المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كانت رسالة أيوب إلى أمة الروم، ولهذا يقولون: إنه من - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٨

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: كانت رسالة أيوب إلى أمة الروم، ولهذا يقولون: إنه من

كانت رسالة أيوب إلى أمة الروم، ولهذا يقولون: إنه من أمة الروم، وكان مقامه في دمشق، وأطرافها على ما ذكره بعض المؤرخين. انتهى. صابوني.

‌فائدة:

سئل سفيان الثوري عن عبدين: ابتلي أحدهما، فصبر، وأنعم الله على الآخر، فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأن الله أثنى على عبدين: أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناء واحدا، فقال في وصف أيوب:{نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ} وقال في وصف سليمان: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ} ولكن المنقول: أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، والفقير الصابر يدخل الجنة قبله بنصف يوم، ومقداره: خمسمئة سنة؛ لأن الغني الشاكر يوقف ليحاسب على ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟.

انتهى. ما تقدم من الكشاف، والقرطبي، وغيرهما. وانفرد القرطبي بذكر ما يلي:

استدل بعض جهال المتزهدة، وطغام المتصوفة بقوله تعالى لأيوب:{اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ} على جواز الرقص. قال أبو الفرج الجوزي: وهذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرّجل فرحا كان لهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرّجل لينبع الماء. وقال ابن عقيل: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض؛ لينبع الماء إعجازا من الرقص؟! ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد أنحلها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام، جاز أن يجعل قوله لموسى:{اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ} دلالة على ضرب المحادّ بالقضبان. نعوذ بالله من التلاعب بالشرع، وقد احتج بعض قاصريهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي-رضي الله عنه:«أنت مني وأنا منك» . فحجل، وقال لجعفر ابن عمه:«أشبهت خلقي وخلقي» . فحجل، وقال لزيد بن حارثة:«أنت أخونا» . فحجل، ومنهم من احتج بأن الحبشة زفنت؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. والجواب: أما الحجل فهو نوع من المشي يفعل عند الفرح، فأين هو والرقص؟ وكذلك زفن الحبشة نوع من المشي يفعل عند اللقاء للحرب. انتهى. وزفن، يزفن، زفنا: رقص، يرقص، رقصا. وأضيف: أنه يتعلق بذلك من الخزعبلات ما يحدث من ضرب الشيش ونحوه مما لا علاقة له بالدين، بل الدين منه براء.

هذا؛ وقد تكلم العز بن عبد السّلام-رحمه الله تعالى-في كتابه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» عن البدع وأنواعها إلى أن قال في صفحة [230 ج 2] ما يلي:

وأما الرقص، والتصفيق؛ فخفة، ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن، أو متصنع كذاب، وكيف يتأتى الرقص المتزن، بأوزان الغناء من طاش لبه، وذهب عقله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:«خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم» . ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك.

وإنما استحوذ الشيطان على قوم يظنون: أن طربهم عند السماع إنما هو متعلق بالله، عز وجل، ولقد مانوا فيما قالوا، وكذبوا فيما ادعوا من جهة: أنهم عند سماع المطربات؛ وجدوا لذتين اثنتين: إحداهما: لذة المعارف والأحوال المتعلقة بذي الجلال، والثانية: لذة

ص: 158

الأصوات، والنغمات، والكلمات الموزونات الموجبات للذات النفس؛ التي ليست من الدين، ولا متعلقة بأمور الدين، فلما عظمت عندهم اللذتان؛ غلطوا، فظنوا: أن مجموع اللّذة إنما حصل بالمعارف، والأحوال، وليس كذلك؛ بل الأغلب عليهم حصول لذات النفوس؛ التي ليست من الدين بشيء. وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله صلى الله عليه وسلم:«إنما التصفيق للنساء» ولعن عليه الصلاة والسلام «المتشبّهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء» . ومن هاب الإله، وأدرك شيئا من تعظيمه؛ لم يتصور منه رقص، ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق، والرقص إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل، ويدل على جهالة فاعلهما: أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب، ولا سنة، ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء، ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء؛ الذين ألتبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد قال تعالى:{وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ} .

وقد مضى السلف، وأفاضل الخلف؛ ولم يلابسوا شيئا من ذلك، ومن فعل ذلك، أو اعتقد: أنه غرض من أغراض نفسه، وليس بقربة إلى ربه، فإن كان ممن يقتدى به، ويعتقد: أنه ما فعل ذلك إلا لكونه قربة؛ فبئس ما صنع لإيهامه: أن هذا من الطاعات، وإنما هو من أقبح الرعونات، وأما الصياح، والتغاشي، والتباكي تصنعا، ورياء، فإن كان من حال لا تقتضيه؛ فقد أثم من وجهين:

أحدهما: إيهامه الحال التامة الموجبة لذلك.

والثاني: تصنعه به، ورياؤه، وإن كان عن حال تقتضيه أثم إثم ريائه لا غير، وكذلك نتف الشعور، وضرب الصدور، وتمزيق الثياب محرم لما فيه من إضاعة المال، وأي: ثمرة لضرب الصدور، ونتف الشعور، وشق الجيوبات إلا رعونات صادرة عن النفوس.

فإذا رأيت إنسانا يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يخبر بالمغيبات، ويخالف الشرع بارتكاب المحرمات بغير سبب محلّل، أو يترك الواجبات بغير سبب مجوّز؛ فاعلم أنه شيطان، نصبه الله فتنة للجهلة، وليس ذلك ببعيد من الأسباب؛ التي وضعها الله للضلال، فإن الدجال يحيي ويميت فتنة لأهل الضلال، وكذلك يأتي الخربة، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وكذلك يظهر للناس: أنه معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، وكذلك من يأكل الحيات، ويدخل النيران، فإنه مرتكب للحرام بأكل الحيات، وفاتن للناس بدخول النيران، ليقتدوا به في ضلالته، ويتابعوه على جهالته. انتهى. وما أحسن ما أنشده الشيخ ابن الحاج في كتابه المدخل:[البسيط] ليس التصوف لبس الصوف ترقعه

ولا بكاؤك إن غنّى المغنّونا

ولا صياح ولا رقص ولا طرب

ولا اختباط كأن قد صرت مجنونا

بل التصوف أن تصفو بلا كدر

وتتبع الحقّ والقرآن والدّينا

وأن ترى خاشعا لله مكتئبا

على ذنوبك طول الدّهر محزونا

ص: 159

الإعراب: {وَخُذْ:} الواو: حرف عطف. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{اُرْكُضْ..} . إلخ. قاله الزمخشري، وغيره. وقال الجمل:

معطوفة على مقدر تقديره: وكان قد حلف ليضربن امرأته مئة ضربة لسبب حصل منها، وكانت محسنة، فجعل الله له خلاصا من يمينه بقوله:{وَخُذْ بِيَدِكَ..} . إلخ. {بِيَدِكَ:} متعلقان بما قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {ضِغْثاً:} مفعول به، وجملة:{فَاضْرِبْ بِهِ} معطوفة على ما قبلها، والمفعول به محذوف، تقديره: اضرب به امرأتك، (لا تحنث):

فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . والمتعلق محذوف، التقدير: ولا تحنث في يمينك، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. {وَجَدْناهُ:} فعل، وفاعل، ومفعول به أول.

{صابِراً:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنّا..} .

إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ:} انظر الآية رقم [30] ففيها الكفاية.

{وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)}

الشرح: {وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ..} . إلخ: الأمر والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: اذكر صبرهم، واقتد بهم، فإبراهيم ألقي في النار فصبر، وإسحاق أضجع للذبح (في قول) فصبر، ويعقوب ابتلي بفقد ولده، وذهاب بصره (في قول) فصبر، وقد مرّت سيرهم، وقصصهم في كثير من السور. {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ:} أولي القوة في العبادة، والطاعة، والبصيرة في الدين. أو:

أولي الأعمال الجليلة، والعلوم الشريفة. فعبر بالأيدي عن الأعمال؛ لأن أكثرها بمباشرتها، وبالأبصار عن المعارف؛ لأنها أقوى مبادئها. وانظر الآية رقم [17]. {إِنّا أَخْلَصْناهُمْ} أي:

اصطفيناهم، وجعلناهم خالصين لنا. {بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ:} قيل: معناه: أخلصناهم بحب الآخرة، وذكراها. وقال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة لا همّ لهم غيرها. وقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا، وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة، وذكرها.

{وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ} أي: المختارين من بين أبناء جنسهم، فاختارهم الله تعالى، واتخذهم صفوة، وصفّاهم، وطهرهم من الأدناس، والأكدار، والأرجاس. والإضافة في قوله:

{عِبادَنا} إضافة تعظيم، وتبجيل، والعندية عندية تكريم وتعظيم. هذا؛ ولا تنس: استعارة الأيدي للقوة في العبادة، واستعارة الأبصار للبصيرة في الدين.

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله تقديره:«أنت» .

{عِبادَنا:} مفعول به، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِبْراهِيمَ:} وما بعده بدل من:

{عِبادَنا،} أو عطف بيان، وقرئ:«(عبدنا)» فيكون {إِبْراهِيمَ} بدلا منه، و (إسحاق) معطوفا على

ص: 160

{إِبْراهِيمَ،} و (يعقوب) معطوفا على (إسحاق)، وشرح هذا من العربية: أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا، وعمرا، وخالدا، فزيد، وعمرو، وخالد بدل، وهم الأصحاب، وإذا قلت: رأيت صاحبنا زيدا، وعمرا، وخالدا، ف:«زيد» وحده بدل، وهو صاحبنا، وعمرو، وخالد عطف على «صاحبنا» وليسا داخلين في المصاحبة إلا بدليل غير هذا، غير أنه قد علم أنّ قوله:{وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ} داخلان في العبودية، وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، ولا وجه له.

{أُولِي:} صفة للأسماء السابقة، أو هو حال منها، وهو أولى، فهو منصوب على الاعتبارين، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وخذفت النون للإضافة، و {أُولِي} مضاف، و {الْأَيْدِي} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل.

(الأبصار): معطوف على ما قبله. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. {أَخْلَصْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. {بِخالِصَةٍ:} متعلقان بما قبلهما، و (خالصة) صفة موصوف محذوف، التقدير: بخصلة خالصة، وقرئ بدون تنوين على الإضافة وفيها أوجه: أحدها: أن تكون إضافة خالصة إلى ذكرى للبيان؛ لأن الخالصة قد تكون ذكرى، وغير ذكرى، كما في قوله تعالى:{بِشِهابٍ قَبَسٍ} لأن الشهاب يكون قبسا وغيره. الثاني: أن (خالصة) مصدر بمعنى: إخلاص، فيكون مصدرا مضافا لمفعوله، والفاعل محذوف، وأجيز أن تكون الإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وقد جاء المصدر على «فاعلة» كالعاقبة، وقراءة الجمهور بالتنوين، وعدم الإضافة، وفيها أوجه:

أحدها: أنها مصدر بمعنى: الإخلاص، فيكون (ذكرى) منصوبا به، وأن يكون بمعنى:

الخلوص، فيكون (ذكرى) مرفوعا، كما تقدم ذلك، والمصدر يعمل منونا، كما يعمل مضافا، أو يكون (خالصة) اسم فاعل على بابه، و (ذكرى) بدل، أو بيان لها، أو منصوب بإضمار: أعني، أو هو مرفوع بإضمار مبتدأ، و {الدّارِ} يجوز أن يكون مفعولا به ب:{ذِكْرَى} وأن يكون ظرفا، إما على الاتساع، وإما على إسقاط الخافض، و (خالصة) إن كانت صفة فهي صفة لمحذوف، أي:

بسبب صفة خالصة. انتهى. جمل نقلا من السمين بتصرف. ولأبي البقاء العكبري ما يشبهه.

{وَإِنَّهُمْ:} الواو: واو الحال، (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {عِنْدَنا:} ظرف مكان متعلق بما بعده. و (نا): في محل جر بالإضافة. {لَمِنَ:} اللام: لام الابتداء. (من المصطفين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {الْأَخْيارِ:} صفة لما قبله، أو هو بدل منه على اعتبار الأول صفة لموصوف محذوف، والجملة الاسمية:{وَإِنَّهُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب العائد على إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والرابط: الواو، والضمير، وجملة:{وَاذْكُرْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها عطف قصة على قصة أيوب، وما تقدم قبلها.

ص: 161

{وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48)}

الشرح: {إِسْماعِيلَ:} هو ابن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، فصل سبحانه ذكره عن ذكر أبيه، وأخيه للإشعار بعراقته في الصبر، الذي هو المقصود بالتذكير، وهو الذبيح على المعتمد، كما رأيت في الآيات رقم [100] وما بعدها من سورة (الصافات)، والقرآن الكريم أكثر من ذكره العطر، وسيرته الحميدة، وأثنى عليه ثناء حسنا عظيما، لا خفاء فيه في كثير من السور. (اليسع): هو ابن أخطوب بن العجوز استخلفه إلياس على بني إسرائيل، كما رأيت في الآية رقم [123] من سورة (الصافات) وما بعدها، ثم استنبئ، وأيده الله بمثل ما أيد به إلياس، فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظمونه، وينتهون إلى أمره ونهيه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع، عليه الصلاة والسلام. وينبغي أن تعلم أن الله لم يذكر اسم اليسع، في غير هذه الآية، والآية رقم [86] من سورة (الأنعام)، ذكره في جملة الرسل هنا، وهناك ذكرا بدون ذكر شيء من أعماله، وسيرته. ويذكر بعض المؤرخين: أن دعوته ظهرت في مدينة تسمى بانياس، إحدى مدن سورية، ولا تزال حتى الآن موجودة، وهي قريبة من بلدة اللاذقية، والله أعلم. انتهى. صابوني.

وينبغي أن تعلم أيضا: أنه قد دخلت عليه أل التعريف، كما دخلت في العباس، والفضل، والوليد، واليزيد، ونحو ذلك. خذ قول ابن ميادة في مدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك:[الطويل] رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

شديدا بأعباء الخلافة كاهله

وهذا هو الشاهد رقم (74) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» . وخذ قول ابن مالك في ألفيته: [الرجز]

وبعض الأعلام عليه دخلا

للمح ما قد كان عنه نقلا

كالفضل والحارث والنّعمان

فذكر ذا وحذفه سيّان

أما (ذو الكفل): فكاليسع لم يذكر في غير هذه الآية، وفي الآية رقم [85] من سورة (الأنبياء) ذكره الله في جملة الرسل هنا، وهناك ذكرا من غير ذكر شيء من أعماله، وسيرته، والفارق بينه وبين اليسع أن اليسع متفق على نبوته، ورسالته، أما ذو الكفل فمختلف فيه هل هو نبي، أو لا؟ فقد روى الحاكم عن وهب بن منبه: أن الله بعث بعد أيوب ابنه بشرا، وسماه ذا الكفل، وكان مقيما بالشام حتى مات، وعمره خمس وسبعون سنة. انتهى. التحبير للسيوطي.

وعبارة أبي السعود: هو ابن عم اليسع، أو هو بشر بن أيوب، واختلف في نبوته، ولقبه. انتهى.

جمل. ولم يذكر عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء اسم اليسع، ولا اسم ذي الكفل،

ص: 162

وها أنذا أنقل لك أيها القارئ الكريم ما ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء، وقد نقله عنه الخازن في سورة (الأنبياء)، وهو ما يلي:

قال مجاهد: لما كبر اليسع؛ قال: إني أستخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي؛ حتى أنظر كيف يعمل، فجمع الناس، ثم قال: من يتكفل لي بثلاث استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام إليه شاب تزدريه العيون، فقال: أنا، فرده ذلك اليوم، وقال في اليوم الثاني مثلها، فسكت الناس، فقال ذلك الرجل: أنا أعمل ذلك، فاستخلفه. قال: فلما رأى إبليس ذلك جعل يقول: عليكم بفلان، وأعياهم، فقال: دعوني وإياه، فأتاه بصورة شيخ كبير فقير حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة، فدق إبليس الباب عليه، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، ففتح له الباب فجعل يقص عليه القصة، ويقول: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا، وفعلوا، وجعل يطول عليه حتى حضر وقت الرواح، وذهبت القائلة، فقال له: إذا رحت فإني آخذ لك بحقك، فانطلق، وراح إلى مجلسه، فلما جلس جعل ليرى الشيخ، فلم يره، وقام، فلم يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينظره، فلم يره، فلما رجع إلى القائلة، وأخذ مضجعه؛ أتاه، فدق الباب عليه، فقال: من هذا، فقال: أنا الشيخ المظلوم، ففتح له، وقال له: ألم أقل لك: إذا قعدت؛ فائتني. فقال: إنهم قوم إذا عرفوا أنك قاعد، يقولون: نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فائتني. وفاتته القائلة، فراح فلما جلس جعل ينظر، فلا يراه، وشق عليه النعاس، فلما كان اليوم الثالث، قال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب؛ حتى أنام، فإنه قد شق عليّ النعاس، فلما كانت تلك الساعة؛ نام، فجاء الخبيث، فلم يأذن له الرجل، فلما أعياه؛ نظر، فرأى كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، فدق الباب عليه من داخل، فاستيقظ، فقال: يا فلان ألم آمرك ألاّ تأذن لأحد علي، قال: أما من قبلي فلم تؤت، فانظر من أين أتيت؟ فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال: أتنام؛ والخصوم ببابك؟ فنظر إليه فعرفه، فقال: أعدوّ الله.؟ قال: نعم أعييتني، وفعلت ما فعلت؛ لأغضبك، فعصمك الله مني! فسمي ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر، فوفى به. وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، وإنما كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح، وكان يصلي لله تعالى في كل ليلة مئة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء. وقيل: هو إلياس. وقيل: هو زكريا. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. انتهى. هذا؛ وذو الكفل المذكور في الآية الكريمة غير الكفل الذي جاء في الحديث الشريف، وخذه بحروفه: عن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا، لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة، فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت، وبكت،

ص: 163

قال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلاّ الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا، وما فعلته، اذهبي فهي لك. وقال: لا والله، لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه، إنّ الله قد غفر للكفل». رواه الترمذي، وحسنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

الإعراب: {وَاذْكُرْ:} الواو: حرف عطف. (اذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» .

{إِسْماعِيلَ:} مفعول به. {وَالْيَسَعَ:} معطوف عليه. {وَذَا:} الواو: حرف عطف. (ذا): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذا) مضاف، و {الْكِفْلِ} مضاف إليه. هذا؛ ولم يذكر لفظ:(عبادنا) كما ذكر قبل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، اكتفاء به. {وَكُلٌّ:} الواو: واو الحال. (كل): مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: وكلهم. {مِنَ الْأَخْيارِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من {إِسْماعِيلَ} وما عطف عليه، والرابط: الواو، والضمير، والجملة الفعلية:{وَاذْكُرْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51)}

الشرح: {هذا ذِكْرٌ} أي: هذا ذكر جميل في الدنيا، وشرف عظيم يذكرون به فيها أبدا بعد موتهم، ولحوقهم بالرفيق الأعلى. والإشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (مريم) رقم [50]:{وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا،} وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه قد سأل الله ذلك، فقال:{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} رقم [84] من سورة (الشعراء). هذا؛ وقد روى أشهب عن مالك أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا، ويرى في عمل الصالحين؛ إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال تعالى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} رقم [39] من سورة (طه)، وقال جل ذكره في سورة (مريم):{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا} أي: حبا في قلوب عباده، وثناء حسنا، فنبه الله تعالى بآية (الشعراء) على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل، وهي الحياة الثانية؛ التي قال فيها أحمد شوقي-رحمه الله تعالى-:[الكامل]

دقّات قلب المرء قائلة له

إنّ الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها

فالذّكر للإنسان عمر ثان

هذا؛ وقيل: المراد ب: {ذِكْرٌ} القرآن الكريم، ولا وجه له هنا.

ص: 164

{وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} أي: لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع، والمنقلب في الآخرة. {جَنّاتِ عَدْنٍ:} جنات إقامة وخلود، يقال: عدن بالمكان أقام فيه، ومنه:

المعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عدن دار الله؛ التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيون، والصديقون، والشهداء، يقول الله تعالى:

طوبى لمن دخلك!». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-رضي الله عنه.

وقال عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق-رضي الله عنه-قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.

{مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ} أي: مفتوحة لهم أبوابها، وإنما قال:{مُفَتَّحَةً} ولم يقل: مفتوحة؛ لأنها تفتح لهم بالأمر، لا بالمس. قال الحسن البصري: تكلّم: انفتحي، فتنفتح، انغلقي، فتنغلق. وقال الرازي: إن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا المؤمنين؛ فتحوا لهم أبوابها، وحيّوهم بالسلام، فيدخلونها كذلك، محفوفين بالملائكة على أعز حال، وأحسن هيئة. انتهى.

صفوة التفاسير، وقد تقدم هذا المعنى في الآية رقم [24] من سورة (الرعد)، ورقم [44] من سورة (الأحزاب)، وانظر سورة (الزمر) رقم [73].

{مُتَّكِئِينَ فِيها} أي: متكئين في الجنة على الأرائك، وهي السرر الوثيرة، والوطاآت الناعمة. هذا؛ والاتكاء على السرر من صفات المنعمين المترفين. {يَدْعُونَ فِيها:} في الجنة.

{بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ} أي: وهم متكئون على الأسرة يطلبون أنواع الفواكه، وألوان الشراب، كعادة الملوك في الدنيا. قال ابن كثير: أي: مهما طلبوا؛ وجدوا، ومن أي أنواعه شاؤوا؛ أتتهم به الخدام. قال الصابوني: والاقتصار على طلب الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه، والتلذذ دون التغذي؛ لأنه لا جوع في الجنة. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وما في هذه الآيات مقابلة لما في الآيات الآتية.

الإعراب: {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {ذِكْرٌ:} خبره، والجملة الاسمية معترضة، جيء بها للفصل بين ما قبلها وما بعدها، فيؤتى بها للانتقال من غرض إلى آخر. {وَإِنَّ:} الواو: واو الحال. {لِلْمُتَّقِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها للحصر. {لَحُسْنَ:} اللام: لام الابتداء. (حسن):

اسم (إنّ) مؤخر، و (حسن) مضاف، و {مَآبٍ} مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ..} . إلخ في محل نصب حال من {إِبْراهِيمَ} وما عطف عليه، والرابط: الواو، ولفظ المتقين المعبر به عنهم، أو هي مستأنفة، لا محل لها. {جَنّاتِ:} بدل من:

ص: 165

(حسن ماب)، أو عطف بيان عليه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. و {جَنّاتِ} مضاف، و {عَدْنٍ} مضاف إليه. {مُفَتَّحَةً:} حال من: {جَنّاتِ عَدْنٍ} لأنها معرفة بالإضافة إلى {عَدْنٍ،} كما قالوا: جنة الخلد، وجنة المأوى، والعامل في الحال ما في (المتقين) من معنى الفعل. هذا؛ وقيل: هي نكرة، والمعنى: جنات إقامة، فتكون {مُفَتَّحَةً} وصفا ل:{جَنّاتِ} . {لَهُمُ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {الْأَبْوابُ:} نائب فاعل ب: {مُفَتَّحَةً} .

هذا؛ وقرئ برفع الاسمين على أن: {مُفَتَّحَةً} خبر مقدم، و {الْأَبْوابُ} مبتدأ مؤخر، أو هما خبران لمبتدأ محذوف، والأول أقوى. وقيل:{الْأَبْوابُ} بدل من الضمير المستتر في:

{مُفَتَّحَةً،} وهو ضعيف، وعلى رفع الاسمين فالجملة الاسمية صالحة للحالية من:{جَنّاتِ عَدْنٍ،} وللوصفية لها، والرابط على الاعتبارين محذوف، التقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. {مُتَّكِئِينَ:}

حال من الضمير المجرور في: {لَهُمُ،} والعامل فيها: {مُفَتَّحَةً،} فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. وقيل: العامل في الحال: {يَدْعُونَ،} وصاحب الحال واو الجماعة، وهو ضعيف. وعلى الأول فالحال مقدرة؛ لأن الاتكاء، وما بعده ليس في حال تفتح الأبواب، بل هو بعده. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُتَّكِئِينَ} .

{يَدْعُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهو يؤيد اعتباره عاملا في {مُتَّكِئِينَ،} أو الجملة في محل نصب حال من الضمير في:

{لَهُمُ،} فتكون حالا متعددة؛، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر ب:{مُتَّكِئِينَ،} فتكون حالا متداخلة. {فِيها بِفاكِهَةٍ:} كلاهما متعلقان بالفعل: {يَدْعُونَ} . {كَثِيرَةٍ:} صفة:

(فاكهة). {وَشَرابٍ:} معطوف على (فاكهة).

{وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54)}

الشرح: {وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ:} انظر شرح: {قاصِراتُ} في الآية رقم [48] من سورة (الصافات). وأما {الطَّرْفِ} فهو تحريك جفن العين إذا نظرت، فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر:[الطويل]

وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا

لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الّذي لا كلّه أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابر

وقد وصف آصف سليمان بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، بقوله:{أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} في الآية رقم [40] من سورة (النمل)، وقد يراد بالطرف الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:[الطويل]

ص: 166

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

إشارة محزون ولم تتكلّم

فأيقنت أن الطرف قد قال: مرحبا

وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم

هذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى:{لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ} من سورة (إبراهيم) رقم [43]. {أَتْرابٌ:}

متساويات في السن، والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. وقيل: متآخيات، لا يتباغضن، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن، ومثلهن أزواجهن في السن؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت، قال تعالى في وصفهن، بسورة (الواقعة):{عُرُباً أَتْراباً} ومعناه: متحببات إلى أزواجهن، وهن مثلهم في سن واحدة. هذا؛ وأتراب جمع: ترب، بكسر التاء وسكون الراء، كحمل، وأحمال، وهو المساوي لك في العمر، قال الشاعر:[البسيط]

لولا توقّع معترّ فأرضيه

ما كنت أوثر أترابا على ترب

وهذا هو الشاهد رقم (139) من كتابنا: «فتح رب البرية» . {هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ} أي: هذا الجزاء المذكور هو الذي وعدكم الله به أيها المؤمنون يوم القيامة لأجل الحساب، فعملتم به حتى فزتم بالنعيم المقيم، والخير العميم، وهو قوله تعالى:{إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ} أي: ما له انقطاع، بل هو دائم مستمر، كقوله تعالى في سورة (هود) رقم [108]:{عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: غير مقطوع، وكقوله تعالى في كثير من الآيات:{لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي:

غير مقطوع، وكقوله تعالى:{أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ} الآية رقم [35] من سورة (الرعد)، والآيات في ذلك كثيرة.

وقال الصابوني: أي: هذا النعيم عطاؤنا لأهل الجنة، لا زوال له، ولا انقطاع، ولا انتهاء أبدا، قال في الظلال: يبدأ هذا المشهد بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع والأجزاء، وفي السمات، والهيئات، منظر المتقين لهم حسن ماب، ومنظر الطاغين لهم شر ماب، فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب؛ وهن في شبابهن قاصرات الطّرف، لا يتطلعن، ولا يمددن بأبصارهن، وكلّهنّ شوابّ أتراب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد. انتهى.

الإعراب: {وَعِنْدَهُمْ:} الواو: حرف عطف. (عندهم): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. {قاصِراتُ:} مبتدأ مؤخر، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعندهم حور، أو: نساء قاصرات، و {قاصِراتُ} مضاف، و {الطَّرْفِ} مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، أو من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {أَتْرابٌ:}

ص: 167

صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية: (إن للمتقين

) إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. {هذا:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. {تُوعَدُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، وهو العائد، والجملة صلة الموصول لا محل لها، التقدير:

هذا الذي توعدونه. {لِيَوْمِ:} متعلقان بما قبلهما، و (يوم) مضاف، و {الْحِسابِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: وقيل لهم، أو: ويقال لهم: هذا ما توعدون

إلخ.

{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {هذا:} اسمها. {لَرِزْقُنا:} اللام: هي المزحلقة. (رزقنا):

خبر {إِنَّ،} و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره. {ما:}

نافية. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ:} حرف جر صلة. {نَفادٍ:}

مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل:{إِنَّ،} أو في محل نصب حال من (رزقنا)، والرابط: الضمير المجرور محلا باللام على الاعتبارين.

{هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58)}

الشرح: {هذا} أي: الأمر هذا، أو: خذ هذا الذي مر ذكره، وهو ما أعده الله للمتقين.

وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام، كقوله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم رقم [4]:{ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ} . {وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} أي: وإن للكافرين الذين كذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض فسادا لشر منقلب يصيرون إليه في الآخرة. ثم فسره بقوله:

{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها} أي: يحترقون فيها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [163] من سورة (الصافات){فَبِئْسَ الْمِهادُ} أي: المهد المفترش، مستعار من فراش النائم، وهو كقوله تعالى:{لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ} الآية رقم [41] من سورة (الأعراف). والمعنى: إن جهنم محيطة بهم من تحتهم، ومن فوقهم، كالفراش، واللحاف، استعيرت جهنم لهما. هذا؛ وفي هذه الآيات مقابلة لما في الآيات [49] وما بعدها. {هذا} أي: الأمر والشأن هذا. {فَلْيَذُوقُوهُ:} انظر مثل هذا الذوق في الآية رقم [38] من سورة (الصافات). {حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ:} الحميم: هو الماء الحار المحرق. والغساق: هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد، والدم. وقيل: الحميم: الحار

ص: 168

الذي قد انتهى حره، والغساق ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم، ولهذا قال عز وجل:{وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ} أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بهما، فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لو أنّ دلوا من غسّاق يهراق في الدنيا؛ لأنتن أهل الدنيا» . أخرجه الإمام أحمد، ورواه الترمذي وابن جرير أيضا.

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: الغساق هو الزمهرير يخوفهم الله ببرده. وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما: إنه يحرق ببرده، كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو-رضي الله عنه: هو قيح غليظ، لو وقع منه شيء بالمشرق؛ لأنتن من في المغرب، ولو وقع منه شيء بالمغرب؛ لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم من الصديد، والقيح، والنتن. وقال محمد بن كعب القرظي: هو عصارة أهل النار، وهذا القول أشبه باللغة، يقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر، قال الشاعر:[الطويل]

إذا ما تذكّرت الحياة وطيبها

إليّ جرى دمع من العين غاسق

{وَآخَرُ} أي: وعذاب آخر سوى الحميم والغساق. {مِنْ شَكْلِهِ:} من مثله، ونحوه، أي: المذوق، أو العذاب في الشدّة. {أَزْواجٌ:} أنواع، وألوان، وأصناف من العذاب كالزمهرير، والسموم، وأكل الزقوم، والصعود، والهوي، والحيات، والعقارب، إلى غير ذلك من الأشياء المتضادة المختلفة، وخذ قوله تعالى في سورة (إبراهيم):{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ} رقم [17]. هذا؛ ويقرأ: «(آخر)» بالمد على أنه مفرد، وبالقصر على أنه جمع.

الإعراب: {هذا:} خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: خذ هذا. {وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ} إعراب هذا الكلام مثل إعراب رقم [49] بلا فارق. {يَصْلَوْنَها:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:{جَهَنَّمَ،} والعامل في الحال الاستقرار في قوله تعالى: {لِلطّاغِينَ} أي:

المتعلق المحذوف. هذا؛ وأجيز اعتبار {جَهَنَّمَ} مفعولا به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وعليه فالجملة الفعلية مفسرة لهذا المحذوف، ويكون التقدير: يصلون جهنم يصلونها، والكلام كله مستأنف لا محل له. {فَبِئْسَ:} الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل جامد لإنشاء الذم. {الْمِهادُ:} فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس المهاد هو جهنم. وانظر الآية رقم [60] الآتية. {هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ} في إعراب هذه الآية أوجه كثيرة، فأولا:

يجوز في هذا أن يكون في محل نصب من وجهين: أن يكون الناصب له محذوفا، تقديره:

ص: 169

خذ هذا، وأن يكون محذوفا، يفسره الفعل المذكور بعده، وعلى الأول يوقف على هذا، وعلى الثاني لا يوقف عليه. وثانيا: يجوز أن يكون في محل رفع، وفيه أوجه:

يجوز أن يكون مبتدأ، و {حَمِيمٌ} خبره، وعليه فالجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره الجملة الفعلية بعده، ودخلت الفاء للتنبيه الذي في:

{هذا،} فيوقف على {فَلْيَذُوقُوهُ،} فيكون الإعراب كما في الآية رقم [2] من سورة (النور)، ورقم [38] من سورة (المائدة). وقال قوم: هذا ضعيف هنا؛ من أجل الفاء، فليست في معنى الجواب هنا كما في آية (النور)، وآية (المائدة)، وعليه يكون {حَمِيمٌ} خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا حميم، وهذا غساق، أو هو حميم، وهو غساق، والفراء يرفعهما بمعنى: منه حميم، ومنه غساق، وأنشد:[البسيط]

حتّى إذا ما أضاء الصّبح في غلس

وغودر البقل، ملويّ ومحصود

أي: منه ملوي، ومنه محصود، وقول زهير بن أبي سلمى في وصف ناقة يستقي عليها:[البسيط] لها متاع وأعوان غدون به

قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا

أي: منه قتب، ومنه غرب، والقتب: أداة السانية، والغرب: الدلو العظيمة. {فَلْيَذُوقُوهُ:}

الفاء: صلة على جميع وجوه الإعراب. (ليذوقوه): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مفسرة، أو معترضة، أو في محل رفع حسب ما رأيت من أوجه الإعراب المتقدمة.

هذا؛ وقال الجمل: {هذا} مبتدأ، و {حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ (57) وَآخَرُ} الثلاثة خبر عن المبتدأ، وجملة:{فَلْيَذُوقُوهُ} اعتراض، وقوله:{مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ} صفتان ل: (آخر) على كل من القراءتين. انتهى. شيخنا. وفي السمين قوله: {وَآخَرُ} قرأ أبو عمرو بضم الهمزة على أنه جمع، وارتفاعه من أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، و {مِنْ شَكْلِهِ} خبره، و {أَزْواجٌ} فاعل به، أي:

بالجار، والمجرور. الثاني: أن يكون مبتدأ أيضا، و {مِنْ شَكْلِهِ} خبر مقدم، و {أَزْواجٌ} مبتدأ مؤخر؛ والجملة الاسمية خبره. وعلى هذين الوجهين، فيقال: كيف يصح من غير عود ضمير يعود على (آخر)، فإن الضمير في {شَكْلِهِ} يعود على ما تقدم؛ أي: من شكل المذوق؟ والجواب: أن الضمير عائد على مبتدأ، وإنما أفرد، وذكّر؛ لأن المعنى من شكل ما ذكرنا. ذكر هذا التأويل أبو البقاء، وقد منع ذلك مكي لأجل الخلو من الضمير، وجوابه ما ذكرت لك.

الثالث: أن يكون {مِنْ شَكْلِهِ} نعتا ل: (أخر)، و {أَزْواجٌ} خبر المبتدأ؛ أي: وأخر من شكل المذوق أزواج. الرابع: أن يكون {مِنْ شَكْلِهِ} نعتا أيضا، و {أَزْواجٌ} فاعل به، والضمير عائد على:(أخر) بالتأويل المتقدم، وعلى هذا فيرتفع:(أخر) على الابتداء، والخبر مقدر

ص: 170

مقدم؛ أي: ولهم أنواع أخر استقر من شكلها أزواج. الخامس: أن يكون الخبر مقدرا كما تقدم؛ أي: ولهم أنواع أخر، و {مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ} صفتان ل:(آخر). انتهى. بتصرف.

{هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (59)}

الشرح: {هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: هو أن قادة الضلال في الدنيا إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة:{هذا فَوْجٌ} يعني: الأتباع.

هذا؛ والفوج: الجماعة، والجمع: أفواج، قال تعالى في سورة (النبأ):{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً} وقال في سورة (النصر): {وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً} ويجمع أيضا على:

فؤوج، وجمع الجمع: أفاوج، وأفايج، وأفاويج، وأفاييج بصيغة منتهى الجموع. هذا؛ والاقتحام:

الدخول، والإلقاء بشدة، فإنهم يضربون بمقامع من حديد؛ حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع. قال أبو الطيب المتنبي، وهو الشاهد رقم [263] من كتابنا:«فتح رب البرية» : [البسيط]

لقد تصبّرت حتّى لات مصطبر

والآن أقحم حتّى لات مقتحم

{لا مَرْحَباً بِهِمْ:} هذا من قول الرؤساء المتبوعين في الدنيا في حق الضعفاء التابعين لهم في الدنيا، ومعنى {لا مَرْحَباً بِهِمْ:} لا اتسعت منازلهم في النار. والرحب: السعة، قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [118]:{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ} وفي الآية معنى الدعاء، فلذلك نصب. قال النابغة الذبياني:[الكامل]

لا مرحبا بغد ولا أهلا به

إن كان تفريق الأحبّة في غد

قال أبو عبيدة: العرب تقول: لا مرحبا بك؛ أي: لا رحبت عليك الأرض ولا اتسعت.

{إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ:} قيل: هو من قول القادة؛ أي: إنهم صالوا النار كما صليناها. وقيل: هو من قول الملائكة، متصل بأول الآية.

الإعراب: {هذا:} مبتدأ. {فَوْجٌ:} خبره. {مُقْتَحِمٌ:} صفة: {فَوْجٌ} . {مَعَكُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من الضمير في: {مُقْتَحِمٌ،} أو من {فَوْجٌ؛} لأنه قد وصف، أو هو متعلق بمحذوف صفة ثانية، ولا يجوز أن يكون متعلقا ب:{مُقْتَحِمٌ} لفساد المعنى، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول الملائكة، كما رأيت. {لا:} نافية. {مَرْحَباً:} فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول به لفعل مقدر؛ أي:

لا أتيتم مرحبا. والثاني: أنه مفعول مطلق. قاله أبو البقاء. {بِهِمْ:} متعلقان بالمصدر الميمي، والجملة على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان، أو هي في محل نصب حال، وقد يعترض عليه بأنه دعاء، والدعاء لا يقع حالا، والجواب: أنه على

ص: 171

إضمار القول؛ أي: مقولا لهم: لا مرحبا بهم. {إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.

{صالُوا:} خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، وحذفت النون للإضافة، و {صالُوا} مضاف، و {النّارِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وانظر مثله في الآية رقم [163] من سورة (الصافات).

{قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60)}

الشرح: {قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ:} هذا من قول الضعفاء التابعين للأقوياء المتبوعين؛ أي: الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحقّ به. {أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا} أي: دعوتمونا إليه، وشرعتموه لنا، ورغبتمونا فيه. والمراد: الكفر الذي كان سببا لإدخالهم الجحيم، والعذاب الأليم. {فَبِئْسَ الْقَرارُ} أي: بئس المستقر، والمأوى نار جهنم! وهذه المحاورات بين الأتباع والمتبوعين في نار جهنم ذكرها الله تعالى في كثير من الآيات القرآنية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [66] من سورة (الأحزاب) وما بعدها، والآية من سورة (إبراهيم) رقم [21]؛ كيف لا وقد قال الله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [38]:{كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها..} . إلخ. وهذا على حد قول القائل: تحية بينهم ضرب وجيع، وسب شنيع، فكذلك أهل النار يتلقون بعضهم باللعنات، والشتائم بدل التحيات والسّلام، والمؤمنون بعكس ذلك، فقد قال الله عنهم:

{دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} الآية رقم [10] من سورة (يونس) عليه السلام.

الإعراب: {قالُوا:} فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {بَلْ:} حرف إضراب، وانتقال.

{أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:{لا مَرْحَباً بِكُمْ} في محل رفع خبره. وقيل: الجملة مقول قول محذوف هو الخبر؛ أي: يقال لكم. ولا وجه له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {أَنْتُمْ:} مبتدأ. {قَدَّمْتُمُوهُ:} فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم؛ لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به. {لَنا:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول وهي تعليل للنفي في المعنى، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَبِئْسَ:} الفاء: حرف استئناف. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. {الْقَرارُ:} فاعله، والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: فبئس القرار المذمومة النار، والجملة الفعلية:{فَبِئْسَ الْقَرارُ} إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء فصيحة فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فبئس القرار، ويبقى الكلام كله مستأنفا، لا محل له.

ص: 172

{قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ (61)}

الشرح: {قالُوا} أي: الأتباع الضعفاء. {رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا:} من زين لنا الكفر، والمعاصي، وسوغه، وسنه لنا. {فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ:} مضاعفا، ذا ضعف، وذلك بأن يزيد على عذابه مثله، فيصير ضعفين، كقوله تعالى حكاية عن قول المستضعفين في سورة (الأحزاب) رقم [68]:{رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ} وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [37]:

{رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ} .

هذا؛ والمضاعفة المكاثرة، وضعف الشيء بكسر الضاد وسكون العين مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا، ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في الأحزاب رقم [30]:{يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ} وفي رقم [69] من سورة (الفرقان): {يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ} وفي النساء رقم [40]: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها} .

الإعراب: {قالُوا:} ماض، وفاعله، والألف للتفريق. {رَبَّنا:} منادى حذف منه أداة النداء.

و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مَنْ:} اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {قَدَّمَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: {مَنْ} . {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {هذا:} مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {فَزِدْهُ:} الفاء:

واقعة في جواب الشرط، (زده): فعل دعاء، والفاعل مستتر، تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به أول. {عَذاباً:} مفعول به ثان. {ضِعْفاً:} صفة: {عَذاباً} . {فِي النّارِ:} متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: {عَذاباً،} وجملة: {فَزِدْهُ..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو {مَنْ} مختلف فيه، فقيل: هو فعل الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ واعتبر بعضهم {مَنْ} اسما موصولا مبتدأ، والجملة الفعلية:(قدم لنا هذا) صلته، وجملة:{فَزِدْهُ..} . إلخ في محل رفع خبره؛ وزيدت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والأول أولى، وأقوى.

{وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62)}

الشرح: {وَقالُوا} أي: يقول أكابر المشركين، وعظماؤهم، وهم يعذبون في النار. والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وهذا كثير، ومستعمل في القرآن الكريم. {ما لَنا}

ص: 173

لا نَرى رِجالاً

إلخ: هذا إخبار الله عن الكفار في النار: أنهم يفتقدون رجالا كانوا في الدنيا يعتقدون: أنهم على الضلالة، وهم المؤمنون في زعمهم، قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ قال ابن عباس، ومجاهد-رضي الله عنهما: يقول أبو جهل: أين بلال، أين صهيب، أين عمار؟ أولئك في الفردوس! واعجبا لأبي جهل! مسكين، أسلم ابنه عكرمة، وابنته جويرية، وأسلمت أمه، وأسلم أخوه، وكفر هو، ورحم الله الشاعر الذي يقول:[الطويل]

ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا

وموضع رجلي منه أسود مظلم

قال ابن كثير-رحمه الله تعالى-: وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار هذا حالهم، يعتقدون: أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار؛ افتقدوهم، فلم يجدوهم، فقالوا:

{ما لَنا لا نَرى..} . إلخ انتهى.

الإعراب: {وَقالُوا:} الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. {ما:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لَنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {لا:} نافية. {نَرى:}

فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره:

«نحن» ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والعامل الاستفهام. {رِجالاً:} مفعول به. {كُنّا:} فعل ماض ناقص، مبني على السكون، و (نا): اسمه. {نَعُدُّهُمْ:} فعل مضارع، والفاعل تقديره:«نحن» ، والهاء مفعول به. {مِنَ الْأَشْرارِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وجملة:{كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ} في محل نصب صفة: {رِجالاً،} وجملة: {وَقالُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63)}

الشرح: {أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا} أي: يؤنبون أنفسهم قائلين: أجعلنا هؤلاء المؤمنين في الدنيا هزآ، وسخرية؟ أم هم معنا في النار، ولكن لا نراهم. قال البيضاوي: إنكار على أنفسهم، وتأنيب لها في الاستسخار من المؤمنين، كأنهم قالوا: ليسوا هاهنا في النار، أم مالت عنهم أبصارنا فلا نراهم؟. انتهى. صفوة التفاسير. وقيل: معنى {زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ} أي:

احتقرناهم في الدنيا، فلم نأبه لهم؛ ولذا قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: كل ذلك فعلوا، اتخذوهم سخريا، وزاغت عنهم أبصارهم في الدنيا محقرة لهم.

هذا؛ ويقرأ بهمزة الوصل، وعليه فلا يوقف على {الْأَشْرارِ،} وتكون الجملة الفعلية حالا من: {الْأَشْرارِ} . وقال النحاس، والسجستاني: هي نعت ل: {رِجالاً،} أقول: ويجوز اعتبارها حالا أيضا منه لوصفه بما تقدم، ويقرأ بقطع الهمزة، وعليه فيوقف على {الْأَشْرارِ} . وانظر

ص: 174

الكلام على (اطّلع) في الآية رقم [55] من سورة (الصافات) فإنه جيد، كما قرئ بكسر السين، وضمها.

قال النحاس: وفرق أبو عمرو بينهما، فجعل المكسورة من جهة التهزّؤ، والمضمومة من جهة السّخرة، ولا يعرف هذا التفريق الخليل، ولا سيبويه، ولا الكسائي، ولا الفراء. وقال الكسائي:

هما لغتان بمعنى: واحد، كما يقال: عصي، وعصي، ولجي، ولجي، وحكى الثعلبي عن الكسائي، والفراء الفرق الذي ذكره أبو عمرو، وأن الكسر بمعنى: الاستهزاء، والسخرية بالقول، والضم بمعنى: التسخير، والاستعباد بالفعل، وقال المبرد: إنما يؤخذ التفريق بين المعاني عن العرب، وأما التأويل؛ فلا يكون، والكسر في «سخري» في المعنيين جميعا؛ لأن الضمة تستثقل في مثل هذا. انتهى. قرطبي. هذا؛ و {سِخْرِيًّا} على اللغتين مصدر: سخر، زيدت فيهما ياء النسبة للمبالغة.

الإعراب: {أَتَّخَذْناهُمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتأنيب على القطع. (اتخذناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {سِخْرِيًّا:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب حال، أو في محل نصب صفة على اعتبار الهمزة للوصل، كما رأيت في الشرح، وهي في محل نصب مقول القول على قطع الهمزة. {أَمْ:} حرف عطف، وهي متصلة، أو منقطعة على اعتبار الهمزة للوصل، أو للقطع، كما تقدم. {زاغَتْ:} ماض، والتاء للتأنيث. {عَنْهُمُ:} متعلقان بما قبلهما.

{الْأَبْصارُ:} فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.

{إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (64)}

الشرح: {إِنَّ ذلِكَ} أي: الذي ذكر عن الكافرين ومحاورتهم بعضهم في نار جهنم، ولعن بعضهم بعضا. {لَحَقٌّ:} لا بد أن يتكلموا به، ويقع فيما بينهم، وهو قوله تعالى:{تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ:} وهو ما تقدم من قول الرؤساء: {لا مَرْحَباً بِهِمْ،} وقول الأتباع لهم: {بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ} . قال النسفي-رحمه الله تعالى-: ولما شبه تقاولهم، وما يجري بينهم من السؤال، والجواب بما يجري بين المتخاصمين؛ سماه تخاصما، ولأن قول الرؤساء:{لا مَرْحَباً بِهِمْ،} وقول أتباعهم: {بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ} من باب الخصومة، فسمى التقاول كله تخاصما لاشتماله على ذلك، والمعنى: إن الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض لحق، لا مرية فيه، ولا شك، بل واقع لا محالة.

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَحَقٌّ:} اللام: هي المزحلقة.

(حق): خبر: {إِنَّ} مرفوع. {تَخاصُمُ:} خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو تخاصم، والجملة الاسمية هذه في محل رفع صفة (حق)، ويجوز اعتبار:{تَخاصُمُ} بدلا من: (حق)، ويجوز أن

ص: 175

يكون خبرا ثانيا ل: {إِنَّ،} ويجوز أن يكون بدلا من اسم: {إِنَّ} على المحل. هذا؛ وقرئ بنصبه على أنه بدل من: {ذلِكَ،} وقال الزمخشري: نعت لاسم الإشارة، ورده ابن هشام في المغني، و {تَخاصُمُ} مضاف، و {أَهْلِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و {أَهْلِ} مضاف، و {النّارِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{إِنَّ ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (65)}

الشرح: {قُلْ:} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: قل يا محمد لأهل مكة: إنما أنا منذر:

أي: ما أنا إلا رسول منذر، أنذركم عذاب الله، وغضبه، وعقابه، لا ساحر، ولا شاعر، ولا كاهن، كما ادعيتم، وافتريتم. {وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ} أي: لا يوجد في هذا الكون إله يستحق العبادة إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القهار لعباده الطاغين.

هذا؛ و (الله) علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل أحد تسمى: الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمئة وستين موضعا.

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {إِنَّما:} كافة ومكفوفة. {أَنَا مُنْذِرٌ:} مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {مِنْ:} حرف جر صلة. {إِلهٍ:} مبتدأ سوغ الابتداء به النفي قبله، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {إِلاَّ:} حرف حصر. {اللهُ:} خبر المبتدأ. {الْواحِدُ الْقَهّارُ:} بدل من لفظ الجلالة.

وقيل: صفة له، والجملة الاسمية:{وَما مِنْ إِلهٍ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، والحالية ممكنة. تأمل.

{رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (66)}

الشرح: انظر الآية رقم [5] من سورة (الصافات). ومعنى {الْعَزِيزُ:} القوي الغالب على أمره؛ الذي لا يغلبه شيء في الأرض، ولا في السماء. {الْغَفّارُ:} لذنوب عباده، الستار لعيوبهم؛ الذي يغفر ما يشاء لمن يشاء. وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد، ووعد، ووعيد للموحدين، والمشركين، وعظة نافعة للمؤمنين، وما يتذكر إلا أولو الألباب فكونه ربّا يشعر بالتربية، والإحسان، والكرم، والجود، وكونه غفارا يشعر بأنه يغفر الذنوب؛ وإن عظمت،

ص: 176

ويرحم عباده الضعفاء. هذا؛ وفي الآيات المتقدمة مراعاة الفواصل، وهي من خصائص القرآن الكريم؛ التي تعطي الكلام روعة في القلوب، وحلاوة للسان، ولذة في الأسماع.

الإعراب: {رَبُّ:} بدل من لفظ الجلالة، أو هو صفة له، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب، أو هو مبتدأ خبره {الْعَزِيزُ،} قاله أبو البقاء، ويجوز في مثله النصب بفعل محذوف على القطع، التقدير: أعني. و {رَبُّ} مضاف، و {السَّماواتِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. {بَيْنَهُمَا:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.

{الْعَزِيزُ:} يجوز فيه ما جاز ب: {رَبُّ،} ومثله: {الْغَفّارُ} .

{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)}

الشرح: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} أي: قل يا محمد لقومك: إن ما أنذركم به من الحساب، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار خبر عظيم القدر، فلا ينبغي أن يستخف به، ولا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. {أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ:} غافلون لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به لم أعلمه إلا بوحي من الله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: القرآن الذي أنبئكم به خبر جليل. وقيل: عظيم المنفعة.

{ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ:} الملأ الأعلى: هم الملائكة في قول ابن عباس، والسدي، اختصموا في أمر آدم حين خلقه الله تعالى، ف:{قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} آية رقم [30] من سورة (البقرة) وقال: إبليس: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} وفي هذا بيان: أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عن قصة آدم، وغيره، وذلك لا يتصور إلا بتأييد إلهي، فقد قامت المعجزة على صدقه، فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه؟

{إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي: ما يوحى إلي من ربي إلا أني رسول أنذر الناس وأخوفهم عقاب الله، وغضبه إن عصوه، وأبشرهم برحمته، ورضوانه إن أطاعوه. أو المعنى:

إنما علمت هذه المخاصمة بوحي الله إليّ، وإنما أنا نذير لكم أبين لكم ما ينبغي أن تأتوا به، وما ينبغي أن تجتنبوه. وخذ ما يلي:

فعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني الليلة آت من ربي رؤيا صادقة كفلق الصبح (وفي رواية: ربّي في أحسن صورة) فقال لي: يا محمد، قلت: لبّيك

ص: 177

ربّي، وسعديك! قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أعلم، فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثدييّ، (أو قال: في نحري) فعلمت ما في السموات، وما في الأرض، (أو قال: ما بين المشرق، والمغرب) قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الدرجات، والكفّارات، وفي نقل الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهنّ عاش بخير، ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وفي رواية أخرى: «قال:

يا محمد إذا صلّيت فقل: اللهمّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة؛ فاقبضني إليك غير مفتون».

هذا؛ والكفارات فسرها حديث أنس-رضي الله عنه «إسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصّلاة بعد الصلاة، ونقل الأقدام إلى الجماعات» . والدرجات: «إطعام الطعام، وإفشاء السّلام، والصلاة بالليل، والناس نيام» .

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {نَبَأٌ:} خبره. {عَظِيمٌ:} صفة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {عَنْهُ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {مُعْرِضُونَ:} خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثانية ل:{نَبَأٌ،} أو في محل نصب حال منه، بعد وصفه بما تقدم، والرابط على الاعتبارين الضمير المجرور محلا ب:(عن). {ما:} نافية. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {لِي:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {كانَ} مقدم. {مِنْ:} حرف جر صلة.

{عِلْمٍ:} اسم: {كانَ} مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {بِالْمَلَإِ:} جار ومجرور متعلقان بالمصدر {عِلْمٍ} .

{الْأَعْلى:} صفة (الملأ) مجرور مثله، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {إِذْ:}

متعلق بالمصدر، أو بمحذوف مضاف مقدر، التقدير: ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت يختصمون. {يَخْتَصِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:{إِذْ} إليها، والجملة:{ما كانَ لِي..} . إلخ في محل نصب مقول القول.

{إِنْ:} حرف نفي. {يُوحى:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. {إِلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {إِلاّ:} حرف حصر. {أَنَّما:}

كافة ومكفوفة. {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {نَذِيرٌ:} خبره.

{مُبِينٌ:} صفة، والجملة الاسمية تسبك مع {أَنَّما} بمصدر في محل رفع نائب فاعل، التقدير:

ما يوحى إلي إلا كوني نذيرا مبينا، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:

ص: 178

{قُلْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقيل: المصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأنما، أو لأنما، والجار والمجرور:{إِلَيَّ} في محل رفع نائب فاعل ل: {يُوحى،} والأول أجود. انتهى. مكي.

{إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71)}

الشرح: جاء في مختصر ابن كثير ما يلي: هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة (البقرة) وفي أول سورة (الأعراف) وفي سورة (الحجر) و (الإسراء) و (الكهف) وهاهنا؛ وهي أن الله سبحانه وتعالى أعلم الملائكة قبل خلق آدم-عليه الصلاة والسلام-بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، وقد تقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه، وتسويته، فليسجدوا له إكراما، وإعظاما، واحتراما، وامتثالا لأمر الله عز وجل، فامتثل الملائكة كلهم سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسا، كان من الجن، فخانه طبعه، وجبلته، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى: أنه خير من آدم، فإنه مخلوق من نار، وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك، وخالف أمر الله تعالى، وكفر بذلك، فأبعده الله عز وجل، وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته، ومحلّ أنسه، وحضرة قدسه، وسماه: إبليس إعلاما له بأنه أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموما، مدحورا إلى الأرض.

فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم، الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة؛ تمرد وطغى، وقال في هذه السورة:{قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} كما قال تعالى حكاية عن قوله: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً} وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى:{إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً،} وقوله تعالى في هذه السورة أيضا: {قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} . قال السدي: هو قسم أقسم الله به، كقوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [13]:{وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ،} وكقوله عز وجل في سورة (الإسراء): {قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً} انتهى.

وما أحراك أن تنظر تفصيل الآيات وشرحها في السور المشار إليها في أول هذا الكلام.

لقد علمت نقلا، وعقلا، وواقعيا: أن الله خلق كل مخلوق من أبوين بطريق التزاوج إلا آدم على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فقد خلقه الله بيده من طين، ثم نفخ فيه من روحه، فآدم لم يخلق من أبوين إنما جاء نموذجا فردا، كما صرحت الآيات التي نحن بصدد شرحها، وقد صرحت الآيات القرآنية: أنه أبو البشر، فقد قال تعالى في أول سورة (النساء):

{يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ..} . إلخ، وقال تعالى في سورة (الأعراف) [189]:

ص: 179

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها..} . إلخ، وقال في ثلاث آيات من سورة (الأعراف) أيضا:{يا بَنِي آدَمَ..} . إلخ، وفي حديث الشفاعة المروي في الصحيحين: أن الناس يأتون آدم، فيقولون له: «يا آدم أنت أبو البشر

». إلخ.

هذا؛ وما قاله داروين من أن أصل البشر بدأ بجرثومة صغيرة، ظهرت على سطح الماء، ثم تحولت إلى حيوان صغير، ثم تدرج هذا الحيوان، فأصبح ضفدعا، فسمكة، فقردا، ثم ترقّى هذا القرد وتمدّن فصار إنسانا، فالإنسان بنظره قرد متمدّن، وهذه النظرية تناقض المنقول، والمعقول، والواقع، فليكن داروين، وأتباعه المقتنعون بنظريته، المتحمسون لها القردة، وأولاد القردة، أما نحن المؤمنون بالقرآن، والمصدقون بما جاءت به الرسل الكرام؛ فلا نرضى إلا أن نكون من نسل آدم عليه السلام. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [70]:{وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ..} . إلخ، وقال تعالى في سورة (التين):{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} وإذا كانت نظرية داروين صحيحة؛ فلماذا لم يتطور سائر القردة، ويتمدنوا؟ ونحن نعيش في عصر التطور، والتمدن؟!.

هذا؛ وإذا عرفنا أن داروين يهودي الأصل، وأنه دهري ملحد يعتقد بألا خالق لهذا الوجود، ولا صانع لهذا العالم، فهو كافر بكل القيم الروحية التي جاءت بها الشرائع السماوية إذا عرفنا هذا نضرب به وبنظريته وبأتباعه عرض الحائط. هذا؛ وقد قال المرحوم عبد الوهاب النجار بعد أن ناقش هذه النظرية في كتابه قصص الأنبياء: أقول إني كلما فكرت في ذلك جزمت بأن ذلك محال، وقطعت بأن القرد لا بد أن يبقى قردا مدى الدهر، وأن القردة لا تلد إلا قردة.

الإعراب: {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدلا من سابقتها، قال الجمل: وليس من ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام، بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه ناطقة بذلك تفصيلا. انتهى. أبو السعود، وعبارة السمين قوله:{إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ،} يجوز أن يكون بدلا من {إِذْ} الأولى، وأن يكون منصوبا ب:«اذكر» مقدرا، قال الأول الزمخشري، وأطلق، وقال أبو البقاء الثاني، وأطلق، وأما الشيخ ففصل، وقال: بدل من: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} . هذا إذا كانت الخصومة في شأن من يستخلف في الأرض، وعلى غيره من الأقوال يكون منصوبا ب:«اذكر» مقدرا. انتهى. قلت: وتلك الأقوال: أن التخاصم إما بين الملأ الأعلى، أو بين قريش. انتهى. جمل بتصرف. {قالَ:} فعل ماض. {رَبُّكَ:} فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لِلْمَلائِكَةِ:}

متعلقان بالفعل قبلهما. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. {خالِقٌ:} خبرها، وفاعله مستتر فيه. {بَشَراً:} مفعول به ل: {خالِقٌ} . {مِنْ طِينٍ:} متعلقان بمحذوف صفة: {بَشَراً،} أو هما متعلقان ب: {خالِقٌ،} والجملة الاسمية: {إِنِّي..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها.

ص: 180

{فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72)}

الشرح: {فَإِذا سَوَّيْتُهُ:} فإذا أتممت خلقه، وعدلته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} أي:

وأحييته بنفخ الروح فيه، وإضافته إلى نفسه لشرفه، وطهارته. وقال الخازن: أضاف الروح إلى نفسه إضافة ملك على سبيل التشريف، كبيت الله، وناقة الله، ولأن الروح جوهر شريف قدسي يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء، وكسريان النار في الفحم. وانظر الآية رقم [27] من سورة (الروم). {فَقَعُوا:} أمر من: وقع، يقع، بمعنى: سقط، يسقط، اسقطوا. {لَهُ ساجِدِينَ:} سجود تحية بالانحناء على وجه التكرمة والتبجيل، لا على وجه العبادة، فإنها لا تنبغي إلا لله الواحد القهار.

الإعراب: {فَإِذا:} الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {سَوَّيْتُهُ:}

فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح هنا؛ إذ الراجح تعليق (إذا) هنا بالفعل بعدها، ولا تتعلق بالجواب؛ لاقترانه بالفاء، ولا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، وعليه فالجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. (نفخت): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {فِيهِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {مِنْ رُوحِي:} متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. {فَقَعُوا:} الفاء: واقعة في جواب (إذا). (قعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.

{لَهُ:} متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان ب: {ساجِدِينَ} . {ساجِدِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، وجملة:{فَقَعُوا..} . إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها في محل نصب مقول القول.

{فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74)}

الشرح: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أي: امتثلوا الأمر، وسجدوا له خضوعا له، وتعظيما لله بتعظيمه، وفي المواهب عن جعفر الصادق: أنه قال: أول من سجد لآدم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم الملائكة المقربون، وكان السجود يوم الجمعة، من وقت الزوال إلى العصر. وقال الزمخشري:(كلّ) للإحاطة، و {أَجْمَعُونَ} للاجتماع. فأفادا معا: أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. ونوقش في الثاني بأنه باطل بدليل قوله تعالى في سورة (الحجر): {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ،} وبقوله تعالى حكاية عن قول إبليس بعد

ص: 181

قليل: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} لأن دخولهم جهنم وإغواءهم ليس في وقت واحد، فدل ذلك على: أن {أَجْمَعِينَ} لا تعرض فيه لاتحاد الوقت. انتهى. جمل.

{إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ:} تعاظم، وأنف من السجود لآدم جهلا منه بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكبارا كفر. {وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ} أي: صار من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى، واستنكافه عن طاعته، أو كان منهم في علم الله تعالى بأنه سيكفر فيما لا يزال، وكان مسلما عابدا من أهل الجنة، وطاف بالبيت أربعة عشر ألف عام، وعبد الله ثمانين ألف عام. انتهى. جمل. وانظر ما ذكرته بشأن إبليس في الآية رقم [20] من سورة (سبأ).

هذا؛ والسجود في الأصل: تذلل مع تطامن. وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي؛ فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تعظيما لشأنه، أو سببا لوجوبه، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، فمعنى اسجدوا له؛ أي: إليه. وإما المعنى اللغوي؛ فهو التواضع لآدم تحية، وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى:{وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} فلم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض، وإنما كان بالانحناء، فلما جاء الإسلام؛ أبطل ذلك بالسلام، ولقد كان الأمر الإلهي بالسجود لآدم احتفالا بتمام تكوينه، وفي هذا إظهار لعلو شأنه، كما أن فيه تكريما لهذا النوع البشري حيث أسجد الملائكة لأبيهم آدم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

الإعراب: (سجد): فعل ماض. {الْمَلائِكَةُ:} فاعله. {كُلُّهُمْ:} توكيد أول، والهاء في محل جر بالإضافة. {أَجْمَعُونَ:} توكيد ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فخلقه الله، فسواه، فنفخ فيه الروح، فسجد له الملائكة

إلخ. {إِلاّ:} أداة استثناء. {إِبْلِيسَ:} مستثنى، وهل هو متصل، أو منقطع.

خلاف. {اِسْتَكْبَرَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{إِبْلِيسَ،} ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:{إِبْلِيسَ،} والرابط رجوع الفاعل إليه. {وَكانَ:} الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى:{إِبْلِيسَ} . {مِنَ الْكافِرِينَ:} متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.

{قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75)}

الشرح: {قالَ:} القائل هو الله تعالى. {يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} أي: أي شيء منعك من السجود في الوقت الذي أمرتك به. {لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أي: خلقته بنفسي من غير توسط كأب، وأم. قال القرطبي: أضاف خلقه إلى نفسه تكريما له، وإن كان خالق كل شيء، وهذا كما أضاف إلى نفسه الروح، والبيت، والناقة، والمساجد، فخاطب الناس بما يعرفونه في تعاملهم، فإن

ص: 182

الرئيس من المخلوقين لا يباشر شيئا بيده إلا على سبيل الإعظام، والتكرم. وقيل: أراد باليد:

القدرة، ويدل عليه: أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة بالإجماع، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [17] من هذه السورة. وفي الواقع تغليب اليدين على غيرهما من الجوارح؛ التي تباشر بها الأعمال؛ لأن صاحب اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه؛ حتى قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك على المجاز، وحتى قيل في المثل: يداك أوكتا، وفوك نفخ.

{أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ} أي: استكبرت، وتعظمت بنفسك حين أبيت السجود لآدم، أم كنت من القوم الذين يتكبرون، فتكبرت لهذا؟ وهو تقرير، وتوبيخ، وتقريع، وانظر شرح {أَصْطَفَى} في الآية رقم [153] من سورة (الصافات).

الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله). (يا): أداة نداء تنوب مناب:

أدعو. (إبليس): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). {ما:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {مَنَعَكَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{ما،} والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {تَسْجُدَ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل مستتر تقديره: «أنت» . و {أَنْ تَسْجُدَ} في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من السجود لآدم، أو هو في محل نصب مفعول به ثان. {لِما:} اللام: حرف جر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ولا تنس: أنه استعمل (ما) للعاقل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذي خلقته. {بِيَدَيَّ:}

جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَسْتَكْبَرْتَ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (استكبرت): فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف. {أَمْ:} حرف عطف.

{كُنْتَ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. {مِنَ الْعالِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)}

الشرح: {قالَ} أي: إبليس. {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ:} وهي جوهر نوراني لطيف.

{وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ:} وهو جسم كثيف ظلماني، وقد أخطأ الخبيث، بل الطين أفضل لرزانته، ووقاره، ومنه: الحلم، والحياء، والصبر، وذلك داع إلى التوبة، والاستغفار، وفي النار:

الطيش، والحدّة، والترفع، وذلك داع إلى الاستكبار، والتراب عدة الممالك، والنار عدة

ص: 183

المهالك، والنار مظنّة الخيانة، والإفناء، والتراب مئنّة الأمانة، والإنماء، والطين يطفئ النار، ويتلفها، والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها إبليس، حتى زل بفاسد من المقاييس. انتهى.

نسفي في سورة (الأعراف)، وقد عبر بشار بن برد الأعمى عن هذه الأفضلية بقوله:[الكامل]

إبليس أفضل من أبيكم آدم

فتبيّنوا يا معشر الأشرار

النار عنصره وآدم طينة

والطّين لا يسمو سموّ النار

وقال الخازن هنا: وأخطأ إبليس في القياس؛ لأن مال النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به، والطين أصل كل ما هو نام ثابت، كالإنسان، والشجرة المثمرة، ومعلوم: أن الإنسان، والشجرة المثمرة خير من الرماد، وأفضل. وقيل: هب: أن النار خير من الطين بخاصية، فالطين خير منها وأفضل بخواص، وذلك مثل رجل شريف نسيب عار عن كل فضيلة، فإن نسبه يوجب رجحانه بوجه واحد، ورجل ليس بنسيب، ولكنه فاضل عالم. فيكون أفضل من ذلك النسيب بدرجات كثيرة. انتهى.

ظاهر النصوص الكريمة يشير إلى أن إبليس كان من الملائكة بدليل الاستثناء في قوله تعالى:

{فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ} وإلى هذا الرأي: ذهب بعض العلماء، وذهب المحققون من العلماء: أنه لم يكن من الملائكة، واستدلوا ببضعة أدلة، نوجزها فيما يلي:

أولا: لو كان إبليس من الملائكة لما عصى الله؛ لأن الملائكة لا يعصون الله، قال تعالى في حقهم:{لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} سورة (التحريم) رقم [6].

ثانيا: الملائكة من نور، وإبليس من نار، وهو يقول عن نفسه بصريح الآية التي نحن بصدد شرحها، فلو كان من الملائكة لقال: خلقتني من نور، وخلقته من طين، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:«خلق الملائكة من نور، وخلقت الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم» .

ثالثا: ورد النص في سورة (الكهف) وهو يدل على أن إبليس كان من الجن، وأنه امتنع من السجود لفسقه وضلاله قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} رقم [51].

رابعا: أن الملائكة لا تتناكح، ولا تتناسل، والله أخبر عن إبليس بأن له ذرية فقال تعالى:

{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي} آية (الكهف) المذكورة، ولو كان من الملائكة لما كان له ذرية، ونسل.

هذا؛ و {خَيْرٌ} أفعل تفضيل أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في حب، وشر، اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما: أحبب، وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى

ص: 184

ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر):(سيعملون غدا من الكذاب الأشرّ) بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج:[الرجز]

يا قاسم الخيرات وابن الأخير

ما ساسنا مثلك من مؤمّر

وخير، وشر، وحب يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنها بمعنى: أفعل كما رأيت. {نارٍ:} أصله: نور تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب الله بها الكافرين والفاسقين، والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.

الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبليس. {أَنَا:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {خَيْرٌ:} خبره. {مِنْهُ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ،} والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {خَلَقْتَنِي:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة الفعلية تعليل للخيرية، أو تفسير لها. {مِنْ نارٍ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ياء المتكلم؛ أي: كائنا من نار، وجملة:{وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

{قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78)}

الشرح: {قالَ} أي: قال الله له. {فَاخْرُجْ مِنْها} أي: من السماء، أو من الجنة، أو من زمر الملائكة. وفي الكرخي: وقيل: اخرج من الخلقة التي كنت عليها أولا، وانسلخ منها؛ لأنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته، فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا، وهذا يدل على أنه لم يكن كافرا حين كان بين الملائكة؛ لأن الله تعالى لم يحك عنه إلا الاستكبار عن السجود. فهذا دليل على: أنه صار كافرا حين لم يسجد. ذكره الطيبي.

وفي «تحفة العارفين» ما نصه: وكان إبليس رئيسا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد؛ غيرت صورته، وجعله الله منكوسا على مثال الخنازير، ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور كوسج، وفي لحيته سبع شعرات مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كصدر الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخراه مفتوحتان مثل كوز الحجام، والله أعلم. انتهى.

جمل بحروفه.

ص: 185

{فَإِنَّكَ رَجِيمٌ:} قال الخازن: فإن قلت: إذا كان الرجم بمعنى: الطرد، وكذلك اللعنة لزم التكرار؛ فما الفرق؟ قلت: الفرق: يحصل بحمل الرجم على الطرد من الجنة، أو السماء، وتحمل اللعنة على معنى الطرد من الرحمة، فيكون أبلغ ويحصل الفرق، ويزول التكرار. انتهى.

فإن قلت: كلمة {إِلى} لانتهاء الغاية، وقوله:{إِلى يَوْمِ الدِّينِ} يقتضي انقطاع اللعنة عند مجيء يوم القيامة. قلت: معناه: أن اللعنة باقية عليه في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة زيد له مع اللعنة من أنواع العذاب ما ينسى بذلك اللعنة، فكأنها انقطعت عنه. انتهى.

هذا؛ وظاهر الآيات الكريمة يدل على: أن الجنة التي أسكن الله فيها آدم، وحواء؛ حيث قال له في كثير من الآيات:{اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} هي جنة الخلد التي في السماء، وهذا رأي الجمهور من علماء أهل السنة، وذهبت المعتزلة، والقدرية إلى أن الجنة ليست جنة الخلد، وإنما هي جنة في الأرض، وهي أرض عدن، وشبهتهم: أنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، ولما وقعت فيها معصية آدم؛ لأنها جنة القدس، وباختصار فقد حكى القرطبي: أن أهل السنة مجمعون على أنها جنة الخلد؛ التي أهبط منها آدم عليه السلام. قال المرحوم عبد الوهاب النجار: وحاصل الخلاف فيها على أربعة أقوال: إنها جنة المأوى. إنها جنة سوى جنة المأوى، اخترعها الله لآدم، وحواء، إنها جنة من جنات الأرض. التوقف في أمرها. انتهى. والذي ندين به ونعتقده: أنها جنة المأوى، وجنة الخلد للأدلة الكثيرة.

تنبيه: من المقطوع به: أن آدم عليه السلام من الأنبياء، وهو رأي: جمهور العلماء لم يخالف فيه أحد وإنما الخلاف هل هو رسول أم لا؟ ولمن أرسل؟ فيرى بعض العلماء: أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذريته. ويرى الآخرون: أنه لم يكن رسولا، وإنما كان نبيا، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة الوارد في صحيح مسلم: أن الناس يذهبون إلى نوح، ويقولون له: أنت أول رسل الله إلى الأرض. فلو كان آدم رسولا؛ لما ساغ هذا القول. والقائلون برسالة آدم، يؤولون ذلك بأنه أول رسول قبل الطوفان، والله أعلم بحقيقة الأمر، والرأي الأرجح: أنه من الرسل.

هذا؛ وقد عاش آدم عليه السلام على ما ورد في بعض الآثار ألف عام، ثم مات بعد ذلك، ودفن على المشهور في الهند عند الجبل الذي أهبط فيه. وقيل بجبل أبي قبيس في مكة المكرمة، ولما حضرته الوفاة؛ جاءته الملائكة بكفن، وحنوط من الجنة، وبعد أن غسلوه، وكفنوه حفروا له، وألحدوه، وصلّوا عليه، ثم أدخلوه قبره، فوضعوه فيه ثم حثوا عليه التراب، وقالوا: يا بني آدم! هذه سنتكم. رحم الله آدم، وأسكنه فسيح جنته، وجمعنا معه في دار الخلد آمين. والحمد لله رب العالمين. النبوة والأنبياء للصابوني، جزاه الله خيرا.

الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل تقديره:«هو» يعود إلى الله. {فَاخْرُجْ:} الفاء: هي الفصيحة، أو هي صلة لتحسين اللفظ. (اخرج): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا، وواقعا؛

ص: 186

فاخرج. والكلام كله في محل نصب مقول القول. {مِنْها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَإِنَّكَ:} الفاء: حرف تعليل. (إنك):

حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمها. {رَجِيمٌ:} خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للخروج، لا محل لها. {وَإِنَّ:} الواو: واو الحال. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.

{عَلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، والتقديم يفيد الاختصاص. {لَعْنَتِي:} اسم (إنّ) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {إِلى يَوْمِ:} متعلقان بالمصدر {لَعْنَتِي،} أو هما متعلقان بمحذوف حال من:

{لَعْنَتِي} أي: مستمرة ودائمة إلى يوم الدين، و {يَوْمِ} مضاف، و {الدِّينِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ عَلَيْكَ..} . إلخ في محل نصب حال من ضمير المخاطب، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ والآيتان مذكورتان بحروفهما في سورة (الحجر) برقم [34] و [35].

{قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)}

الشرح: {قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} أي: قال إبليس: رب أمهلني فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي.

{إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ:} المراد به: يوم القيامة، وهو اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم للحساب والجزاء بعد النفخة الثانية. {قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} أي: قال الله تعالى لإبليس لما سأل الإمهال:

{فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} أي: الممهلين المؤخرين، وقد قيد الله هذا الإمهال هنا وفي سورة (الحجر) بقوله:{إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} وهو النفخة الأولى التي يموت بسببها من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وأطلق هذا الإمهال في سورة (الأعراف) ويحمل المطلق على المقيد، فقد كره اللعين أن يذوق مرارة الموت، وطلب البقاء والخلود إلى النفخة الثانية، وحينئذ لا موت؛ لأن الموت قد تم عند النفخة الأولى، فلم يعط سؤاله، وإنما أجيب طلبه، وهو الإمهال مع أنه إنما طلبه ليفسد أحوال العباد، لما في ذلك من ابتلاء العباد، ولما في مخالفته من عظيم الثواب. انتهى. جمل بتصرف من سورة (الأعراف).

أقول: وإنما أمهله ليكون سببا في وفاء وعد الله جهنم الآتي بقوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..} . إلخ إذ لولاه لكان الناس جميعا مهتدين. هذا؛ وقد ذكر الله في سورة (الكهف) أن له ذرية، وذلك ليكون لكل واحد من بني آدم قرين، وشيطان.

ويجوز أن يراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، فعبر عنه أولا بيوم الجزاء؛ لما عرفت، وثانيا بيوم البعث؛ إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف،

ص: 187

واليأس من التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت، فلعله يموت أول اليوم، ويبعث الخلائق في تضاعيفه. وهذه المخاطبة لإبليس، وإن لم تكن بواسطة لم تدل على علو منصبه؛ لأن خطاب الله تعالى له على سبيل الإهانة، والإذلال له. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى إبليس. {رَبِّ:} منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، وانظر إعراب {يا قَوْمِ} في الآية رقم [20] من سورة (يس) فهو مثله، أو إعراب {يا أَبَتِ} في الآية رقم [102] من سورة (الصافات). {فَأَنْظِرْنِي:} الفاء: هي الفصيحة، أو هي صلة زيدت لتحسين اللفظ.

(أنظرني): فعل دعاء، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية قل فيها ما قلته بجملة (اخرج) في الآية السابقة. {إِلى يَوْمِ:} متعلقان بما قبلهما. {يُبْعَثُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمِ} إليها، والآية كلها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. {فَإِنَّكَ:} الفاء: حرف صلة زيدت لتحسين اللفظ.

(إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. {مِنَ الْمُنْظَرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {إِلى يَوْمِ:} متعلقان بالمنظرين؛ لأنه اسم مفعول، و {يَوْمِ} مضاف، و {الْوَقْتِ} مضاف إليه. {الْمَعْلُومِ:} صفة الوقت.

{قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}

الشرح: {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: أقسم اللعين بعزة الله، وهي: سلطانه، وقهره.

هذا؛ وقال في سورة (الأعراف): {فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} قال الزمخشري:

الآيتان بمعنى واحد في أنهما إقسام، إلا أن أحدهما إقسام بصفته، والثاني إقسام بفعله، وقد فرق الفقهاء بينهما. {إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} أي: الذين أخلصهم الله لطاعته، وعصمهم من الضلالة. وهذا على قراءة فتح اللام. أو: الذين أخلصوا قلوبهم لله تعالى. وهذا على قراءة كسر اللام. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الحجر) بعد هذه الآية: {قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ} رقم [41] و [42]، وانظر سورة (الأعراف) وسورة (الحجر)، إن أردت زيادة الاطلاع.

الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {إِبْلِيسُ}. {فَبِعِزَّتِكَ:} الفاء: يقال فيها ما قيل فيما قبلها. (بعزتك): جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، والكاف

ص: 188

ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لَأُغْوِيَنَّهُمْ:} اللام: واقعة في جواب القسم. (أغوينهم):

فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له، والهاء مفعول به، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{أَجْمَعِينَ:} توكيد للضمير المنصوب، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء

إلخ. {إِلاّ:}

أداة استثناء. {عِبادَكَ:} مستثنى، والكاف في محل جر بالإضافة. {مِنْهُمُ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. {الْمُخْلَصِينَ:} صفة:

{عِبادَكَ} منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

{قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)}

الشرح: {قالَ} أي: الله. {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ:} في هذه الجملة قراآت كثيرة، قال السمين: قرأهما العامة منصوبين، وفي نصب الأول أوجه: أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم، فانتصب، وقوله:{لَأَمْلَأَنَّ} جواب القسم. قال أبو البقاء: إلا أن سيبويه يدفعه؛ لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إلا مع اسم الله، ويكون قوله:{وَالْحَقَّ أَقُولُ} معترضا بين القسم وجوابه، قال الزمخشري: كأنه قيل: ولا أقول إلا الحق. يعني: أن تقديم المفعول أفاد الحصر. والمراد: بالحق: نقيض الباطل. الثاني: أنه منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا الحق.

الثالث: أنه مصدر مؤكد لمضمون قوله: {لَأَمْلَأَنَّ} قال الفراء: هو على معنى قولك: حقا لا شكا. ووجود الألف واللام، وطرحهما سواء؛ أي: لأملأن جهنم حقا. وجوز الزمخشري أن يكون منصوبا على التكرير بمعنى: أن الأول، والثاني كليهما منصوبان ب:{أَقُولُ،} وسيأتي إيضاح ذلك في عبارته.

وقرأ عاصم، وحمزة برفع الأول، ونصب الثاني، فرفع الأول من أوجه: أحدها: أنه مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: فالحق مني، أو فالحق أنا. الثاني: أنه مبتدأ خبره: {لَأَمْلَأَنَّ،} قاله ابن عطية، قال: لأن المعنى إني أملأ. الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر، تقديره: فالحق قسمي، و {لَأَمْلَأَنَّ} جواب القسم، كقوله تعالى:{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب؛ لأنه غير نص في اليمين بخلاف: لعمرك، وأما نصب الثاني؛ فبالفعل بعده.

هذا؛ وقرئا منصوبين، الأصل: أقسم بالحق لأملأن، وأقول الحق، فانتصب الحق الأول بعد إسقاط الخافض بأقسم محذوفا، والحق الثاني ب:{أَقُولُ،} واعترض بجملة: «أقول الحق» وقدم معمولها للاختصاص وهذا من أبي السعود، وهو تكرار للأول. وقرئا مجرورين على أن الأول

ص: 189

مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لأملأن. و {وَالْحَقَّ أَقُولُ} على حكاية لفظ المقسم به على تقدير كونه نقيض الباطل، ومعناه التأكيد، والتشديد، وقال ابن هشام في «المغني»: وقرئ بجرهما على تقدير واو القسم في الأول، والثاني توكيدا، كقولك: والله، والله لأفعلنّ! وقرئ بجر الأول على إضمار حرف القسم، ونصب الثاني على المفعولية. انتهى.

وقرئ برفعهما بتقدير. فالحق قسمي، والحق أقوله، فحذف الرابط من الخبر، ومن ذلك قول أبي النجم، وهو الشاهد رقم (365) من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الرجز]

قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي

عليّ ذنبا كلّه لم أصنع

{لَأَمْلَأَنَّ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (أملأن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«أنا» .

{جَهَنَّمَ:} مفعول به، والجملة الفعلية جواب قسم محذوف، أو هي جواب المقدر كما رأيت في الكلام السابق. {مِنْكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (ممن): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. {تَبِعَكَ:} فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و (من) بيان لما أبهم في (من). {أَجْمَعِينَ:} توكيد للضمير المجرور محلا ب: (من) مجرور مثله. وقيل: هو توكيد للضمير في: {مِنْكَ،} وللضمير المجرور في {مِنْهُمْ،} ولا بأس به، وعلامة جره الياء

إلخ. هذا؛ والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

الشرح: ومما تقدم يتلخص المعنى: أن الله تعالى قال: أقسم بالحق، ولا أقول إلا الحق لأملأن جهنم منك ومن أتباعك يا إبليس! وقال تعالى في سورة (السجدة):{وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..} . إلخ الآية رقم [13]، وقال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..} . إلخ أي: ثبت ذلك لما أخبر الله، وقدر في أزله، وتمام الكلمة: امتناعها عن قبول التغيير، والتبديل:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ..} . إلخ، وهذا صريح بأن الله سبحانه وتعالى خلق أقواما للجنة، وللرحمة، فهداهم، ووفقهم لأعمال أهل الجنة، وخلق أقواما للنار، فخذلهم، ومنعهم من الهداية. وآية السجدة رقم [13] تصرح بهذا أتم تصريح. وخذ ما يلي.

فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احتجّت الجنة والنار، فقالت النار: فيّ الجبارون، والمتكبرون، وقالت الجنة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها» . رواه مسلم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [60] من سورة (الزمر).

ص: 190

هذا؛ والحق ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو: الموت، والحساب، والميزان، والصراط

إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققته؛ أي: أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى. بغدادي. وانظر شرح الباطل في الآية رقم [27].

{قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)}

الشرح: {قُلْ:} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: قل يا محمد لأهل مكة. {ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي: لا أطلب منكم أجرا على القرآن الذي أتلوه عليكم، أو على التبليغ الذي أسديه إليكم، وإنما أبتغي بذلك وجه الله-عز وجل-والدار الآخرة. {وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} أي: من الذين يتصنعون، أو ينتحلون، أو يتحلّون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا، ولا مدعيا بما ليس عندي؛ حتى أنتحل النبوة، وأتقوّل القرآن. وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه؛ فقد تكلف.

عن مسروق-رحمه الله تعالى-قال: «دخلنا على عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-فقال:

أيها الناس! من علم شيئا؛ فليقل به، ومن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ»} .

أخرجاه في الصحيحين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم» .

{إِنْ هُوَ} أي: القرآن. {ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ:} عظة بالغة للعالمين: الإنس، والجن العقلاء دون الملائكة؛ لأنهم يخافون ربهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولا يعصونه أبدا. هذا؛ والضمائر الثلاثة بقوله:(عليه، إن هو، نبأه) المراد بها القرآن، وهي عائدة على غير مذكور، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [32] بهذا الصدد.

{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ:} خبره. {بَعْدَ حِينٍ:} قال قتادة: بعد الموت، وقاله الزجاج. وقال ابن عباس، وعكرمة، وابن زيد-رضي الله عنهم أجمعين-: يعني: يوم القيامة. وكان الحسن البصري -رحمه الله تعالى-يقول: يا بن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. وسئل عكرمة عمن حلف ليصنعن كذا إلى حين. قال: إن من الحين ما لا تدركه، كقوله تعالى:{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} ومنه ما تدركه، كقوله تعالى:{تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها} من صرام النخل إلى طلوعه ستة أشهر،

ص: 191