الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة، تخصيص آدم بالخلافة في الأرض، وبعلم ما لم تعلمه الملائكة، ذكر هنا نوعا من التكريم أكرمه الله تعالى به، وهو أمر الملائكة بالسجود له، وهو أعلى وجوه التكريم والتشريف لهذا لنوع الإنساني.
قوله تعالى: {وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ
…
} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما شرف آدم برتبة العلم بإسجاد الملائكة له، امتّن عليه بأن أسكنه الجنة التي هي دار النعيم وأباح له جميع ما فيها إلا الشجرة، على ما سيأتي فيها إن شاء الله تعالى. ذكره في «البحر» .
التفسير وأوجه القراءة
30
- {وَإِذْ} مفعول اذكر مقدرا؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك وأخبرهم {إذ قالَ رَبُّكَ} ؛ أي: قصة ذلك الوقت، وتوجيه (1) الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث، مع أنها المقصودة بالذات؛ للمبالغة في إيجاب ذكرها؛ لما أن إيجاب ذكر الوقت، إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني؛ ولأن الوقت مشتمل عليها، فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها، كأنّها مشاهدة عيانا، واللام في قوله:{لِلْمَلائِكَةِ} للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد؛ لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر، والملائكة (2): جمع ملك بوزن فعل، قاله ابن كيسان، وقيل: جمع ملأك بوزن مفعل، قاله أبو عبيدة من لأك إذا أرسل، والألوكة: الرسالة، قال لبيد:
وغلام أرسلته أمّه
…
بألوك فبذلنا ما سأل
وقال عديّ بن زيد:
(1) روح البيان.
(2)
الشوكاني.
أبلغ النّعمان عنّي مألكا
…
أنّه قد طال حبسي وانتظار
ويقال: ألكني؛ أي: أرسلني، وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق لملك عند العرب، والهاء في الملائكة؛ لتأكيد تأنيث الجمع، ومثله: الصلادمة والصلادم: الخيل الشداد واحدها صلدم، وقيل: هي للمبالغة، كعلّامة، ونسابة وسموا (1) بها؛ لأنهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله؛ لأنّ أصل ملك: ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة، كما مرّ آنفا، والملائكة عند أكثر المسلمين: أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة. والدليل: أن الرسل كانوا يرونهم كذلك، وروي في بيان كثرتهم: أن بني آدم عشر الجن، وهما عشر حيوانات البر، والكل عشر الطيور، والكل عشر حيوانات البحار، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، ثم كل أولئك في مقابلة الكرسي نزر قليل، ثم جميع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش، التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق، وعرضه، وسمكه، إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس، وما منه من مقدار شبر إلا وفيه ملك ساجد، أو راكع، أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثمّ كلّ هؤلاء في مقابلة الذين يحومون حول العرش، كالقطرة في البحر، ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام، لا يحصى أجناسهم، ولا مدة أعمارهم، ولا كيفيات عباداتهم إلا باريهم العليم الخبير، على ما قاله سبحانه وتعالى:{وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} وأراد بهم هنا الملائكة الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة في السماء، وأسكن الجن في الأرض، والجن هم بنو الجان، والجان: أبو الجن، كآدم أبو البشر، وخلق الله الجان من لهب من نار، لا دخان لها بين السماء والأرض، والصواعق تنزل منها، ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم، وذلك قبل آدم بستين ألف سنة، فعمروا دهرا طويلا في
(1) روح البيان.
الأرض، مقدار سبعة آلاف سنة، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فأفسدوا وقتلوا، فبعث الله إليهم ملائكة سماء الدنيا، وأمّر عليهم إبليس، وكان اسمه عزازيل، وكان أكثرهم علما، فهبطوا إلى الأرض حتى هزموا الجن، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحور وشعوب الجبال، وسكنوا الأرض، وصار أمر العبادة عليهم أخف؛ لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع في السموات يكون خوفهم أشدّ، وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم، وأعطى الله إبليس ملك الأرض، وملك السماء الدنيا، وخزانة الجنة، وكان له جناحان من زمرد أخضر، وكان يعبد الله تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فدخله العجب، فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه، وأيضا: كلّ من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحوّل عنها، فقال الله له ولجنوده {إِنِّي جاعِلٌ}؛ أي: خالق ومصيّر {فِي الْأَرْضِ} دون السماء؛ لأن التباغي والتظالم كان في الأرض {خَلِيفَةً} ورسولا يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها، وهو آدم عليه السلام، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى:{يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} أو قوما يخلف بعضهم بعضا، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى:{ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ} أو خالق فيها بدلا منكم، وهو آدم عليه السلام؛ لأنه خلف الجن وجاء بعدهم؛ ولأنه خليفة الله في أرضه؛ أي: أريد أن أخلق في الأرض بدلا منكم، ورافعكم إليّ، فكرهوا ذلك؛ لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، والمراد به: آدم عليه السلام. وقرأ الجمهور: {خَلِيفَةً} بالفاء وقرأ زيد بن علي، وأبو البر، هشيم عمران {خليقة} بالقاف، ومعناه واضح ذكره في «البحر» .
واعلم (1) أن الله تعالى، يحفظ العالم بالخليفة، كما يحفظ الخزائن بالختم، فالبدء كان آدم، والختام يكون بعيسى عليه السلام، والحكمة في الاستخلاف: قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقّي أمره بغير واسطة؛ لأن المفيض
(1) روح البيان.
تعالى في غاية التنزّه والتقدّس، والمستفيض منغمس في العلائق الدنيئة، كالأكل والشرب، وغيرهما، والعوائق الطبيعية، كالأوصاف الذميمة، فالاستفاضة منه إنما تحصل بواسطة ذي جهتين؛ أي: ذي جهة التجرّد، وجهة التعلق، وهو الخليفة أيّا كان، ولذا لم يستنبىء الله سبحانه ملكا، فإن البشر لا يقدر على الاستفادة منه؛ لكونه خلاف جنسه، ألا ترى أن العظم لمّا عجز عن أخذ الغذاء من اللحم؛ لما بينهما من التباعد، جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف، والأعصاب المناسب، ليأخذ من اللحم ويعطي العظم، وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته، إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وجعل المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب، وحكمة قوله تعالى:{لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أربعة أمور:
الأول: تعليم المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة، ويقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولى الألباب، وأفره الدواب لا يستغني عن السوط، وأورع النساء لا تستغني عن الزوج.
والثاني: إظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وهو قوله:{أَتَجْعَلُ} . إلخ. وجوابه وهو قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} .
والثالث: تعظيم شأن المجعول، بأن بشر بوجوده سكان ملكوته، ولقّبه بالخليفة قبل خلقه.
والرابع: بيان أن الحكمة تقتضي ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل، شرّ كثير، كقطع العضو الذي فيه أكلة شرّ قليل، وسلامة جميع البدن، خير كثير، فلو لم يقطع ذلك العضو، سرت تلك الآفة إلى جميع البدن، وأدّت إلى الهلاك الذي هو شرّ كثير.
{قالُوا} ؛ أي: قالت الملائكة استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة، لا اعتراضا على الله تعالى، ولا طعنا في بني آدم على سبيل الغيبة، وهو كلام مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا:
{أَتَجْعَلُ فِيها} ؛ أي: أتجعل يا إلهنا في الأرض خليفة {مَنْ يُفْسِدُ فِيها} بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية، كما أفسدت الجن، وفائدة تكرار الظرف؛ تأكيد الاستبعاد {وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} بمقتضى القوة الغضبية؛ أي: يصبّ الدماء ظلما، كما سفك بنو الجان، فغفلوا عن مقتضى القوة العقلية التي يحصل بها الكمال والفضل، والتعبير عن القتل بسفك الدماء؛ لما أنه أقبح أنواع القتل وقرأ الجمهور (1):{وَيَسْفِكُ} بكسر الفاء ورفع الكاف، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بضم الفاء، وقرىء {وَيَسْفِكُ} من أسفك الرباعي {ويَسْفِكُ} من سفّك المشدد، وقرأ ابن هرمز {وَيَسْفِكُ} بنصب الكاف، فمن رفع الكاف عطف على يفسدوا ومن نصب، فقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام، وهو تخريج حسن.
وفي قوله: {إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إيماء (2) إلى أن ملائكة الأرض هم الطاعنون، إذ الظن لا يصدر إلا ممن هو في معرض ذلك المنصب، وأهل السموات مدبّرات للعالم العلوي، فما قالت الملائكة الأرضية إلا بمقتضى نشأتهم التي هم عليها، من غبطة منصب الخلافة في الأرض، والغيرة على منصب ملكهم وتعبّدهم، بما هم عليه من التسبيح والتقديس، فكلّ إناء يترشّح بما فيه، وأما الاعتراض على فعل الحكيم، والنزاع في صنعه عند حضرته، فمعفو عنه؛ لكمال حكمته، وفي «الفتوحات»: إن هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم، ولأجل هذا ابتلاهما الله تعالى بإظهار الفساد، وسفك الدماء، فافهم سرّ قوله صلى الله عليه وسلم:«دع الشّماتة عن أخيك، فيعافيه الله تعالى، ويبتليك» وأيضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء: الملائكة التي أرسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين، وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه، كذا في «حل الرموز وكشف الكنوز» .
{وَنَحْنُ} ؛ أي: والحال إنّا {نُسَبِّحُ} ؛ أي: ننزهك عن كل ما لا يليق
(1) روح البيان.
(2)
روح البيان.
بشأنك ملتبسين {بِحَمْدِكَ} وثنائك على ما أنعمت به علينا، من فنون النعم التي من جملتها، توفيقنا لهذه العبادة، فالتسبيح؛ لإظهار صفات الجلال، والحمد؛ لتذكير صفات الإنعام {وَنُقَدِّسُ} تقديسا {لَكَ}؛ أي: نصفك بما يليق بك، من العلوّ والعزة، وننزهك عما لا يليق بك، فاللام للبيان، كما في سقيا لك، متعلقة بمصدر محذوف، ويجوز أن تكون مزيدة؛ أي: نقدسك. قال في «التّيسير» التسبيح: نفي ما لا يليق به، والتقديس: إثبات ما يليق به، وكأنّه قيل: أتستخلف من شأن ذريته الفساد، مع وجود من ليس من شأنه ذلك أصلا، والمقصود: عرض أحقيتهم منهم بالخلافة، والاستفسار عما رجح بني آدم عليهم مع ما هو متوقّع منهم من الفساد، وكأنه قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ فقيل: {قالَ} الله سبحانه وتعالى جوابا لهم {إِنِّي أَعْلَمُ} من المصلحة في استخلاف آدم {ما لا تَعْلَمُونَ} ـه؛ لأنه قد يكون من ذريته الطائع والعاصي، فيظهر الفضل والعدل، وقد يكون منهم من يسبحني، ويقدسني، ويحمدني، فلا تعترضوا على حكمي وتقديري، ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيري، فليس كلّ مخلوق يطلع على غيب الخالق، ولا كلّ أحد من الرعية يقف على سرّ الملك، وقالت الملائكة فيما بينهم: لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا، ولا أعلم؛ لسبقنا له، ورؤيتنا ما لم يره، فخلق الله آدم من أديم الأرض؛ أي: ترابها، وسواه ونفخ فيه من روحه، فصار حيوانا حساسا بعد أن كان جمادا {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها} (1)؛ أي: خلق في قلبه علما بأسماء كل ما خلق، من أجناس المحدثات بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاد آدم اليوم، بعد أن عرض عليه المسميات، كما عرضها على الملائكة، فعلم المسميات مشترك بينه وبينهم، واختصاصه عنهم إنما هو بالأسماء، فكان يعرف أن هذا الجرم يسمى بكذا، وهم يعرفون الجرم ولا يعرفون اسمه، ففاق عليهم بعلم الأسماء.
والحاصل: أنه سبحانه وتعالى، لما أخبر (2) الملائكة عن وجه الحكمة في
(1) العمدة.
(2)
البحر المحيط.
خلق آدم وذريته على سبيل الإجمال، أراد أن يفصّل، فبين لهم من فضل آدم ما لم يكن معلوما لهم، وذلك بأن علّمه الأسماء؛ ليظهر فضله وقصورهم عنه في العلم، فأكّد الجواب الإجمالي بالتفصيل، ولا بد من تقدير جملة محذوفة قبل هذا؛ لأنه بها يتمّ المعنى ويصحّ هذا العطف، تقديرها: فجعل في الأرض خليفة، ولما كان لفظ الخليفة محذوفا مع الجملة المقدرة، أبرزه في قوله:{وَعَلَّمَ آدَمَ} ناصّا عليه ومنوّها بذكره باسمه، وأبعد من زعم: أنّ وعلّم آدم معطوف على قوله قالَ من قوله تعالى:
{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ} وهل التعليم بتكليم الله تعالى له في السماء، كما كلم موسى في الأرض، أو بواسطة ملك، أو بالإلهام (1) أقوال أظهرها: أن الباري سبحانه هو المعلم، لا بواسطة، ولا إلهام. وقرأ اليمانيّ، ويزيد اليزيديّ {وَعَلَّمَ آدَمَ} مبنيا للمفعول، وحذف الفاعل؛ للعلم به. والتضعيف في علّم؛ للتعدية، إذ كان قبل التضعيف يتعدى لواحد، فعدّي به إلى اثنين، وليست التعدية بالتضعيف مقيسة، إنما يقتصر فيه على مورد السماع، سواء كان الفعل قبل التضعيف لازما، أم كان متعديا، نحو: علّم المتعدية إلى واحد، وأما إن كان متعديا إلى اثنين، فلا يحفظ في شيء منه التعدية بالتضعيف إلى ثلاثة.
فصل في قصة خلق آدم عليه السلام
قال وهب بن منبه (2): لما أراد الله أن يخلق آدم، أوحى إلى الأرض؛ أي: أفهمها وألهمها أني جاعل منك خليفة، فمنهم من يطيعني فأدخله الجنة، ومنهم من يعصيني فأدخله النار، فقالت الأرض: مني تخلق خلقا يكون للنار؟ قال: نعم، فبكت فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، وبعث إليها جبريل عليه السلام؛ ليأتيه بقبضة من زواياها الأربع، من أسودها، وأبيضها، وأحمرها، وأطيبها، وأخبثها، وسهلها، وصعبها، وجبلها، فلما أتاها جبريل ليقبض منها، قالت الأرض: بالله الذي أرسلك، لا تأخذ مني شيئا، فإن منافع التقرب إلى
(1) روح البيان.
(2)
روح البيان.
السلطان كثيرة، ولكن فيه خطر عظيم، فرجع جبريل عليه السلام إلى مكانه، ولم يأخذ منها شيئا، فقال: يا رب! حلفتني الأرض باسمك العظيم، فكرهت أن أقدم عليها، فأرسل سبحانه ميكائيل عليه السلام، فلما انتهى إليها، قالت الأرض له، كما قالت لجبريل، فرجع ميكائيل، فقال كما قال جبريل، فأرسل الله سبحانه إسرافيل عليه السلام، وجاء ولم يأخذ منها شيئا، وقال مثل ما قال جبريل، وميكائيل، فأرسل الله تعالى، ملك الموت، فلما انتهى إليها، قالت الأرض: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك، أن تقبض مني اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا! فقال ملك الموت:
وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا! فقبض قبضة من وجه الأرض، مقدار أربعين ذراعا من زواياها الأربع، فلذلك يأتي بنوه أخيافا؛ أي: مختلفين على حسب اختلاف ألوان الأرض وأوصافها، فمنهم الأبيض، والأسود، والأحمر، واللين، والغليظ، فصار كل ذرة من تلك القبضة أصل بدن للإنسان، فإذا مات يدفن في الموضع الذي أخذت منه، ثم صعد إلى السماء، فقال الله سبحانه له:(أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك)، فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها، فقال: أنت تصلح لقبض أرواح ولده. قال في «روضة العلماء» : فشكت الأرض إلى الله تعالى، وقالت: يا رب نقص مني! قال الله تعالى: (عليّ أن أرد إليك أحسن وأطيب ممن كان) فمن
ثمّة يحنط الميت بالمسك والغالية. انتهى.
فأمر الله تعالى عزرائيل، فوضع ما أخذ من الأرض في وادي نعمان بين مكة والطائف، بعد ما جعل نصف تلك القبضة في النار، ونصفها في الجنة، فتركها إلى ما شاء الله، ثم أخرجها، ثم أمطر عليها من سحاب الكرم، فجعلها طينا لازبا، وصور منه جسد آدم.
واختلفوا في خلقة آدم عليه السلام، فقيل: خلق في سماء الدنيا، وقيل:
في جنة من جنات الأرض بغربيتها، كالجنة التي يخرج منها النيل، وغيره من الأنهار، وأكثر المفسرين: أنه خلق في جنة عدن، ومنها أخرج، كما في «كشف الكنوز». وفي الحديث القدسي:(خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) يعني أربعين يوما، كل يوم منه ألف عام من أعوام الدنيا، فتركه أربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا، وهو الطين المصوت من غاية يبسه، كالفخار، فأمطر عليه مطر
الحزن تسعا وثلاثين سنة، ثم أمطر عليه مطر السرور سنة واحدة؛ فلذلك كثرت الهموم في بني آدم، ولكن يصير عاقبتها إلى الفرح، كما قيل: إن لكل بداية نهاية، وإنّ مع العسر يسرا.
وكانت الملائكة يمرون عليه، ويتعجبون من حسن صورته، وطول قامته؛ لأن طوله كان خمس مئة ذراع، الله أعلم بأيّ ذراع، وكان رأسه يمسّ السماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها، فمرّ به إبليس فرآه، ثم قال: لأمر ما خلقت، ثم ضربه بيده فإذا هو أجوف، فدخل من فيه وخرج من دبره، وقال لأصحابه الذين معه من الملائكة: هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك، ثم قال لهم: أرأيتم إن فضّل هذا عليكم ما أنتم فاعلون. قالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لا أطيعه إن فضّل عليّ، ولئن فضّلت عليه لأهلكنه، وجمع بزاقه في فمه وألقاه عليه، فوقع بزاق اللعين على موضع سرة آدم عليه السلام، فأمر الله جبريل، فقور بزاق اللعين من بطن آدم، فحفرة السرة من تقوير جبريل، وخلق الله من تلك القوارة كلبا، وللكلب ثلاث خصال، فأنسه بآدم؛ لكونه من طينه، وطول سهره في الليل؛ من أثر مس جبريل عليه السلام، وعضه الإنسان، وغيره، وأذاه من غير خيانة من أثر بزاق اللعين، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، وسمي بآدم؛ لكونه من أديم الأرض؛ لأنه مؤلّف من أنواع ترابها، ولمّا أراد الله سبحانه أن ينفخ فيه الروح، أمره أن يدخل فيه، فقال: الروح موضع بعيد القعر، مظلم المدخل، فقال له: ثانيا: أدخل، فقال كذلك، فقال له ثالثا:
فقال كذلك، فقال: أدخل كرها؛ أي: بلا رضى، واخرج كرها، ولذا لا يخرج من البدن إلا كرها، فلما نفخه فيه مرّ في رأس آدم، وجبينه، وأذنيه، ولسانه، ثم مرّ في جسده كله حتى بلغ قدميه، فلم يجد منفذا، فرجع إلى فخذيه، فعطس، فقال له ربّه: قل الحمد لله رب العالمين، فقالها آدم، فقال سبحانه له: يرحمك الله، ولذا خلقتك يا آدم، فلما انتهى إلى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب، فقال تعالى:{وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا} فصار بشرا لحما ودما، وعظاما وعصبا، وأحشاء، ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم، وهو في ذلك منتطق متوج، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، أذنين يسمع بهما،
وعينين يبصر بهما، ومنخرين يجد بهما كل رائحة، وفما فيه لسان يتكلم به، وحنك يجد به طعم كل شيء، وبابين في جسده وهما قبله ودبره، يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه، وجعل عقله في دماغه، وشرهه في كليتيه، وغضبه في كبده، وشجاعته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وفرحه وحزنه في وجهه، فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم، وينطق بلحم، ويعرف بدم، فلما سوّاه ونفخ فيه من روحه علّمه أسماء الأشياء كلها؛ أي: ألهمه، فوقع في قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه
بتسمية الأشياء من عنده، فعلمه جميع أسماء المسميات بكل اللّغات، بأن أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وعلّمه أحوالها وما يتعلّق بها من المنافع الدينية والدنيوية، وعلمه أسماء الملائكة، وأسماء ذريته كلهم، وأسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شيء، وأسماء المدن والقرى، وأسماء الطير والشجر وما يكون، وكل نسمة يخلقها إلى يوم القيامة، وأسماء المطعومات والمشروبات، وكل نعيم في الجنة، وأسماء كل شيء حتى القصعه والقصيعة، وحتى الجنّة والمحلب - والقصعة إناء الأكل معروف، والقصيعة تصغيرها يعني: حتى الوضيع والحقير، والجنة الترس، والمحلب إناء يحلب فيه.
وفي الخبر: لما خلق الله آدم، بثّ فيه أسرار الأحرف، ولم يبث في أحد من الملائكة، فخرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات، فجعلها الله صورا له ومثلت له بأنواع الأشكال. وفي الخبر: علّمه سبعمائة ألف لغة، فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات إلا العربية، فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات، فكان من معجزاته، تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاده إلى يوم القيامة، من العربية، والفارسية، والرومية، والسريانية، واليونانية، والعبرانية، والزنجية، والآراميّة، وغيرها.
قال بعض المفسرين: علم الله آدم ألف حرفة من المكاسب، ثم قال: قل لأولادك: إن أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين وأحكام الشرائع. وكان آدم حراثا؛ أي: زراعا، ونوح نجارا، وإدريس خياطا، وصالح تاجرا، وداود زرّادا، وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته، ويأكل من ثمنه ولا