الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتسوّروا الحيطان ودخلوا، فرأوهم قد صار الشّبّان قردة، والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن ذلك، فكانوا يشيرون برؤوسهم؛ أي: نعم والدموع تفيض من أعينهم، ودلّ ذلك على أنهم لمّا مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل، ثمّ لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء، بل كانت قبلهم قردة، وهؤلاء حولوا إلى صورتها؛ لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم، وماتوا بعد ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا، والقردة التي في الدنيا: هي نسل قردة كانت قبلهم
66
- {فَجَعَلْناها} (1)؛ أي: صيّرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها {نَكالًا} ؛ أي: عبرة تنكل من اعتبر بها؛ أي: تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم {لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها} ؛ أي: لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون؛ لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين واعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل {وَمَوْعِظَةً}؛ أي: تذكرة {لِلْمُتَّقِينَ} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متّق سمعها، فاللام للاستغراق العرفيّ على كلا التقديرين، وخصّ المتقين بالذكر؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير.
قال الله تعالى: {فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} والمعنى: {فَجَعَلْناها} ؛ أي (2): جعلنا تلك العقوبة، والمسخة التي مسخناهم بها {نَكالًا}؛ أي: عقوبة رادعة زاجرة {لِما بَيْنَ يَدَيْها} ؛ أي: للأمم التي في زمانها، التي ترى تلك الفرقة الممسوخة عن الإتيان بمثل فعلهم {وَما خَلْفَها}؛ أي: وزاجرة للأمم التي تأتي بعدها إلى يوم القيامة أن يعملوا بمثل ما عملوا، فيمسخوا مثل ما مسخوا {وَمَوْعِظَةً}؛ أي: عبرة وتذكرة {لِلْمُتَّقِينَ} المؤمنين من هذه الأمة؛ لئلّا يفعلوا مثل فعلهم؛ فإن كلّ من سمع تلك الواقعة يخاف أن ينزل به مثل ما نزل بهم إن فعل مثل فعلهم، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمن اليهود،
(1) روح البيان.
(2)
العمدة.
والنصارى، والصابئين، ومؤمن غيرهم في كينونة الأجر لهم، وأن ذلك عند من يرى أن إيمانهم في الدنيا أنتج لهم الأمن في الآخرة، فلا خوف مما يستقبل، ولا حزن على ما فات، إذ من استقر له أجره عند ربه فقد بلغ الغاية القصوى من الكرامة. انتهى. من «البحر» .
واعلم: أن عقوبة الأمم الماضية بالخسف والمسخ على الأجساد، وعقوبة هذه الأمة على القلوب، وعقوبات القلوب أشدّ من عقوبات النفوس. قال الله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
…
} الآية. ثم علامة (1) مسخ القلوب ثلاثة أشياء: لا يجد حلاوة الطاعة، ولا يخاف من المعصية، ولا يعتبر بموت أحد، بل يصير أرغب في الدنيا كل يوم. كذا في «زهرة الرياض». وروي عن عوف بن عبد الله أنه قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. وقال محمد بن علي الترمذي: صلاح أربعة أصناف في أربعة مواطن: صلاح الصبيان في الكتّاب، وصلاح القطّاع في السجن، وصلاح النساء في البيوت، وصلاح الكهول في المساجد. انتهى.
الإعراب
{وَإِذْ} الواو عاطفة {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! إذ قلتم {قُلْتُمْ} فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ {يا مُوسى} منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم {لَنْ} حرف نصب ونفي واستقبال {نَصْبِرَ}
(1) روح البيان.
فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلتم، وإن شئت قلت:{يا مُوسى} إلى قوله {قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ} مقول محكي لقلتم؛ لأن مرادنا لفظه لا معناه عَلى طَعامٍ جار ومجرور متعلق بنصبر {واحِدٍ} صفة لطعام {فَادْعُ} الفاء حرف عطف وتفريع {ادع} فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت يعود على موسى، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{لَنْ نَصْبِرَ} على كونها مقولا لقلتم {لَنا} جار ومجرور متعلق بادع {رَبَّكَ} مفعول به ومضاف إليه {يُخْرِجْ} فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا، تقديره: هو يعود على ربك، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب {لَنا} متعلق بيخرج {مِمَّا} جار ومجرور متعلق بيخرج أيضا على أنه مفعول به ليخرج، أو مفعول يخرج محذوف؛ تقديره: يخرج لنا شيئا {مِمَّا} جار ومجرور صفة لذلك المحذوف؛ أي: شيئا كائنا مما تنبت الأرض {وتُنْبِتُ الْأَرْضُ} فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: شيئا مما تنبته الأرض {مِنْ بَقْلِها} جار ومجرور ومضاف إليه بدل من الجار والمجرور في قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} بدل تفصيل من مجمل، أو حال من مفعول تنبت المحذوف، تقديره: حال كونه كائنا من {بَقْلِها} و {وَقِثَّائِها} معطوف على {بَقْلِها} ، وكذا قوله:{وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها} معطوف على بقلها جريا على القاعدة المشهورة عندهم: أن العطف إذا كان بغير مرتب يكون على الأول ولو كثرت المعطوفات، وإن كان بمرتب، كالفاء، وثم، يكون الكل معطوفا على ما قبله.
{قالَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، أو على الرب سبحانه، والجملة مستأنفة {أَتَسْتَبْدِلُونَ} إلى قوله {اهْبِطُوا مِصْرًا} مقول محكي لقال، لأن مرادنا لفظه لا معناه، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري المضمن
للتوبيخ، والمعنى: لا ينبغي لكم ذلك الاستبدال ولا يليق بكم {تَسْتَبْدِلُونَ} فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول قال {الَّذِي} اسم موصول في محل النصب مفعول به {هُوَ أَدْنى} مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول {بِالَّذِي} متعلق بتستبدلون {هُوَ خَيْرٌ} مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول {اهْبِطُوا} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول قول محذوف، تقديره: قلنا لهم {مِصْرًا} مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على قراءة التنوين وهو خط المصحف؛ لأنه نكرة؛ لأن المعنى انزلوا بلدا من البلدان؛ لأنهم كانوا وقتئذ في صحراء التيه. وقيل: معرفة؛ لأن المعنى اهبطوا مصر فرعون، وإنما صرف حينئذ، لخفته بسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح، ولوط، ونحوها. وقرأه الحسن وغيره بلا تنوين، كأنهم عنوا مكانا بعينه، كما سبق {فَإِنَّ} الفاء تعليلية {إن} حرف نصب وتوكيد {لَكُمْ} جار ومجرور خبر مقدم لإن {ما} اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر {سَأَلْتُمْ} فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: فإن ما سألتموه من البقول كائن وحاصل لكم في مصر لا في التيه، وجملة إن مستأنفة؛ مسوقة لتعليل الأمر بالهبوط في مصر {وَضُرِبَتْ} الواو استئنافية، أو اعتراضية؛ لأن قوله:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} إلى قوله: {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} معترض في خلاف القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام، يدل على هذا قوله:{ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. ذكره في «الجمل» . ضرب: فعل ونائب فاعل مغير الصيغة، والتاء علامة تأنيث نائب الفاعل {عَلَيْهِمُ} متعلق بضربت {الذِّلَّةُ} نائب فاعل {وَالْمَسْكَنَةُ} معطوف عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة.
{وَباؤُ} فعل وفاعل معطوف على ضربت {بِغَضَبٍ} متعلق بباؤا {مِنَ اللَّهِ} صفة لغضب {ذلِكَ} اسم إشارة للمفرد البعيد في محل الرفع مبتدأ {بِأَنَّهُمْ} الباء
حرف جر وسبب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب أنهم كانوا، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معترضة {أنهم} ناصب واسمه {كانُوا} فعل ناقص واسمه، وجملة {يَكْفُرُونَ} خبر كان بِآياتِ اللَّهِ متعلق بيكفرون، وجملة كان في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله سبحانه {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} فعل وفاعل ومفعول به معطوف على يكفرون {بِغَيْرِ الْحَقِّ} جار ومجرور متعلق بيقتلون، أو بمحذوف حال من فاعل يقتلون، تقديره: حالة كونهم ملتبسين بغير الحق، أو حالة كونهم ظالمين متنكرين للحق في اعتقادهم، ولو اعترفوا لاتصفوا بالواقع {ذلِكَ} مبتدأ {بِما} الباء حرف جر وسبب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم، والجملة الإسمية مستأنفة، أو معترضة {عَصَوْا} فعل وفاعل، والجملة صلة {ما} المصدرية {ما} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب عصيانهم {وَكانُوا} فعل ناقص واسمه، وجملة {يَعْتَدُونَ} خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة عصوا على كونها صلة لما المصدرية، والتقدير: ذلك كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم.
{إِنَّ الَّذِينَ} ناصب واسمه، وجملة {آمَنُوا} صلة الموصول {وَالَّذِينَ} في محل النصب معطوف على الموصول الأول وجملة {هادُوا} صلة للموصول الثاني {وَالنَّصارى} معطوف على اسم إن، وكذلك قوله:{وَالصَّابِئِينَ} معطوف على اسم إن {مَنْ} اسم موصول في محل النصب بدل من اسم إن، وجملة {آمَنَ} صلة من الموصولة {بِاللَّهِ} متعلق بآمن {وَالْيَوْمِ} معطوف على لفظ الجلالة {الْآخِرِ} صفة لليوم {وَعَمِلَ} معطوف على آمن {صالِحًا} مفعول به لعمل، أو مفعول مطلق لعمل؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: وعمل عملا صالحا {فَلَهُمْ} الفاء رابطة الخبر باسم إن؛ لما في الموصول من معنى الشرط، أو رابطة الجواب بالشرط إن قلنا ما شرطية {لهم} جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم {أَجْرُهُمْ} مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الرفع خبر إن إذا
جعلنا من موصولة، أو في محل جزم جواب الشرط إذا جعلناها شرطية، وجملة الشرط مع جوابها في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة، أو معترضة {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الأجر، تقديره: فلهم أجرهم حال كونه ثابتا مدخرا لهم عند ربهم، أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، وأفرد الضمير في آمن وعمل؛ نظرا للفظ من وجمعه في قوله:{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} نظرا لمعناه {وَلا خَوْفٌ} الواو عاطفة {لا} نافية {خَوْفٌ} مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة؛ تقدم النفي عليها وبطل عمل لا؛ لتكررها {عَلَيْهِمْ} جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله:{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} وكذلك جملة قوله: {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} معطوفة على جملة الجواب.
{وَإِذْ أَخَذْنا} الواو عاطفة {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا {أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ} فعل وفاعل، ومفعول به ومضاف إليه والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ {وَرَفَعْنا} الواو عاطفة، أو حالية {رَفَعْنا} فعل وفاعل والجملة في محل الجر معطوف على {أَخَذْنا} أو في محل النصب حال من فاعل {أَخَذْنا} ولكن بتقدير: قد {فَوْقَكُمُ} فوق منصوب على الظرفية المكانية متعلق برفعنا، والكاف في محل الجر مضاف إليه {الطُّورَ} مفعول به {خُذُوا} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف معطوف على {أَخَذْنا} تقديره: وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم، أو حال من فاعل رفعنا، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور قائلين خذوا
…
إلخ: {ما} اسم موصول في محل النصب مفعول لخذوا {آتَيْناكُمْ} فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن آتى بمعنى أعطى، تقديره: آتيناكموه، وهو العائد على {ما} الموصولة، والجملة صلة لما الموصولة {بِقُوَّةٍ} جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل {خُذُوا} تقديره: ملتبسين بقوة واجتهاد {وَاذْكُرُوا} فعل وفاعل معطوف على {خُذُوا} {ما} اسم
موصول في محل النصب مفعول به لاذكروا {فِيهِ} جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة، تقديره: ما استقر فيه {لَعَلَّكُمْ} {لعل} حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة {تَتَّقُونَ} خبرها، ومفعول التقوى محذوف، تقديره: لكي تتقون عقابي، وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، والتقدير: واذكروا ما فيه لإتقائكم عقابي.
{ثُمَّ} حرف عطف وترتيب مع تراخ {تَوَلَّيْتُمْ} فعل وفاعل معطوف على محذوف، تقديره: فقبلتم الميثاق ثم توليتم {مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتوليتم {فَلَوْلا} الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أخذ الميثاق منكم، ثم توليكم بعد ذلك وأردتم بيان ما يترتب على ذلك، فأقول لكم: لولا فضل الله {لولا} حرف امتناع لوجود مضمن معنى الشرط {فَضْلُ اللَّهِ} مبتدأ ومضاف إليه وخبره محذوف وجوبا، تقديره: موجود، والجملة الإسمية قائمة مقام الشرط لا محل لها من الإعراب {عَلَيْكُمْ} متعلق بفضل الله {وَرَحْمَتُهُ} معطوف على فضل الله {لَكُنْتُمْ} اللام واقعة في جواب لولا {كنتم} فعل ناقص واسمه {مِنَ الْخاسِرِينَ} متعلق بمحذوف خبر كان، وجملة كان جواب لولا لا محل لها من الإعراب، وجملة {لولا} في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
{وَلَقَدْ} الواو استئنافية، واللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي {لَقَدْ عَلِمْتُمُ} {قد} حرف تحقيق {عَلِمْتُمُ} فعل وفاعل {الَّذِينَ} اسم موصول في محل النصب مفعول به، وعلم هنا بمعنى عرف يتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب {اعْتَدَوْا} فعل ماض وفاعل، والجملة
صلة الموصول {مِنْكُمْ} جار ومجرور حال من الضمير في اعتدوا، تقديره: حالة كون المعتدين كائنين منكم {فَقُلْنا} الفاء عاطفة {قلنا} فعل وفاعل معطوف على جملة {اعْتَدَوْا} على كونها صلة الموصول، والعائد ضمير {لَهُمْ} و {لَهُمْ} جار ومجرور متعلق باعتدوا {كُونُوا} فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمها {قِرَدَةً} خبرها {خاسِئِينَ} خبر ثان لها، ولا مانع من جعلها صفة لقردة، وقيل: كلاهما خبرها، وإنهما نزلا منزلة كلمة واحدة، كقولهم: هذا حلو حامض، وهو قول جيد وجملة {كُونُوا} في محل النصب مقول {فَقُلْنا} {فَجَعَلْناها} فعل وفاعل ومفعول أول والجملة معطوفة على جملة {فَقُلْنا} {نَكالًا} مفعول ثان لجعلنا {لِما} اللام حرف جر و {ما} اسم موصول في محل الجر باللام، والجار والمجرور صفة لنكالا، أو متعلق بنكالا، لأنه اسم مصدر لنكّل الرباعي {بَيْنَ} منصوب على الظرفية الاعتبارية {بَيْنَ} مضاف {يَدَيْها} مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه مثنى، ويدي مضاف والهاء مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة؛ أي: لما استقر بين يديها {وَما} معطوف على {ما} الأولى {خَلْفَها} ظرف متعلق بمحذوف صلة لما الثانية {وَمَوْعِظَةً} معطوف على {نَكالًا} {لِلْمُتَّقِينَ} جار ومجرور صفة لموعظة، أو متعلق بموعظة، لأنه مصدر ميمي بمعنى عظة.
التصريف ومفردات اللغة
{فَادْعُ لَنا رَبَّكَ} ادع وزنه أفع لحذف لامه لبناء الأمر {مِنْ بَقْلِها} والبقل: كلّ ما تنبته الأرض من النجم؛ أي: مما لا ساق له، وجمعه بقول {وَقِثَّائِها} والقثاء: اسم جنس معروف، الواحدة قثاءة، وفيها لغتان: المشهور منهما كسر القاف، وقرىء بضمها، والهمزة أصل بنفسها لثبوتها في قوله: أقثأت الأرض؛ أي: كثر قثاؤها، ووزنها فعّال. اه. «سمين». وقال الخليل: وهو الخيار، ويقال:
أرض مقثاة؛ أي: كثيرة القثاء {وَفُومِها} قال الكسائي، والفراء، والنضر بن شميل، وغيرهم. الفوم هو الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا في مغفور: مغثور، وفي جدث: جدف، وفي عاشور: عافور. قال أمية بن أبي الصلت:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة
…
فيها القراديس والفومان والبصل
وأنشد مؤرّج لحسّان:
وأنتم أناس لئام الأصول
…
طعامكم الفوم والحوقل
يعني: الفوم والبصل، وهذا كما أبدلوا بالفاء الثاء، قالوا في الأثافي:
الأثاثي وكلا البدلين لا ينقاس؛ أعني: إبدال الثاء فاء والفاء ثاء، وقال ابن قتيبة، والزجاج: هي الحبوب التي تؤكل، وقال أبو مالك وجماعة: الفوم: الحنطة، ومنه قول أحيحة بن الجلّاح:
قد كنت أحسبني كأغنى واحد
…
قدم المدينة عن زراعة فوم
قيل: وهي لغة مصر، وهو اختيار المبرد. وقال الفراء: وهي لغة قديمة. وقيل: هي الحبوب التي تخبز. وقيل؛ هو الخبز نفسه. وقيل: إنه الحمص {وَعَدَسِها} والعدس معروف، وعدس من الأسماء الأعلام، وعدس زجر للبغل {وَبَصَلِها} البصل معروف بـ {الَّذِي هُوَ أَدْنى} أصله: أدني بوزن أفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وهو أفعل تفضيل من الدنوّ وهو القرب. يقال: منه دنا يدنو دنوا، وقال عليّ بن سليمان الأخفش: هو أفعل من الدناءة وهي الخسّة والرداءة، خفّفت الهمزة بإبدالها ألفا، وقال أبو زيد في المهموز: دنؤ الرجل يدنأ دناءة ودناء. ودنأ يدنأ، وقال غيره: هو أفعل من الدون؛ أي: أحطّ في المنزلة، وأصله: أدون فصار وزنه أفلع؛ نحو: أولى لك؛ لأنه أفعل من الويل أصله: أويل، فقلب. وفي «الفتوحات» {أَدْنى} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو الظاهر، وهو قول الزجاج أن أصله: أدنو من الدنو هو القرب، فقلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدنو في ذلك القرب؛ لأنه أقرب وأسهل تحصيلا من غيره لخساسته، وقلة قيمته.
والثاني: أصله: أدنأ مهموز من دنأ يدنأ دناءة، إلا أنه خففت همزته بقلبها ألفا.
والثالث: أنّ أصله أدون مأخوذ من الشيء الدون؛ أي: الرديء، نقلت الواو التي هي عين الكلمة إلى ما بعد النون التي هي لامها، فصار أدنو بوزن أفلع، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. اه. من «السمين» .
{اهْبِطُوا} ؛ أي: انزلوا وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر فيه ما تطلبون، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل، بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقا. اه. من «الشهاب» وفي «المصباح» وهبطت من موضع إلى موضع من بابي ضرب وقعد، انتقلت وهبطت الوادي هبوطا نزلته.
اه. {مِصْرًا} والمصر في أصل اللغة: الحد الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل هجر أنهم إذا كتبوا بيع دار، قالوا: اشترى فلان الدار بمصورها؛ أي: حدودها اه.
«سمين» وفي «الخطيب» المصر البلدة العظيمة. اه. وقال عديّ بن زيد:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به
…
بين النهار وبين الليل قد فصلا
{فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ} والسؤال الطلب، ويقال: سأل يسأل سؤالا والسؤل المطلوب، وسال يسال على وزن خاف يخاف، ويجوز تعليق فعله وإن لم يكن من أفعال القلوب، كما في قوله تعالى:{سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ} قالوا: لأن السؤال سبب إلى العلم فأجري مجرى العلم {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} ؛ أي: ألزموها وقضي عليهم بها، والذلة بالكسر: الصغار، والهوان، والحقارة، والذّلّ بالضم ضدّ العزّ، والذلّة مصدر ذلّ يذلّ ذلا وذلّة. وقيل: الذلة كأنها هيئة من الذلّ، كالجلسة، والذّلّ الخضوع وذهاب الصعوبة {وَالْمَسْكَنَةُ} المسكنة: مفعلة من السكون، ومنه سمي المسكين؛ لقلة حركاته وفتور نشاطه، فهو مفعيل منه.
{وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} وأصل باء بوأ بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم أسند الفعل إلى واو الجماعة فبني على الضم، فألف باء منقلبة عن واو لقولهم: باء يبوء، مثل: قال يقول، وقال صلى الله عليه وسلم:(أبوء بنعمتك) والمصدر البواء، ومعناه: الرجوع. يقال: باء بكذا؛ أي: رجع قاله الكسائيّ، أو اعترف قاله أبو عبيدة، أو استحقّ قاله أبو روق، أو نزل وتمكّن قاله المبرد، أو تساوى قاله الزجاج، وانشدوا لكل قول ما يستدل به من كلام العرب، وحذفنا ذلك. اه. من «البحر» .
{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} جمع نبي أصله: فعيل فمن قرأه بالهمز، كنافع لم يحدث فيه تغييرا، على أن آخر الكلمة همزة هي لامها، ومن قرأ بترك الهمز، إما أن يكون أبدلت فيه الهمزة ياء، ثم أدغمت فيها ياء فعيل، ثم جاءت ياء الجمع، وعلى أنّ لام الكلمة أصلها واو من النبوة، فهو فعيل بمعنى مفعول، اجتمعت الواو والياء؛ لأن الأصل على هذا نبيو، فلمّا اجتمعتا وسبقت إحداهما ساكنة، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء، على حدّ قول ابن مالك:
إن يسكن السّابق من واو ويا
…
واتّصلا ومن عروض عريا
فياء الواو اقلبنّ مدغما
…
وشذّ معطى غير ما قد رسما
قال الكسائيّ: النّبيّ: الطريق، سمّي به؛ لأنه يهتدى به. قالوا: وبه سمي الرسول؛ لأنه طريق إلى الله تعالى {بِما عَصَوْا} أصله: عصيوا بوزن فعلوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف لكونها أوّل الساكنين، وبقيت الفتحة دالّة عليها {وَكانُوا يَعْتَدُونَ} أصله: يعتديون من اعتدى من باب افتعل، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لمّا سكنت مع واو الجماعة، وضمت الدال؛ لمناسبة الواو، فوزنه يفتعون {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أصله: أأمنوا أبدلت الهمزة الساكنة حرف مد للأول، وكذلك القول في {آمن} {وَالَّذِينَ هادُوا} من هاد يهود من باب قال إذا تاب ورجع، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فهو أجوف واويّ. وقيل: من هاد يهيد من باب باع إذا تحرّك، وعليه قلبت الياء ألفا، فهو أجوف يائي، والأول أولى، لقوله تعالى:{إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ} {وَالنَّصارى} جمع نصران، كندامى جمع ندمان، وألفه للتأنيث، ولذلك منع الصرف في قوله تعالى:{الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى} والياء في نصراني؛ للمبالغة، كما في أحمري، سموا بذلك؛ لأنهم نصروا المسيح؛ أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: نصران؛ أو ناصرة فسموا باسمها، أو باسم من أسسها. اه. «بيضاوي» {وَالصَّابِئِينَ} جمع صابىء. وفي «السمين» والصابىء التارك لدينه. اه. وفي «المصباح» وصبا يصبو صبوا من باب قعد، وصبوة أيضا، مثل شهوة إذا مال وصبأ من دين إلى دين،
يصبأ مهموز بفتحتين خرج فهو صابىء، ثم جعل هذا اللقب علما على طائفة من الكفار. يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتنسب إلى النصرانية في الظاهر، وهم الصابئة والصابئون، ويدّعون أنهم على دين صابىء بن شيث بن آدم، ويجوز التخفيف، فيقال: الصابون وقرأ به نافع. اه. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} والأجر في الأصل مصدر. يقال: أجره الله يأجره أجرا من بابي ضرب وقتل، وقد يعبّر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. اه. «سمين» {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ} أصله: موثاق مفعال من التوثيق، سكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء حرف مد {وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} والطّور: يطلق على أيّ جبل كان، كما في «القاموس» ويطلق أيضا: على جبال مخصوصة بأعيانها، وهذا الجبل الذي رفع فوقهم كان من جبال فلسطين، كما في «الخازن» عن ابن عباس. اه. «كرخي» {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لعلّ تعليلية؛ أي: لكي تتقوا المعاصي، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. اه. «بيضاوي». وأصل تتقون: توتقيون بوزن تفتعلون؛ لأن أصل المادة من الوقاية، فأصل التقوى وقيا، أبدلت الواو تاء والياء واوا، فقيل:
تقوى، وبعد هذا الإعلال يصير الإفتعال منه، كما هنا توتقوون بواوين، فتبدل الواو الأولى ياء؛ لكسر ما قبلها وهي في الطرف،
واستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان الياء، وواو الجماعة، فحذفت الياء، ثم ضمت القاف؛ لمناسبة الواو، وسبب تشديد التاء؛ أنّ فاء الكلمة التي هي واو، كما مر آنفا أن المادة من الوقاية، أبدلت تاء، ثم أدغمت في تاء الافتعال؛ لأنّ فاء الكلمة إذا كان حرف لين وبني منها افتعال، أبدل تاء، وأدغم في تاء الافتعال على حدّ قول ابن مالك:
ذو اللّين فاتا في افتعال أبدلا
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} التولي تفعّل من الولي، وأصله: الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. اه. «سمين» {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} علمتم بمعنى عرفتم فيتعدّى لواحد فقط. والفرق بين العلم والمعرفة: أنّ العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي عليه من الأحوال، نحو: علمت زيدا قائما، أو ضاحكا، والمعرفة تستدعي معرفة
الذات فقط، أو يقال في الفرق بينهما: إن المعرفة يسبقها جهل، والعلم قد لا يسبقه جهل، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة على الله سبحانه وتعالى {الَّذِينَ اعْتَدَوْا} أصله: اعتديوا؛ لأنه من العدوان واويّ اللام، أبدلت الواو ياء في الافتعال؛ لوقوعها خامسة، فاتصل بالفعل واو الجماعة فضمت الياء؛ لمناسبتها، ثم أبدلت الياء ألفا؛ لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان فحذفت الألف؛ فقيل: اعتدوا بوزن افتعوا {فِي السَّبْتِ} والسبت في الأصل مصدر سبت؛ أي؛ قطع، وقال ابن عطية: والسبت إما مأخوذ من السّبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت وهو القطع؛ لأن الأشياء فيه سبتت وتمّ خلقها، ثم سمي به اليوم من الأسبوع، ومنه قولهم: سبت رأسه؛ أي حلقه {كُونُوا قِرَدَةً} أمر من كان يكون، وأصل يكون: يكون بوزن يفعل بضم العين، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فسكنت إثر ضمها فصارت حرف مد، فلمّا بني الأمر من مضارعه حذف منه حرف المضارعة ونون الرفع، فقيل: كونوا بوزن فعلوا {خاسِئِينَ} وفي «المختار» : خسأ الكلب طرده من باب قطع، وخسأ هو بنفسه خضع وانخسأ أيضا، وخسأ البصر حسر من باب قطع وخضع. اه. {فَجَعَلْناها نَكالًا} والنكال المنع، ومنه النكل، والنكل: اسم للقيد من الحديد واللّجام؛ لأنه يمنع به، وسمي العقاب نكالا؛ لأنه يمنع به غير المعاقب أن يفعل فعله، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فعله الأول، والتنكيل: إصابة الغير بالنكال ليرتدع غيره، ونكل عن كذا ينكل نكولا من باب قعد إذا امتنع. اه. «سمين» .
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة للتشريف في قوله: {رَبَّكَ} .
ومنها: المجاز العقلي في قوله: {مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} ؛ لما فيه من إسناد ما للفاعل إلى المحل؛ لأن المنبت الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، علاقته
المحلية؛ لأن الأرض لما كانت محلا للإنبات أسند إليها.
ومنها: الإجمال ثم التفصيل في قوله: {مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها} . إلخ؛ لأنه أوقع في النفس.
ومنها: الاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ في قوله: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى} .
ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} ؛ لأن ضربهما عليهم كناية عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه نظير قول الشاعر:
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى
…
في قبّة ضربت على ابن الحشرج
ومنها: الأمر للتعجيز والإهانة في قوله: {اهْبِطُوا مِصْرًا} على حد قوله: {كُونُوا حِجارَةً} ؛ لأنهم لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم، إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق.
ومنها: التنوين في قوله: {وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} ؛ للتعظيم.
ومنها: تقييد قتل الأنبياء بغير الحق في قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ؛ للإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق، إذ لم يكن أحد منهم معتقدا بحقية قتل نبي من الأنبياء، وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، كما يفصح عنه قوله تعالى: {ذلِكَ بِما عَصَوْا
…
} إلخ. اه. من «أبي السعود» .
ومنها: تكرير اسم الإشارة في قوله: {ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ} ؛ للتأكيد إن قلنا: إن الثاني مشار به إلى ما أشير إليه بالأول.
ومنها: التعبير بالمضارع عن الماضي في قوله: {بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ} . الخ؛ لإفادة الاستمرار والدوام.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: {خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} ؛ لأنه على تقدير القول؛ أي: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة واجتهاد.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} إذ التولي حقيقة في الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. اه. «سمين» .
ومنها: استعمال الأمر في الإهانة والتحقير في قوله: {كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} ؛ لأنه ليس لهم قدرة على تحولهم إلى القردة، بل المراد بالأمر الإخبار عن تعلق القدرة، بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة.
ومنها: الاستعارة في قوله: {لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها} ؛ لأنه استعير فيه ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
قال الله سبحانه جل وعلا:
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (1) فيما سبق بعض قبائح بني إسرائيل، وجرائمهم، من نقض المواثيق، واعتدائهم في السبت، أردفه بذكر نوع آخر من مساوئهم وقبائحهم، ألا وهو مخالفتهم لأنبيائهم وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إليهم، مع كثرة اللجاج والعناد للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وجفائهم في مخاطبة نبيهم موسى عليه السلام.
وعبارة أبي حيان هنا: ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها (2): أنه تقدم ذكر مخالفتهم لأنبيائهم، وتكذيبهم لهم في أكثر أنبائهم، فناسب ذلك ذكر هذه الآية؛ لما تضمنت من المراجعة، والتعنت، والعناد مرة بعد مرة. اهـ.
(1) العمدة.
(2)
البحر المحيط.