الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)}
الشرح: {أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا} أي: يربّى، ويشب. والنشوء: التربية؛ يقال: نشأت في بني فلان نشئا، ونشوآ: إذا شببت فيهم. {فِي الْحِلْيَةِ} أي: في الزينة. {وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي:
وهو في الجدال، والمخاصمة غير مظهر لضعف رأيه، وسقم تفكيره، والمعنى: أنّ الأنثى إذا خاصمت، أو تكلّمت؛ لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلّما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص. وقال ابن كثير: فالأنثى ناقصة الظاهر، والباطن في الصورة، والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها بلبس الحلي؛ ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشّعراء:[الطويل]
وما الحلي إلاّ زينة من نقيصة
…
يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا
وأمّا إذا كان الجمال موفّرا
…
كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا
وأمّا نقص معناها؛ فإنّها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب، وقد بشر ببنت:«والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة» . قال مقاتل: لا تتكلّم المرأة إلاّ وتأتي الحجة عليها، وفيه: أنّه جعل النشأة في الزينة، والنعومة من المعايب، والمذام، وأنّه من صفات ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر-رضي الله عنه: اخشوشنوا، واخشوشبوا، وتمعددوا. وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى. هذا؛ وقد جمع كفرة العرب في كفرهم ثلاث كفرات، وذلك: أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين، فاستخفوا بهم. انتهى. كشاف، ونسفي، وغيرهما.
وقيل: المنشأ في الحلية: أصنامهم؛ التي صاغوها من ذهب، وفضة، وحلوها. قاله ابن زيد، والضحاك، ويكون معنى:{وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي: ساكت عن الجواب. انتهى.
قرطبي. أقول: هذا قول ضعيف لا يعوّل عليه.
فائدة:
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ ثلاث: خديجة بنت خويلد، ومريم، وآسية امرأة فرعون» . وللشعراء في وصف النساء بقلة العقل الشيء الكثير.
الإعراب: {أَوَمَنْ:} الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف.
(من): اسم موصول مبني على السكون وفيه وجهان: أحدهما: أنّه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وجعلوا، أو ويجعلون له من ينشأ في الحلية ولدا. والثاني: أنّه في محل رفع مبتدأ خبره محذوف. التقدير: أو الذي ينشأ في الحلية ولد لله؟! تعالى عن ذلك علوا
كبيرا. {يُنَشَّؤُا:} مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِي الْحِلْيَةِ:} متعلقان بما قبلهما، والكلام كله مستأنف، أو معطوف على مقدر، لا محلّ له مثله، التقدير: أيجترئون، ويجعلون لله من ينشأ
…
؟! {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. {فِي الْخِصامِ:} متعلقان ب: {مُبِينٍ} بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف يدلّ عليه {مُبِينٍ،} التقدير: هو لا يبين في الخصام، وهذا يعني: أنّ الجملة خبر أول للمبتدأ. {غَيْرُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {مُبِينٍ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
تنبيه: تعليق الجار والمجرور: {فِي الْخِصامِ} ب: {مُبِينٍ} على الوجه الأول، وهو معمول للمضاف إليه، وتقدم على المضاف. استدلّ ابن هشام في هذه الآية على جواز هذه المسألة، وجعل منه قوله تعالى في سورة (المدثر):{فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} وقول الشاعر: وهو الشاهد رقم [1140] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» : [الطويل]
فتى هو حقا غير ملغ تولّه
…
ولا تتخذ يوما سواه بديلا
وأيضا قول أبي زيد الطائي، وهو الشاهد رقم [1141] من الكتاب المذكور:[البسيط]
إنّ امرأ خصّني يوما مودّته
…
على التنائي لعندي غير مكفور
الشرح: {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً:} هذا كفر آخر، تضمنه مقالهم، شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد، وأكرمهم على الله أنقصهم رأيا، وأخسّهم صنفا. ومعنى (جعلوا): حكموا، وأثبتوا. قال الكلبي، ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
«ما يدريكم أنهم إناث؟» . قالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال تعالى:
{سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ} أي: عنها في الآخرة. وهذا وعيد، وتهديد؛ إذ ستأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم.
قال البقاعي-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا، ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة-رضي الله عنه-أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كاتب الحسنات على يمين الرّجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب اليسار: دعه ستّ ساعات، لعلّه يسبّح الله، أو يستغفر» . انتهى. جمل.
الإعراب: {وَجَعَلُوا:} الواو: حرف استئناف. (جعلوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
{الْمَلائِكَةَ:} مفعول به أول. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة:
{الْمَلائِكَةَ} . {هُمْ:} مبتدأ. {عِبادُ:} خبره، وهو مضاف، و {الرَّحْمنِ} مضاف إليه. والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. {إِناثاً:} مفعول به ثان، وجملة:{وَجَعَلُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. {أَشَهِدُوا:} الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (شهدوا): ماض، وفاعله.
{خَلْقَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
{سَتُكْتَبُ:} السين: حرف استقبال. (تكتب): فعل مضارع مبني للمجهول. {شَهادَتُهُمْ:} نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَيُسْئَلُونَ:}
الواو: حرف عطف. (يسألون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
الشرح: {وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ..} . إلخ: يعني: قال المشركون على طريق الاستهزاء، والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هؤلاء الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل، وكل شيء بإرادة الله، وإرادته تجب، وكذا علمه، فلا يمكن الاحتجاج بها.
{ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ:} هذا رد من الله على الكافرين في قولهم. {إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون بقولهم. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أنّ الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافرين، وإنما شاء الإيمان منهم، فإن الكفار ادعوا: أنّ الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا:{لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ} أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام؛ لمنعنا من عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله:
{ما لَهُمْ بِذلِكَ..} . إلخ. انتهى. نسفي.
هذا؛ وخذ ما قاله محشي الكشاف أحمد جزاه الله خيرا؛ حيث قال: نحن معاشر أهل السنة نقول: إن كل شيء بمشيئة الله تعالى، حتى الضلالة، والهدى اتباعا لدليل العقل، وتصديقا لنص النقل في أمثال قوله تعالى:{يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ} وآية (الزخرف) هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلاّ تمهيدا، ولا تفيده إلاّ تصويبا، وتسديدا، فنقول: إذا قال الكافر: لو شاء الله ما كفرت، فهذه كلمة حق أراد بها باطلا، أما كونها كلمة حق، فلما مهدناه، وأما كونه أراد بها باطلا، فمراد الكافر بذلك أن يكون له الحجة على الله، توهما أنّه يلزم من مشيئة الله تعالى لضلالة من ضلّ ألاّ يعاقبه على ذلك؛ لأنّه إنّما فعل مقتضى مشيئته. كما توهم القدرية إخوان
الوثنية ذلك، فأشركوا بربهم، واعتقدوا: أنّ الضلالة وقعت بمشيئة الخلق على خلاف مشيئة الخالق، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع منهم درجة؛ لأنّ هؤلاء أشركوا أنفسهم الدنية في ملك ربهم المتوحد بالربانية، جلّ، وعلا، فإذا وضح ما قلناه، فإنّما رد الله عليهم مقالتهم هذه؛ لأنّهم توهموا: أنها حجة على الله، فدحض الله حجتهم، وأكذب أمنيتهم، وبين: أن مقالتهم صادرة عن ظن كاذب، وتخرص محض، فقال:{ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ} و {وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ} .
وقد أفصحت أخت هذه الآية مع هذه الآية عن هذا التقدير، وذلك قوله في سورة (الأنعام):{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ} رقم [148].
فبين الله تعالى: أنّ الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل، والإشراك بالله اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم:{لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا} فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال بحال أوائلهم، ثم بين: أنّه معتقد نشأ عن ظن خلب، وخيال مكذب، فقال:{إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ} . ثم لما أبطل أن يكون لهم في مقالتهم حجة على الله، أثبت تعالى الحجة له عليهم بقوله:{فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ} رقم [149] من سورة (الأنعام)، ثم أوضح: أنّ الردّ عليهم ليس إلاّ في احتجاجهم على الله بذلك، لا لأن المقالة في نفسها كذب، فقال:{فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ} تتمة الآية، وهو معنى قولهم:{لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا} من حيث أن {لَوْ} مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة، فدلّت الآية الأخيرة على أنّ الله تعالى لم يشأ هدايتهم، بل شاء ضلالتهم، ولو شاء هدايتهم؛ لما ضلّوا.
فهذا هو الدين القويم، والصراط المستقيم، والنور اللائح، والمنهج الواضح، والذي يدحض به حجة هؤلاء مع اعتقاد: أنّ الله تعالى شاء وقوع الضلالة منهم، هو أنه تعالى جعل للعبد تأتيا، وتيسرا للهداية، وغيرها من الأفعال الكسبية، حتى صارت الأفعال الصادرة منه مناط التكليف؛ لأنّها اختيارية، يفرق بالضرورة بينهما وبين العوارض القسرية. فهذه الآية أقامت الحجة، ووضحت لمن اصطفاه الله للمعتقدات الصحيحة المحجة، ولما كانت تفرقة دقيقة، لم تنتظم في سلك الأفهام الكثيفة، فلا جرم أنّ أفهامهم تبددت، وأفكارهم تبدلت، فغلت طائفة القدرية، واعتقدت: أنّ العبد فعّال لما يريد على خلاف مشيئة ربه.
وحارت الجبرية، فاعتقدت أن لا قدرة للعبد البتة، ولا اختيار، وأنّ جميع الأفعال صادرة منه على سبيل الاضطرار. أما أهل الحق، فمنحهم الله من هدايته قسطا، وأرشدهم إلى الطريق الوسطى، فانتهجوا سبل السّلام، وساروا، ورائد التوفيق لهم إمام، مستضيئين بأنوار العقول
المرشدة إلى أنّ جميع الكائنات بقدرة الله تعالى، ومشيئته، ولم يغب عن أفهامهم أن يكون بعض الأفعال للعبد مقدورة لما وجدوه من التفرقة بين الاختيارية، والقسرية بالضرورة، لكنها قدرة تقارن بلا تأثير، وتميز بين الضروري، والاختياري في التصوير، فهذا هو التحقيق، والله ولي التوفيق. انتهى.
الإعراب: {وَقالُوا:} الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
{لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {شاءَ:} ماض. {الرَّحْمنُ:} فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للأصنام. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {ما:} نافية. {عَبَدْناهُمْ:} فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، و {لَوْ} ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.
وقيل: مستأنفة. {ما:} نافية. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{بِذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {عِلْمٍ} بعدهما؛ لأنه مصدر. وقيل: في محل نصب حال منه، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. {الرَّحْمنُ:} حرف جر صلة.
{عِلْمٍ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. {إِنْ:} حرف نفي.
{عَبَدْناهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر.
{يَخْرُصُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
{أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)}
الشرح: هذا رد آخر على المشركين، والمعنى: أم آتيناهم كتابا من قبل القرآن، فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟! قال الإمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن حتى يعولوا عليه، ويتمسكوا به؟ انتهى. صفوة التفاسير. وقيل: الضمير عائد على النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {أَمْ:} حرف عطف. وهي بمعنى: همزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي.
{آتَيْناهُمْ:} فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. {كِتاباً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. {مِنْ قَبْلِهِ:} متعلقان بمحذوف صفة: {كِتاباً} . {فَهُمْ:} الفاء:
حرف تعليل. (هم): مبتدأ. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {مُسْتَمْسِكُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية تعليل لإتيانهم الكتاب.
{بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)}
الشرح: {بَلْ قالُوا إِنّا..} . إلخ: أي: لم يأتوا بحجة عقلية، ولا نقلية، بل اعترفوا بأنهم لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. وانظر شرح {أُمَّةٍ} في الآية رقم [8] من سورة (الشورى). {وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ،} وفي الآية التالية:
{مُقْتَدُونَ} والمعنى واحد؛ أي: نهتدي بهديهم، ونسير على طريقهم. ثم بيّن الله في الآية التالية: أنّ مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم، ونظراؤهم من الأمم السابقة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم.
هذا، وحكى الله عنهم قولهم:{مُهْتَدُونَ} وحكى عنهم في الآية التالية قولهم: {مُقْتَدُونَ} لأنّ الأول وقع في محاجتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وادعائهم: أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه مهتدون. والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه مقتدون. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
الإعراب: {بَلْ:} حرف عطف، وإضراب. {قالُوا:} ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
{وَجَدْنا:} فعل، وفاعل. {آباءَنا:} مفعول به أول، و (نا): في محل جر بالإضافة. {عَلى أُمَّةٍ:} متعلقان بمحذوف مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. {وَإِنّا:} الواو: واو الحال. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها. {عَلى آثارِهِمْ:} متعلقان بمحذوف خبر أول ل: (إنّ)، أو هما متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {مُهْتَدُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع
…
إلخ، والجملة الاسمية:{وَإِنّا..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلالة على أنّ التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن مقدميهم أيضا لم يكن لهم سند منظور إليه.
وتخصيص المترفين بالذكر إشعار بأن التنعم وحب البطالة، صرفهم عن النظر إلى التقليد.
والمترفون جمع مترف، وهم الذين أترفتهم النعمة؛ أي: أبطرتهم، فلا يحبون إلاّ الشهوات والملاهي، والملذات، ويعافون مشاق الدين، وتكاليفه، ويعرضون عن الحق. هذا؛ ومقالتهم
هذه شبيهة بمقالة من سبقهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم، قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [43]:{ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} وقد قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [52]{كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} .
الإعراب: {وَكَذلِكَ:} الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: إلا قال مترفوها قولا مشابها لقول قومك.
هذا؛ وقدر الجمل الكلام: والأمر كما ذكر من عجزهم. وهذا يعني: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.
{ما:} نافية. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل. {مِنْ قَبْلِكَ:} متعلقان بما قبلهما، وهما مفعوله الثاني، تقدم على الأول، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{نَذِيرٍ،} كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، كما رأيت في الآية رقم [4]، والكاف في محل جر بالإضافة. {فِي قَرْيَةٍ:} متعلقان بما قبلهما. وقيل: {مِنْ قَبْلِكَ} متعلقان بما قبلهما، و {فِي قَرْيَةٍ} متعلقان بمحذوف حال من:
{نَذِيرٍ} . {مِنْ:} حرف جر صلة. {نَذِيرٍ:} مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة:{ما أَرْسَلْنا..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. {إِلاّ:} حرف حصر. {قالَ:} فعل ماض. {مُتْرَفُوها:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية:{إِنّا وَجَدْنا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وإعرابها كما في الآية السابقة، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وهي على تقدير:«قد» قبلها.
الشرح: {قالَ} أي: قال كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم. {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ:} التقدير:
أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدين أهدى، وأرشد، وأحق مما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة؛ التي ليست من الهداية في شيء؟! وإنما عبر عنها بذلك مجاراة لهم على مسلك الإنصاف. هذا؛ وقرئ:«(قل)» و {قالَ} و {جِئْتُكُمْ} و (جئناكم). {قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ..} . إلخ: أي: إنا ثابتون على دين آبائنا، لا ننفك عنه، وإن جئتنا بما هو أهدى، وأصوب، فهذا منهم إقناط للنذير من أن ينظروا، ويتفكروا فيما جاءهم به.
هذا؛ و (جاء) يستعمل لازما، إن كان بمعنى: حضر، وأقبل، ومتعديا إن كان بمعنى:
وصل، وبلغ، فمن الأول قوله تعالى في سورة (النّصر):{إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} ومن الثاني ما في هذه الآية، و «أتى» مثله يستعمل لازما، ومتعديا فمن الأول قوله تعالى:{أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} . ومن الثاني قوله تعالى في سورة (الغاشية): {هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ} . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى (النذير).
وعلى قراءة: «(قل)» ففاعله مستتر، تقديره:«أنت» . {أَوَلَوْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، داخلة على فعل محذوف، كما رأيت في الشرح. الواو: واو الحال. (لو): وصلية.
{جِئْتُكُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف، والرابط: الواو، والضمير، واعتبار (لو) شرطية ضعيف معنى، وهو يحوج إلى تقدير جواب لها. {بِأَهْدى:} متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«هو» . {مِمّا:} متعلقان ب: (أهدى) و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. {وَجَدْتُمْ:} فعل، وفاعل. {عَلَيْهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. {آباءَكُمْ:} مفعول به أول، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا ب:(على)، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
{قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. {بِما:} جار ومجرور متعلقان ب: {كافِرُونَ} بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جرّ بالباء. {أُرْسِلْتُمْ:} ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. {بِهِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. {كافِرُونَ:} خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
{فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)}
الشرح: {فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ:} فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم، وذلك باستئصالهم.
وأصل الانتقام في اللغة: سلب النعمة بالعذاب. {فَانْظُرْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يتأتى منه النظر، نظر تبصر واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة، والأعمال الخبيثة. {كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ:} عاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ولم يؤنث
الفعل {كانَ} لأنّ {عاقِبَةُ} مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث. أو لأن {عاقِبَةُ} اكتسب التذكير من المضاف إليه.
الإعراب: {فَانْتَقَمْنا:} الفاء: حرف عطف. (انتقمنا): فعل، وفاعل. {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. {فَانْظُرْ:} الفاء:
حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان الانتقام حاصلا منهم؛ فانظر.
(انظر): أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:«أنت» ، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.
{كَيْفَ كانَ:} أجاز ابن هشام في المغني في: {كانَ} ثلاثة أوجه: نقصانها وتمامها وزيادتها، وقال: إلاّ أن الناقصة لا تكون شأنية لأجل الاستفهام، ولتقدم الخبر، و (كيف) حال على التمام، وخبر ل:{كانَ} على النقصان، وللمبتدأ على الزيادة. و {عاقِبَةُ} مضاف، و {الْمُكَذِّبِينَ} مضاف إليه، وجملة:{كَيْفَ كانَ..} . إلخ في محل نصب سدّت مسدّ مفعول (انظر)، وجملة: (انظر
…
) إلخ لا محلّ لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء.
{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (26)}
الشرح: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ:} ما أحراك أن تنظر قصته مع أبيه، وقومه في سورة (الأنبياء) وفي سورة (الأنعام) وفي سورة (الشعراء) وغير ذلك. {إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ:} بريء من عبادتكم، أو من معبودكم، فهو مصدر يستعمل للواحد فما فوقه، فلا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، ولا يقال: البراآن، والبراؤون؛ لأنّ المعنى ذو البراء، وذوو البراء. قال الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء منه، لا يثنى، ولا يجمع؛ لأنّه مصدر في الأصل، مثل: سمع سماعا.
انتهى. قرطبي. هذا؛ وقرئ: «(برئ)» و «(براء)» ككريم، وكرام. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الممتحنة) حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [47]: [الخفيف]
أم جنايا بني عتيق فمن يغ
…
در فإنّا من حربهم براء
والمعنى: واذكر يا محمد لقومك؛ إذ قال إبراهيم؛ الذي هو أعظم آبائهم ومحطّ فخرهم، والجمع على محبّته، وحقية دينه منهم، ومن غيرهم، قال لأبيه؛ أي: من غير أن يقلده، كما قلدتم أنتم آباءكم، وقومه الذين كانوا هم القوم بالحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض، قال:{إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ،} فتبرأ مما هم عليه، وتمسك بالبرهان، ليسلكوا مسلكه في الاستدلال. انتهى. جمل. وبينه وبين ما تقدم من المقارنة بين الهدى، والضلال، وبين منطق العقل السديد، ومنطق الهوى والتقليد ما لا يخفى.
الإعراب: {وَإِذْ:} الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت
…
إلخ، أو هو متعلق بهذا المقدر؛ إن اعتبرته باقيا على ظرفيته، وجملة:{قالَ إِبْراهِيمُ..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
{لِأَبِيهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَقَوْمِهِ:} معطوف على ما قبله. {إِنَّنِي:} حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. {بُرَآؤُا:} خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {مِمّا:} جار ومجرور متعلقان ب: {بُرَآؤُا،} و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب:(من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: براء من الذي، أو من شيء تعبدونه. وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب:(من): التقدير: براء من عبادتكم.
{إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)}
الشرح: {إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي:} خلقني، وأنشأني من العدم. وانظر {فاطِرُ} في الآية رقم [11] من سورة (الشورى). {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ:} فإنه سيرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة. أو سيثبتني على الهداية. قال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه على أنّ الهداية من الله تعالى، والأوجه: أنّ السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار.
الإعراب: {إِلاَّ:} أداة استثناء. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع بناء على أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط، أو هو متصل بناء على أنهم كانوا يشركون مع الله الأصنام. وأجيز اعتباره بدلا من (ما) كما أجيز اعتبار:{إِلاَّ} صفة ل: (ما) بمعنى: «غير» على اعتبار (ما) نكرة موصوفة ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية لكونها على صورة الحرف. و {إِلاَّ} مضاف، و {الَّذِي} مضاف إليه. {فَطَرَنِي:} ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل يعود إلى:{الَّذِي،} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. {فَإِنَّهُ:} الفاء: حرف تعليل لبراءته مما تعبدون. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {سَيَهْدِينِ:} السين: حرف استقبال. (يهدين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى:{الَّذِي} أيضا، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:(إن)، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها تعليلية.
تنبيه: وقوع {إِلاَّ} اسما بمعنى: «غير» مستعمل في العربية، من ذلك قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [22]:{لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا} ولهذه المسألة نظائر في الشعر العربي مثل قول ذي الرمة: [الطويل]
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة
…
قليل بها الأصوات إلاّ بغامها
وقول لبيد بن ربيعة العامري الصحابي-رضي الله عنه: [البسيط]
لو كان غيري-سليمى-الدهر غيّره
…
وقع الحوادث إلاّ الصّارم الذّكر
وهذان هما الشاهدان رقم [113] و [114] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» ف: «إلاّ» فيهما اسم بمعنى: «غير» صفة لما قبلها، ظهر إعرابها على ما بعدها بطريق العارية؛ لكونها على صورة الحرف وهو مضاف، وبغامها، والصارم مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المنقولة إليه من:«إلا» .
{وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)}
الشرح: {وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ} أي: وجعل إبراهيم هذه الكلمة كلمة التوحيد باقية في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله. هذا؛ والمراد: بكلمة هي: (لا إله إلاّ الله). وقيل: هي {إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ} والأول أولى، كما نطق به قوله تعالى:{وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} رقم [132] من سورة (البقرة). هذا؛ والعقب: الذرية من الأولاد، والأحفاد ذكورا، وإناثا، والعقب مؤخر الرجل، والجمع فيهما: أعقاب، قال الرسول صلى الله عليه وسلم في وعيد الذين لا يغسلون أعقابهم في الوضوء:«ويل للأعقاب من النّار» . هذا؛ والعقب في اللغة: عبارة عن شيء بعد شيء، كان من جنسه، أو من غير جنسه، يقال: أعقب الله بخير؛ أي: جاء بعد الشدة بالرخاء، وأعقب الشيب السواد. وقيل: الضمير يعود إلى الله تعالى، والضمير المجرور محلا بالإضافة يعود إلى إبراهيم بلا شك. وانظر مثل هذا الترجي في الآية رقم [3] وانظر شرح {كَلِمَةً} في الآية رقم [14] من سورة (الشورى).
الإعراب: {وَجَعَلَها:} الواو: واو الحال. (جعلها): فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبراهيم، والهاء مفعول به أول. {كَلِمَةً:} مفعول به ثان. {باقِيَةً:} صفة: {كَلِمَةً} . {فِي عَقِبِهِ:} متعلقان ب: {باقِيَةً،} والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{وَجَعَلَها..} .
إلخ في محل نصب حال من: {إِبْراهِيمُ} على اعتبار الفاعل عائدا عليه، أو من فاعل:
{سَيَهْدِينِ} على اعتبار الفاعل عائدا إلى الله، والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. و «قد» قبلها مقدرة لتقرب الماضي من الحال. وقيل: الجملة معطوفة على ما قبلها. {لَعَلَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية تعليل للأمر المقدر؛ لذا فهي من مقول الله تعالى، وليست من مقول إبراهيم. وقيل: هي تعليل ل: «الجعل» فتكون من مقول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
{بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29)}
الشرح: {بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ:} عبارة البيضاوي: هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم من قريش، وآباءهم بالمد في العمر، والنعمة، فاغتروا بذلك، وانهمكوا في الشهوات. انتهى. وقال الإمام الفخر: وجه نظم الآية: أنهم لما عولوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة؛ اغتروا بطول الإمهال، وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا، فأعرضوا عن الحق. انتهى. صفوة التفاسير.
{حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ} أي: القرآن، أو الإسلام. و {وَرَسُولٌ:} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {مُبِينٌ} أي:
يبين لهم الأحكام. وقيل: بين الرسالة، وأوضحها بما معه من الآيات، والمعجزات، وكان من حق الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا بل كذّبوا، وعصوا، وسمّوه ساحرا. وفي هذه الغاية خفاء بيّنه صاحب الكشاف بقوله: وهو أنّ ما ذكر ليس غاية للتمتيع؛ إذ لا مناسبة بينهما، مع أنّ مخالفة ما بعدها لما قبلها غير مرعي فيها. والجواب: أنّ المراد بالتمتيع ما هو سببه من اشتغالهم به عن شكر المنعم، فكأنه قال: اشتغلوا به؛ حتى جاءهم الحق، وهو غاية له في نفس الأمر؛ لأنّه مما ينبههم ويزجرهم لكنهم لطغيانهم عكسوا، فهو كقوله تعالى في سورة (البينة):
{وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} . انتهى. جمل.
هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، وأمتعه الله، ومتّعه بمعنى:
واحد، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء. فهنيئا لمن تمتع واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة: ما وصلت به بعد الطلاق من نحو إزار، وقميص، وملحفة. قال تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} . هذا؛ وأمره سبحانه وتعالى للكفار في كثير من الآيات بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها، وفي التهديد لهم بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به.
الإعراب: {بَلْ:} حرف إضراب عن الكلام السابق. {مَتَّعْتُ:} فعل، وفاعل. {هؤُلاءِ:}
الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. {وَآباءَهُمْ:} معطوف على ما قبله منصوب مثله، والهاء في محل جر بالإضافة. {حَتّى:} حرف غاية، وجر، وبعدها «أن» مضمرة. {جاءَهُمُ:} فعل ماض، والهاء مفعول به. {الْحَقُّ:} فاعله، و «أن» المضمرة والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر ب:{حَتّى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَرَسُولٌ:} معطوف على ما قبله.
{مُبِينٌ:} صفة له.
{وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (30)}
الشرح: {وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ} أي: ولما جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى الهدى والتوحيد؛ ازدادوا عتوا، وضلالا، فقالوا عن القرآن:{هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ} أي: ونحن له جاحدون، لا نصدق: أنّه كلام الله. قال أبو السعود: سمّوا القرآن سحرا، وكفروا به، واستحقروا الرسول صلى الله عليه وسلم، فضموا إلى كفرهم السابق معاندة الحق، والاستهانة به.
الإعراب: {وَلَمّا:} الواو: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف زمان بمعنى:«حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه.
وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. وجملة:{جاءَهُمُ الْحَقُّ} في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبارها حرفا؛ لأنّها حينئذ ابتدائية. {قالُوا:}
ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الاسمية:{هذا سِحْرٌ} في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ جواب (لما)، لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. {وَإِنّا:} الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {كافِرُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية:{وَإِنّا..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
{وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)}
الشرح: المعنى: أنهم قالوا: منصب النبوة منصب عظيم شريف، لا يليق إلاّ برجل شريف عظيم، كثير المال والجاه من إحدى القريتين، وهما: مكة، والطائف، واختلفوا في هذا الرجل العظيم، قيل: الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف. وقيل: عتبة بن ربيعة بمكة، وكنانة بن عبد يا ليل من الطائف. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: الوليد بن المغيرة من مكة، وحبيب بن عمير الثقفي من الطائف. انتهى. خازن. وانظر الآية رقم [11] من سورة (الأحقاف).
وقال الصابوني: استبعدت قريش نزول القرآن على محمد، وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساء، والعظماء، ظنا منهم: أنّ العظيم هو الذي يكون له مال، وجاه، وفاتهم: أنّ العظيم هو الذي يكون عند الله عظيما، وهم يعتبرون مقياس العظمة، الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمان، ومكان. أما مقياس العظمة عند الله تعالى، وعند العقلاء؛ فإنما هو عظمة النفس، وسمو الروح؛ ومن أعظم نفسا، وأسمى روحا من محمد صلى الله عليه وسلم، الذي رعاه الله، ورباه، وأدبه، وكمله؟!. انتهى.
الإعراب: {وَقالُوا:} الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
{لَوْلا:} حرف تحضيض. {هذَا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل {نُزِّلَ} المبني للمجهول {الْقُرْآنُ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. {عَلى رَجُلٍ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ:} متعلقان بمحذوف صفة: {رَجُلٍ،} وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {عَظِيمٍ:}
صفة ثانية ل {رَجُلٍ،} والجملة الفعلية: {لَوْلا نُزِّلَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
{وَقالُوا..} . إلخ معطوفة على جواب (لمّا)، لا محل لها مثلها.
الشرح: الآية رد لما تمنّاه الجاهلون في الآية السابقة. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} أي: أهم يمنحون النبوة، ويخصون بها من شاؤوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو لفلان العظيم من الناس. {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} أي: نحن بحكمتنا، وتدبيرنا جعلنا هذا غنيا، وهذا فقيرا، وفاوتنا بينهم في الأموال، والأرزاق، وإذا كان أمر المعيشة، وهو تافه حقير لم نتركه لهم، بل تولينا قسمته بأنفسنا؛ فكيف نترك أمر النبوة-وهو عظيم خطير- لأهوائهم، وشهواتهم، ومشتهياتهم؟! قال في التسهيل: كما قسمنا المعايش في الدنيا؛ كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية؛ فأولى وأحرى ألاّ نهمل الحظوظ الشريفة الباقية. انتهى. صفوة التفاسير، وبالجملة: فالمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا. كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:
وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها، وحرامها من الله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، قال اللقاني-رحمه الله تعالى-:[الرجز]
والرزق عند القوم ما به انتفع
…
وقيل لا بل ما ملك وما اتّبع
فيرزق الله الحلال فاعلما
…
ويرزق المكروه والمحرّما
هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-وهو معتزلي-: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته، وهي مطاعمه، ومشاربه، وما يصلحهم من المنافع، وأذن لهم في تناولها، ولكن شرط عليه، وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها، فإذا سلكها؛ فقد تناول قسمته من المعيشة حلالا، وسماها رزق الله، وإذا لم يسلكها؛ تناولها حراما، وليس له أن يسميها رزق الله، فالله
تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عمّا شرعه الله إلى ما لم يشرعه. انتهى. كشاف.
أقول: رحم الله الزمخشري، فقد أصاب بقوله: «يكسونها صفة
…
» إلخ. وتجاوز الحد بقوله (وليس له أن يسميها
…
) إلخ قال أحمد محشي الكشاف: الرزق عند أهل السنة يطلق على ما يقوم الله به حال العبد حلالا، كان، أو حراما، وهذه الآية معضدة، والزمخشري بنى على أصله.
{وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ} أي: فاضلنا بينهم، فمن فاضل، ومفضول، ورئيس، ومرؤوس، وخادم، ومخدوم، وضعيف، وقوي، وغني، وفقير
…
إلخ. {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} أي: ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم، فيحصل بينهم تأليف، وتضام، ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسّع عليه، ولا لنقص في المقتّر عليه، ثم إنهم لا اعتراض لهم علينا في ذلك، ولا تصرف، فكيف يكون فيما هو أعلى منه. انتهى. بيضاوي. وفي الخازن:
يعني: لو سوينا بينهم في كل الأحوال، لم يخدم أحد أحدا، ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره، وحينئذ يفضي إلى خراب العالم، وفساد حال الدنيا، ولكن فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا، فسخّر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض، هذا بماله، وهذا بعمله، فيلتئم قوام العالم. انتهى.
هذا؛ والياء في {سُخْرِيًّا} للنسب؛ أي: نسبته للسخرة؛ التي هي العمل بلا أجرة، كما في كتب اللغة، وبهذا الاعتبار لا يصح التعليل في قوله:{لِيَتَّخِذَ} فإنه ليس القصد من تفاوت الناس في الرزق، أن يقهر الغني الفقير على العمل له. والحاصل: أنّه إذا نظر لصحة التعليل، واستقامته استقام التقييد المذكور، وإن نظر للأمر اللغوي في السخرة لم تستقم النسبة إليها، ولا يصح الكلام معها، ولا التقييد بالأجرة.
وقرئ بكسر السين شاذا، بخلافه في سورة (ص) رقم [63]:{أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا} وسورة (المؤمنون) رقم [110]: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} فالقراءة بكسر السين فيهما سبعية. انظر ما ذكرته فيهما هناك. وفي القرطبي: وقيل: هو هنا من السخرية التي هي بمعنى: الاستهزاء؛ أي:
ليستهزئ الغني بالفقير. قال الأخفش: سخرت به، وسخرت منه، وضحكت به، وضحكت منه، وهزئت به، وهزئت منه. انتهى. وعلى هذا القول، تكون اللام للصيرورة والعاقبة، لا للعلة، والسببية. أقول: والمعتمد الأول، وفي سورة (المؤمنون) وسورة (ص) من الاستهزاء.
{وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ} أي: أفضل مما يجمعون من الدنيا، ثم قيل: الرحمة:
النبوة، وقيل: الجنة، والعظيم من أعطيها، وحازها، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، لا من حاز الكثير مما يجمعون، كعروة بن مسعود، ونحوه. وللصابوني قوله: وإذا كانت النبوة أعظم شأنا من المال،
والجاه، والسلطان، وكانت حكمة الله العلية قد حددت لكل إنسان رزقه، ولكل مخلوق حظّه من الرزق، والمال، والمال بالنسبة للنبوة أمر حقير، فكيف يترك الأمر الجليل العظيم، وهو (الرسالة والنبوة) إلى أهواء الناس ورغباتهم؟! فإذا لم يشأ الله تعالى أن يترك أمر الرزق لأهل الأرض، بل قسم، ووزع، وحدد لكل نصيبه، فكيف يترك أمر النبوة إلى أهواء الناس؟ وهذا هو السر الدقيق في التعبير بقوله جلّ وعلا:{نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} فالذي وهب الرزق هو الذي وهب النبوة. انتهى.
الإعراب: {أَهُمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَقْسِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. {رَحْمَتَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{أَهُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. {نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {قَسَمْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {بَيْنَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بما قبله. والهاء في محل جر بالإضافة. {مَعِيشَتَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {فِي الْحَياةِ:}
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{مَعِيشَتَهُمْ} . {الدُّنْيا:} صفة:
{الْحَياةِ} مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية:
{نَحْنُ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. {وَرَفَعْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{قَسَمْنا..} . إلخ فهي في محل رفع مثلها. {بَعْضَهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. {فَوْقَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من:
{بَعْضَهُمْ،} و {فَوْقَ:} مضاف، و {بَعْضٍ} مضاف إليه. {دَرَجاتٍ:} مفعول به ثان. وقيل: تمييز منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم. {لِيَتَّخِذَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو لام الصيرورة. {بَعْضَهُمْ:} فاعله.
{بَعْضاً:} مفعول به. {سُخْرِيًّا:} مفعول به ثان، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {وَرَفَعْنا}. {وَرَحْمَتُ:} الواو:
واو الحال. (رحمة): مبتدأ، وهو مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه
…
إلخ. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، وفاعله ضمير مستتر فيه. {مِمّا:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ،} و (ما). تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب:(من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: خير من الذي، أو من شيء يجمعونه، والجملة الاسمية:{وَرَحْمَتُ رَبِّكَ..} . إلخ في محل نصب حال من: {بَعْضَهُمْ} .
والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً} أي: ولولا أن يصيروا كلهم كفارا، فيجتمعون على الكفر، ويرغبون فيه إذا رأوا الكفار في سعة من الخير أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال. {لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ} أي: مصاعد، ودرجات من فضة، ومعارج جمع معرج، وقرئ معاريج على أنه جمع معراج، وهو الدرج إلى الطوابق العليا، كما نرى في هذا الزمن. {عَلَيْها يَظْهَرُونَ} أي: يصعدون، ويرتقون. يقال: ظهرت على البيت؛ أي: علوت على سطحه، وهذا لأنّ من علا شيئا، وارتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء؛ أي:
علمته. وظهرت على العدو؛ أي: غلبته، وأنشد النابغة الجعدي-رضي الله عنه-رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدة منها قوله:[الطويل]
علونا السماء عزة ومهابة
…
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
أي: مصعدا، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:«إلى أين؟» قال: إلى الجنة، قال:«أجل إن شاء الله» . {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً} أيضا من فضة. {عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ:} الاتكاء، والتوكؤ: التحامل على الشيء. ومنه قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- في سورة (طه):{هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها} والمتكأ: ما يتوكأ عليه، قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حق زليخا:{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} هذا؛ وسميت المصاعد من الدرج، والسلم: معارج؛ لأنّ المشي عليها مثل مشي الأعرج.
الإعراب: {وَلَوْلا:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لولا): حرف امتناع لوجود. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {يَكُونَ:} فعل مضارع ناقص، منصوب ب:{أَنْ} .
{النّاسُ:} اسم {يَكُونَ} . {أُمَّةً:} خبر: {يَكُونَ} . {واحِدَةً:} صفة: {أُمَّةً} . و {أَنْ يَكُونَ} في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، وهو على تقدير مضاف محذوف؛ أي: كراهة كون الناس
…
إلخ، أو التقدير: لولا صيرورتهم أمة واحدة. وخبر المبتدأ محذوف، دلّ عليه جواب (لولا). {لَجَعَلْنا:} اللام: واقعة في جواب (لولا). (جعلنا): فعل، وفاعل. {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل المفعول الثاني. وجملة: {يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ} صلة الموصول، لا محلّ لها. {لِبُيُوتِهِمْ:} الجار والمجرور بدل من قوله {لِمَنْ} بدل اشتمال بإعادة الجار، التقدير: لبيوت من كفر، والهاء في محل جر بالإضافة. {سُقُفاً:} مفعول به. {مِنْ فِضَّةٍ:} متعلقان بمحذوف صفة: {سُقُفاً} . {وَمَعارِجَ:} معطوف على: {سُقُفاً} . {عَلَيْها:}
جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة:{عَلَيْها يَظْهَرُونَ} في محل نصب صفة: (معارج) هذا هو المتبادر، وعند التأمل يتبين لك: أنّها حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، وقد راعى لفظ (من) بقوله:{يَكْفُرُ} حيث عاد الضمير عليها مفردا، وراعى معناها فيما بعده حيث أعاد الضمير عليها جمعا. وجملة:{لَجَعَلْنا..} . إلخ جواب «لولا» ، لا محلّ لها، و «لولا» .
ومدخولها كلام لا محلّ له على الوجهين المعتبرين في الواو. {لِبُيُوتِهِمْ:} جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. {أَبْواباً:} معطوف على {سُقُفاً} و (معارج). و {وَسُرُراً:} مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وجعلنا لهم سررا، وليس معطوفا على:{أَبْواباً} لاقتضاء العطف أن السرر للبيوت مع أنها لا تضاف لها، ولا تختص بها. وقل في جملة:{عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ} ما رأيته في جملة: {عَلَيْها يَظْهَرُونَ} .
الشرح: {وَزُخْرُفاً} أي: وذهبا. قاله ابن عباس، وغيره، كما في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [93] حكاية عن قول الكافرين:{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} . وقال ابن زيد: هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. وقال الحسن البصري: النقوش. وأصله الزينة، يقال: زخرفت الدار؛ أي: زينتها، وتزخرف فلان: أي: تزين. {وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ} أي: ما تقدم ذكره. {لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا} أي: ما يتمتع به الكافر في هذه الحياة الدنيا، ثم يزول، ويفنى.
هذا؛ وقرئ بتشديد ميم {لَمّا} وتخفيفها، كما قرئ بفتح اللام، وكسرها؛ لكن مع تخفيف الميم.
{وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} يعني: الجنة خاصة للمتقين، الذين زهدوا في الدنيا، وأعرضوا عن شهواتها. قال كعب الأحبار: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن؛ لكلّلت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع، ولا ينبض منه عرق بوجع.
وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وعن سهل بن سعد-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» . وأنشدوا: [الطويل]
فلو كانت الدنيا جزاء لمحسن
…
إذا لم يكن فيها معاش لظالم
لقد جاع فيها الأنبياء كرامة
…
وقد شبعت فيها بطون البهائم
وقال آخر: [الطويل]
تمتّع من الأيام إن كنت حازما
…
فإنك فيها بين ناه وآمر
إذا بقت الدنيا على المرء دينه
…
فما فاته منها فليس بضائر
فلا تزن الدنيا جناح بعوضة
…
ولا وزن رقّ من جناح لطائر
فلم يرض بالدنيا ثوابا لمحسن
…
ولا رضي الدنيا عقابا لكافر
فإن قيل: لما بيّن الله تعالى: أنّه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك لاجتماع الناس على الإسلام؟ فالجواب: لأنّ الناس على هذا التقرير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين؛ حتى إن كل من دخل في الإسلام، فإنّما يدخل لمتابعة الدليل، ولطلب رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب.
وقال الزمخشري: فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة؛ التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا، وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام، قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضا؛ لما تؤدي إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر؛ حيث جعل في الفريقين أغنياء، وفقراء، وغلب الفقر على الغنى. انتهى. جمل.
بعد هذا أقول: إن الله بيّن في كتابه العزيز: أنّه قد يعطي بعض الكافرين، والظالمين، والفاجرين، والفاسدين، والمفسدين ما يحبون من حطام الدنيا، وملذاتها، وشهواتها على سبيل الاستدراج، ولكن أخذه لهم يكون شديدا بعد ذلك، وعقابه لهم يكون أليما، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [182]:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} وقال في سورة (مريم) رقم [75]: {قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا} وقال في سورة (القلم) رقم [44]: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} .
وبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة: «إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ» . وبيّن: أنّ الله قد يحرم عبده المؤمن من ملذّات الدنيا، ومشتهياتها؛ وهو يحبه حماية له من الافتتان بها، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا؛ وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطعام، والشراب» . رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وعن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو في غرفة كأنها بيت حمام، وهو نائم على حصير قد أثر في جنبه، فبكيت، فقال:«ما يبكيك، يا عبد الله؟!» .
قلت: يا رسول الله كسرى وقيصر يطؤون على الخز، والديباج، والحرير، وأنت نائم على حصير
قد أثّر في جنبك؟ قال: «لا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدنيا، ولنا الآخرة، وما أنا والدنيا (أو) ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب نزل تحت شجرة ثم سار وتركها» . رواه الطبراني.
الإعراب: {وَزُخْرُفاً:} معطوف على: {وَسُرُراً} المعمول للمقدر؛ أي: وجعلنا لهم زخرفا ليجعلوه في السقف، والمعارج، والأبواب، والسرر. وجوز الزمخشري عطفه على محل:{مِنْ فِضَّةٍ،} وأجيز اعتباره منصوبا بنزع الخافض. {وَإِنْ:} الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي بمعنى: «ما» . {كُلُّ:} مبتدأ، وهو مضاف، و {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. {لَمّا:} حرف حصر بمعنى: «إلا» . {مَتاعُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {الْحَياةِ} مضاف إليه. {الدُّنْيا:} صفة الحياة. هذا؛ وعلى قراءة: «(لما)» بفتح اللام وتخفيف الميم، ف:(إن) مخففة من الثقيلة. و (ما):
صلة، و {مَتاعُ} خبر {كُلُّ،} وأجيز اعتبار (ما). موصولة خبر: {كُلُّ} . وعلى الوجهين فاللام هي الفارقة بين النفي، والإثبات، وعلى اعتبار (ما). موصولة ف:{مَتاعُ} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: للذي هو متاع، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. هذا؛ وعلى قراءة كسر اللام، فهي جارة (ما). على اعتبارها موصولة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة: «هو متاع
…
إلخ» المقدرة. صلة الموصول، لا محلّ لها، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الاسمية:{وَإِنْ كُلُّ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الأسماء المتعاطفة؛ فلا بأس به، والواو مجوزة للحالية، مانعة من الوصفية، كما رأيت في آية (البقرة) رقم [215] {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. {وَالْآخِرَةُ:} الواو:
حرف استئناف. (الآخرة): مبتدأ. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال ولا وجه له و {عِنْدَ} مضاف، و {رَبِّكَ} مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لِلْمُتَّقِينَ:} متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية:{وَالْآخِرَةُ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}
الشرح: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ} أي: يعرض، ويتعام عن ذكر الرحمن بفرط اشتغاله بحطام الدنيا، وانهماكه بشهواتها. والعشا في العين: ضعف بصرها، وهو من الرباعي. قالت عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وسلم:[مجزوء الكامل]
بعكاظ يعشي النّاظرين
…
إذا هم لمحوا شعاعه
وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [41]: [الخفيف] فاتركوا البغي والتّعدّي وإمّا
…
تتعاشوا ففي التّعاشي الدّاء
وأما عشا، يعشو من الثلاثي، فهو من: عشا إلى النار: إذا رآها من بعيد، فقصدها مستضيئا، أو راجيا: أنها نار قرى على حد قول الحطيئة، وهو الشاهد رقم [151] من كتابنا:
«فتح رب البرية» . [الطويل]
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
…
تجد خير نار عندها خير موقد
والآية الكريمة بمعنى: يصدّ، ويتعامى. ومثلها في المعنى قول حاتم الطائي:[السريع]
أعشو إذا ما جارتي برزت
…
حتّى يواري جارتي الخدر
هذا؛ وقرئ: «(ومن يعش)» بفتح الشين، ومعناه: يعمى. يقال: عشي، يعشى عشا: إذا عمي، ورجل أعشى، وامرأة عشواء؛ إذا كانا لا يبصران، ومنه قول الأعشى في معلقته رقم [20]. [البسيط] أأن رأت رجلا أعشى أضرّ به
…
ريب المنون ودهر مفند خبل
والمراد: ب: {ذِكْرِ الرَّحْمنِ} القرآن. {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً:} نهيئ له، ونسلط عليه شيطانا يتلاعب به كيفما يشاء. {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ:} ملازم له، لا يفارقه، يزين له العمى، ويخيل إليه: أنّه على الهدى. وفي الآية تحذير من سلوك طرق الشر. ومن سلك طريق الشر؛ فالله يكله إلى شيطانه، يتلاعب به كيف يشاء، بخلاف من اهتدى، وسلك طريق الخير؛ فإنه يجد توفيقا من الله إلى الخير، وعونا عليه، قال تعالى في سورة (محمد صلى الله عليه وسلم الآية رقم [17]:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (فصلت) رقم [25]. وقال القرطبي، وغيره:
هذه الآية متصلة بقوله أول السورة: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً} أي: لا نضربه، بل نواصله لكم، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى تأويل المضلين، وأباطيلهم {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً} أي: نسبب له شيطانا جزاء له على كفره {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} في الدنيا يمنعه عن الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية. وهو معنى قول ابن عباس-رضي الله عنهما. انتهى. هذا؛ وقال الزمخشري: وقرئ «(يعشو)» على أن (من) موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع «(نقيّض)». انتهى. أقول: وهذه قراءة شاذة. ولا تنس استعارة العشا للضلال.
الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَعْشُ:} فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، أو الواو، والفاعل مستتر، تقديره:«هو» ، يعود إلى (من). {عَنْ ذِكْرِ:}
متعلقان بما قبلهما، و {ذِكْرِ} مضاف، و {الرَّحْمنِ} مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {نُقَيِّضْ:} فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«نحن» .
{لَهُ:} متعلقان بما قبلهما. {شَيْطاناً:} مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه،
فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وعلى اعتبار (من) موصولة، فجملة:{يَعْشُ..} . إلخ صلة الموصول، وهي مبتدأ، وجملة:{نُقَيِّضْ..} . إلخ في محل رفع خبره، وقلت لك: القراءة شاذة. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. {فَهُوَ:} الفاء: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {لَهُ:} متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له.
{قَرِينٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جواب الشرط، فهي في محل جزم مثله، أو هي معطوفة على خبر المبتدأ على اعتبار (من) موصولة.
{وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)}
الشرح: {وَإِنَّهُمْ} أي: الشياطين. {لَيَصُدُّونَهُمْ} أي: ليصدون المعرضين عن ذكر الرحمن، وهم (العاشون). {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} أي: ويحسب كفار بني آدم: أنهم على الهدى. وقيل: الضميران: الثاني، والثالث يعودان إلى (الشياطين)، والأول يعود إلى (العاشين). هذا؛ وإنما جمع الضمير العائد إلى (من) والضمير العائد إلى (الشيطان) لأنّ (من) مبهم يطلق على المفرد، والمثنى، والجمع. وقد قيض له شيطان مبهم أيضا من جنسه، فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا.
هذا؛ و «يصد» يأتي بمعنى: يمنع، ويصرف، وهو ما في هذه الآية، وهو بضم الصاد، ويأتي بمعنى: يعرض، ويميل، ومنه قوله تعالى:{رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} وهو بهذا المعنى يأتي بضم الصاد، وكسرها، كما يأتي بمعنى: يضجون فرحا، ومنه الآية رقم [57] الآتية، ومصدر الأولين: صد، وصدود، ومصدر الأخير: صديد.
الإعراب: {وَإِنَّهُمْ:} الواو: واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
{لَيَصُدُّونَهُمْ:} اللام: هي المزحلقة. (يصدونهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله. {عَنِ السَّبِيلِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَإِنَّهُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من: {شَيْطاناً،} أو من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير على الاعتبارين، وقد عرفت أنّ (من) و {شَيْطاناً} بمعنى: الجمع. {وَيَحْسَبُونَ:} الواو: واو الحال. (يحسبون): فعل مضارع
…
إلخ، والواو فاعله. {إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {مُهْتَدُونَ:} خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه جمع مذكر سالم، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي:{وَيَحْسَبُونَ،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهم يحسبون، والجملة الاسمية في
محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير، وإنما قدرت الضمير مبتدأ؛ لأنّ الجملة المضارعية الواقعة حالا لا تقترن بالواو. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته:[الرجز]
وذات بدء بمضارع ثبت
…
حوت ضميرا ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدا
…
له المضارع اجعلنّ مسندا
الشرح: {حَتّى إِذا جاءَنا:} يعني الكافر وحده، وقرئ:«(جاآنا)» على التثنية يعني: الكافر العاشي، وقرينه الشيطان، وقد جعلا في سلسلة واحدة. {قالَ:} أي: العاشي الكافر لقرينه الشيطان: {يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} أي: مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، كما قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [17]:{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة، ولذلك قال:{بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} وقال الفراء: أراد المشرق، والمغرب، فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران:
للشمس، والقمر، والعمران: لأبي بكر، وعمر، والبصرتان: للكوفة، والبصرة، والعصران:
للغداة، والعصر، والأبوان، والوالدان: للأب، والأم وهو كثير مستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. وأنشد أبو عبيدة لجرير:[البسيط]
ما كان يرضى رسول الله فعلهم
…
والعمران: أبو بكر، ولا عمر
وقال الفرزدق من قصيدة يهجو جريرا، ويفخر بها عليه:[الطويل]
أخذنا بآفاق السماء عليكم
…
لنا قمراها والنجوم الطّوالع
{فَبِئْسَ الْقَرِينُ} أي: فبئس الصاحب أنت؛ لأنّه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا بعث الكافر زوّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه؛ حتى يصير به إلى النار.
الإعراب: {حَتّى:} حرف ابتداء، وعند الأخفش حرف جر. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب.
{جاءَنا:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (العاشي) المفهوم من:«يعشو» وعلى قراءة التثنية، فألف الاثنين فاعله، و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:{إِذا} إليها على المشهور المرجوح. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى العاشي أيضا. {يا لَيْتَ:} (يا):
حرف تنبيه، وأجيز اعتبارها أداة نداء؛ والمنادى محذوف، تقديره: يا هذا مثلا. (ليت): حرف مشبه بالفعل. {بَيْنِي:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (ليت) تقدم على اسمها، فهو
منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {وَبَيْنَكَ:} معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. {بُعْدَ:} اسم: (ليت) مؤخر، وهو مضاف، و {الْمَشْرِقَيْنِ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى لفظا، والجملة الاسمية:{يا لَيْتَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، و {إِذا} ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له على رأي الجمهور. قال الجمل: فإن {حَتّى} وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مر مرارا. انتهى. أبو السعود. {فَبِئْسَ:} الفاء: هي الفصيحة. (بئس القرين):
ماض، وفاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس القرين أنت! والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فبئس القرين.
{وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39)}
الشرح: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ..} . إلخ: أي: لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك في الدنيا، وارتكاب المعاصي اشتراككم في العذاب في الآخرة، ولا يخفف عنكم شيئا، لكل واحد من الكفار، والشياطين الغاوين لهم له الحظ الأوفر، والنصيب الأوفى من العذاب.
وقيل: المعنى: لن ينفعكم الاعتذار، والندم اليوم، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب، كما كنتم مشتركين في الكفر. انتهى. خازن. وقال القرطبي: أعلم الله تعالى: أنه منع أهل النار التأسي، كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أنّ التأسي يستروحه أهل الدنيا، فيقول أحدهم: لي في البلاء، والمصيبة أسوة، فيسكّن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء:[الوافر]
فلولا كثرة الباكين حولي
…
على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
…
أعزّي النفس عنه بالتّأسّي
تنبيه: روعي في هذه الآيات معنى (من) ولفظها، فقد روعي معناها في مواضع ثلاثة: الهاء في قوله: {لَيَصُدُّونَهُمْ،} والثاني: الواو في قوله: {وَيَحْسَبُونَ،} والثالث: الهاء في قوله:
{وَإِنَّهُمْ} وروعي لفظها في ثلاثة مواضع أيضا: الأول: الضمير المستتر في {يَعْشُ} . والثاني، والثالث: المجروران باللام في {نُقَيِّضْ لَهُ} و {فَهُوَ لَهُ} ثم روعي لفظها في موضعين: المستتر في: (جاء) والمستتر في {قالَ} ثم روعي معناها في ثلاثة مواضع في {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ} وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله تعالى:
{حَتّى إِذا جاءَنا} فإنّ {حَتّى} وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد كما مرّ مرارا. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود وغيره.
الإعراب: {وَلَنْ:} الواو: حرف استئناف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
{يَنْفَعَكُمُ:} فعل مضارع منصوب ب: (لن)، والكاف مفعول به. {الْيَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا مما قبله. {ظَلَمْتُمْ:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:{إِذْ} إليها. {أَنَّكُمْ:}
حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. {فِي الْعَذابِ:} متعلقان بما بعدهما. {مُشْتَرِكُونَ:} خبر (أنّ). مرفوع
…
إلخ، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل:
{يَنْفَعَكُمُ} . انظر الشرح، وقال بعضهم: الفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى التمني المدلول عليه بقوله: {يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} التقدير: ولن ينفعكم تمنيكم البعد. وعليه فالمصدر المؤول في محل جر بلام تعليل محذوفة، ويؤيده: أنه قرئ بكسر همزة (إنّ).
تنبيه: {الْيَوْمَ:} ظرف للحال، و {إِذْ} ظرف للماضي، وفيه إبدال الماضي من الحال، وفي تجويز ذلك أقوال كثيرة أصحّها: أنّ الدنيا والآخرة متصلتان، وهما سواء في حكم الله تعالى، وعلمه. قال أبو الفتح بن جني في مساءلته أبا علي الفارسي: راجعته فيها مرارا، فآخر ما حصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وهما في حكم الله تعالى، وعلمه سواء.
هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ إذ التقدير: ويقول الله للكافرين: (لن ينفعكم
…
) إلخ.
{أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40)}
الشرح: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ..} . إلخ؛ استفهام نفي، وإنكار؛ أي: أتقدر يا محمد على إسماعهم، أو تقدر على هدايتهم، وهداية من كان في ضلال مبين؟! أي: ليس لك ذلك، فلا يضق صدرك؛ إن كفروا. ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وفيه رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى، والرشاد، والخذلان، والضلال في القلب خلق الله تعالى، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو العليم الخبير. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [20]. هذا؛ وفي الآية الكريمة استعارة، فقد شبه الكفار بالصم، والعمي بطريق الاستعارة التمثيلية، وهذا شيء يكثر في القرآن الكريم؛ الذي أسكت القرشيين، وأخرسهم ببلاغته، وفصاحته. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {أَفَأَنْتَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري مفيد للنفي. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {تُسْمِعُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {الصُّمَّ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنّها مستأنفة على المعتمد. {أَوْ:} حرف عطف.
{تَهْدِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر
تقديره: «أنت» . {الْعُمْيَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على:{الْعُمْيَ} . {كانَ:} فعل ماض ناقص واسمه مستتر، تقديره:«هو» ، يعود إلى (من)، وهو العائد، أو الرابط. {فِي ضَلالٍ:} متعلقان بمحذوف خبر:
{كانَ} . {مُبِينٍ:} صفة: {ضَلالٍ،} وجملة: {كانَ..} . إلخ صلة (من)، أو صفتها.
{فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41)}
الشرح: {فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} أي: فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم، أو: قبل أن نعذبهم، ونشفي صدرك، وصدور المؤمنين بتعذيبهم. وقال القرطبي: يريد: نخرجك من مكة، ونخلصك من أذى قريش. {فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ:} بعدك في الدنيا بالقتل، والأسر، وفي الآخرة بعذاب النار.
قال الزمخشري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد، ويجتهد، ويكد روحه في دعاء قومه إلى الإيمان؛ وهم لا يزيدون على دعائه إلاّ تصميما على الكفر، وتماديا في الغي، فأنكر عليه بقوله:{أَفَأَنْتَ..} . إلخ. الآيات؛ التي نحن بصدد شرحها. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (غافر) رقم [77]: {فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ} .
تنبيه: (إما): أصلها: (إن ما)«إن» الشرطية و «ما» الزائدة، فأفادت التوكيد؛ لأنّ معنى «إن» في الأصل الشك. فزال هذا المعنى بسبب «ما» ؛ ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة.
وذكر ابن هشام في المغني: أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [26]:
{فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} بدون تأكيد الفعل بنون التوكيد.
الإعراب: {فَإِمّا:} الفاء: حرف استئناف. (إمّا): (إن): حرف شرط جازم. و «ما» : صلة.
{نَذْهَبَنَّ:} فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محلّ له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره:«نحن» . {بِكَ:} متعلقان به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. {فَإِنّا:}
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {مُنْتَقِمُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية: (إنا
…
) إلخ في محل جزم عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
{أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)}
الشرح: {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ:} أو إن أردنا أن ننجز في حياتك، ونريك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم، وهو يوم بدر. {فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ:} فإنهم تحت ملكنا، وقهرنا، وقدرتنا لا يفوتوننا. انتهى. كشاف.
هذا؛ وقال الحسن، وقتادة: هي في أهل الإسلام، يريد ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، و {نَذْهَبَنَّ بِكَ} على هذا بمعنى: نتوفينك. وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة، فأكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وذهب به، فلم يره في أمته إلاّ ما تقرّ به عينه، وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلاّ وقد أري النقمة في أمته. وروي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أري (في المنام) ما لقيت أمته من بعده، فما زال منقبضا، ما انبسط ضاحكا؛ حتى لقي الله عز وجل. وعن ابن مسعود-رضي الله عنه-أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
أقول: جاء في حديث تميم الداري-رضي الله عنه-حديث البعير حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
«يا أيها البعير انطلق فأنت حرّ لوجه الله تعالى» . فرغا على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:«آمين» . ثم رغا، فقال:«آمين» . ثمّ رغا، فقال:«آمين» . ثم رغا الرابعة، فبكى عليه الصلاة والسلام، فقلنا: يا رسول الله! ما يقول هذا البعير؟ قال: «قال: جزاك الله أيّها النبيّ عن الإسلام، والقرآن خيرا! فقلت: آمين، ثم قال: سكّن الله رعب أمّتك يوم القيامة، كما سكّنت رعبي، فقلت: آمين، ثم قال: حقن الله دماء أمّتك من أعدائها كما حقنت دمي، فقلت: آمين، ثم قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت، فإن هذه الخصال سألت ربي فأعطانيها، ومنعني هذه، وأخبرني جبريل عن الله تعالى أنّ فناء أمّتي بالسيف، جرى القلم بما هو كائن» . رواه ابن ماجه؛ أي: بالحرب، والشقاق، والنزاع، بين المسلمين. قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [65]:{قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} . انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {أَوْ:} حرف عطف. {نُرِيَنَّكَ:} معطوف على: {نَذْهَبَنَّ} فهو مثله في إعرابه.
{الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. {وَعَدْناهُمْ:} ماض، وفاعله ومفعوله الأول، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي وعدناهم إياه. {فَإِنّا عَلَيْهِمْ..} . إلخ مثل ما قبله في الآية السابقة.
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)}
الشرح: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي: من الآيات القرآنية، والشريعة السماوية. وقال الزمخشري: والمعنى: وسواء عجلنا لك الظفر، والغلبة، أو أخرنا ذلك إلى اليوم الآخر، فكن
مستمسكا بما أوحينا إليك، وبالعمل به، فإنّه الصراط المستقيم؛ الذي لا يحيد عنه إلاّ ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة، والدفاع عن دين الله، ولا يخرجك الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين، والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت؛ الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره.
الإعراب: {فَاسْتَمْسِكْ:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر؛ أي: وإذا كان ما ذكر واقعا بهم؛ فاستمسك. (استمسك): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .
{بِالَّذِي:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب للشرط المقدر ب:«إذا» . {أُوحِيَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل، يعود إلى «الذي» ، وهو العائد. هذا؛ وقرئ بالبناء للمعلوم على أنّ الفاعل يعود إلى الله فيكون العائد محذوفا، التقدير:
بالذي أوحاه الله، والجملة الفعلية على القراءتين صلة الموصول، لا محلّ لها. {إِنَّكَ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. {عَلى صِراطٍ:} متعلقان بمحذوف خبر (إنّ). {مُسْتَقِيمٍ:} صفة:
{صِراطٍ،} والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.
{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)}
الشرح: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ:} يعني القرآن شرف لك، ولقومك من قريش؛ إذ نزل بلغتهم، وعلى رجل منهم، نظيره قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [10]:{لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي: شرفكم، وفخركم، فالقرآن نزل بلغة قريش، وإياهم خاطب، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم، كل من آمن بالله، ورسوله، فصاروا عيالا عليهم؛ لأنّ أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم؛ حتى يقفوا على المعنى الذي عني به من الأمر والنهي، وجميع ما فيه من الأحكام، والأنباء، والمواعظ، فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات، ولذلك سمي عربيا.
هذا؛ والصحيح: أنه شرف لمن عمل به، ولو كان عبدا حبشيا، وسواء أكان من قريش، أو من غيرهم. انتهى. قرطبي. {وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ:} عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه، وخصصتم به من بين العالمين. انتهى. كشاف.
الإعراب: {وَإِنَّهُ:} الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.
{لَذِكْرٌ:} اللام: هي المزحلقة. (ذكر): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الموصول، والرابط: الواو، والضمير. {لَكَ:} جار ومجرور متعلقان ب: (ذكر)، أو بمحذوف صفة له. (لقومك): معطوفان على: {لَكَ،} والكاف في محل جر بالإضافة. {وَسَوْفَ:}
الواو: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال معناه التحقيق، والتأكيد هنا. {تُسْئَلُونَ:} فعل
مضارع مبني للمجهول مرفوع
…
إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. وانظر تقدير المفعول الثاني في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلف العلماء من هؤلاء المسؤولون؟ فروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-في رواية عنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ بعث الله عز وجل له آدم، وولده من المرسلين، فأذّن جبريل عليه السلام، ثم أقام الصلاة، وقال: يا محمد تقدم، فصلّ بهم. فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل عليه السلام: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا
…
إلخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا أسأل قد اكتفيت!» . وهذا قول الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد، قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به، وأمر أن يسألهم، فلم يشكّ، ولم يسأل، فعلى هذا القول قال بعضهم: هذه الآية نزلت ببيت المقدس ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أكثر المفسرين: معناه: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء-عليهم الصلاة، والسّلام-: هل جاءتهم الرسل إلاّ بالتوحيد. وهو قول ابن عباس-رضي الله عنهما في أكثر الروايات عنه، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والحسن، ومقاتل، ومعنى الأمر بالسؤال: التقرير لمشركي قريش أنّه لم يأت رسول، ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل.
انتهى. بحروفه من الخازن، ومثله في الكشاف والقرطبي الذي صحح الرواية الأولى عن ابن عباس، ثم قال:
وسبب هذا الأمر بالسؤال: أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك من الرسل، فأمره الله بسؤال الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير، لا لأنه كان في شك منه. واختلف في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لهم على قولين: أحدهما: أنّه سألهم، فقالت الرسل:
بعثنا بالتوحيد. قاله الواقدي. الثاني: أنّه لم يسألهم ليقينه بالله عز وجل، حتى حكى ابن زيد:
أنّ ميكائيل قال لجبريل: هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيمانا، وأعظم يقينا من أن يسأل عن ذلك. انتهى. وعلى ما تقدم هل الآية مكية، أو مدنية؟
الإعراب: {وَسْئَلْ:} الواو: حرف عطف. (اسأل): فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
{أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف، التقدير: اسأل الذين أرسلناهم. {مِنْ قَبْلِكَ:} متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر
بالإضافة. {مِنْ رُسُلِنا:} متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف المنصوب، و {مَنْ} بيان لما أبهم في الموصول، و (نا): في محل جر بالإضافة. {أَجَعَلْنا:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (جعلنا): فعل، وفاعل. {مِنْ دُونِ:} متعلقان بالفعل بعدهما، و {دُونِ:} مضاف.
و {الرَّحْمنِ} مضاف إليه. {آلِهَةً:} مفعول به. {يُعْبَدُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة:{آلِهَةً،} والجملة: {أَجَعَلْنا..} . إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل (اسأل). وجملة: {وَسْئَلْ..} . إلخ معطوفة على جملة: (استمسك
…
) إلخ لا محلّ لها مثلها.
الشرح: لما أعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم أنه منتقم له من عدوه، وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء، واتفاق الكل على التوحيد، أكّد ذلك بقصة موسى: أنه ابتعثه إلى فرعون، وشيعته من الأمراء، والوزراء، والقادة، والأتباع من القبط، وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه بعث معه آيات عظاما، كيده، وعصاه، وما أيده الله به من المعجزات كالطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، ومن نقص الزروع، والأنفس والثمرات كما رأيت تفصيله في سورة (الأعراف) رقم [132].
هذا؛ وموسى أصله: (موشى) مركبا من اسمين: الماء، والشجر. فالماء يقال له في العبرانية (مو) والشجر يقال له:(شا) فعربته العرب، وقالوا: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك: أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر لما ألقته أمه فيه، كما رأيت في سورة (طه) وفي سورة (القصص).
{فِرْعَوْنَ:} قال المسعودي: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري: أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء، ومكر، وفرعون: لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم والفرس. وكان فرعون موسى مصعب بن الريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد. وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة، وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، وعاش ستمئة سنة وعشرين، ولم ير مكروها قطّ، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمى يوم؛ لما ادعى الربوبية، ولا تنس أن فرعون هذه الأمة هو أبو جهل الخبيث.
(الملأ): الأشراف، والسادة، والعظماء، ولا يقال لغيرهم؛ لأنّهم يملؤون العيون بكبريائهم، وعظمتهم، وزينتهم، وما يحاطون به من هيبة، وعظمة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. مثل: معشر، ورهط، ونحوهما. هذا؛ و {الْعالَمِينَ} جمع: عالم بفتح اللام، وجمع لاختلاف أنواعه، وهو جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر. وجمع بالياء والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدلّ له قوله موسى-على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-لما قال له فرعون:{وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} (الشعراء) هذا؛ والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات، يقال له: عالم، قال تعالى:{وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ} .
الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنّه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله.
واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى:{لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} الآية رقم [12] من سورة الحشر. افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم! فالجواب:
أنّه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى:{وَالضُّحى،} {وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ} فإن التقدير: وربّ الضحى، وربّ السماء
…
إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى:{فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،} الآية رقم [23] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..} . إلخ الآية رقم [71] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} الآية رقم [73] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. اللام:
واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
{أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها. {مُوسى:} مفعول به. {بِآياتِنا:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{مُوسى،} و (نا):
في محل جر بالإضافة. {إِلى فِرْعَوْنَ:} متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة
نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {وَمَلائِهِ:} معطوف على:
{فِرْعَوْنَ،} والهاء في محل جر بالإضافة. فقال: الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{مُوسى} . {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {رَسُولُ:}
خبرها، وهو مضاف، و {رَبِّ} مضاف إليه، و {رَبِّ} مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال
…
) إلخ معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثلها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
{فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47)}
الشرح: {فَلَمّا جاءَهُمْ} أي: موسى. {بِآياتِنا} أي: المعجزات؛ التي ذكرتها في الآية السابقة. {إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ:} يستهزئون، ويسخرون، يوهمون أتباعهم: أن تلك الآيات سحر، وتخييل، وأنهم قادرون على مقاومتها، ودحضها، وذلك بدعوة السحرة، كما رأيت في سورة (الأعراف) وسورة (طه) و (الشعراء).
الإعراب: {فَلَمّا:} الفاء: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [30]. {جاءَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى:{مُوسى،} والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. {بِآياتِنا:} متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. {إِذا:} كلمة دالة على المفاجأة سادة مسد جواب (لما) هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه:(خرجت فإذا إن زيدا بالباب) لأنّ «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج والزمخشري، وزعم هذا الأخير: أنّ عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة، ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو:(خرجت فإذا زيد جالس)، أو المقدر في نحو: فإذا الأسد؛ أي: حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو استقر، ولم يقع الخبر في القرآن معها إلاّ مصرحا به. انتهى. ملخصا من المغني.
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يجاب (لمّا) بإذا الفجائية؟ قلت: لأنّ فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا، فاجؤوا وقت ضحكهم. {جاءَهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، {مِنْها:} جار ومجرور
متعلقان بما بعدهما. {يَضْحَكُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها على اعتبار:{إِذا} حرفا، وفي محل جر بإضافة:{إِذا} إليها على اعتبارها ظرفا.
تنبيه: قال الجمل: ولا نعلم نحويا ذهب إلى ما ذهب إليه الزمخشري من أن (إذا) الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر، تقديره: فاجأ، بل المذاهب فيها ثلاثة: إما حرف فلا تحتاج إلى عامل، أو ظرف مكان، أو ظرف زمان، فإن ذكر بعد الاسم الواقع بعدها خبر (كانت) منصوبة على الظرف، والعامل فيها ذلك الخبر، نحو خرجت فإذا زيد قائم، وإن لم يذكر بعد الاسم خبر، أو ذكر اسم منصوب على الحال، فإن كان الاسم جثة، وقلنا: إنها ظرف مكان؛ كان الأمر واضحا، نحو خرجت فإذا الأسد؛ أي: ففي الحضرة الأسد، أو فإذا الأسد رابضا، وإن قلنا: إنها زمان؛ كان على حذف مضاف، لئلا يخبر بالزمان عن الجثة، نحو خرجت فإذا الأسد؛ أي: ففي الزمان حضور الأسد، وإن كان الاسم حدثا جاز أن تكون مكانا، أو زمانا، ولا حاجة إلى تقدير مضاف، نحو خرجت؛ فإذا القتال، إن شئت قدرت فبالحضرة القتال، أو ففي الزمان القتال، وفيه تلخيص، وزيادة كثيرة في الأمثلة رأيت تركها مخلا. انتهى. سمين.
الشرح: {وَما نُرِيهِمْ} أي: فرعون وأتباعه. {مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها} أي: وما نريهم آية من آيات العذاب، كالطوفان، والجراد، والقمل
…
إلخ. إلاّ وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز؛ بحيث يظن الناظر إليها: أنّها أكبر مما يقاس إليها من الآيات. والمراد:
وصف الكل بالكبر، والعظم، كقولك: رأيت رجالا أفضل من بعض، وكقول عبيد بن العرندس، وهو من أبيات الحماسة:[البسيط]
من تلق منهم تقل: لاقيت سيّدهم
…
مثل النجوم التي يسري بها السّاري
وهذا كما فاضلت فاطمة بنت الخرشب الأنمارية بين الكلمة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل! هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها؟ وعلى العكس من هذا قول الآخر: [الطويل]
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا
…
لدى الفضل حتّى عدّ ألف بواحد
{وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ} أي: عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [130]:{وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ} وقال أيضا في الآية [133] منها:
{فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ..} . إلخ، وكانت هذه الآيات الأخيرة عذابا لهم، ومعجزات لموسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:} عما هم عليه من الكفر، والتكذيب. وانظر مثل هذه الترجي في الآية رقم [3]. وقال الزمخشري: إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت: لو أراد رجوعهم؛ لكان، قلت: إرادته فعل غيره ليس أن يأمره به، ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل القسر؛ وجد، وإلاّ دار بين أن يوجد، وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، وإنما لم يكن الرجوع؛ لأنّ الإرادة لم تكن قسرا، ولم يختاروه. انتهى. كشاف.
قال أحمد المحشي على الكشاف: تقدم في غير موضع: أنّ لعلّ حيثما وردت في سياق كلام الله تعالى، فالمراد صرف الرجاء إلى المخلوقين؛ أي: ليكونوا بحيث يرجى منهم ذلك.
هذا هو الحق، وعليه تأول سيبويه ما ورد. وأما الزمخشري، فيحمل لعل على الإرادة؛ لأنّه لا يتحاشى من اعتقاد أن الله يريد شيئا، ويريد العبد خلافه، فيقع مراد العبد، ولا يقع مراد الرب.
تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فما أشنعها زلة، وأبشعها خلة، ولقد أساء الأدب في هذا الموضع حتى أنه لولا تعين الرد عليه، لما جرى القلم بنقل ما هذى به، وما اهتدى، وقد جرى على سنن أوائله في جعل حقيقة الأمر هو الإرادة، وأضاف إلى ذلك اعتقاد: أنّ العبد يوجد فعله، ويخلقه، وأن مراد العبد يقع، ومراد الرب لا يقع، فهذه ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض، نعوذ بالله من هذه الغواية {رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا} . انتهى.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {نُرِيهِمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والهاء مفعول به أول. {مِنْ:} حرف جر صلة. {آيَةٍ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {إِلاّ:} حرف حصر. {هِيَ أَكْبَرُ:} مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية صفة:{آيَةٍ} على اللفظ، أو على المحل. {مِنْ أُخْتِها:} متعلقان بأكبر، و (ها): في محل جر بالإضافة، وقدر ابن هشام في المغني صفة محذوفة؛ أي: أختها السابقة، وجملة:{وَما نُرِيهِمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. وقيل:
معطوفة، وهو ضعيف، ولو قيل: حال من واو الجماعة؛ لا بأس به. {وَأَخَذْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط:
الواو، والضمير، وهي على تقدير:«قد» قبلها. وقيل: معطوفة على ما قبلها وهو ضعيف.
{بِالْعَذابِ:} متعلقان بما قبلهما. {لَعَلَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، وجملة:
{يَرْجِعُونَ} في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لما يريهم الله من آيات.
{وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49)}
الشرح: {وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ..} . إلخ: لما وقع العذاب بهم وعاينوه؛ قالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك؛ ليكشف عنّا هذا البلاء، والعذاب. {بِما عَهِدَ عِنْدَكَ} أي: بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك، أو بعهده عندك من النبوة. {إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} أي: لنؤمنن بك، إن كشفت عنّا العذاب بدعائك. قال المفسّرون: ليس قولهم: {يا أَيُّهَا السّاحِرُ} على سبيل الانتقاص، وإنّما هو تعظيم في زعمهم؛ لأنّ السحر كان علم زمانهم، ولم يكن مذموما، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه.
تنبيه: قرأ الجمهور: (أيّه) بفتح الهاء، وبدون ألف، وقرأ ابن عامر بضمها، ووجهه: أن تجعل الهاء من نفس الكلمة، فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي الفارسي ذلك جدا، وقال: آخر الاسم هو الياء الثانية من أي، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز ضمّ الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة؛ لجاز ضم الميم في (اللهم) لاقترانها بالكلمة في كلام طويل.
والصحيح: أنّه إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة، فليس إلاّ اعتقاد الصحة في اللغة، فإن القرآن هو الحجة، وأنشد الفراء:[الرجز]
يا أيّه القلب اللجوج النفس
…
أفق عن البيض الحسان اللّعس
وبعضهم يقف (أيه) وبعضهم يقف (أيها) بالألف؛ لأنّ علة حذفها في الوصل، إنما هو سكونها، وسكون اللام، فإذا كان الوقف ذهبت العلة، فرجعت الألف، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في الآية رقم [31] من سورة (النور)، وأيضا في الآية رقم [31] من سورة (الرحمن) في قوله تعالى:{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ} وقد رسمت الهاء في هذه المواضع الثلاثة بدون ألف، وثبتت في غير هذه المواضع حملا لها على الأصل، كما تراه في جميع آيات القرآن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَقالُوا:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (أيه):
نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء. والهاء: حرف تنبيه، لا محلّ له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. {السّاحِرُ:} نعت ل: (أيّ). {اُدْعُ:} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت» . {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {رَبَّكَ:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {بِما:} جار ومجرور متعلقان
بالفعل {اُدْعُ،} و (ما). تحتمل الموصولة والمصدرية. {عَهِدَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{رَبَّكَ،} والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير:
بالذي عهده، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير:
بعهده. {عِنْدَكَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. {إِنَّنا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): في محل نصب اسمها. {لَمُهْتَدُونَ:} اللام: هي المزحلقة. (مهتدون): خبر (إنّ) مرفوع
…
إلخ، والجملة الاسمية:{إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ} مرتبة على مقدر؛ أي: إن كشفت عنّا العذاب فإنّا مؤمنون، يدلّ عليه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [133]:{لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالُوا..} . إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.
{فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)}
الشرح: {فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ} أي: الذي طلبوا من موسى أن يسأل الله أن يرفعه عنهم، وكانوا ينقضون عهدهم، ويخلفون وعدهم في كل مرة من مرات العذاب المذكورة في قوله تعالى:{فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ..} . إلخ رقم [133] من سورة (الأعراف) فكانوا في كل مرة يعدون موسى عليه السلام إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به، ويرسلوا معه بني إسرائيل، فإذا انكشف عنهم رجعوا إلى خبثهم ومكرهم، كما قال تعالى عنهم في سورة (الأعراف) رقم [133]:{وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ} وأصل النكث من: نكث الصوف، ونحوه؛ ليغزله ثانيا، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه، وإبرامه وانظر ما ذكرته في سورة (الفتح) رقم [10].
الإعراب: {فَلَمّا:} الفاء: حرف استئناف، وقبلها كلام مقدر، التقدير: فدعا موسى ربه، فلما كشفنا. (لمّا): انظر الآية رقم [30]. {كَشَفْنا:} فعل، وفاعل. {عَنْهُمُ:} متعلقان بما قبلهما. {الْعَذابَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. {إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ:} انظر الآية رقم [47].
الشرح: {وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ:} نادى بنفسه عظماء القبط، أو أمر مناديا فنادى. {قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ:} لا ينازعني فيه أحد. {وَهذِهِ الْأَنْهارُ:} أنهار النيل، وأعظمها
أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنّيس. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِي:} تحت قصري، أو تحت أمري، أو بين يدي في جناتي. وقيل: أراد بالأنهار: الأموال، وعبّر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. {أَفَلا تُبْصِرُونَ} أي: ترون عظمتي، وكبريائي.
قال الزمخشري: وليت شعري كيف ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها، لئلا تخفى تلك الأبهة، والجلالة على صغير، ولا كبير، وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزّته، وملكوته، وعن الرشيد: أنه لما قرأها؛ قال: لأولينّها أخسّ عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
وعن عبد الله بن طاهر: أنّه وليها، فخرج إليها، فلما شارفها، ووقع بصره عليها، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون، حتى قال:{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} والله لهي أقلّ عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه؟. انتهى. ومثله في القرطبي.
تنبيه: الهمزة في كلمة {أَفَلا} ومثلها: أولم وأولا، ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على ثم تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..} . إلخ، وقوله جلّ شأنه:{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ..} . إلخ، وقوله تعالت حكمته:{أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ..} . إلخ، وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة نحو قوله تعالى:{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ،} وقوله تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة أولهم الزمخشري، فزعموا: أنّ الهمزة في الآيات المتقدمة في محلّها الأصلي، وأنّ العطف على جملة مقدرة بينها، وبين العاطف، فيقولون: التقدير في {أَفَلَمْ يَسِيرُوا..} . إلخ {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..} . إلخ {أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..} . إلخ: أمكثوا فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم فنضرب عنكم
…
إلخ؟ أتؤمنون في حياته، فإن مات
…
إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنّه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني بتصرف.
الإعراب: {وَنادى:} الواو: حرف عطف. (نادى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {فِرْعَوْنُ:} فاعله. {فِي قَوْمِهِ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على (لمّا) ومدخولها، لا محل لها مثله. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{فِرْعَوْنُ} . (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنّه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول:(يا قومي) ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول:(يا قومي)، ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول:(يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد
قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول:(يا قوم). قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا
…
كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد سادسة، وهي لغة القطع:«يا قوم» بضم الميم، ففي الحديث الشريف، يقول:«يا ربّ يا ربّ» وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..} . إلخ. {أَلَيْسَ:} الهمزة: حرف استفهام. (ليس): فعل ماض ناقص.
{لِي:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها. {مُلْكُ:} اسم (ليس) مؤخر، وهو مضاف، و {مِصْرَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.
{وَهذِهِ:} الواو: واو الحال. (هذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. {الْأَنْهارُ:} بدل من اسم الإشارة. {تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى:{الْأَنْهارُ} . والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وأجيز اعتبار:{الْأَنْهارُ} خبرا للمبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل نصب حال من:{الْأَنْهارُ،} وهي حال متداخلة، والرابط: رجوع الفاعل على: {الْأَنْهارُ،} كما أجيز اعتبار اسم الإشارة معطوفا على:
{مُلْكُ} . وتبقى الجملة الفعلية في محل نصب حال من: {الْأَنْهارُ،} و {الْأَنْهارُ} بدل من اسم الإشارة. {مِنْ تَحْتِي:} متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {أَفَلا:}
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. (لا): نافية. {تُبْصِرُونَ:}
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف. هذا؛ والكلام:{يا قَوْمِ..} . إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ تفسير لقوله: {وَنادى..} . إلخ.
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (52)}
الشرح: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ..} . إلخ: قال النسفي: {أَمْ} منقطعة بمعنى: بل، والهمزة، كأنه قال: أثبت عندكم، واستقر: أني أنا خير، وهذه حالي؟ وقال البيضاوي: و {أَمْ} إما منقطعة، والهمزة فيها للتقرير لما تقدم من أسباب فضله. أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب.
والمعنى: أفلا تبصرون، أم تبصرون، فتعلمون أني خير منه؟ وقال القرطبي، والخازن:{أَمْ} بمعنى: «بل» على قول أكثر المفسرين، والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خير. ويريد