدنو: إذا قرب. وله معنيان:

أحدهما: أنّ المعنى ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى:

القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأنّ نفعه

ص: 492

متأخر إلى الآخرة، خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} رقم [61] من سورة (البقرة). وقيل: الألف مبدلة من: همزة؛ لأنّه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر:

الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن: أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع.

الإعراب: {أَمِ:} حرف عطف بمعنى: «بل» الانتقالية. {اِتَّخَذُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {مِنْ دُونِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:

{أَوْلِياءَ،} كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. انظر الآية رقم [6]. وقيل: الجار والمجرور في محلّ المفعول الثاني. وهو ضعيف. والهاء في محل جر بالإضافة. {أَوْلِياءَ:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. {فَاللهُ:} الفاء: حرف عطف. (الله): مبتدأ. {هُوَ:}

مبتدأ ثان. {الْوَلِيُّ:} خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الضمير فصلا، فالولي خبر لفظ الجلالة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.

نقله الجمل عن كرخي. هذا؛ واعتبر الزمخشري الفاء الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن أرادوا أولياء بحق؛ فالله هو الولي، وهو قول ابن هشام في المغني. قال أبو حيان:

لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه. {وَهُوَ:} الواو: حرف عطف. (هو): مبتدأ.

{يُحْيِ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى الضمير. {الْمَوْتى:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. {وَهُوَ:} الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.

{عَلى كُلِّ:} متعلقان ب: {قَدِيرٌ} بعدهما، و {كُلِّ} مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {قَدِيرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.

{وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)}

الشرح: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ:} قال القرطبي: هذا حكاية قول الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين؛ أي: وما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب، والمشركين من أمر الدين؛ فقولوا لهم: حكمه إلى الله لا إليكم، وقد حكم: أن الدين هو الإسلام لا غيره. وأمور الشرائع إنّما تتلقّى من بيان الله، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم. فهو كقوله جلّ وعلا:{فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} .

{ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي} أي: الموصوف بهذه الصفات هو ربي وحده يحيي الموتى، ويحكم بين

ص: 493

المختلفين في أمور الدين، فيثيب المطيع يوم القيامة، ويعاقب المسيء. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي:

اعتمدت عليه في جميع أموري، وأحوالي. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:} أرجع في أموري كلها إلى الله.

هذا؛ والتوكل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا:

المتوكل: من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حدّ التوكل؛ لأنّه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصيته الله تعالى، وإنّما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَمَا:} الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {اِخْتَلَفْتُمْ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. {فِيهِ:} متعلقان به. {مِنْ شَيْءٍ:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور ب: (في) والعائد على (ما)، و {مِنْ} بيان لما أبهم فيها. {فَحُكْمُهُ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط.

(حكمه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {إِلَى اللهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسما موصولا مبتدأ؛ فالجملة الفعلية:{اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ} صلتها، والجملة الاسمية:{فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ} خبرها، واقترن الخبر بالفاء؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{ذلِكُمُ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. {اللهِ:} عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة. {رَبِّي:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويجوز أن يكون {اللهِ} الخبر، و {رَبِّي:} خبر ثان، أو بدل، أو يكون صفة لله تعالى، و {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} الخبر. انتهى. عكبري. هذا، وقال الجمل:{ذلِكُمُ:} مبتدأ. {اللهِ:} خبر أول. {رَبِّي:} خبر ثان. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ:} ثالث. {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ:} رابع. {فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:} خامس. {جَعَلَ لَكُمْ:} سادس. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:} سابع. {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:} ثامن. {لَهُ مَقالِيدُ..} .

إلخ: تاسع. {يَبْسُطُ الرِّزْقَ..} . إلخ: عاشر. {شَرَعَ لَكُمْ..} . إلخ: حادي عشر. انتهى. نقلا عن شيخه، وهذا يتناقض مع حرف العطف في بعض الجمل لفظا، وإن سلم معنى. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {تَوَكَّلْتُ:} فعل، وفاعل. {وَإِلَيْهِ:} متعلقان بما بعدهما.

{أُنِيبُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

ص: 494

{فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)}

الشرح: {فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي: خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر، قال تعالى:{السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر. وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق. قال عنترة: [الوافر]

وسيفي كالعقيقة فهو كمعي

سلاحي لا أفلّ ولا فطارا

وكمعي: ضجيعي. العقيقة: شعاع البرق الذي يبدو كالسيف. والفطر: الاختراع، والابتداع، والابتداء. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: كنت لا أدري ما {فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: أنا ابتدأتها.

والفطر: حلب الناقة بالسبابة والإبهام، وانظر الآية رقم [3] من سورة (الملك). والمراد بذكر السموات والأرض: العالم كله، ويستدل بهذا على أنّ من قدر على الابتداء؛ قدر على الإعادة.

وقرئ {فاطِرُ} بالرفع، والجر، ويجوز نصبه في العربية. وانظر الإعراب.

{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً:} قال القرطبي: قيل معناه: إناثا، وإنّما قال:{مِنْ أَنْفُسِكُمْ} لأنّه خلق حواء من ضلع آدم. وقال مجاهد: نسلا بعد نسل. انتهى. وقال الجمل: روي عن جعفر الصادق-رحمه الله تعالى-: أنّه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم الملائكة المقربون. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: كان السجود يوم الجمعة من الزوال إلى العصر، ثم خلق له حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء؛ لأنّها خلقت من حي، فلما استيقظ، ورآها؛ سكن، ومال إليها، ومدّ يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم! قال: ولم؛ وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: حتى تصلي على محمد ثلاث مرات. وذكر ابن الجوزي: أنّه لما رام آدم القرب منها؛ طلبت منه المهر، فقال: يا رب! وماذا أعطيها؟ فقال: يا آدم! صلّ على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة. ففعل. انتهى. مواهب. فلما فعل آدم ما أمر به خطب الله خطبة النكاح، ثم قال: اشهدوا يا ملائكتي، وحملة عرشي: أنّي زوجت أمتي حواء من عبدي آدم، انتهى. شارحها. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [6] ففيها فضل زيادة.

{وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً} أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجا، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا، أو: ذكورا، وإناثا، والمراد: الثمانية؛ التي ذكرها الله في سورة (الأنعام) رقم [143] و [144] أي: ذكور الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وإناثها. وأزواج: جمع: زوج، وهو يطلق

ص: 495

على الرجل، والمرأة. والقرينة تبين الذكر، والأنثى. ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلاّ في الفرائض، فإنّها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين. قال تعالى: {اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ} أي: وقرناءهم، الآية رقم [22] من سورة (الصافات) والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى:{قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل نوع ذكرا وأنثى، الآية رقم [40] من سورة (هود)، وقال تعالى:{ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..} .

إلخ الآية رقم [143] من سورة (الأنعام). والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج الصنف والنوع، قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [10]:{فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} أي: صنف من النبات.

وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [5]: {فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} . هذا؛ والأنعام: جمع: نعم، وهو يشمل المأكول من الإبل، والبقر، والغنم، والماعز.

{يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي: يخلقكم وينشئكم في الرحم، ولم يتقدم له ذكر، وقال البيضاوي:

أي: في هذا التدبير، وهو جعل الناس، والأنعام أزواجا، يكون بينهم التوالد، وقال أيضا:

{يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم، من: الذرء، وهو البث، وفي معناه الذر، وضمير الخطاب للناس، والأنعام على تغليب المخاطبين العقلاء، وهو قول ابن هشام في المغني. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ:} قيل: إن الكاف زائدة للتوكيد؛ أي: ليس مثله شيء، ومثله قول خطام المجاشعي وهو الشاهد رقم [328] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الرجز]

وغير ودّ جاذل أو ودّين

وصاليات ككما يؤثفين

فأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه. وقيل: المثل: زائدة للتوكيد. وهو قول ثعلب:

أي: ليس كهو شيء، نحو قوله تعالى:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} رقم [137] من سورة (البقرة) قال أوس بن حجر: [المتقارب]

وقتلى كمثل جذوع النخي

ل يغشاهم مطر منهمر

أي: كجذوع. والذي يعتقد في هذا الباب: أنّ الله جلّ اسمه في عظمته، وكبريائه، وملكوته، وحسنى أسمائه، وعليّ صفاته لا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يشبّه به، وإنّما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم جلّ وعزّ بخلاف صفات المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفكّ عن الأغراض، والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه، وبصفاته. وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي-رحمه الله تعالى-بيانا، فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلاّ من جهة موافقة

ص: 496

اللفظ، وجلّت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة، وهذا كله مذهب أهل الحق، والسنة، والجماعة-رضي الله عنهم. انتهى. قرطبي.

{وَهُوَ السَّمِيعُ:} لأقوال العباد. {الْبَصِيرُ:} بأعمالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، وانظر شرح (مثل) في الآية رقم [15] من سورة (يس).

الإعراب: {فاطِرُ:} بالرفع: خبر آخر لاسم الإشارة: {ذلِكُمُ،} أو مبتدأ خبره ما بعده. وقال مكي: هو نعت لله جلّ ذكره، أو على إضمار مبتدأ؛ أي: هو فاطر. ويقرأ بالجر على أنّه بدل من الضمير المجرور ب: (إلى) و (على). وقال مكي: وأجاز الكسائي: (فاطر السموات) بالنصب على النداء. وقال غيره: على المدح. انتهى. أي: هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أمدح فاطر، و {فاطِرُ} مضاف، و {السَّماواتِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.

{وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. {جَعَلَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر فيه، تقديره:«هو» يعود إلى الله، وهو متعدّ لواحد فقط؛ لأنّه بمعنى: خلق. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.

{مِنْ أَنْفُسِكُمْ:} متعلقان بمحذوف حال من: {أَزْواجاً،} كان صفة له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [6]، والكاف في محل جر بالإضافة. {وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً:} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وجملة:{جَعَلَ..} . إلخ في محل رفع خبر سادس ل: {ذلِكُمُ} على وجه مرّ ذكره، أو في محلّ رفع خبر {فاطِرُ} على اعتباره مبتدأ، أو هي مستأنفة على نصب:{فاطِرُ} وجره.

{يَذْرَؤُكُمْ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهِ،} والكاف مفعول به. {فِيهِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (جعل) المستتر، والرابط: الضمير فقط. وقيل: الجملة في محل نصب صفة: {أَزْواجاً} وضعفه ظاهر. {لَيْسَ:} فعل ماض ناقص. {كَمِثْلِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {لَيْسَ} مقدم، وانظر الشرح، وما قيل في الكاف، و (مثل): مضاف، والهاء في محل جر بالإضافة. {شَيْءٌ:} اسم {لَيْسَ} مؤخر، والجملة الفعلية، يقال فيها ما قيل بجملة:{جَعَلَ..} . إلخ. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال، {وَهُوَ:}

ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:} خبران له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل {يَذْرَؤُكُمْ} المستتر، والرابط: الواو، والضمير.

{لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)}

الشرح: {لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي: مفاتيح خزائن السموات والأرض، واحدها:

مقلاد، مثل: مفتاح. وقيل: جمع: إقليد على غير قياس. وقيل: هو فارسي معرب، قال الراجز:[الرجز]

ص: 497

لم يؤذها الدّيك بصوت تغريد

ولم يعالج غلقها بإقليد

أو هو جمع: مقليد، مثل: منديل، ومناديل. وعلى جميع الاعتبارات في الكلام استعارة بديعة، نحو قولك: بيد فلان مفتاح الأمر، وليس ثمّ مفتاح، وإنّما هو عبارة عن شدّة تمكّنه من ذلك الشيء. والمعنى: أنّ الله تعالى مالك أمر السموات، والأرض، وحافظها، ومدبّر أمرها. وعن عثمان بن عفان-رضي الله عنه-أنّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى:{لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} فقال: «يا عثمان! ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلاّ الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير» . والمعنى على هذا: أنّ لله هذه الكلمات يوحّد بها، ويمجّد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلّم بها؛ فقد أصابه، هذا؛ وقيل: مقاليد السموات: خزائن الرحمة، والرزق، والمطر، ومقاليد الأرض: ما يخرج منها من نبات.

{يَبْسُطُ الرِّزْقَ:} يغني، ويوسع الرزق، ويعطي المال من يشاء التوسيع عليه. {وَيَقْدِرُ:}

يضيق الرزق، ويقلّله على من يشاء من عباده، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، ولذا قال جلّ ذكره في سورة (الإسراء) رقم [30]:{إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} أي: ذو خبرة بعباده، وبمن يصلحه التوسيع في الرزق، ومن يفسده ذلك، وبمن يصلحه الضيق والإقتار في الرزق، ومن يهلكه ذلك، وهو ذو بصر ومعرفة بتدبير عباده، وسياستهم، فمن العباد من لا يصلح له إلاّ الغنى، ولو أفقره؛ لفسد، ومنهم من لا يصلح له إلاّ الفقر، ولو أغناه؛ لفسد.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «إن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه» . كذا ذكره ابن كثير عن أنس مرفوعا. هذا؛ وبين: {يَبْسُطُ} و (يقدر) مقابلة، ومطابقة، وهي من المحسنات البديعية، وانظر الآية [27].

وينبغي لكل عاقل أن يعلم: أنّ سعة الرزق قد تكون مكرا، واستدراجا، وتقتيره رفعة، وإعظاما، ويوقن: أنّ المال هو إعطاء الله للعبد، لا علاقة له بقوة الأجسام، ولا بشدة الفهم، وحدة الذكاء، ورحم الله الإمام الشافعي؛ إذ يقول:[الوافر]

تموت الأسد في الغابات جوعا

ولحم الضّأن تأكله الكلاب

وقال: [البسيط]

كم من قويّ قويّ في تقلّبه

مهذّب الرأي: عنه الرزق منحرف

كم من ضعيف ضعيف في تقلبه

كأنّه من خليج البحر يغترف

هذا دليل على أنّ الإله له

في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف

ص: 498

وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عيي اللسان؛ وهو موسع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان، وهو مقتر عليه في الرزق، ورحم الله الشافعي إذ يقول:[الكامل]

ومن الدليل على القضاء وكونه

بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

{إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: علمه تعالى محيط بكل شيء، فهو واسع العلم، يعلم إذا كان الغنى خيرا للعبد، أو الفقر خيرا له، سبحانه لا يعزب عن علمه شيء في السموات والأرض.

الإعراب: {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. {مَقالِيدُ:} مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و {السَّماواتِ:} مضاف إليه. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بجملة:{جَعَلَ لَكُمْ..} . إلخ. {يَبْسُطُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهِ}. {الرِّزْقَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [10] من اعتبارها خبرا ل:{ذلِكُمُ} . {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:

للذي، أو: لشخص يشاء التوسيع عليه. {وَيَقْدِرُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهِ،} والجملة الفعلية معطوفة على جملة: {يَبْسُطُ..} . إلخ. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {بِكُلِّ:} متعلقان ب: {عَلِيمٌ،} و (كل): مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {عَلِيمٌ:} خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للبسط، والتقتير.

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)}

الشرح: {شَرَعَ لَكُمْ:} بيّن، وأظهر لكم الذي له مقاليد السموات والأرض. {مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى:} إنّما خصّ هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنّهم أكابر الأنبياء، وأصحاب الشرائع المعظمة، والأتباع الكثيرة، وأولو العزم. ثم فسر المشروع الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام، من رسله بقوله تعالى:{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} . والمراد: بإقامة الدين: هو توحيد الله، والإيمان به، وبكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وطاعة الله في أوامره، ونواهيه، وسائر ما يكون به الرجل مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنّها مختلفة متفاوتة. قال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} رقم [48] من سورة (المائدة). وقيل: أراد تحليل الحلال، وتحريم الحرام.

ص: 499