الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو توسطن تقول وسطت القوم أسطهم وسطا: إذا صرت فى وسطهم، والكنود:
الكفور، يقال كند النعمة أي كفرها ولم يشكرها وأنشدوا:
كنود لنعماء الرجال ومن يكن
…
كنودا لنعماء الرجال يبعّد
وأصل الكنود الأرض التي لا تنبت شيئا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخير ويجحد ما عليه من واجبات، لشهيد: أي لشاهد على كنوده وكفره بنعمة ربه، والخير: المال كما جاء فى قوله: «إِنْ تَرَكَ خَيْراً» ، لشديد: أي لبخيل، بعثر:
أي بعث وأثير، وحصّل: أي أظهر محصلا مجموعا، ما فى الصدور: أي ما في القلوب من العزائم والنوايا.
الإيضاح
(وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) أي قسما بالخيل التي تعدو وتجرى ويسمع لها حينئذ ضبح أي زفير شديد.
(فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) أي والخيل التي تخرج النار بحوافرها ويتطاير منها الشرر أثناء الجري.
(فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً) أي والخيل التي تعدو لتهجم على العدو وقت الصباح، لأخذه على غير أهبة واستعداد.
(فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) أي فهيجن فى الصبح غبارا لشدة عدوهن.
(فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) أي فتوسطن جمعا من الأعداء ففرقنه وشتتن شمله.
أقسم سبحانه بالخيل التي لها هذه الصفات، والتي تعمل تلك الأعمال، ليعلى من شأنها فى نفوس عباده المؤمنين أهل الجد والعمل، وليعنوا بتربيتها وتعويدها الكرّ والفرّ، وليحملهم على العناية بالفروسية والتدرب على ركوب الخيل والإغارة بها ليكون كل امرئ مسلم منهم عاملا ناصبا إذا جدّ الجد واضطرت الأمة إلى صد عدوّ أو بعثها باعث على كسر شوكته، يرشد إلى ذلك قوله فى آية أخرى:
وفى إقسام الله بها بوصف العاديات المغيرات الموريات- إشارة إلى أنه يجب أن تقنى الخيل لهذه الأغراض والمنافع لا للخيلاء والزينة، وأن الركوب الذي يحمد ما يكون لكبح جماح الأعداء، وخضد شوكتهم، وصد عدوانهم.
وقصارى ذلك- إن للخيل فى عدوها فوائد لا يحصى عدّها، فهى تصلح للطلب، وتسعف فى الهرب، وتساعد جد المساعدة فى النجاء، والكر والفر على الأعداء وقطع شاسع المسافة فى الزمن القليل.
ثم ذكر المحلوف عليه بتلك الأيمان الشريفة فقال:
(إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) أي إن الإنسان طبع على نكران الحق وجحوده وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له إلا من عصمهم الله وهم الذين روّضوا أنفسهم على فعل الفضائل، وترك الرذائل، ما ظهر منها وما بطن.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده»
أي إنه لا يعطى شيئا مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباده، كما رأف به، فهو كافر بنعمته، مجانف لما يقضى به العقل والشرع.
وسر هذه الجبلّة- أن الإنسان يحصر همه فيما حضره، وينسى ماضيه، وما عسى أن يستقبله، فإذا أنعم الله عليه بنعمة غرته غفلته، وقسا قلبه، وامتلأ جفوة على عباده.
(وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ) أي وإنه مع كنوده، ولجاجته فى الطغيان، وتماديه فى الإنكار والبهتان، إذا خلّى ونفسه رجع إلى الحق، وأذعن إلى أنه ما شكر ربه على نعمه، إلى أن أعماله كلها جحود لنعم الله، فهى شهادة منه على كنوده، شهادة بلسان الحال، وهى أفصح من لسان المقال.