الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الزّمر
سورة (الزمر) ويقال: سورة الغرف. قال وهب بن منبه: من أحب أن يعرف قضاء الله عز وجل في خلقه؛ فليقرأ سورة الغرف. وهي مكية في قول الحسن، وعكرمة، وجابر بن زيد-رضي الله عنهم. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: إلا آيتين نزلتا بالمدينة، إحداهما:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ..} . إلخ رقم [23]، والأخرى من قوله تعالى:{قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ..} . إلخ. روى الترمذي عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ الزمر، وبني إسرائيل.
وهي خمس وسبعون. وقيل: اثنتان وسبعون آية، وهي ألف ومئة واثنتان وسبعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وثمانية أحرف. انتهى. قرطبي، وخازن بتصرف. هذا؛ وسميت سورة (الزمر)؛ لأن الله تعالى ذكر فيها زمرة السعداء من أهل الجنة، وزمرة الأشقياء من أهل النار، أولئك مع الإجلال، والإكبار، وهؤلاء مع الهوان، والصغار. وسميت سورة الغرف لقوله تعالى في الآية رقم [20]{لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ..} . إلخ.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
بسم الله الرحمن الرحيم
{تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)}
الشرح: قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: يخبر الله تعالى: أن تنزيل هذا الكتاب، وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك كما قال عز وجل:
{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ،} وقال تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ،} وقال هاهنا: {تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ} أي: المنيع الجناب. {الْحَكِيمِ} أي: في أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره. انتهى. هذا؛ و {الْعَزِيزِ} يفسر بالغالب: القوي القاهر، الذي لا يغلب. و {الْحَكِيمِ} يفسر بالذي يفعل كل شيء بحكمة، وتقدير، وتدبير.
أما {الْكِتابِ} فهو في اللغة: الضم، والجمع. وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه. وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [2] من سورة (الأحقاف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {تَنْزِيلُ:} خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا تنزيل. أو هو مبتدأ، خبره الجار والمجرور:{مِنَ اللهِ،} وعلى الأول فهما متعلقان ب: {تَنْزِيلُ؛} لأنه مصدر، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{تَنْزِيلُ،} والعامل فيها معنى الإشارة المقدرة، أو التنزيل نفسه، والظاهر: أن الكتاب على الأول: السورة بكاملها، وعلى الثاني:
القرآن بكامله، وهو الأولى. هذا؛ ويقرأ:{تَنْزِيلُ} بالنصب على تقدير فعل، نحو: اقرأ، أو الزم، ونحوه. و {تَنْزِيلُ} مضاف، و {الْكِتابِ} مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، دل عليه لفظ الجلالة. {الْعَزِيزِ:} بدل من لفظ الجلالة. {الْحَكِيمِ:} بدل ثان، وبعضهم يعتبرهما صفتين للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان، وليسا صفتين.
{إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)}
الشرح: {إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ} أي: بالصدق، وليس بباطل، وهزل، وليس فيه شك. قال النسفي: هذا ليس بتكرار؛ لأن الأول كالعنوان للكتاب، والثاني لبيان ما في الكتاب. وانظر شرح (نا) في الآية رقم [34] من سورة (يس). هذا؛ و {أَنْزَلْنا} بمعنى: نزّلنا، والفرق بينهما: أن أنزل يفيد: أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزل فيفيد: أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر، والخطابة. وهذا ما يريب قريشا، كما حكى القرآن عنهم ذلك:{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً} فبين الله الحكمة من نزوله مفرقا بقوله: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً} الآية رقم [32] من سورة (الفرقان).
{فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً} أي: موحدا لا تشرك به شيئا. {لَهُ الدِّينَ:} قرئ بالرفع، ويلزم عليه قراءة:«(مخلصا)» بفتح اللام، ويكون معنى {لَهُ الدِّينَ} مثل قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ} وانظر شرح العبادة في الآية رقم [60] من سورة (يس).
الإعراب: {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {أَنْزَلْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. {إِلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {الْكِتابَ:}
مفعول به. {بِالْحَقِّ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، التقدير: ملتبسين، أو ملتبسا بالحق. {فَاعْبُدِ:} الفاء: حرف عطف على رأي: من يجوز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة. (اعبد):
فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {اللهَ:} منصوب على التعظيم. {مُخْلِصاً:} حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه. {اللهَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُخْلِصاً} . {الدِّينَ:}
مفعوله، وعلى قراءة الرفع، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و {الدِّينَ} مبتدأ مؤخر، والتقديم أفاد الاختصاص، والجملة الاسمية مستأنفة. كذا قال الفراء، وبه قال البيضاوي، وأرى صحة اعتبار {الدِّينَ} نائب فاعل ل:{مُخْلِصاً،} وجملة: {فَاعْبُدِ اللهَ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاعبد.
الشرح: {أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ} أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة من كل شائبة كدر؛ لاطلاعه جلت قدرته، وتعالت حكمته على الغيوب، والأسرار، ولأنه الحقيقي بذلك؛ لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام! أمر الله بالإخلاص؛ لأنه رأس العبادات في التوحيد، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي.
كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من فارق الدّنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة؛ فارقها؛ والله عنه راض» . رواه ابن ماجه، والحاكم عن أنس بن مالك، رضي الله عنه. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال رجل: يا رسول الله! إني أقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت:{فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} . رواه الحاكم، والبيهقي. وعن ثوبان رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء» . رواه البيهقي.
وقد اعتبر الإسلام الرياء وحب السمعة والمحمدة شركا، فعن ابن مسعود-رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحسن الصّلاة: حيث يراه النّاس، وأساءها حيث يخلو، فتلكم استهانة استهان بها ربّه تبارك وتعالى» . رواه أبو يعلى. وعن شداد بن أوس-رضي الله عنه-أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلّى يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» . رواه البيهقي.
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ} أي: وهؤلاء المشركون الذين عبدوا من دون الله الحجارة، والأوثان. يقولون:{ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى} أي: قربى؛ أي: فهي تقربنا عند الله، وتشفع لنا عنده؛ ولذا كانوا إذا قيل لهم: من خلقكم؟ من يرزقكم؟ من خلق السموات
والأرض؟ من ربكم ورب آبائكم الأولين؟ فيقولون: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون: نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، وتشفع لنا. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبّيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه، وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر، وحديثه، وجاءتهم الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا الذي اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ} وغير ذلك كثير.
{إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: يحكم الله بين الخلائق يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الطائعين الجنة، ويدخل الكافرين، والفاجرين، والمفسدين النار. {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي} أي: لا يوفق، ولا يرشد إلى الهدى. {مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ} أي: من قصده الكذب، والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته، وحججه، وبراهينه؛ لأنه فاقد للبصيرة، غير قابل للاهتداء، لتغييره الفطرة الأصلية بالتمرن على الضلال، والتمادي في الغي، والخسران، وقد علم الله في قديم الأزل: أنه يختار الكفر، وفي هذا رد على القدرية وغيرهم، والمراد: ب: {أَوْلِياءَ} ما يعبده الكافرون من حجارة، وأوثان، وشمس، وقمر، وأيضا: عيسى، وعزير، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا..} . إلخ يحتمل المتّخذين وهم الكفرة، والمتّخذين، وهم: الملائكة، وعيسى، واللاّت، والعزّى. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قوله: فالضمير في اتخذوا على الأول راجع إلى (الذين)، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم لكونه مفهوما، والراجع إلى:(الذين) محذوف، والمعنى، والذين اتخذهم المشركون أولياء. انتهى. وانظر الإعراب لتوضيح المعنى. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الخطاب في الآية السابقة إلى الغيبة في هذه الآية.
الإعراب: {أَلا:} حرف تنبيه، واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام.
{لِلّهِ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الدِّينُ:} مبتدأ مؤخر. {الْخالِصُ:} صفة له، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها. {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {اِتَّخَذُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
{أَوْلِياءَ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها
صار حالا» وقيل: هما في محل نصب مفعول به ثان تقدم على الأول، وهو ضعيف، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَوْلِياءَ:} مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
{ما:} نافية. {نَعْبُدُهُمْ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، والهاء مفعول به.
{أَلا:} حرف حصر. {لِيُقَرِّبُونا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (نا): مفعول به.
{زُلْفى:} مفعول مطلق، عامله من غير لفظه، وجوز أبو البقاء اعتباره حالا، فهو منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. {إِلَى اللهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية:{ما نَعْبُدُهُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قالوا، أو يقولون:{ما نَعْبُدُهُمْ..} . إلخ، والجملة الفعلية المقدرة:
(قالوا
…
) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو الموصول.
قال ابن هشام في مغنيه ذلك، وقال: ويحتمل: أن الخبر هنا {إِنَّ اللهَ..} . إلخ، فالقول المحذوف نصب على الحال، أو رفع خبرا أول، أو لا موضع له؛ لأنه بدل من الصلة. هذا كله إن كان (الذين) للكفار، والعائد: الواو. فإن كان للمعبودين: عيسى، والملائكة، والأصنام، والعائد محذوف؛ أي: اتخذوهم؛ فالخبر: {إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ} وجملة القول حال، أو بدل؛ أي:
من جملة الصلة، انتهى. بتصرف. ومثله في البيضاوي. هذا؛ وانفرد مكي بقوله: وقيل:
{وَالَّذِينَ} رفع بفعل مضمر، تقديره: وقال الذين اتخذوا، وعليه فجملة:{ما نَعْبُدُهُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول لهذا المقدر.
{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهِ:} اسمها. {يَحْكُمُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهِ}. {بَيْنَهُمْ:} ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. {فِي ما:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. {نَعْبُدُهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِيهِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية:
«يختلفون فيه» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:«هم يختلفون فيه» صلة الموصول لا محل لها، وجملة:{يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ..} . إلخ في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ اللهَ..} . إلخ تقدمت الأقوال التي قالها ابن هشام فيها.
{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهِ:} اسمها. {أَلا:} نافية. {يَهْدِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى {اللهِ}. {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {كاذِبٌ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. {كَفّارٌ:} خبر ثان،
وفاعله مستتر فيه؛ لأنه صيغة مبالغة اسم الفاعل، وجملة:{لا يَهْدِي..} . إلخ في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية تعليل لما ذكر من حكم الله تعالى.
الشرح: {لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً:} كما زعموا. {لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ:} إذ لا موجود سواه؛ إلا وهو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين، ووجوب استناد ما عدا الوجوب إليه، ومن البين: أن المخلوق لا يماثل الخالق، فيقوم مقام الوالد له. انتهى.
بيضاوي. وقال ابن كثير: أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه، ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه، وزعموه، كما قال عز وجل:{لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ} رقم [17] من سورة (الأنبياء)، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم. انتهى.
{سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ} أي: تنزه جل وعلا، وتقدس عن الشريك، والولد؛ لأنه هو الإله الواحد الأحد، المنزه على النظير، والمثيل، القاهر لعباده بعظمته، وجلاله، قال في التسهيل: نزه الله تعالى نفسه من اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد؛ لأنه لو كان له ولد؛ لكان من جنسه، ولا جنس له؛ لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار؛ ليدل على نفي الشركاء، والأنداد؛ لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف يكون شريكا له؟!. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ و {يَشاءُ} ماضيه: شاء، فلم يرد له أمر، ولا ل: أراد فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف. وأصل شاء: شيء على فعل بكسر العين، بدليل شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول:{أَرادَ،} حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل الآية؛ التي نحن بصدد شرحها، وآية (الأنبياء) المذكورة في الشرح، وقال الشاعر الخريمي:[الطويل]
فلو شئت أن أبكي دما لبكيته
…
عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
هذا؛ والإرادة نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته سبحانه وتعالى، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره.
ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على
النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر.
الإعراب: {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {أَرادَ اللهُ:} ماض، وفاعله. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} في محل نصب مفعول به. {لاصْطَفى:} اللام: واقعة في جواب {لَوْ} . (اصطفى):
فعل ماض، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} والجملة الفعلية جواب {لَوْ،} لا محل لها من الإعراب، و {لَوْ} ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. {مِمّا:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {يَخْلُقُ:}
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهُ،} والجملة الفعلية صلة، والعائد محذوف، التقدير: من الذي يخلقه. {مِمّا:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل: (اصطفى)، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، وتقدير الكلام: لاصطفى من الذي يخلقه الذي يشاؤه.
{سُبْحانَهُ:} مفعول مطلق لفعل محذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والأسماء بعده أخبار له متعددة. وقيل:{اللهُ} مبتدأ، والاسمان بعده صفتان له. ولا أسلمه. والجملة الاسمية مستأنفة كالتي قبلها لا محل لها.
الشرح: {خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} أي: هو الخالق للسموات والأرض، ولما بينهما من الأشياء، وهو مالك الملك، المتصرف فيه كيف يشاء، القادر على الكمال، المتصف بالعظمة والكبرياء، المستغني عن الصاحبة والولد، ومن كان هكذا؛ فحقه أن يفرد بالعبادة، لا أنه يشرك به. ونبه بهذا على أن له أن يتعبد العباد بما شاء، وقد فعل.
{يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ..} . إلخ: يغشي، ويغطي كل واحد منهما الآخر، كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة، أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة. انتهى. بيضاوي. وقد روي عن ابن عباس في معنى الآية؛ قال: ما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، وهو معنى قوله تعالى في كثير من الآيات:{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} . هذا؛ وقد قال تعالى في سورة
(الأعراف) رقم [54]: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} . {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ:} ذللهما بالطلوع والغروب لمنافع العباد، ولمعرفة الشهور، والفصول، والأعوام.
هذا؛ وذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته أمرين: أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات.
والثاني: إشارة إلى اتحاد الصفات، وهي الحركة في الشمس، والقمر، وذكر في السموات، والأرض الخلق، وفي الشمس، والقمر التسخير؛ لأن مجرد خلق الشمس، والقمر ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة، بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك؛ ما حصل الليل، والنهار، ولا الصيف، والشتاء، وكذلك القمر لولا زيادته، ونقصانه، ونوره، ومحاقه؛ لما أمكن معرفة الشهور، وعددها، لذا فالحكمة حينئذ إنما هي في تحريكهما، وتسخيرهما. {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} أي: يجري في فلكه إلى أن تنصرم الدنيا، وهو يوم القيامة؛ لأن جريان الشمس، والقمر لا ينقطع إلا حينئذ، ودل أيضا بالليل، والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما، كل ذلك يدل على تقدير، وحساب، وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على قدرته، وحكمته.
فإن قلت: {يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى،} و (يجري إلى أجل مسمى)، أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن؛ لأن قولك:(يجري إلى أجل مسمى) معناه يبلغه، وينتهي إليه، وقولك:{يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} تريد يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمى، ألا ترى: أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا المعنيين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف في غير هذا الموضع.
{أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ} أي: هو جل وعلا كامل القدرة، لا يغلبه شيء، عظيم الرحمة والمغفرة، والإحسان. قال الصاوي: صدرت الجملة الاسمية بحرف التنبيه ب: {أَلا} للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها، كأنه قال: تنبهوا يا عبادي، فإني أنا الغالب على أمري، الستار لذنوب خلقي، فأخلصوا عبادتكم، ولا تشركوا بي أحدا. انتهى. صفوة التفاسير.
الإعراب: {خَلَقَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله تقديره:«هو» . {السَّماواتِ:}
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.
{وَالْأَرْضَ:} معطوف على ما قبله. {بِالْحَقِّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق، أو من المفعول، التقدير: ملتبسين بالحق، وأجيز تعليقهما بالفعل قبلهما. وهو قول الجلال. {يُكَوِّرُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله.
{اللَّيْلَ:} مفعول به. {عَلَى النَّهارِ:} متعلقان بما قبلهما، وجملة:{يُكَوِّرُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال، من فاعل {خَلَقَ} المستتر، والرابط: الضمير فقط،
وجملة {وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ} معطوفة عليها، على الوجهين المعتبرين فيها، وجملة:
{خَلَقَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وكذلك جملة:{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفة عليها، وانظر ما ذكرته في الآية التالية من أوجه.
{كُلٌّ:} مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: كلهم. {يَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى:{كُلٌّ،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {لِأَجَلٍ:}
متعلقان بالفعل قبلهما. {مُسَمًّى:} صفة: (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. {أَلا:} انظر مثلها في الآية رقم [3]، والجملة الاسمية:{هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ} مستأنفة، لا محل لها أيضا.
الشرح: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ:} وهو آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
{ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها} أي: حواء عليهاالسّلام كقوله تعالى في الآية الأولى من سورة (النساء):
{يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً} . قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: نوع استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوآ من خلق الإنسان؛ لأنه أقرب، وأكثر دلالة، وأعجب، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات: خلق آدم-عليه السلام-أولا من غير أب وأم، ثم خلق حواء من قصيراه، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما. انتهى. هذا؛ والمشهور: أن خلق حواء كان من ضلع من أضلاع آدم اليسرى، وهو ما يحكيه المفسرون، وتؤيده الأحاديث الشريفة، من ذلك ما يلي:
عن سمرة بن جندب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع، فإن أقمتها كسرتها، فدارها تعش بها» . رواه ابن حبان في صحيحه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء، فإنّ المرأة خلقت من ضلع؛ وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» . رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وخذ قول الشاعر:[الطويل]
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها
…
ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى
…
أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟
ولكن هناك من يتبجح، ويقول: إن الله خلقها بدون واسطة، وهذا يعني: أن الله خلقها من تراب كما خلق آدم، ولهذا يقدرون مضافا محذوفا، فيقولون: الأصل من جنسها؛ أي: من البشر. وهذا مردود عليهم بما ذكرت، وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [25] بشأن حواء أم البشر، وانظر أيضا سورة (الشورى) رقم [11].
هذا؛ وقال سليمان الجمل: إن قلت: كيف عطف ب: {ثُمَّ} مع أن خلق حواء من آدم سابق على خلقنا منه؟ أجيب بأن {ثُمَّ} هنا للترتيب في الأخبار لا في الإيجاد، أو المعطوف متعلق بمعنى:{واحِدَةٍ،} ف: {ثُمَّ} عاطفة عليه لا على: {خَلَقَكُمْ،} فمعناه: {خَلَقَكُمْ،} من نفس واحدة أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج. أو هو معطوف على:{خَلَقَكُمْ،} لكن المراد بخلقهم خلقهم يوم أخذ الميثاق عليهم دفعة، لا على هذا الخلق، الذي هم فيه الآن بالتوالد، والتناسل، وذلك؛ لأن الله خلق آدم عليه السلام، ثم أخرج أولاده من ظهره كالذّر، وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء. انتهى. نقلا من كرخي.
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه قوله: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها} وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على وحدانيته، وقدرته، وتشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه؛ إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والأخرى لم تجر بها العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيري رجل، فكانت أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع فعطفها ب:{ثُمَّ} على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا، ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية، فهو من التراخي في الحال، والمنزلة، لا من التراخي في الوجود.
وقال غيره: المعطوف متعلق بمعنى: {واحِدَةٍ،} ف: {ثُمَّ} عاطفة عليه، لا على:
{خَلَقَكُمْ} . فمعناه {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} أفردت بالإيجاد، ثم شفعت بزوج، فكانت هاهنا على بابها لتراخي الوجود.
وقد أوردها ابن هشام شاهدا على أن قوما خالفوا في معناها، وهو الترتيب تمسكا بها، فقال:
والجواب على الآية من خمسة أوجه: أحدها: أن العطف على محذوف؛ أي: من نفس واحدة، أنشأها، ثم جعل منها زوجها. الثاني: أن العطف على واحدة على تأويلها بالفعل؛ أي: من نفس توحدت؛ أي: انفردت ثم جعل منها زوجها. الثالث: أن الذرية أخرجت من ظهر آدم-عليه الصلاة والسلام-كالذر، ثم خلقت حواء من قصيراه. الرابع: أن خلق حواء من آدم لما لم تجر عادة بمثله؛ جيء ب: {ثُمَّ} إيذانا بترتبه، وتراخيه في الإعجاب، وظهور القدرة، لا لترتيب الزمن، وتراخيه. الخامس: أن {ثُمَّ} لترتيب الأخبار، لا لترتيب الحكم، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب؛ أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب.
{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} أي: وخلق، وأوجد لكم من الأنعام المأكولة، وهي:
الإبل والبقر والغنم والماعز، ثمانية أزواج من كل نوع ذكرا، وأنثى. قال قتادة: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، كل واحد زوج. انتهى. وهذا ذكره الله في الآيتين رقم [143] و [144] من سورة (الأنعام) مفصلا. هذا؛ والزوج ما معه آخر من جنسه لا ينفك عنه، ويحصل منهما التناسل، وكذا يطلق على الاثنين، فهو مشترك، والمراد هنا:
الإطلاق الأول، وسميت أزواجا؛ لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر. هذا؛ وقال البيضاوي في معنى:{وَأَنْزَلَ لَكُمْ:} وقضى، أو قسم لكم، فإن قضاياه، وقسمه توصف بالنزول من السماء؛ حيث كتب في اللوح المحفوظ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة، كأشعة الكواكب، والأمطار. انتهى.
{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ:} بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسيّ والأنعام، وإظهار لما فيها من عجائب القدرة، غير أنه غلّب أولي العقل، وخصّهم بالخطاب؛ لأنهم المقصودون بالتذكير، والعظة، والاعتبار، وما يتذكر إلا أولو الألباب، ومعنى {خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ:} يخلقكم في بطون أمهاتكم أطوارا، كما قال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [14]:{وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً} فإن الإنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن يتم خلقه، ثم ينفخ فيه الروح، فيصير خلقا آخر. وهذا صريح قوله تعالى في سورة (المؤمنون):{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ} رقم [12] و [13] و [14].
{فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ:} ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك-رضي الله عنهم أجمعين-. وقال أبو عبيدة: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم. يقول سيد قطب-رحمه الله-في الظلال: هي ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه الجنين، وظلمة البطن الذي يستقر فيه الرحم، ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة، وعين الله ترعى هذه الخليقة، وتودعها القدرة على النمو، والقدرة على التطور، والقدرة على الارتقاء، كما قدر لها بارئها.
هذا؛ وقد ذهب الصابوني مذهبا بعيدا، وذلك بقوله: ثبت علميا: أن الجنين في بطن أمه محاط بثلاثة أغشية، وهذه الأغشية لا تظهر إلا بالتشريح الدقيق، وتظهر بالعين المجردة كأنها غشاء واحد، وهذه الأغشية هي التي تسمى: الغشاء المنباري، والخوربون، واللفائفي، هذا ما أثبته الطب الحديث، وقد جاء القرآن الكريم مؤيدا هذه الحقيقة العلمية، وذلك في سورة (الزمر) في قوله جل وعلا:{يَخْلُقُكُمْ..} . إلخ.
ففي هذه الآية معجزة علمية للقرآن، فقد أخبر: أن الجنين له ثلاثة أغشية أسماها ظلمات؛ لأن الغشاء حاجز، وحجاب يحجز عنه النور، والضياء، وهي في العلم الحديث ثلاثة أغشية.
أقول: لا حاجة إلى هذا المذهب البعيد الذي ذهبه بعدما ذكرت لك من الأقوال في تفسير الظلمات.
{ذلِكُمُ} أي: الذي هذه أفعاله، فهو الخالق المبدع المصور، هو الله رب العالمين، ربكم ورب آبائكم الأولين، وهو الذي يستحق العبادة والتقديس والإجلال والتعظيم، لا ما تعبدونه من دونه من حجارة، وأوثان. {لَهُ الْمُلْكُ} أي: له الملك، والتصرف التام في الإيجاد، والإعدام.
واللام مفيدة للملك الحقيقي، الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. {لا إِلهَ إِلاّ هُوَ} أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا رب لكم سواه. {فَأَنّى تُصْرَفُونَ} أي: كيف تنصرفون عن عبادته إلى عبادة ما لا يخلق، ولا يضر، ولا ينفع، بل ولا يبصر، ولا يسمع
…
إلخ. هذا؛ وانظر شرح: {أُمَّهاتِكُمْ} في الآية رقم [4] من سورة (الأحزاب)، وشرح:(زوج) في الآية رقم [10] من سورة (لقمان)، وشرح:«النفس» في الآية رقم [28] من سورة (الروم).
الإعراب: {خَلَقَكُمْ:} ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره:«هو» ، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من:{الْعَزِيزُ الْغَفّارُ} فلست مفندا، وتكون «قد» قبلها مقدرة، كما تصلح أن تكون في محل خبر ثالث للضمير، وهذان الاعتباران يصحان إذا أردت اتصال الكلام بسابقه، وإن أردت انقطاعه؛ فالاستئناف أولى، وقل مثله في الآية السابقة. {مِنْ نَفْسٍ:} متعلقان بما قبلهما. {واحِدَةٍ:} صفة، وجملة:{جَعَلَ مِنْها زَوْجَها} معطوفة على ما قبلها. {وَأَنْزَلَ:} الواو: حرف عطف. (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {مِنَ الْأَنْعامِ:} متعلقان بما قبلهما أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، كان صفة له
…
إلخ. {ثَمانِيَةَ:} مفعول به. و {ثَمانِيَةَ} مضاف، و {أَزْواجٍ} مضاف إليه، وجملة:{وَأَنْزَلَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها.
{يَخْلُقُكُمْ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. {فِي بُطُونِ:}
متعلقان بما قبلهما، و {بُطُونِ} مضاف، و {أُمَّهاتِكُمْ} مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. {خَلْقاً:} مفعول مطلق مؤكد لعامله. {مِنْ بَعْدِ:} متعلقان ب: {خَلْقاً،} أو بمحذوف صفة له، وأجاز السمين تعليقهما بالفعل قبلهما. {فِي ظُلُماتٍ:} متعلقان ب: {خَلْقٍ} قبلهما، ولا يجوز تعليقهما ب:{خَلْقاً} المنصوب؛ لأنه مصدر مؤكد، فلا يعمل، ولا يجوز تعلقه بالفعل قبله؛ لأنه قد تعلق به حرف مثله، ولا يتعلق حرفان متحدان لفظا، ومعنى إلا بالبدلية، أو العطف، فإن جعلت:{فِي ظُلُماتٍ} بدلا من: {بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ} بدل الاشتمال-لأن البطون مشتملة عليها، ويكون بدلا بإعادة العامل-جاز ذلك، أعني تعلق الجارين ب:{يَخْلُقُكُمْ،}
ولا يضر الفصل بين البدل، والمبدل منه بالمصدر؛ لأنه من تتمة العامل، فليس بأجنبي. انتهى.
جمل نقلا من السمين. هذا؛ و {بَعْدِ} مضاف، و {خَلْقٍ} مضاف إليه. {ثَلاثٍ:} صفة:
{ظُلُماتٍ} . وجملة: {يَخْلُقُكُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعلين، فهي حال متداخلة، أو هي مستأنفة مبينة لكيفية خلق ما ذكر.
{ذلِكُمُ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {اللهُ:} خبر أول. {رَبُّكُمْ:} خبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {اللهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الْمُلْكُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثالث. {لا:} نافية للجنس تعمل عمل (إن). {إِلهَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره موجود. {إِلاّ:} حرف حصر. {هُوَ:} يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم: {لا} على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من: {لا} واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل رفع خبر للمبتدأ، والجملة الاسمية:{ذلِكُمُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجاز أبو البقاء اعتبار:{رَبُّكُمْ} نعتا، أو بدلا من لفظ الجلالة، واعتبار لفظ الجلالة بدلا من:{ذلِكُمُ،} والخبر الجملة الاسمية: {لَهُ الْمُلْكُ} . والإعراب الأول هو قول السمين.
{فَأَنّى:} الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير:
وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا
…
إلخ. (أنى): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال؛ عامله ما بعده. {تُصْرَفُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء.
الشرح: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} أي: إن تكفروا أيها الناس بعدما شاهدتم من آثار قدرته، وفنون نعمائه؛ فإن الله مستغن عنكم، وعن عبادتكم، كما حكى القرآن من قول موسى عليه السلام-لقومه:{إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} رقم [8] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [97]:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} . وفي الحديث القدسي: «يا عبادي لو أنّ أوّلكم،
وآخركم، وإنسكم، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا». أخرج الحديث القدسي بطوله مسلم عن أبي ذر الغفاري-رضي الله عنه.
{وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ:} يعني: أن الله تعالى، وإن كان لا ينفعه إيمان، ولا يضره كفر، إلا أنه لا يرضى لعباده الكفر. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: لا يرضى لعباده المؤمنين بالكفر، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:{إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} فعلى هذا يكون عامّا في اللفظ، خاصّا في المعنى، كقوله تعالى:{عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ} يريد، بعض عباد الله، وأجراه قوم على العموم، وقال: لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية لا يرضى الله لعباده أن يكفروا به، وهو قول السلف. قالوا: كفر الكافر غير مرضيّ لله تعالى، وإن كان بإرادته؛ لأن الرضا عبارة عن مدح الشيء، والثناء عليه بفعله، والله لا يمدح الكفر، ولا يثني عليه، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، وقد لا يرضى به، ولا يمدح عليه، وقد بان الفرق بين الإرادة، والرضا. انتهى. خازن. وخذ قول اللّقاني في جوهرته:[الرجز]
وقدرة إرادة وغايرت
…
أمرا وعلما والرّضا كما ثبت
قال الباجوري في شرح جوهرة التوحيد: فإن الإرادة قد تتعلق بما لا يرضى به الله تعالى، كالكفر الواقع من الكفار، فإنه تعالى أراده، ولا يرضى به. انتهى. ولقد سفه الزمخشري هنا سفاهة واضحة، فقال: ولقد تمحل بعض الغواة؛ ليثبت لله تعالى ما نفاه الله عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله:{إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ} يريد المعصومين، كقوله تعالى:{عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ} . تعالى الله عما يقول الظالمون. وابتدأ قوله: أي: يرضى لكم الشكر؛ لأنه سبب فوزكم، وفلاحكم، فإذا ما كره كفركم، ولا رضي شكركم إلا لكم، ولصلاحكم، لا لأن المنفعة ترجع إليه؛ لأنه الغني؛ الذي لا يجوز عليه الحاجة. انتهى. بتصرف.
{وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: وإن تشكروا ربكم؛ يرض هذا الشكر منكم. بمعنى: يتقبله، ويثيبكم عليه؛ لأجل منفعتكم، لا لانتفاعه بطاعتكم. قال أبو السعود: عدم رضاه بكفر عباده لأجل منفعتهم، ودفع مضرتهم، رحمة بهم لا لتضرره تعالى بذلك، ورضاه بشكرهم لأجلهم، ومنفعتهم؛ لأنه سبب فوزهم بسعادة الدارين، ولهذا فرق بين اللفظين، فقال:{وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ} وقال هنا: {يَرْضَهُ لَكُمْ} لأن المراد بالأول تعميم الحكم، ثم تعليله بكونهم عباده. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ والفعل:«شكر» يتعدى بنفسه وبحرف الجر، تقول:
شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وانظر (الشكر) في الآية رقم [13] من سورة (سبأ) والمحال عليها في سورة (لقمان)، وسورة (النمل)، ولا تنس الطباق، والمقابلة بين: تكفروا وتشكروا.
{وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:} انظر الآية رقم [18] من سورة (فاطر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة. {فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:} فيخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا، ويجازيكم عليها. وخذ قول أبي العتاهية الصوفي-رحمه الله تعالى-:[الوافر]
فلو أنّا إذا متنا تركنا
…
لكان الموت راحة كلّ حي
ولكنّا إذا متنا بعثنا
…
ونسأل بعد ذا عن كلّ شي
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ:} إن الله عليم بما في صدور عباده من نية حسنة، أو نية خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشر، وغير ذلك. وانظر شرح (النبأ) في الآية رقم [21] من سورة (ص).
هذا؛ و (ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو قوله تعالى:{أَصْحابُ الْجَنَّةِ} و {أَصْحابِ النّارِ} . هذا؛ وذات: مؤنث: «ذو» الذي بمعنى:
صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى:«ذو» ب: ذوا، أو: ذوي على لفظه، ويجوز فيها:(ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى:{ذَواتا أَفْنانٍ} رقم [48] من سورة (الرحمن)، وقال تعالى:{ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} رقم [16] من سورة (سبأ).
هذا؛ والتاء في: (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء:(ثمّت، وربّت، ولات) ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى:
{فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ} رقم [11] من سورة (الرحمن)، والنصب جاء في قوله تعالى:
{سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ} سورة (تبت)، وكل معانيها في القرآن الكريم: صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى: الجهة، وذلك في قوله تعالى:{وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ} وقد رأيت تثنيتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى: الجمع. هذا؛ ولم يتعرض النحويون لها بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم ل: (ذي) بمعنى: صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى: التي، و (ذوات) بمعنى: اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز]
وكالّتي أيضا لديهم ذات
…
وموضع اللاّتي أتى ذوات
قال الأشموني: أي: عند طيئ ألحقوا ب: «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، حكى الفراء:«بالفضل ذو فضلكم الله به والكرامة ذات أكرمكم الله به» . وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة:[الرجز]
جمعتها من أينق موارق
…
ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأولى، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت، بخلاف الثانية؛ فإنها لا تضاف؛ لأنها معرفة بالصلة؛ التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. تنبه لهذا؛ وافهمه، فإنه معنى دقيق. واسأل الله لي المزيد من التوفيق. هذا؛ وأضيف: أن جمع ذات:
ذوات من لفظه، كما يجمع: أولات من غير لفظه، قال تعالى:{وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} رقم [4] من سورة (الطلاق)، كما يجمع المذكر (ذو) بمعنى: صاحب: (أولو) من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.
الإعراب: {إِنْ:} حرف شرط جازم. {تَكْفُرُوا:} فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: بالله. {فَإِنَّ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل.
{اللهَ:} اسمها. {غَنِيٌّ:} خبرها. {عَنْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {غَنِيٌّ؛} لأنه صفة مشبهة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وجملة: «تكفروا بالله» لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية. {يَرْضى:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله).
{لِعِبادِهِ:} متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. {الْكُفْرَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة جائز، والرابط:
الواو، والضمير؛ لأن الجملة الفعلية المنفية ب:«لا» يجوز وقوعها حالا.
{وَإِنْ تَشْكُرُوا:} إعرابه مثل سابقه، والمفعول محذوف. {يَرْضَهُ:} فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب:«إذا» الفجائية. {وَلا:} الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. {تَزِرُ:} فعل مضارع. {وازِرَةٌ:}
فاعله. {وِزْرَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {أُخْرى} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
{ثُمَّ:} حرف عطف. {إِلى رَبِّكُمْ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مَرْجِعُكُمْ:} مبتدأ مؤخر، والكاف مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {فَيُنَبِّئُكُمْ:} الفاء: حرف عطف. (ينبئكم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره:«هو» ، والكاف مفعول به. {بِما:} جار ومجرور متعلقان
بما قبلهما، وهما مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فينبئكم بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فينبئكم بعملكم. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:{تَعْمَلُونَ} في محل نصب خبره، وجملة:{فَيُنَبِّئُكُمْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. {عَلِيمٌ:} خبرها. {بِذاتِ:} متعلقان ب: {عَلِيمٌ} . و (ذات) مضاف، و {الصُّدُورِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ} أي: الكافر. {ضُرٌّ:} شدة، وبلاء، من فقر، أو مرض، ونحو ذلك. {دَعا رَبَّهُ:} لجأ إليه بالدعاء، والتضرع. {مُنِيباً إِلَيْهِ:} مقبلا عليه، مخبتا، مطيعا، معرضا عن الآلهة الفاسدة؛ لعلمه: أن لا قدرة لها على دفع الضر، ولا قدرة لها على جلب المنفعة. {ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ} أي: أعطاه وملّكه، وفرج كربته، يقال: خولك الشيء؛ أي: ملكك إياه، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد قول زهير بن أبي سلمى:[الطويل]
هنالك إن يستخولوا المال يخولوا
…
وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
معنى ييسروا يغلوا: أي: إذا قامروا بالميسر يأخذون سمان الإبل، فيقامرون عليها. وخول الرجل: خدمه وحشمه، قال أبو النجم العجلي:[الرجز]
أعطى فلم يبخل، ولم يبخّل
…
كوم الذّرى من خول المخوّل
{نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} أي: نسي ربه الذي كان يدعوه من قبل في كشف الضر عنه، ف:{ما} على هذا الوجه لله عز وجل، وهي بمعنى: الذي، كما في قوله تعالى {وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى} وقيل: بل المراد نسي الضر الذي كان يدعو ربه لكشفه، وتمرد، وطغى. وقيل: المعنى:
نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله عز وجل، ف:{ما} على هذا مصدرية. ومعنى هذه الآية متكرر في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (يونس) رقم [12]:{وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ} وقوله تعالى في سورة (لقمان)[32]: {وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..} . إلخ وغير ذلك كثير.
{وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً} أي: شركاء في العبادة، جمع ند، وهو المقاوم المضاهي، سواء كان مثلا، أو ضدا، أو خلافا. وقيل: هو الضد. وقيل: هو الكفء، والمثل. {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ:}
يقرأ بضم الياء من الرباعي، فمفعوله محذوف، ويقرأ بفتح الياء من الثلاثي، فيكون لازما، وانظر الآية رقم [71] من سورة (الصافات)، والمراد بسبيله: دينه الذي ارتضاه الله لنفسه كما صرح به في قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} . هذا؛ والسبيل: الطريق يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى:{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ومن التأنيث قوله تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ} والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في رسل وعسر ويسر، قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد. انتهى.
{قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ} أي: قل يا محمد لمن هذه حالته، وطريقته، ومسلكه:{تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ} . هذا؛ والتمتع:
التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالحلال! وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم، وضمها اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، واللباس، والشراب، ومتعة المرأة:
ما وصلت به بعد الطلاق من نحو قميص، وإزار، وملحفة، قال تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} . هذا؛ والمراد: من الآية الأمر للكافر بأن يتمتع بدنياه قليلا، أو بعبادته الأوثان، أو باتباعه الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات؛ التي يتمتع بها.
وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به. هذا؛ ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الآية رقم [137] من سورة (الصافات).
الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {مَسَّ:} فعل ماض. {الْإِنْسانَ:} مفعول به. {ضُرٌّ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. {دَعا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:«هو» ، يعود إلى:{الْإِنْسانَ} . {رَبَّهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مُنِيباً:} حال من فاعل: {دَعا} المستتر، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه اسم فاعل. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُنِيباً،} وجملة:
{دَعا..} . إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
{ثُمَّ:} حرف عطف. {إِذا:} مثل سابقتها. {خَوَّلَهُ نِعْمَةً:} ماض، ومفعولاه، والفاعل يعود إلى (الله). {مِنْهُ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَوَّلَهُ،} أو بمحذوف صفة: {نِعْمَةً} .
{نَسِيَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{الْإِنْسانَ} . {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {كانَ:} فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى:{الْإِنْسانَ} . {يَدْعُوا:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى:{الْإِنْسانَ} أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر {كانَ}. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {يَدْعُوا} .
{مِنْ قَبْلُ:} متعلقان بالفعل {يَدْعُوا} أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وبني {قَبْلُ} على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، وجملة:{كانَ يَدْعُوا..} . إلخ صلة الموصول لا محل لها، والعائد الضمير المجرور محلا ب:(إلى). هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، و (إذا) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.
{وَجَعَلَ:} الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{الْإِنْسانَ} .
{لِلّهِ:} متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{أَنْداداً،} كان صفة له
…
إلخ، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. {أَنْداداً:} مفعول به.
{لِيُضِلَّ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى:
{الْإِنْسانَ،} و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (جعل). {عَنْ سَبِيلِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَجَعَلَ..} . إلخ معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.
{قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {تَمَتَّعْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت» أيضا، الأول خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والثاني خطاب للإنسان الكافر. {بِكُفْرِكَ:} متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {قَلِيلاً:} صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: تمتع تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف، التقدير: تمتع زمانا قليلا، وجملة:{تَمَتَّعْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِنَّكَ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. {مِنْ أَصْحابِ:} متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و {أَصْحابِ} مضاف، و {النّارِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{إِنَّكَ..} . إلخ تعليل للأمر، لا محل لها، وهي من جملة مقول القول.
الشرح: {أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ:} خاضع مطيع لله خاشع له، و {قانِتٌ} قائم بوجائب الطاعات، ووظائفها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«أفضل الصلاة طول القنوت» . وهو القيام فيها، ومنه: القنوت
في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائما، ويقرأ بتخفيف الميم وتشديدها، ففي الأول وجهان انظرهما في الإعراب، وفي الثاني، التقدير: أم من. وفي (أم) وجهان: متصلة، أو منقطعة.
{آناءَ اللَّيْلِ:} ساعات الليل، وأوقاته، وواحد {آناءَ:} أنى بفتح الهمزة، والنون، أو: إنى بكسر الهمزة وفتح النون، أو: أني بالفتح والسكون، وإني بالكسر والسكون. {ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ:} فيه دليل على ترجيح قيام الليل على النهار وأنه أفضل منه، وذلك؛ لأن الليل أستر، فيكون أبعد عن الرياء، ولأن ظلمة الليل تجمع الهم، وتمنع البصر عن النظر إلى الأشياء، وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية؛ رجع إلى المطلوب الأصلي، وهو الخشوع في الصلاة، ومراقبة من يصلي له. وقيل: لأن الليل وقت النوم، ومظنّة الراحة، فيكون قيامه أشق على النفس، فيكون الثواب فيه أكثر.
هذا؛ وفي هذا الكلام فائدة، وهي: أنه قال في مقام الخوف: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} فلم يضف الحذر إليه تعالى، وقال في مقام الرجاء:{وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} وهذا يدل على أن جانب الرجاء أكمل، وأولى أن ينسب إلى الله تعالى. ويعضد هذا ما روي عن أنس-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال له:«كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله! وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلاّ أعطاه الله تعالى ما يرجوه منه، وآمنه ممّا يخاف» . أخرجه الترمذي. انتهى. خازن. هذا؛ ولا تنس الطباق، والمقابلة بين {يَحْذَرُ} و (يرجو).
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} أي: ما عند الله من الثواب، والعقاب. {وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ:}
ذلك، فحذف مفعولي الفعلين للتعميم. وقيل:{الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} عمار، وأصحابه. {وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} أبو حذيفة المخزومي ومن على شاكلته. وقيل: افتتح الله الآية بالعمل، وختمها بالعلم؛ لأن العمل من باب المجاهدات، والعلم من باب المكاشفات، وهو النهاية، فإذا حصلا للإنسان، دل ذلك على كماله، وفضله.
{إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ} أي: إنما يعتبر، ويتعظ أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وانظر الآية رقم [29] من سورة (ص). هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:
الكلام نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم. وقيل: هو تقرير للأول على وجه التشبيه؛ أي: كما لا يستوي العالمون، والجاهلون؛ ولا يستوي القانتون، والعاصون. انتهى.
هذا؛ واختلف في تعيين القانت هاهنا. فذكر يحيى بن سلام: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-في رواية الضحاك عنه: هو أبو بكر، وعمر-رضي الله عنهما. وقال ابن عمر-رضي الله عنهما: هو عثمان-رضي الله عنه. وقال مقاتل: إنه عمار بن ياسر. وقال الكلبي:
صهيب، وأبو ذر وابن مسعود. وعن الكلبي أيضا أنه مرسل فيمن كان على هذه الحال. انتهى.
قرطبي، أقول: والأخير عن الكلبي هو المعتمد إن شاء الله؛ ليعم المؤمنين إلى يوم القيامة.
وينبغي أن تعلم: أن الفعل: «يستوي» من الأفعال التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت:
استوى زيد لم يصح، فمن ثم لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. هذا؛ ولا تنس المقابلة بين:
{الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} و (الذين لا يعلمون)، وهي من المحسنات البديعية.
الإعراب: {أَمَّنْ:} قال السمين: يقرأ بتخفيف الميم، وتشديدها، فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما أنها همزة الاستفهام دخلت على من بمعنى: الذي، والاستفهام للتقرير، ومقابله محذوف، تقديره: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا؟! أو: أمن هو قانت كغيره؟! أو التقدير: أهذا القانت خير أم الكافر المخاطب بقوله: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً؟!} ويدل عليه:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} فحذف خبر المبتدأ، أو ما يعادل المستفهم عنه، والتقديران الأولان أولى لقلة الحذف.
والثاني: أن تكون الهمزة للنداء، و (من) منادى، ويكون المنادى هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المأمور بقوله:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} كأنه قال: يا من هو قانت قل: كيت، وكيت. وأما القراءة الثانية؛ فهي (أم) داخلة على (من) موصولة أيضا، فأدغمت الميم في الميم، وفي (أم) حينئذ قولان: أحدهما: أنها متصلة، ومعاد لها محذوف، تقديره: الكافر خير أم الذي هو قانت؟! والثاني: أنها منقطعة، فتقدر ب «بل» والهمزة؛ أي: بل أمن هو قانت كغيره، أو الكافر المقول له:
تمتع بكفرك. انتهى. جمل.
{هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {قانِتٌ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر تقديره:«هو» . {آناءَ:} ظرف زمان متعلق ب: {قانِتٌ،} والجملة الاسمية صلة الموصول على جميع الاعتبارات السابقة، و {آناءَ} مضاف، و {اللَّيْلِ} مضاف إليه. {ساجِداً:} حال من الضمير المستتر ب: {قانِتٌ،} {وَقائِماً:} معطوف على ما قبله. {يَحْذَرُ:} فعل مضارع والفاعل يعود إلى: {قانِتٌ} . {الْآخِرَةَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر ب:{قانِتٌ} . فهي حال متكررة، وأجيز اعتبارها مستأنفة كما أجيز اعتبارها حالا ثانية، والأول أقوى، وجملة:{وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} معطوفة عليها. هذا؛ وقرئ (ساجد) و (قائم) بالرفع على اعتبارهما خبرين لمبتدأين محذوفين، التقدير: هو ساجد، وهو قائم، والجملة الاسمية على هذا في محل نصب حال من الضمير المستتر ب:{قانِتٌ} .
{قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {هَلْ:} حرف استفهام. {يَسْتَوِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة بعده صلته، والمفعول محذوف للتعميم، {وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} معطوف على ما قبله، وجملة:{هَلْ يَسْتَوِي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ هَلْ..} . إلخ
مستأنفة، لا محل لها. {إِنَّما:} كافة ومكفوفة. {يَتَذَكَّرُ:} فعل مضارع. {أُولُوا:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {أُولُوا} مضاف، و {الْأَلْبابِ} مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
تنبيه: قال ابن هشام في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنوي كالثابت، ويسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى:{رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} . {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،} {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،} {وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ} إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك، ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة القصص الآية رقم [23]:{وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي..} . ألا ترى: أنه عليه الصلاة والسلام إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولها:(نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل؛ قدّر: يسقون إبلهم، تذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا. انتهى.
الشرح: {قُلْ:} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا:} الإيمان الصحيح، وهو:
الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان.
قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى» . والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [2] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى: الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه، واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع على: أيمان، كما في قوله تعالى:{أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.
{اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:} خافوه، واعبدوه، فهو أمر من التقوى، وهي: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من: الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة) وأصل:«اتقوا» : اوتقوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء مثل: اتصل،
أصله: اوتصل. هذا؛ وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-المراد بهذا الأمر جعفر بن أبي طالب، والذين خرجوا معه إلى الحبشة. والأولى التعميم. وإن كان السبب خاصا؛ فقد كان الغرض منها التأنيس لهم، والتنشيط للهجرة. هذا؛ وانظر:(قهم) في الآية رقم [9] من سورة (غافر) وخذ ما يلي، وهو قول الشاعر:[الطويل]
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى
…
تقلّب عريانا ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربّه
…
ولا خير فيمن كان لله عاصيا
ولأبي الدرداء-رضي الله عنه: [الوافر]
يودّ المرء أن يعطى مناه
…
ويأبى الله إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي
…
وتقوى الله أكبر ما استفادا
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ} أي: للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة. وقيل: المعنى للذين أحسنوا في الدنيا حسنة في الدنيا، تكون زيادة على ثواب الآخرة، والحسنة الزائدة في الدنيا: الصحة، والعافية، والعز، والرفعة، ينالها المؤمن إذا شكر تلك النعم، وقد تكون الحسنة في الدنيا: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجزاء. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [78] من سورة (الصافات) فهو جيد.
{وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: يعني: ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي. وقيل: المراد: من أمر بالمعاصي في بلد؛ فليهرب منه. وقيل: المراد: أرض الجنة؛ رغبهم في سعتها، وسعة نعيمها، كما قال تعالى:
{وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} رقم [133] من سورة (آل عمران)، والجنة قد تسمى أرضا، قال تعالى:{وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ..} . إلخ رقم [74] الآتية. والأول أظهر، فهو أمر بالهجرة. انتهى. قرطبي.
{إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ:} على البلاء، والطاعات، وعن المعاصي. وقيل: المراد هنا:
الصائمون بدليل الحديث القدسي عن رب العزة: «كلّ عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به» . {أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ:} بغير وزن، ولا كيل، ولا عدد، ولا مقياس، وإنما يحثى حثوا، ويغرف غرفا. وقال قتادة: لا والله ما هناك مكيال، ولا ميزان، حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصدقة، فيوفّون أجورهم بالموازين، وكذلك الصلاة والحجّ، ويؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصبّ عليهم الأجر بغير حساب، قال تعالى:{إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ} حتى يتمنى أهل العافية في الدّنيا أنّ أجسادهم تقرض بالمقاريض، ممّا يذهب به أهل
البلاء من الفضل». هذا، وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يؤتى بالشهيد يوم القيامة فيوقف للحساب، ثم يؤتى بالمتصدّق، فينصب للحساب، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينصب لهم ديوان، فيصبّ عليهم الأجر صبّا؛ حتّى إنّ أهل العافية ليتمنّون في الموقف: أنّ أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله» . رواه الطبراني في الكبير، وانظر ما ذكرته في آية (السجدة) رقم [24].
الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره:«أنت» ، ومتعلقه محذوف، تقديره:
لهم. (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقول المقدر، ومقوله في محل نصب مقول القول لقول آخر محذوف، وتقدير الكلام: قل لهم: ربكم يقول: يا عبادي، وهذا التقدير يرفع اللبس والإبهام المترتبين على هذا التركيب. {الَّذِينَ:}
اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة، أو بدل من (عبادي)، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. {اِتَّقُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {رَبَّكُمْ:} مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
{لِلَّذِينَ:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {أَحْسَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، التقدير: أحسنوا العمل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِي هذِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أن حسنة هي الجنة، والجزاء في الآخرة، أو هما متعلقان ب:{حَسَنَةٌ} على القول بأنها في الدنيا.
{الدُّنْيا:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {حَسَنَةٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. {وَأَرْضُ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أرض): مبتدأ، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {واسِعَةٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول على الوجهين المعتبرين في الواو.
{إِنَّما:} كافة ومكفوفة. {يُوَفَّى:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {الصّابِرُونَ:} نائب فاعل، وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
{أَجْرَهُمْ:} مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. {بِغَيْرِ:} متعلقان بمحذوف حال من:
{أَجْرَهُمْ،} و (غير) مضاف، و {حِسابٍ} مضاف إليه؛ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ..} . إلخ: أي: قل يا محمد: أمرت بإخلاص العبادة لله وحده، لا شريك له. وإنما خص الله الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر؛ لينبه على أن غيره بذلك أحق، فهو كالترغيب للغير، وانظر الإخلاص في الآية رقم [3]. {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ..}. إلخ أي: وأمرت أيضا بأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة. قال القرطبي: وكذلك كان، فإنه أول من خالف دين آبائه، وخلع عبادة الأصنام، ثم حطمها، وأسلم وجهه لله، وآمن به، ودعا إليه. انتهى. قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف عطف (أمرت) على {أُمِرْتُ} وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك: أن الأمر بالإخلاص، وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء؛ ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين.
هذا؛ والفعل «أمر» من الأفعال التي تنصب مفعولين، الثاني منهما مجرور بحرف جر في الغالب، وجاء منصوبا في الشعر، كقول عمرو بن معدي كرب الزبيدي:[البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
…
فقد تركتك ذا مال وذا نشب
ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وزوّج، وكال، ووزن، قال الشاعر:[البسيط] أستغفر الله ذنبا لست محصيه
…
ربّ العباد، إليه الوجه والقبل
الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {أُمِرْتُ:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، و {أَنْ أَعْبُدَ اللهَ} في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثان للفعل أمر، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بعبادة الله، هذه الاعتبارات تجوز في الأفعال التي ذكرتها في الشرح، وهي منقولة عن سيبويه، وغيره من العلماء، وجملة:
{أُمِرْتُ..} . إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {مُخْلِصاً:} حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه، تقديره: أنا. {اللهَ:} جار ومجرور متعلقان به؛ لأنه اسم فاعل. {الدِّينَ:} مفعول به.
{وَأُمِرْتُ:} الواو: حرف عطف. {أُمِرْتُ:} ماض، ونائب فاعله. {لِأَنْ:} اللام: صلة مقحمة للتوكيد. {أَنْ:} حرف مصدري ونصب. {أَكُونَ:} فعل مضارع ناقص منصوب ب: أن، واسمه ضمير مستتر تقديره:«أنا» . {أَوَّلَ:} خبره، و {أَوَّلَ} مضاف، و {الْمُسْلِمِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، و (أن) والفعل في تأويل مصدر، قل فيه مثل الأول على اعتبار اللام زائدة، وطرحها من الكلام، وجملة:{وَأُمِرْتُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. هذا؛ ولا يجوز
اعتبار اللام أصلية جارة؛ لأن المعنى لا يؤيده. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [71]: {وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،} ورقم [26] من سورة (النساء): {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ..} .
إلخ، ورقم [33] من سورة (الأحزاب):{إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ..} . إلخ، وقد أجيز في هذه الآيات اعتبار اللام جارة، واعتبارها زائدة، انظرها في محالها، ومثل هذه الآيات قول كثير عزة، وهو الشاهد رقم (394) من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الطويل]
أريد لأنسى ذكرها فكأنّما
…
تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
الشرح: {قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي:} بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك، والرياء، وذلك: أن كفار قريش قالوا له صلى الله عليه وسلم: ما حملك على هذا الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك، وجدك، وقومك، فتأخذ بها؟ فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: زجر الغير عن المعاصي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره، وشرف طهارته، ونزاهته، ومنصب نبوته؛ إذا كان خائفا حذرا من المعاصي؛ فغيره أولى. {عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ:} المراد به يوم القيامة، وصف بالعظم لعظمة ما فيه. {قُلِ اللهَ أَعْبُدُ..}. إلخ: ليس هذا بتكرار؛ لأن الأول الإخبار بأنه مأمور من جهة الله تعالى بالإتيان بالعبادة والإخلاص، والثاني: أنه إخبار بأنه أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة، ولا يعبد أحدا غيره، مخلصا له دينه؛ لأنّ قوله:{أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ} لا يفيد الحصر، وقوله:
{اللهَ أَعْبُدُ} يفيد الحصر، والمعنى الله أعبد، ولا أعبد أحدا غيره، ثم أتبعه بما يلي:
هذا؛ وقال الجمل نقلا عن أبي السعود: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة، والإخلاص فيها، وثانيا بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع، وانقاد وأسلم، وثالثا بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان، ورابعا بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر، وانقاد، وعبد الله تعالى، وأخلص له الدين على أبلغ وجه، وأوكده، إظهارا لتصلبه في الدين، وحسما لأطماعهم الفارغة، وتمهيدا لتهديدهم، بقوله:{فَاعْبُدُوا..} . إلخ. انتهى.
الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. {أَخافُ:} فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِنْ:} حرف شرط جازم. {عَصَيْتُ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله. {رَبِّي:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها؛
لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، دل على ما قبله، والجملة الشرطية معترضة بين الفعل، ومفعوله، وهو:{عَذابَ،} وهو مضاف، و {يَوْمٍ} مضاف إليه. {عَظِيمٍ:} صفة: {يَوْمٍ} . هذا؛ والآية مذكورة بحروفها في (الأنعام) برقم [15].
{قُلْ:} فعل أمر، وفاعله تقديره:«أنت» . {اللهَ:} مفعول مقدم. {أَعْبُدُ:} مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {مُخْلِصاً:} حال من الفاعل المستتر، وفاعله مستتر فيه تقديره:«أنا» . {اللهَ:} متعلقان بما قبلهما. {دِينِي:} مفعول به ل: {مُخْلِصاً} منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم
…
إلخ، والياء في محل جر بالإضافة، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ:} ليس هذا أمرا، بل المراد منه: الزجر والتهديد والتوبيخ، مثل قوله تعالى:{اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ} رقم [40] من سورة (فصلت)، والآية رقم [39] الآتية، وقوله:
{اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ} رقم [135] من سورة (الأنعام)، و [93] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والمعنى للكل: اعملوا، واعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام، فسوف ترون عاقبة كفركم، وعبادتكم الباطلة! وقيل: الآية منسوخة بآية السيف، وليس وجيها، فإن حكمها عام إلى يوم القيامة بالنسبة للفاجرين، والفاسقين، والظالمين.
{قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ..} . إلخ: قال ميمون بن مهران عن ابن عباس-رضي الله عنهما: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجة في الجنة، فإذا دخل النار؛ خسر نفسه، وأهليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: فمن عمل بطاعة الله؛ كان له ذلك المنزل، والأهل إلا ما كان له قبل ذلك.
هذا؛ وقد قيل في تفسير {الْخُسْرانُ:} إنه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة؛ جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران؛ وأي خسران أعظم من هذا الخسران؟! هذا؛ ولقد وصف الله خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله:{أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ} حيث صدر الجملة ب: {أَلا} التي هي للتنبيه، ووسط الفصل بين المبتدأ، والخبر، وعرف الخسران، ونعته بالمبين؛ لأنهم استبدلوا بالجنة نارا، وبالدرجات دركات. انتهى. نسفي. وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى:
الإعراب: {فَاعْبُدُوا:} الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له قطعا. (اعبدوا):
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {شِئْتُمْ:} فعل، وفاعل. {مِنْ دُونِهِ:} متعلقان بما قبلهما.
وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
والعائد الضمير المجرور محلا بالإضافة، والجملة الفعلية:{فَاعْبُدُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الْخاسِرِينَ:}
اسم {إِنَّ} منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: {إِنَّ} . {خَسِرُوا:} ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. {أَنْفُسَهُمْ:} مفعول به. {وَأَهْلِيهِمْ:} معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {يَوْمَ} مضاف، و {الْقِيامَةِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{إِنَّ الْخاسِرِينَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ} مستأنفة، لا محل لها.
{أَلا:} انظر الآية رقم [3]. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {هُوَ:} ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من اسم الإشارة، وعليهما فالخسران خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ، و {الْخُسْرانُ} خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
{ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {الْمُبِينُ:} صفة: {الْخُسْرانُ} .
الشرح: {لَهُمْ:} للخاسرين. {مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ:} أطباق، وسرادقات، جمع ظلة، بمعنى: المظلة، وهي ما يوضع فوق الرأس وقاية من الشمس، أو المطر. {وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} أي: فرش، ومهاد؛ أي: تحيط بهم النار من جميع الجهات، والجوانب، وفي توجيه قوله تعالى:{وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} أقوال: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر.
الثاني: أن الذي تحته من النار، يكون ظلة لآخر تحته في النار؛ لأنها دركات. الثالث: أن الظلة التحتانية، لما كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الإيذاء، والحرارة؛ سميت باسمها لأجل المماثلة، والمشابهة. انتهى. خازن بتصرف. هذا؛ وإطلاق الظلة على النار تهكم؛ لأنها محرقة، والظلة تقي من الحر.
هذا؛ وهذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [41]: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ،} وقوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [55]: {يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} . هذا؛ ولا تنس الطباق بين: {فَوْقِهِمْ} و {تَحْتِهِمْ} .
{ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ:} المؤمنين؛ لأنهم إذا سمعوا حال الكفار في الآخرة؛ خافوا، فأخلصوا التوحيد، والطاعة لله. {يا عِبادِ فَاتَّقُونِ:} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، خوفهم بالنار، ثم حذرهم نفسه. والإضافة ب:{عِبادَهُ} و (عبادي) إضافة تشريف، وتكريم للمؤمنين الصادقين، وانظر الآية رقم [81] من سورة (الصافات).
الإعراب: {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ فَوْقِهِمْ:} متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من:{ظُلَلٌ،} على أن بعضهم يمنع مجيء الحال من المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. {ظُلَلٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {مِنَ النّارِ:} متعلقان بمحذوف صفة: {ظُلَلٌ،} والجملة الاسمية:
{وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وحذف متعلق {ظُلَلٌ} لدلالة ما قبله عليه. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {يُخَوِّفُ:} فعل مضارع. {اللهُ:} فاعله. {بِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما.
{عِبادَهُ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{ذلِكَ يُخَوِّفُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{يا عِبادِ:} (يا): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (عباد): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وياء المتكلم المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الندائية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: بقوله، أو يقول: يا عبادي فلست مفندا، والمعنى: يؤيده. {فَاتَّقُونِ:} الفاء:
هي الفصيحة. (اتقون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير:
وإذا كان ذلك واقعا؛ فاتقون، والكلام في محل نصب مقول القول، كما رأيت.
الشرح: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها:} ابتعدوا عن عبادة الطاغوت. قال الأخفش:
الطاغوت: جمع، ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة؛ أي: تباعدوا من الطاغوت، وكانوا منها على جانب، فلم يعبدوها. قال مجاهد، وابن زيد: هو الشيطان. وقال الضحاك، والسدي: هي
الأوثان. وقيل: إنه الكاهن. وقيل: إنه اسم أعجمي، مثل: طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت. وقيل: إنه اسم عربي مشتق من الطغيان، انتهى. قرطبي. هذا؛ والطاغوت هو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى، وهو يطلق على المفرد والجمع والمذكر، والمؤنث، واشتقاقه من طغى يطغى، أو من طغا يطغو. {وَأَنابُوا إِلَى اللهِ:} رجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة، ورجعوا إلى طاعته وعبادته.
{لَهُمُ الْبُشْرى} أي: في الدنيا، وفي الآخرة، أما في الدنيا؛ فالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند الموت، وعند النزول في القبر. وأما في الآخرة؛ فعند الخروج من القبر، وعند الوقوف للحساب، وعند جواز الصراط، وعند دخول الجنة، وفي الجنة. ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة بنوع من الخير، والراحة، والرحمة، والروح، والريحان. انتهى.
خازن. وقد تقدم هذا المعنى كثيرا، قال تعالى في سورة (النحل):{الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} رقم [32]، وقال في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ} رقم [64]. {فَبَشِّرْ عِبادِ} أي: المؤمنين، الذين وصفهم الله في الآية التالية.
هذا؛ وقال زيد بن أسلم: نزلت الآية الكريمة في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. وروي: أنها نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير-رضي الله عنهم-سألوا أبا بكر-رضي الله عنه-فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا، والصحيح أنها شاملة لهم، ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن.
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة:{اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ} صلة الموصول لا محل لها، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَعْبُدُوها} في محل نصب بدل اشتمال من الطاغوت، وجملة:{وَأَنابُوا إِلَى اللهِ:} معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. {لَهُمُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{الْبُشْرى:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَالَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَبَشِّرْ:}
الفاء: الفصيحة، وانظر الآية رقم [2]. (بشر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .
{عِبادِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للفاصلة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: إذا كان ذلك واقعا، وحاصلا؛ فبشر عبادي المؤمنين بجنات النعيم، والرضا، والرضوان، والعفو، والغفران، وكان مقتضى القياس الإضمار، وقد أظهر في موضع الإضمار للتعظيم، والتفخيم.
الشرح: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ..} . إلخ: هم الذين اجتنبوا الطاغوت، وأنابوا إلى الله، وأراد الله منهم أن يكونوا مع الاجتناب، والإنابة على هذه الصفة، فوضع الظاهر موضع الضمير، أراد الله منهم أن يكونوا نقّادا في الدين، يميزون بين الحسن، والأحسن، والفاضل، والأفضل، فإذا اعترضهم أمران: واجب، وندب؛ اختاروا الواجب، وكذا المباح، والندب، حرصا على ما هو أقرب عند الله، وأكثر ثوابا، ويدخل تحته المذاهب، واختيار أثبتها على السبك، وأقواها عند السبر، وأبينها دليلا، أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك، كما قال القائل:[البسيط]
شمّر وكن في أمور الدّين مجتهدا
…
ولا تكن مثل عير قيد فانقادا
{أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ:} وفقهم لدينه، واتباع أوامره، واجتناب زواجره. {وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ:} أصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة عن منازعة الهوى، والوهم، والعادة، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الهداية تحصل بفعل الله، وقبول النفس لها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. انتهى. كشاف، أو يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن. أو يستمعون أوامر الله، فيتبعون أحسنها، نحو القصاص، والعفو، ونحو ذلك. أو يستمعون الحديث مع القوم، فيه محاسن، ومساوئ، فيحدث أحدهم بأحسن ما سمع، ويكف عما سواه. وهذا من ثناء الله تعالى عليهم بنفوذ بصائرهم، وتمييزهم الأحسن من الكلام، فإذا سمعوا قولا؛ تبصّروه، وعملوا بما فيه، وأحسن الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم. هذا؛ وقال تعالى في الآية رقم [55]:{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} .
الإعراب: {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: في محل جر على أنه بدل من: {عِبادِ} . والثاني: في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. والثالث: في محل نصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح الذين، وجملة:{يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} صلة الموصول لا محل لها، وجملة:{فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {أُولئِكَ:} مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.
{الَّذِينَ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {هَداهُمُ:} ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، وهي العائد. {اللهُ:} فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. {وَأُولئِكَ:} الواو: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {هَداهُمُ:} بدل من اسم الإشارة،
أو هو ضمير فصل لا محل له، وعليهما ف:{أُولُوا} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و {أُولُوا} مضاف، و {الْأَلْبابِ} مضاف إليه. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و {أُولُوا} خبره؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَأُولئِكَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (19)}
الشرح: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ..} . إلخ: هذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [84]، [85] والمعنى هنا: أفمن وجبت له الشقاوة من الله تعالى، هل تقدر على هدايته، وسعادته؟ قال القرطبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه، وقد سبقت لهم من الله الشقاوة، فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: يريد أبا لهب، وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان. انتهى. هذا؛ وكرر الاستفهام لطول الكلام.
قال الزمخشري: نزّل استحقاقهم العذاب؛ وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار؛ حتى نزّل اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكدّه نفسه في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار. انتهى. وقال ابن هشام في المغني: وقال الزمخشري: إنهم جعلوا في النار الآن لتحقق الموعود به، ولا يلزم ما ذكره؛ لأنه لا يمتنع تقدير المستقبل، ولكن ما ذكره أبلغ، وأحسن. هذا، وقوله:{أَفَمَنْ} و {أَفَأَنْتَ} مثل (أفلا) في الآية رقم [155] من سورة (الصافات).
الإعراب: {أَفَمَنْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف. (من): فيها وجهان: أظهرهما: أنها موصولة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كمن نجا، ونحوه، حذف لدلالة الجملة التالية عليه. والثاني:
أنها شرطية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وجوابها الجملة الاسمية التالية. {حَقَّ:}
فعل ماض. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {كَلِمَةُ:} فاعله، و {كَلِمَةُ} مضاف، و {الْعَذابِ} مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة:{فَمَنْ} على اعتبارها موصولة، وفي محل جزم فعل شرطها على أنها شرطية. {أَفَأَنْتَ:} الهمزة: حرف استفهام مؤكد للأول، والجملة الفعلية على اعتبار الفاء عاطفة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أأنت تملك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه؟!. الفاء: حرف استئناف على اعتبار {فَمَنْ} موصولة، وواقعة في جوابها على اعتبارها شرطية. (أنت): مبتدأ. {تُنْقِذُ:} فعل مضارع، والفاعل تقديره:«أنت» . {فَمَنْ:}
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي النّارِ:} متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يلقى في النار، والجملة الاسمية مستأنفة على اعتبار {فَمَنْ} موصولة، وفي
محل جزم جوابها على اعتبارها شرطية، وخبرها جملتا الشرط والجواب كما قد رأيته مرارا.
وجملة: {تُنْقِذُ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ.
الشرح: {لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} أي: لكن المؤمنون الأبرار، المتقون لله في الدنيا، المتمسكون بشريعته، وطاعته {لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ} أي: لهم في الجنة درجات عالية، وقصور شاهقة، بعضها فوق بعض، مبنية من زبرجد، وياقوت. هذا قول ابن عباس-رضي الله عنهما. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} أي: تجري من تحت قصورها، وأشجارها أنهار الجنة من غير أخاديد. {وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ} أي: وعدهم الله بذلك وعدا مؤكدا، لا يمكن أن يتخلف؛ لأنه وعد العزيز القدير. هذا؛ وما في هذه الآية مقابل لما في الآية رقم [16] وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [55]، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [58] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {لكِنِ:} حرف عطف بمعنى: «بل» إضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى، كقولك: جاءني زيد؛ لكن عمرو لم يأت. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {اِتَّقَوْا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. {رَبَّهُمْ:} مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {غُرَفٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{لكِنِ الَّذِينَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {مِنْ فَوْقِها:} متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (ها): في محل جر بالإضافة. {غُرَفٌ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:{غُرَفٌ،} وأجاز ابن هشام، بل ورجح اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة:
{غُرَفٌ،} و {غُرَفٌ} الثاني فاعلا بمتعلق الجار والمجرور؛ لأن الأصل عدم التقديم والتأخير، ولأن الجار والمجرور معتمدان على الموصوف. {مَبْنِيَّةٌ:} صفة: {غُرَفٌ} .
{تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {مِنْ تَحْتِهَا:}
متعلقان بما قبلهما. و (ها): في محل جر بالإضافة. {الْأَنْهارُ:} فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:{غُرَفٌ،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. {وَعْدَ:}
مفعول مطلق، عامله معنى:{لَهُمْ غُرَفٌ؛} لأنه بمعنى: الوعد، و {وَعْدَ} مضاف، و {اللهِ}
مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {لا:} نافية. {يُخْلِفُ:} فعل مضارع. {اللهِ:} فاعل.
{الْمِيعادَ:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {أَلَمْ تَرَ:} ألم تنظر أيها العاقل، وتعتبر؟! {أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} أي: مطرا.
{فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ:} أدخله عيونا، ومجاري كائنة فيها، أو مياها نابعات فيها. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [18]:{وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ،} وقال في سورة (الحجر) رقم [22]: {وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ} و {يَنابِيعَ} جمع: ينبوع، وفي سورة (الإسراء) رقم [90]:
{حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً} وهو: «يفعول» من نبع، ينبع بتثليث عين المضارع. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ} أي: زروعا شتى لها ألوان مختلفة: حمرة، وصفرة، وزرقة، وخضرة. وقال البيضاوي: أصناف الزرع من بر، وشعير، وذرة، وعدس
…
إلخ. {ثُمَّ يَهِيجُ:} يتم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته. {فَتَراهُ} أيها الناظر إليه. {مُصْفَرًّا:} من شدة يبسه.
{ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً} أي: فتاتا متكسرا، من: تحطم العود: إذا تفتت من اليبس، والعدول إلى المضارع في هذه الأفعال عن الماضي، كما يقتضيه أسلوب العطف لاستحضار الصور البديعة.
{إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: المذكور من الأفعال الخمسة في هذه الآية أولها: {أَنْزَلَ} . {الْآياتِ:} لعبر، وعظات. {لِأُولِي الْأَلْبابِ:} لأصحاب العقول السليمة، والفطر المستقيمة.
قال الزمخشري: يجوز أن يكون مثلا للدنيا، كقوله تعالى:{إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا..} . إلخ الآية رقم [24] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وقوله تعالى:
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا..} . إلخ الآية رقم [45] من سورة (الكهف). قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-بعد قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ} أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن هذه الدنيا هكذا، تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هرما، كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير. هذا؛ وانظر شرح ثم في الآية رقم [65] من سورة (الصافات).
هذا؛ وأغرب القرطبي-رحمه الله تعالى-حيث قال: وقيل: هو مثل ضربه الله للقرآن، ولصدور من في الأرض؛ أي: نزله من السماء قرآنا، فسلكه في قلوب المؤمنين، {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً}
مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي: دينا مختلفا بعضه أفضل من بعض، فأما المؤمن؛ فيزداد إيمانا، ويقينا، وأما الذي في قلبه مرض؛ فإنه يهيج كما يهيج الزرع. انتهى. وهذا لا يتفق مع صريح الآية أبدا.
هذا؛ وصريح قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} يدل دلالة واضحة على أن المطر إنما هو من خزائن الله في السماء، وكان العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن يعتقدون: أن الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة فتمتد منها خراطيم عظيمة كخراطيم الفيلة، فتشرب من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء الله تعالى. خذ قول أبي ذؤيب الهذلي يصف السحاب على اعتقاد العرب، وهو الشاهد (472) من كتابنا:«فتح رب البرية» : [الطويل]
شربن بماء البحر، ثمّ ترفّعت
…
متى لجج خضر لهنّ نئيج
هذا؛ وأصل ماء: (موه) بفتح الميم، والواو، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ماه) فلما اجتمعت الألف، والهاء-وكلاهما خفي-قلبت الهاء همزة. ودليل ذلك: أن جمع ماء: أمواه ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه: واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حدّه: جوهر سيال به قوام الأرواح.
هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء كل ما علاك، فأظلك، ومنه قليل لسقف البيت: سماء، والسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك:[الوافر]
إذا نزل السماء بأرض قوم
…
رعيناه، وإن كانوا غضابا
أراد بالسماء: المطر، ثم أعاد عليه الضمير في: رعيناه بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة.
الإعراب: {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
{تَرَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:}
اسمها. {أَنْزَلَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{اللهَ} . {مِنَ السَّماءِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:(ماء) كان صفة له.. إلخ. {السَّماءِ:} مفعول به، وجملة:{أَنْزَلَ..} . إلخ في محل رفع خبر {أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في
محل نصب سد مسد مفعول الفعل: (ترى)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَسَلَكَهُ:}
الفاء: حرف عطف. (سلكه): فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{اللهَ،} والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {يَنابِيعَ:} حال من الضمير المنصوب، أو هو ظرف مكان متعلق بما قبله. وقول البيضاوي: فنصبها على المصدر، لا وجه له إلا إذا اعتبرناه ظرفا للمصدر المحذوف؛ أي: سلكه سلوكا في ينابيع، فلما حذف المصدر، انتصب انتصابه. وقيل: تمييز. وقيل: منصوب بنزع الخافض. وهذان ضعيفان. {فِي الْأَرْضِ:}
متعلقان بمحذوف صفة {يَنابِيعَ} على جميع الاعتبارات فيه.
{ثُمَّ:} حرف عطف. {يُخْرِجُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهَ} . {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {زَرْعاً:} مفعول به. {مُخْتَلِفاً:} صفة: {زَرْعاً} . {أَلْوانُهُ:} فاعل به؛ لأنه اسم فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وجملة:{يَهِيجُ} معطوفة أيضا على ما قبلها. {فَتَراهُ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به. {مُصْفَرًّا:} حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. {يَجْعَلُهُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهَ،} والهاء مفعول به أول. {حُطاماً:}
مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة أيضا.
{أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {أَنَّ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَذِكْرى:} اللام: لام الابتداء.
(ذكرى): اسم {أَنَّ} مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. {لِأُولِي:}
جار ومجرور متعلقان ب: (ذكرى)، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و (أولي) مضاف، و {الْأَلْبابِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:
{إِنَّ فِي ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ:} وسعه للإسلام، فاهتدى، وقبل الحق؛ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، كمن طبع الله تعالى على قبله، فلم يهتد، ولم يقبل الحق؟!. {فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} أي: على يقين، وبيان، وهداية من ربه بتنوير الحق في قلبه. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} قلنا: يا رسول الله! كيف انشراح صدره؟ قال: «إذا
دخل النور القلب انشرح، وانفسح». قلنا: يا رسول الله! فما علامات ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتّجافي عن دار الغرور، والتأهّب للموت قبل نزول الموت» .
{فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ} أي: من ترك ذكر الله، أو من أجل ذكر الله؛ أي: إذا ذكر الله عندهم، أو آياته؛ ازدادت قلوبهم قسوة، كقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [125] {فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} فإنهم كلما تلي ذكر الله على الذين يكذبون به؛ قست قلوبهم عن الإيمان به. وقيل: إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر، كدرة العنصر، بعيدة عن قبول الحق؛ فإن سماعها لذكر الله لا يزيدها إلا قسوة، وكدورة، كحر الشمس يلين الشمع، ويعقد الملح، فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عند سماعه، ولا يزيد الكافرين، والملحدين، والفاجرين إلا قسوة. قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله تعالى على قوم إلا نزع الرّحمة منهم. انتهى. خازن.
وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: اطلبوا الحوائج من السّمحاء، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي» . انتهى. قرطبي. وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد النّاس من الله تعالى القلب القاسي» . رواه الترمذي. وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنزع الرّحمة إلاّ من شقيّ» . رواه أبو داود والترمذي.
أما أسباب قسوة القلب؛ فإني أوجزها لك بما يلي: منها: أكل الحرام، فإن الشخص الذي لا يبالي من أين أكل من الحلال، أم من حرام، تخبث نفسه، ويقسو قلبه، وتفحش أعماله، وتسوء أخلاقه. ومنها: اتباع الهوى، والانقياد للشيطان الرجيم، فإن الشخص الذي يسلسل لنفسه قيادها؛ تجره إلى المهالك، والذي ينقاد إلى شيطانه؛ يأمره بكل شر، وينهاه عن كل خير.
ومنها: كثرة الشغف بالمجادلة، والمخاصمة بالباطل. فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: {ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً» }. رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال أنس بن مالك-رضي الله عنه: المراء يقسي القلوب، ويورث الضغائن. ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعدم مراقبته في السر والعلن، والإعراض عن أداء واجبات الله تعالى، كالصلاة، وغيرها، فإن الشخص الذي يعرض عن الله؛ يعرض الله عنه، ويكله إلى شيطانه. مصداقا لقوله تعالى:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} . ورحم الله ابن المبارك؛ إذ يقول: [المتقارب]
رأيت الذّنوب تميت القلوب
…
وقد يورث الذّلّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
…
وخير لنفسك عصيانها