الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة البلد (90) : الآيات 5 الى 10]
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (9)
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10)
شرح المفردات
أيحسب: أي أيظن، أهلكت: أي أنفقت، لبدا: أي كثيرا، والنجد:
الطريق المرتفعة والمراد بالنجدين طريقا الخير والشر.
المعنى الجملي
بعد ذكر أنه لا ينبغى للمفتونين بقوة أبدانهم، المغرورين بواسع جاههم، أن يتمادوا فى صلفهم وكبريائهم- شرع يوبخهم على الاغترار بقوتهم الزائلة ويذكرهم بما أنعم به عليهم من النعم الكثيرة الحسية والعقلية.
روى أن قوله: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» ؟ نزل فى أبى الأشد أسيد بن كلدة الجمحي، وكان مغترا بقوته البدنية وأن قوله:«يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» نزل فى الحرث بن نوفل وكان يقول: أهلكت مالا لبدا فى الكفارات منذ أطعت محمدا.
وسواء أكانت هذه الآيات نزلت فى هؤلاء أم فى غيرهم فإن معناها عام كما علمت.
الإيضاح
(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟) أي أيظن ذلك المغترّ بقوته، المفتون بما أنعمنا به عليه- أنه مهما عظمت حاله، وقوى سلطانه، يبلغ منزلة لا يقدر عليه فيها
أحد؟ ما أجهله إذا ظن ذلك، فإن فى الوجود قوة جميع القوى هى المهيمنة على كل قوة، والمسيطرة على كل قدرة، وهى القوّة التي أبدعته، والقدرة التي أنشأته.
ثم ذكر صنفا آخر من الأغنياء البخلاء المرائين فقال:
(يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً) أي إنهم إذا طلب إليهم أن يعملوا عملا من أعمال البر قالوا: إننا ننفق الكثير من أموالنا فى المفاخر والمكارم، ولم يعلموا أن المكرمة ما عدّه الله مكرمة، والبرّ ما اعتبره الله برا، فليس من البر إنفاقهم المال فى مشاقة الله ورسوله، ولا إنفاقهم طائل الأموال فى الصدّ عن سبيل الله، والكيد للذين آمنوا بالله ورسوله.
(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) أي أيظن ذلك المغتر بماله، المدعى أنه أنفقه فى سبيل الخير- أن الله لم يطلع على أفعاله ولم يعلم ما دعاه إلى الإنفاق؟ إنه لا ينبغى له أن يظن ذلك، فإن البارئ له مطلع على قرارة نفسه، عالم بخبيئات قلبه، لا يعزب عنه شىء فى الأرض ولا فى السماء، عليم بأنه لم ينفق شيئا من ماله فى سبيل الخير المشروع والبر المحمود، وإنما أنفق ما أنفق للرياء والسمعة، أو لمشاقة الله ورسوله، أو فى وجوه أخرى يظنها خيرا وهى خسران وضلال مبين.
وبعد أن أنكر على هؤلاء اغترارهم بقوتهم وكثرة أموالهم- شرع يذكر آثار قدرته الغالبة، ليبين لهم أن هناك قوة لها من الآثار ما هم يشاهدون فقال:
(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) فهو إذا أبصر شيئا فإنما يكون ذلك بما خلقنا له من العينين، فهذه النعمة التي يعتز بها إنما هى من عملنا.
(وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ) فإذا أبان عما فى نفسه، فإنما يبين بما وهبنا له من لدنا من تلك الجارحة التي يتكلم بها، فإذا غرّه حديثه، أو قوة حجته، فليس فضل ذلك راجعا إليه، وإنما الفضل لمن وهبه ذلك.