المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

و {ما} نافية (1) بمعنى ليس، ولهذا عقّب بالباء؛ أي: - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: و {ما} نافية (1) بمعنى ليس، ولهذا عقّب بالباء؛ أي:

و {ما} نافية (1) بمعنى ليس، ولهذا عقّب بالباء؛ أي: ليسوا بمصدّقين؛ لأنّهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون. وفي الحكم عليهم بأنّهم ليسوا بمؤمنين، نفي ما ادّعوه على سبيل البت والقطع؛ لأنّه نفي أصل الإيمان منهم بإدخال الباء في خبر {ما} ، ولذا لم يقل: وما هم من المؤمنين، فإنّ الأول أبلغ من الثاني.

دلّت الآية: على أنّ الدعوى مردودة، إذا لم يقم عليها دلائل الصحة. قال بعضهم: من تحلّى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدّعيه، فإنّ من مدح نفسه ذمّ، ومن ذمّ نفسه مدح، قال فرعون عليه لعنة الله:{وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فقيل فيه: {وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} ، وقال يونس عليه السلام:{إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فقيل له: {فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} .

‌9

- وقوله: {يُخادِعُونَ اللَّهَ} جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين؟ فقيل: يخادعون الله الخ. أي: يخدعون الله سبحانه وتعالى، وإنما أخرج على زنة فاعل؛ للمبالغة، فليست المفاعلة على بابها، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره؛ لأنّه لا تخفى عليه خافية؛ ولأنّهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيكون الكلام على حذف مضاف، كقوله:{وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} ؛ أي: يخادعون رسول الله ويغرّونه بما أظهروا من الإسلام، أو على أنّ معاملة الرسول معاملة الله، من حيث إنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده. ففيه رفع درجة النبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه.

والخدع على ما ذكرنا من جانب المنافقين لله وللمؤمنين، والتعبير بصيغة المخادعة؛ للدلالة على المبالغة في حصول الفعل، وهو الخدع، أو للدلالة على حصوله مرّة بعد أخرى، كما يقال: مارست الشيء وزاولته، إذ هم كانوا مداومين على الخدع، إذ أعمالهم الظاهرة لا تصدّقها بواطنهم، وهذا لا يكون إلّا من

(1) روح البيان.

ص: 166

مخادع، لا من تائب خاشع والخدع: أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه؛ لتحول بينه وبين ما يريد. وقيل: الخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه؛ ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب، أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به؛ ليغترّ بذلك، فيتجوّز منه بسهولة من قولهم: ضبّ خادع وخدع، وهو الذي إذا أمرّ الحارش يده على باب جحره يوهمه الإقبال عليه، فيخرج من بابه الآخر.

وكلا المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين، فيحملوها إلى أعدائهم، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب بسائر الكفرة من القتل، والأسر، والنهب، وأن ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا، كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإعطاء. وإما لأنّ صورة صنعهم مع الله من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده تعالى أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله تعالى في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين، فتكون المخادعة بين الاثنين، فتكون المفاعلة على بابها.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} معطوف على الجلالة؛ أي: ويريدون بذلك القول: أن يخدعوا الذين آمنوا، ويغروهم بإظهار الإيمان، وإخفاء الكفر للاطلاع على أسرارهم، وإذاعتها إلى أعدائهم من المشركين واليهود، ودفع الأذى عن أنفسهم.

وجملة قوله: {وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} حال من فاعل {يَخْدَعُونَ} ؛ أي: يخادعون الله والمؤمنين بذلك القول، والحال أنّهم ما يضرّون بخداعهم ومكرهم في الحقيقة إلّا أنفسهم؛ لأنّ وبال خداعهم وعقوبته راجع إليهم، قال تعالى:{وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} ، فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، وأمره بإخراجهم من المسجد. ونزل فيهم:{وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ} الآيات، ويعاقبون في الآخرة بالعذاب الدائم المؤبّد في الدرك الأسفل من النار.

أي: فدائرة فعلهم مقصورة عليهم. ومن راعى صيغة المفاعلة قال: وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين إلّا بأنفسهم؛ لأنّ ضررها لا يحيق إلّا

ص: 167

بهم، ووبال خداعهم راجع إليهم. والمراد بأنفسهم هنا: ذواتهم لا سائر المعاني التي تدخل في مسمى النفس، كالروح، والدم، والقلب.

وجملة قوله: {وَما يَشْعُرُونَ} حال من ضمير {ما يَخْدَعُونَ} ؛ أي: يقتصرون على خدع أنفسهم والحال أنّهم ما يحسّون وما يعلمون ذلك. أي: أنّ ضرر خدعهم ووباله عليهم؛ لتمادي غفلتهم وتكامل حماقتهم، ولو علموا ذلك ما فعلوا الخداع، بل أخلصوا في إيمانهم.

والخدع، وكذا الخديعة، والحيلة، والمكر: هو ما يتوصّل به إلى المقصود بطريق خفيّ، كما ذكره القسطلاني في كتاب الحيل من «صحيح البخاري» .

والشعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى، مشتق من الشعر لدقّته. وقيل:(1) هو الإدراك بالحاسّة، مشتق من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ومنه: مشاعر الإنسان؛ أي: حواسه الخمس التي يشعر بها. اه. «سمين» . وسميت مشاعره حواس؛ لكون كلّ حاسة منها محلّا للشعور والعظة.

والمعنى: أنّ لحوق ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له. ثمّ في هذه الآية (2) نفي العلم عنهم، وفي قوله:{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إثبات العلم لهم، فبينهما معارضة، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الجمع بينهما بأن يقال: إنّهم علموا به حقيقة، ولكن لم يعملوا بما علموا، فكأنّهم لم يعلموا، وهو كقوله عز وجل:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ، فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة، لكن لم ينتفعوا بذلك، فكانوا كأنّهم صّم بكم عمي، فذو الآلة إذا لم ينتفع بها، فهو وعادم الآلة سواء، والعالم الذي لا يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، والغني الذي لا ينتفع بماله، فهو والفقير سواء. فإثبات العلم للكفار إلزام الحجة، وذكر الجهل إثبات المنقصة، بخلاف المؤمنين فإنّ إثبات العلم لهم إثبات الكرامة، وذكر الجهل تلقين عذر المعصية. فعلى المؤمن أن

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

ص: 168

يتحلّى بالعلم والعمل، ويجتنب عن الخطاء، والزلل، والبطالة، ويطيع ربّه خالصا لوجهه الكريم، ويعبده بقلب سليم.

وفي الحديث: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم» : (اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون لهم في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم خيرا). وإنّما يقال لهم ذلك: لأنّ عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع، فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع، كذا في «تنبيه الغافلين» .

وأخرج (1) أحمد بن منيع في «مسنده» بسند ضعيف، عن رجل من الصحابة:«أنّ قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غدا؟ قال: «لا تخادع الله» ، قال: وكيف نخادع الله؟ قال: «أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنّه الشرك بالله، فإنّ المرائي ينادى يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء» : يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر ضلّ عملك، وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن {فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا} الآية، {وإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ} الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: {يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} ؟ قال: هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنّهم مؤمنون بما أظهروه.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (2):{يُخادِعُونَ} بالألف في الموضعين، وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وابن عامر في الثاني {يَخْدَعُونَ} بلا ألف.

والمراد بمخادعتهم أنفسهم: أنّهم يمنّونها الأماني الباطلة، وهي كذلك تمنّيهم.

والحاصل: أنّه قد نفى (3) الشعور عنهم في مخادعتهم؛ لأنّهم لم يحاسبوا

(1) الشوكاني.

(2)

الشوكاني.

(3)

المراغي.

ص: 169