المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

اللذة المحرمة، وتصوّر ما لها من تأثير في نفسه، أو - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: اللذة المحرمة، وتصوّر ما لها من تأثير في نفسه، أو

اللذة المحرمة، وتصوّر ما لها من تأثير في نفسه، أو في الأمة، فرّ منها فرار السليم من الأجرب، إلا أن المؤمن بالله واليوم الآخر يرى في انتهاك حرمات الدين، ما يدنس النفس ويبعدها عن الكرامة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

والخلاصة: أن من جاءه الهدى على لسان رسول بلغه إياه واتبعه، فقد فاز بالنجاة، وبعد عنه الحزن، والخوف يوم الحساب، والجزاء والعرض على الملك الديان يوم يقوم الناس لرب العالمين.

قرأ الأعرج (1): هداي بسكون الياء، وفيه الجمع بين الساكنين كقراءة من قرأ (محياي)، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم الجحدري، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن أبي عمر {هدي} بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء؛ لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم، وقال شاعرهم:

سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم

فتخرّموا ولكل قوم مصرع

وقرأ الجمهور (2): {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} بالرفع والتنوين، وقرأ الزهري، وعيسى الثقفي، ويعقوب بالفتح في جميع القرآن، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين. وجه قراءة الجمهور، مراعاة الرفع في {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فرفعوا للتعادل. قال ابن عطية: والرفع على إعمالها عمل ليس، ولا يتعين ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعا بالابتداء لوجهين:

أحدهما: أنّ إعمال (لا) عمل ليس قليل جدا.

‌39

- والثاني: حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ، ولم تعمل فيهما. وقوله:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا} وجحدوا برسلنا المرسلة

(1) البحر المحيط.

(2)

البحر المحيط.

ص: 328

إليهم، معطوف (1) على من تبع. إلخ قسيم له، كأنه قيل: ومن لم يتبعه. الخ، وإنما أوثر عليه ما ذكر؛ تفظيعا لحال الضلالة؛ وإظهارا لكمال قبحها، وإيراد الموصول بصيغة الجمع؛ للإشعار بكثرة الكفرة.

{وَكَذَّبُوا بِآياتِنا} المنزلة عليهم، أو كفروا بالآيات جنانا، وكذبوا بها لسانا {أُولئِكَ} إشارة إلى الموصول، باعتبار إتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب {أَصْحابُ النَّارِ}؛ أي: ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها، وفي الصحبة معنى الوصلة، فسموا أصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها، فكأنهم ملكوها فصاروا أصحابها {هُمْ فِيها}؛ أي: في النار {خالِدُونَ} ؛ أي: دائمون، والجملة في حيز النصب على الحالية.

وعبارة أبي حيان هنا قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} (2) قسيم لقوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ} ؛ أي: وهو أبلغ من قوله: (ومن لم يتبع هداي) وإن كان التقسيم يقتضيه؛ لأنّ نفي الشيء يكون بوجوه: منها: عدم القابليّة بخلقة، أو غفلة. ومنها: تعمد ترك الشيء فأبرز القسيم بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} في صورة ثبوتية، ليكون مزيلا للاحتمال الذي يقتضيه النفي، ولما كان الكفر قد يعني به كفر النعمة، وكفر المعصية، بين أن المراد هنا الشرك بقوله:{وَكَذَّبُوا بِآياتِنا} وبآياتنا متعلق بقوله:

{وَكَذَّبُوا} وهو من إعمال الثاني، إن قلنا إن كَفَرُوا يطلبه من حيث المعنى، وإن قلنا لا يطلبه، فلا يكون من الإعمال.

والآيات هنا الكتب المنزلة على جميع الأمم، أو معجزات الأنبياء عليه السلام، أو القرآن، أو دلائل الله في مصنوعاته أقوال، وفي قوله:{أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ} (3) دلالة على اختصاص من كفر وكذب بالنار، فيفهم أن من اتبع الهدى هم أصحاب الجنة، وكان التقسيم يقتضي أن من اتبع الهدى لا خوف ولا حزن يلحقه، وهو صاحب الجنة، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن، وهو صاحب

(1) روح البيان.

(2)

البحر المحيط.

(3)

البحر المحيط.

ص: 329

النار، فكأنه حذف من الجملة الأولى شيء أثبت نظيره في الجملة الثانية، ومن الثانية شيء أثبت نظيره في الجملة الأولى، فصار نظير قول الشاعر:

وإني لتعروني لذكراك هزّة

كما انتفض العصفور بلّله القطر

انتهى.

وفي هاتين الآيتين (1)، دلالة على أن الجنة في جهة عالية، دل عليه قوله:{اهْبِطُوا مِنْها} وأن متّبع الهدى مأمون العاقبة، لقوله تعالى فلا خوف. إلخ. وأن عذاب النار دائم، والكافر مخلد فيه، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى:{هُمْ فِيها خالِدُونَ} فإنه يفيد الحصر. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة الباهلي: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم. قال: كم بينه وبين نوح. قال: عشرة قرون. قال: كم بين نوح وبين إبراهيم. قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل في ذلك؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا.

الإعراب

{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} .

{وَإِذْ} الواو استئنافية {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، والظرف متعلق بمحذوف جوازا، تقديره: واذكر يا محمد لأمتك قصة إذ قال ربك .. إلخ.

والجملة المحذوفة مستأنفة {قالَ رَبُّكَ} فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ {لِلْمَلائِكَةِ} جار ومجرور متعلق بقال {إِنِّي} ناصب واسمه، إن حرف نصب وتوكيد مبني بفتحة مقدرة على الأخير منع

(1) روح البيان.

ص: 330

من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة؛ لأن ما قبل الياء لا يكون إلا مكسورا، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها {جاعِلٌ} خبرها، وجملة إن في محل النصب مقول قال:{فِي الْأَرْضِ} متعلق بجاعل إن كان بمعنى خالق، أو في محل المفعول الثاني إن كان من الجعل بمعنى التصيير {خَلِيفَةً} مفعول به لجاعل؛ لأنه اسم فاعل {قالُوا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {أَتَجْعَلُ} الهمزة للاستفهام التعجبيّ المجرد، كأنهم يطلبون استكناه ما خفي عليهم من الحكمة الباهرة {تجعل} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، تقديره: أنت، والجملة في محل النصب مقول قالوا {فِيها} جار ومجرور متعلق بتجعل إن كان بمعنى تخلق، أو في موضع المفعول الثاني المقدم على الأول، إن كان بمعنى تصيّر {مَنْ} اسم موصول في محل النصب مفعول به أول لتجعل {يُفْسِدُ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على من الموصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول؛ والتقدير: أتجعل من يفسد خليفة فيها، كمن كان فيها من قبل، كما ذكره العكبري {وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير مستتر يعود على من الموصولة، والجملة معطوفة على جملة يفسد على كونها صلة لمن.

{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} .

{وَنَحْنُ} الواو حالية نَحْنُ ضمير منفصل لجماعة المتكلمين في محل الرفع مبتدأ {نُسَبِّحُ} فعل مضارع وفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ {بِحَمْدِكَ} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل نسبح، والتقدير: ونحن مسبحون إياك ملتبسين بحمدك، والجملة الإسمية حال من مفعول فعل محذوف، تقديره: وتركتنا عن الخلافة حالة كوننا مسبحين إياك بحمدك {وَنُقَدِّسُ} فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على نسبح {لَكَ} جار ومجرور متعلق بنقدس، ويجوز أن تكون زائدة زيدت؛ لبيان المفعول به؛ أي: ونقدسك كاللام في سقيا لك. قال العكبري: ويجوز أن تكون اللام زائدة؛ لتأكيد التخصيص؛ أي: نقدسك. وقال الصاوي: ويحتمل أنها للتعدية والتعليل؛ أي: ننزهك لا طمعا في عاجل ولا آجل، فتنزيهنا لذاتك فقط. اه.

ص: 331

{قالَ} فعل وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة {إِنِّي} ناصب واسمه، إن حرف نصب وتوكيد، والياء في محل النصب اسمها. قال العكبري: والأصل: إنني بثلاث نونات فحذفت النون الوسطى لا نون الوقاية على الصحيح. اه. {أَعْلَمُ} فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنا {ما} اسم موصول في محل النصب مفعول به لأعلم، لأن علم هنا بمعنى عرف يتعدى إلى مفعول واحد {لا} نافية {تَعْلَمُونَ} فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما لا تعلمونه، وجملة أعلم في محل الرفع خبر إن، تقديره: إني عالم ما لا تعلمونه، وجملة إن في محل النصب مقول قال.

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} .

{وَعَلَّمَ} الواو استئنافية {عَلَّمَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله {آدَمَ} مفعول أول لعلم {الْأَسْماءَ} مفعول ثان له كُلَّها تأكيد للأسماء، والجملة الفعلية مستأنفة. {ثُمَّ} حرف عطف وترتيب مع تراخ {عَرَضَهُمْ} فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قال {عَلَى الْمَلائِكَةِ} جار ومجرور متعلق بعرض {فَقالَ} الفاء عاطفة (قال) فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة عرض {أَنْبِئُونِي} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير المخاطبين يعود على الملائكة في محل الرفع فاعل، والنون نون الوقاية، والياء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول {بِأَسْماءِ} جار ومجرور متعلق بأنبئوني على أنه مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال:{أسماء} مضاف {هؤُلاءِ} {ها} حرف تنبيه {أولاء} اسم إشارة للجمع المطلق في محل الجر مضاف إليه مبني على الكسر؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا {إِنْ} حرف شرط جازم {كُنْتُمْ} فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها {صادِقِينَ} خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين فأنبئوني، وجملة إن الشرطيّة في محل النصب مقول قال {قالُوا} فعل

ص: 332

وفاعل، والجملة مستأنفة {سُبْحانَكَ} سبحان منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبا، تقديره: نسبحك سبحانا وهو مضاف، والكاف ضمير متصل في محل الجر مضاف إليه، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول قالوا {لا} نافية للجنس تعمل عمل إن {عِلْمَ} في محل النصب اسمها {لَنا} جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، تقديره: لا علم موجود لنا، وجملة لا في محل النصب مقول قالوا {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ {ما} اسم موصول في محل الرفع بدل من محل لا واسمها؛ لأن محلهما رفع بالابتداء، أو من الضمير المستتر في خبر لا نظير قولك لا إله إلا الله، أو في محل النصب على الاستثناء {عَلَّمْتَنا} فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إلا ما علمتناه، وهو العائد على ما الموصولة، والجملة صلة لما الموصولة وما واقعة على معلوم، وعلم بمعنى معلوم، والمعنى: لا معلوم لنا إلا معلوما، أو معلوم علمتنا إياه، ويجوز أن تكون ما مصدرية؛ أي: لا تعليم لنا إلا تعليمك إيانا {إِنَّكَ} ناصب واسمه {أَنْتَ} أن ضمير فصل حرف لا محل له، أو حرف عماد، والتاء حرف دال على الخطاب {الْعَلِيمُ} خبر أول، لأنّ {الْحَكِيمُ} خبر ثان له، وجملة إن في محل النصب مقول قالوا مسوقة لتعليل ما قبلها، ويحتمل كون {أَنْتَ} مبتدأ و {الْعَلِيمُ} خبره، والجملة الإسمية خبر إن، ويجوز كونه تأكيدا لاسم إن مستعارا عن إياك.

{قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .

{قالَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة {يا آدَمُ} {يا} حرف نداء للمتوسط {آدَمُ} منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني على الضم، وجملة النداء في محل النصب مقول قال {أَنْبِئْهُمْ} فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على الله، والهاء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول {بِأَسْمائِهِمْ} جار ومجرور متعلق بأنبئهم على أنه مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال. {فَلَمَّا} الفاء فاء الفصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قال الرب جل جلاله لآدم، وأردت بيان ما قال للملائكة بعد ذلك فأقول لك لما أنبأهم.

ص: 333

{لما} حرف شرط غير جازم {أَنْبَأَهُمْ} أنبأ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على آدم، والهاء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول {بِأَسْمائِهِمْ} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأنبأهم على أنه مفعول ثان له، والجملة الفعلية فعل شرط للمّا لا محل لها من الإعراب {قالَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة الفعلية جواب شرط للمّا لا محل لها من الإعراب، وجملة لما في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} الهمزة للاستفهام التقريري {لَمْ} حرف جزم {أَقُلْ} فعل مضارع مجزوم بلم، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا يعود على الله {لَكُمْ} جار ومجرور متعلق بأقل، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول قال {إِنِّي} ناصب واسمه، وجملة {أَعْلَمُ} في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول لأقل {غَيْبَ السَّماواتِ} مفعول به ومضاف إليه {وَالْأَرْضِ} معطوف على السموات {وَأَعْلَمُ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على أعلم الأول {ما} اسم موصول في محل النصب مفعول {أَعْلَمُ} ، وجملة {تُبْدُونَ} صلة لما الموصولة، والعائد محذوف تقديره ما تبدونه {وَما} اسم موصول في محل النصب معطوف على ما الأولى {كُنْتُمْ} فعل ناقص واسمه، وجملة {تَكْتُمُونَ} في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لما الموصولة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، تقديره: وما كنتم تكتمونه، وإن شئت قلت إن قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

} إلى آخر الآية، مقول محكي لأقل؛ لأن مرادنا لفظه لا معناه، والمقول منصوب بالقول وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية.

{وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ} .

{وَإِذْ} الواو عاطفة أو استئنافية {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ قلنا، والجملة المحذوفة معطوفة على الجملة المحذوفة سابقا، أو مستأنفة. {قُلْنا} فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ {لِلْمَلائِكَةِ} متعلق بقلنا.

ص: 334

{اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ} .

{اسْجُدُوا} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل {لِآدَمَ} اللام حرف جر {آدم} مجرور باللام وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة، والجار والمجرور متعلق باسجدوا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قلنا {فَسَجَدُوا} الفاء حرف عطف وتفريع (سجد) فعل ماض والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة قلنا {إِلَّا} أداة استثناء {إِبْلِيسَ} مستثنى بإلا متصل إن كان إبليس في الأصل من الملائكة، وقيل: منقطع؛ لأنه ليس من الملائكة، وهو منصوب بالفتحة الظاهرة ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة {أَبى} فعل ماض معتل بالألف مبني بفتحة مقدرة، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة الفعلية في محل النصب حال من إبليس؛ أي: حالة كونه آبيا وممتنعا من السجود {وَاسْتَكْبَرَ} فعل وفاعل مستتر معطوف على أبى؛ أي: ومستكبرا {وَكانَ} الواو عاطفة، أو حالية، أو استئنافية {كانَ} فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على إبليس {مِنَ الْكافِرِينَ} خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة أبى، أو حالية، أو مستأنفة.

{وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} .

{وَقُلْنا} الواو استئنافية أو عاطفة {قُلْنا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على قلنا الأول، واختلاف الزمانين ليس علة مانعة من عطف الفعل على الفعل {يا آدَمُ

} إلى آخر الآية: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت:{يا آدَمُ} منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول قلنا {اسْكُنْ} فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره {أنت} ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قلنا أَنْتَ أن ضمير رفع منفصل في محل الرفع مؤكد للضمير المستتر في اسكن، ليصح العطف عليه {وَزَوْجُكَ} معطوف على الضمير المستتر في اسكن، كما قال ابن مالك:

وإن على ضمير رفع متصل

عطفت فافصل بالضمير المنفصل

ص: 335

{الْجَنَّةَ} مفعول به وليس بظرف؛ لأنك تقول سكنت البصرة، وسكنت الدار بمعنى: نزلت فهو كقولك: انزل من الدار حيث شئت. ذكره العكبري. {وَكُلا} الواو عاطفة {كُلا} فعل أمر للمثنى مبني على حذف النون، والألف ضمير متصل في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة اسكن {مِنْها} متعلق بكلا {رَغَدًا} منصوب على المفعولية المطلقة، لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: أكلا رغدا. {حَيْثُ} في محل النصب على الظرفية المكانية مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا {شِئْتُما} فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لحيث، والظرف متعلق بكلا. وقال العكبري: ويجوز أن يكون بدلا من الجنة، فيكون {حَيْثُ} مفعولا به {وَلا} الواو عاطفة {لا} ناهية جازمة {تَقْرَبا} فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والألف في محل الرفع فاعل {هذِهِ} مفعول به {الشَّجَرَةَ} بدل من اسم الإشارة، أو صفة له كما مر، والجملة معطوفة على جملة اسكن، أو على جملة كلا {فَتَكُونا} الفاء عاطفة سببية (تكونا) فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، والألف ضمير متصل في محل الرفع اسمها {مِنَ الظَّالِمِينَ} جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر تكونا، وجملة تكونا صلة أن المصدرية، وأن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر، متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن قربانكما لهذه الشجرة فكونكما من الظالمين، ويجوز كون الفاء لمجرد العطف، والفعل مجزوم بالعطف على ما قبله.

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ} .

{فَأَزَلَّهُمَا} الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه المقام، تقديره: فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، {فَأَزَلَّهُمَا} (أزل) فعل ماض، و (الهاء) ضمير متصل في محل النصب مفعول به، {الشَّيْطانُ} فاعل {عَنْها} متعلق بأزلهما، وإن شئت قلت: الفاء فاء الفصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهما اسكن أنت وزوجك الجنة. الخ. وأردت بيان حالهما بعد

ص: 336

ذلك فأقول لك: أزلهما، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة {فَأَخْرَجَهُما} الفاء عاطفة {أخرجهما} فعل وفاعل مستتر يعود على الشيطان، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة أزلهما {مِمَّا} من حرف جر مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ما {ما} اسم موصول في محل الجر بمن، الجار والمجرور متعلق بأخرجا {كانا} كان فعل ماض ناقص، والألف ضمير للمثنى الغائب في محل الرفع اسمها {فِيهِ} جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر كان، تقديره: مما كانا كائنين فيه، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد ضمير، فيه {وَقُلْنَا} الواو عاطفة أو استئنافية {قُلْنَا} فعل وفاعل معطوف على قوله:{فَأَزَلَّهُمَا} ، أو مستأنفة {اهْبِطُوا} فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقول قلنا {بَعْضُكُمْ} مبتدأ {لِبَعْضٍ} متعلق بعدو، أو بمحذوف حال من عدو؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها و {عَدُوٌّ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل اهبطوا، تقديره: اهبطوا حالة كونكم متعادين {وَلَكُمْ} الواو عاطفة أو استئنافية {لَكُمْ} خبر مقدم {فِي الْأَرْضِ} متعلق بمستقر و {مُسْتَقَرٌّ} مبتدأ مؤخر {وَمَتاعٌ} معطوف على مستقر {إِلى حِينٍ} متعلق بمحذوف صفة لمتاع؛ أي: ممتد إلى حين؛ أي: إلى يوم القيامة، أو متعلق بمتاع؛ لأنه اسم مصدر بمعنى التمتع، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله بعضكم لبعض عدو، على كونها حالا من فاعل اهبطوا؛ أي: اهبطوا حالة كونكم متعادين، ومستحقين الاستقرار في الأرض والتمتع إلى حين، أو الجملة مستأنفة.

{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} .

{فَتَلَقَّى} الفاء استئنافية أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهم اهبطوا، أو أردت بيان عاقبة أمر آدم بعد ذلك، فأقول: تلقى آدم {تلقى} فعل ماض و {آدَمُ} فاعل {مِنْ رَبِّهِ} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتلقى {كَلِماتٍ} مفعول به منصوب بالكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. وقرىء بنصب آدم على المفعولية، ورفع كلمات على الفاعلية، كما مرّ

ص: 337

في مبحث القراءة {فَتابَ} الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: فقالها فتاب عليه (تاب) فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله {عَلَيْهِ} متعلق بتاب، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والمحذوفة معطوفة على جملة تلقى {إِنَّهُ} ناصب واسمه {هُوَ} ضمير فصل، أو حرف عماد، ويجوز أن يكون مبتدأ {التَّوَّابُ} خبر أول لإن {الرَّحِيمُ} خبر ثان لها، ويجوز أن يكونا خبرين لهو، والجملة الإسمية خبر لإن، وجملة إن مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها.

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)} .

{قُلْنَا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {اهْبِطُوا} فعل وفاعل، والجملة مقول لقلنا مِنْها متعلق باهبطوا {جَمِيعًا} حال من فاعل اهبطوا؛ أي: مجتمعين في الهبوط في زمان واحد، أو في أزمنة متفرقة {فَإِمَّا} الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: فعاهدنا عليهم، أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهم اهبطوا، وأردت بيان ما عاهد عليهم بعد الهبوط، فأقول لك: قال الله لهم: إما يأتينكم مني هدى {إن} حرف شرط جازم يجزم فعلين، مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ما الزائدة و {ما} زائدة زيدت: لتأكيد معنى الكلام {يَأْتِيَنَّكُمْ} {يأتين} فعل مضارع في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، مبني على الفتح، الكاف ضمير لجماعة الذكور المخاطبين في محل النصب مفعول به، والميم حرف دال على الجمع {مِنِّي} جار ومجرور متعلق بيأتينكم {هُدىً} فاعل {فَمَنْ} الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبا؛ لكون الجواب جملة اسمية {من} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله {تَبِعَ} فعل ماض في محل الجزم بمن الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على من {هُدايَ} مفعول به ومضاف إليه {فَلا} الفاء رابطة لجواب من الشرطية وجوبا؛ لكون الجواب جملة اسمية {لا} نافية ملغاة لا عمل لها لتكررها {خَوْفٌ} مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة؛ تقدم النفي عليها {عَلَيْهِمْ} متعلق بمحذوف خبر

ص: 338

المبتدأ، ولك أن تعمل لا عمل ليس، فخوف اسمها، وعليهم خبرها، والجملة الإسمية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة من الشرطية في محل الجزم جواب إن الشرطية، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة {وَلا} الواو عاطفة {لا} زائدة؛ زيدت لتأكيد نفي ما قبلها {هُمْ} مبتدأ، وجملة {يَحْزَنُونَ} خبره، والجملة الإسمية في محل الجزم، معطوفة على جملة قوله فلا خوف، على كونها جوابا لمن الشرطية.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39)} .

{وَالَّذِينَ} الواو عاطفة {الَّذِينَ} مبتدأ، وجملة {كَفَرُوا} صلة الموصول {وَكَذَّبُوا} معطوف على كفروا على كونه صلة الموصول {بِآياتِنا} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكذبوا لقربه، أو بكفروا لسبقه {أُولئِكَ} مبتدأ ثان {أَصْحابُ النَّارِ} خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره، في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول وخبره في محل الجزم، معطوفة على جملة من الشرطية، على كونها جوابا لأن الشرطية {هُمْ} مبتدأ {فِيها} متعلق بخالدون {خالِدُونَ} خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من أصحاب النار، أي: حالة كونهم مقدرا خلودهم فيها. وفي العكبري، وقيل: يجوز أن تكون الجملة حالا من النار؛ لأن في الجملة ضميرا يعود عليها، ويكون العامل في الحال معنى الإضافة، أو اللام المقدرة. انتهى. والله أعلم.

التصريف ومفردات اللغة

{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ} {وَإِذْ} اسم ثنائيّ الوضع مبني؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا، أو افتقاريا، وهو ظرف زمان للماضي، وما بعده جملة اسمية، أو فعلية، وإذا كانت فعلية، قبح تقديم الاسم على الفعل، وإضافته إلى المصدرة بالمضارع، وعمل المضارع فيه، مما يجعل المضارع ماضيا، وهو ملازم للظرفية، إلا أن يضاف إليه زمان، ولا يكون مفعولا به، ولا حرفا للتعليل، أو للمفاجأة، ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافا لزاعمي ذلك. ولها أحكام غير هذا مذكورة في كتب النحو {قالَ} أصله: قول بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح

ص: 339

ما قبلها فقلبت ألفا، فصار قال:{لِلْمَلائِكَةِ} جمع ملك وميمه أصلية، وهو فعل من الملك، وهو القوة ولا حذف فيه، وجمع على فعائلة شذوذا، قاله أبو عبيدة، وكأنهم توهّموا أنه ملاك على وزن فعال، وقد جمعوا فعالا المذكر والمؤنث على فعائل قليلا. وقيل: وزنه في الأصل فعأل، نحو: شمأل، ثم نقلوا الحركة وحذفوا. وقيل: غير ذلك مما لا يسعه هذا المختصر. والملك: جسم لطيف قادر على التشكل بأشكال مختلفة {إِنِّي جاعِلٌ} ؛ أي: خالق أو مصيّر، ولم يذكر الزمخشري غيره {خَلِيفَةً} مفعول به على الأول، وعلى الثاني هو المفعول الأول، وفي الأرض هو الثاني قدم عليه. اه. «كرخي» كما مرّ. وصيغة اسم الفاعل في قوله جاعل بمعنى المستقبل، كما ذكره أبو السعود. والخليفة: من يخلف غيره، وينوب منابه فعيل بمعنى فاعل، والتاء للمبالغة، وهو من خلف من باب كتب، كما في «القاموس» .

{وَيَسْفِكُ} وفي «المصباح» وسفك الدم أراقه، وبابه ضرب، وفي لغة: من باب قتل، وقرىء بهما كما مرّ في مبحث القراءة {الدِّماءَ} جمع دم، أصله: دمي، أو دمو، والهمزة في الدماء: إما مبدلة من واو، أو ياء. والثاني: هو مذهب سيبويه، وظاهر كلام صاحب القاموس. والأول ظاهر كلام الجوهري، حيث صدر به، وعلى كلا التقديرين تطرّفت الواو، أو الياء إثر ألف زائدة فقلبت همزة، وهذا أمر مطرد، سواء أكان أصله دماو، أو دماي {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} التسبيح تنزيه لله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله: من السّبح وهو الجري، والمسبّح جار في تنزيه لله تعالى {وَنُقَدِّسُ لَكَ} والتقديس التطهير، ومنه بيت المقدس، والأرض المقدسة،

ومنه القدس للسطل الذي يتطهر به، وقال الزمخشري: من قدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد.

وفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس، وإن كان ظاهر كلامهم ترادفهما أن التسبيح بالطاعات، والعبادات، والتقديس بالمعارف في ذات الله تعالى، وصفاته، وأفعاله؛ أي: التفكر في ذلك. اه. «كرخي» .

{وَعَلَّمَ} وزنه فعل المضعّف، منقول من علم التي تتعدّى لواحد، فرقوا بينها وبين علّم التي تتعدى لاثنين في النقل، فعدوا تلك بالتضعيف، وهذه

ص: 340

بالهمزة، قاله الاستاذ أبو علي الشلوبين {آدَمَ} أصله: أأدم بهمزتين مفتوحة وساكنه، فأبدلت الثانية حرف مدّ للأولى. وفي «البحر» آدم: اسم أعجمي كآزر، وعابر، ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، ومن زعم أنه أفعل مشتق من الأدمة وهي كالسمرة، أو من أديم الأرض وهو وجهها، فغير صواب؛ لأن الاشتقاق من خواص الألفاظ العربية، قد نص التصريفيّون على أنه لا يكون في الأسماء الأعجمية. وقيل: هو عربيّ من الإدام وهو التّراب، ومن زعم أنه فاعل من أديم الأرض، فخطؤه ظاهر؛ لعدم صرفه. وأبعد الطبري في زعمه أنه فعل رباعي سمّي به، ومن هذا الخطإ محاولتهم اشتقاق يعقوب من العقب، وإبليس من الإبلاس، وإذن: يحقّ لنا أن نتساءل: لم منعت هذه الأعلام من الصرف لولا العلمية والعجمة، فتنبّه لهذا الفصل.

{الْأَسْماءَ} وزنه أفعال، والهمزة فيه على الصحيح مبدلة من واو؛ لأنه من السمو، كما مرّ في مبحث البسملة؛ أي: علّمه الأسماء لفظا، ومعنى، وحقيقة مفردا، ومركبا، كأصول العلم، فإن الاسم باعتبار الاشتقاق علامة للشيء، ودليله الذي يرفعه إلى الذهن؛ أي: يوصله إلى الفطنة. والمراد بالاسم: ما يدلّ على معنى، ولو كان ذاتا وجرما فهو أعمّ من الاسم، والفعل، والحرف. اه. «كرخي» .

{ثُمَّ عَرَضَهُمْ} العرض: إظهار الشيء حتى تعرف جهته {فَقالَ أَنْبِئُونِي} والإنباء: الإخبار، ويتعدى فعله لواحد بنفسه، ولثان بحرف جر، ويجوز حذف ذلك الحرف، ويضمّن بمعنى أعلم فيتعدى إلى ثلاثة.

{قالُوا سُبْحانَكَ} وسبحان: مصدر كغفران، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، كمعاذ الله، ولا يجوز إظهاره {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} وهما فعيل بمعنى فاعل، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه، والحكمة لغة: الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حكمة الدابة. والحكيم: صفة ذات إن فسّر بذي الحكمة، وصفة فعل إن فسّر بأنه المحكم لصنعته {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} أصله: أقول، فدخل على الفعل المضارع الجازم وهو لم، فسكن حرفه الأخير لمّا جزم، فصار اللفظ أقول، فالتقى ساكنان الواو ولام الفعل، فحذفت الواو فقيل: أقل على وزن أفل، وهكذا كلّ ما كان من هذا القبيل {ما تُبْدُونَ} أصله: تبديون

ص: 341

بوزن تفعلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء، ثم ضمت الدال لمناسبة الواو {وَما كُنْتُمْ} أصله: كون بوزن فعل أجوف واويّ مفتوحها، أبدلت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح، ولمّا أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، سكّن آخره فالتقى ساكنان الألف وآخر الفعل النون، فصار اللفظ كانت، فحذفت الألف؛ لالتقاء الساكنين، فصار اللفظ كنت بوزن فلت، ولحذف عينه احتيج إلى معرفة العين المحذوفة، هل هي واو، أو ياء؟ فحذفت حركة فاء الفعل، وعوّض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة؛ لتدل عليها وهي هنا الضمة؛ لأنها هي التي تجانس الواو، فقيل: كنتم بوزن فلتم، وهكذا كلّ فعل أجوف واوي العين أسند إلى ضمير الرفع المتحرك {إِلَّا إِبْلِيسَ} في «المصباح» وأبلس إبلاسا، إذا سكت غمّا وأبلس أيس، وفي «التنزيل» فإذا هم مبلسون وإبليس أعجمي، ولهذا لا ينصرف للعلمية والعجمة. وقيل: هو عربي مشتق من الإبلاس وهو اليأس. ورد بأنه لو كان عربيا لانصرف كما تنصرف نظائره. اه. من «السمين» .

{أَبى} ؛ أي: امتنع وأنف من السجود لآدم، وأصله: أبي بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا {وَاسْتَكْبَرَ}؛ أي: تكبّر وتعاظم في نفسه، والسين للمبالغة لا للطلب، وإنما قدم الإباء على الاستكبار، وإن كان متأخرا عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار، فإنه من أفعال القلوب.

واقتصر في (سورة ص) على ذكر الاستكبار؛ اكتفاء به، وفي (سورة الحجر) على ذكر الإباء حيث قال:{أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} {وَكُلا} أمر من أكل، وقياس الثلاثي إذا بني منه الأمر، أن يؤتى قبله بهمزة وصل؛ توصلا للنطق بالساكن، كما في اضرب، واصبر، لكن فاء الفعل الساكنة، حذفت من هذا الأمر شذوذا في القياس غالبا، كما حذفت من الأمر من أخذ وأمر، ومعنى قولي شذوذا في القياس: أنّ استعمالها فاش {رَغَدًا} الرّغد: الهنيء الذي لا عناء فيه، أو الواسع. يقال: رغد عيش القوم، إذا كانوا في رزق واسع كثير، وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش {حَيْثُ شِئْتُما} أصله شيء بوزن فعل بكسر العين، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار شاء، ثمّ أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، فسكن آخره، فالتقى ساكنان الألف والهمزة آخر الفعل،

ص: 342

فحذفت الألف، فصار اللّفظ شأت بوزن فلت، لحذف عينه، فاحتيج إلى معرفة حركة العين المحذوفة، فحذفت حركة فاء الفعل، ونقلت إليها حركة العين المحذوفة وهي الكسرة، كما تقدم، فقيل: شئتما بوزن فلتما {وَلا تَقْرَبا} في «المصباح» قرب الشيء منا قربا، وقرابة، وقربة، وقربى؛ أي دنا وقربت الأمر أقربه، من باب تعب، وفي لغة: من باب قتل، قربانا بالكسر، فعلته، أو دانيته، ومن الأول ولا تقربوا الزنا، ومن الثاني لا تقرب الحمى؛ أي: لا تدن منه. اه. {فَتَكُونا} أصله تكونان بوزن تفعلان، نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فسكنت الواو إثر ضمة فصارت حرف مد، ثم حذفت نون الرفع لما نصب الفعل بأن المضمرة بعد الفاء السببية، فوزنه تفعلا {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ}؛ أي: أصدر زلتهما وحملهما على الزلّة بسببها، وفي «المصباح» زلّ عن مكانه زلا، من باب ضرب نحى عنه، وزل زللا من باب تعب لغة، وزل في منطقه، أو فعله يزل، من باب ضرب زلة أخطأ. اه.

والزلل: السقوط. يقال: زل في طين، أو منطق، يزل بالكسر زللا. وقال الفراء: زل يزل بالفتح زللا، وأصله: أزللهما، نقلت حركة اللام الأولى إلى الزاي، فسكنت فأدغمت في اللام الثانية. وقرأ حمزة بمدّ الزاي وتخفيف اللام من الإزالة، وأصله:

أزولهما، نقلت حركة حرف العلة الواو إلى الساكن الصحيح قبله، ثم قلبت الواو ألفا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.

{مِمَّا كانا فِيهِ} أصله كون، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ثم ألحق به ألف الاثنين، فصار كانا {اهْبِطُوا} والهبوط، كما قال الرّاغب الانحدار على سبيل القهر، ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة، فسمّي الخروج منها هبوطا، أو سمّي بذلك؛ لأنّ ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه، أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد، كقوله لبني إسرائيل {اهْبِطُوا مِصْرًا} {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أصله عدوو بوزن فعول، أدغمت الواو الأولى واو فعول في الواو لام الكلمة، وأفرد لفظ عدوو إن كان المراد به جمعا لأحد وجهين: إمّا اعتبارا بلفظ بعض، فإنه مفرد، وإما لأن عدوّا أشبه المصادر في الوزن، كالقبول، ونحوه. وقد صرّح أبو البقاء، بأن بعضهم جعل عدوا مصدرا. اه. «سمين» {مُسْتَقَرٌّ} والمستقر: الاستقرار والبقاء، وأصله مستقرر بوزن مستفعل، إما اسم مكان، أو مصدر

ص: 343

ميمي، نقلت حركة الراء الأولى إلى القاف، فسكنت وأدغمت في الراء الثانية {وَمَتاعٌ} والمتاع الانتفاع الذي يمتد وقته {إِلى حِينٍ} والحين: مقدار من الزمن قصيرا كان أو طويلا {فَتَلَقَّى آدَمُ} وتلقي الكلمات: هو أخذها بالقبول والعمل بها حين علمها، وأصله تلقّي بوزن تفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا {فَتابَ عَلَيْهِ} أصله توب بوزن فعل واويّ العين؛ لأنّ مصدره توبة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا {جَمِيعًا} حال من فاعل اهبطوا؛ أي: مجتمعين، إما في زمان واحد، أو في أزمنة متفرقة؛ لأنّ المراد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين جاؤا جميعا، وجاؤوا معا، فإن قولك معا يستلزم مجيئهم جميعا في زمن واحد؛ لما دلّت عليه من الاصطحاب، بخلاف جميعا، فإنها إنما تفيد أنه لم يتخلف أحد منهم عن المجيء، من غير تعرض لاتحاد الزمان. اه. «سمين» .

{فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ} والهدى: الرشد بإرسال رسول بشريعة يأتي بها، وكتاب ينزله ويبلّغه لكم {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} والخوف: ألم الإنسان مما يصيبه من مكروه، أو حرمانه من محبوب، يتمتّع به أو يطلبه {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} والحزن: ألم يلمّ به إذا فقد ما يحب {بِآياتِنا} جمع آية، وهي: العلامة الظاهرة، والمراد بها: كلّ ما يدلّ على وجود الخالق ووحدانيته، مما أودعه في الكون ونشاهده في الأنفس، وتطلق على كلّ قسم من أقسام القرآن، التي تتألّف منها سورة القرآن، ويقف القارىء عندها في تلاوته. والعمدة في معرفة ذلك، على التوقيف المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمّيت بذلك؛ لأنها دلائل لفظية على الأحكام والآداب، التي شرعها الله سبحانه لعباده. وأصل آية عند الخليل: أيية بوزن فعلة، أبدلت الياء الأولى ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكان القياس إبدال الثانية ألفا وتصحيح الأولى؛ لأن القاعدة المعروفة، أنه إذا استحق حرفان متواليان الإعلال، صحح الأول منهما، وأعلّ الثاني، ولا يعلان معا:

لئلا يجتمع إعلالان متواليان في كلمة، كما قال ابن مالك:

وإن لحرفين ذا الإعلال استحقّ

صحّح أوّل وعكس قد يحق

وأشار بقوله: وعكس قد يحق إلى ما هنا في الآية، وكذلك لفظ راية.

ومذهب الكسائي: أن آية أصله آيية بوزن فاعلة، حذفت الياء الأولى؛ لئلا تدغم

ص: 344

في الثانية، كما فعلوا في دابّة، وكافّة. ومذهب سيبويه: أن أصلها أوية، حكاه عن الجوهري، وقيل في أصلها غير ذلك، ومذهب الخليل أصوب.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: التعريض بعنوان الربوبية في قوله: {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ} مع الإضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للتشريف والتكريم لمقامه العظيم.

ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: {لِلْمَلائِكَةِ} على المقول؛ للاهتمام بما قدم؛ وللتشويق إلى ما أخر.

ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ} .

ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: {لِلْمَلائِكَةِ} ؛ لأن المراد بهم هنا، سكان الأرض من الملائكة بعد الجان على ما قيل.

ومنها: عطف الخاص في قوله: {وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} على العام في قوله:

{مَنْ يُفْسِدُ} ؛ اهتماما بشأن الدماء.

ومنها: العطف للتأكيد في قوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} ؛ لأنه كالتوكيد للتسبيح؛ لأن التقديس هو التطهير، والتسبيح هو التنزيه والتبرئة من السوء، فهما متقاربان في المعنى ذكره في «البحر» .

ومنها: الأمر الذي أريد به التعجيز في قوله: {أَنْبِئُونِي} مبالغة في التبكيت.

ومنها: إطلاق الأسماء مرادا بها المسميات في قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ} ؛ أي: مسميات الأسماء، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.

ومنها: المجاز بالحذف في قوله: {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ} ؛ لأن قبله محذوف، تقديره: فأنبأهم بها، فلما أنبأهم بأسمائهم.

ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} ؛

ص: 345

لأن الميم في هم علامة لجمع الذكور العقلاء، ولو لم يغلب لقال: ثمّ عرضها، أو عرضهن.

ومنها: الحذف في قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} ؛ لأن جوابه محذوف، تقديره: إن كنتم صادقين فأنبئوني، يدل عليه أنبئوني السابق.

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا} .

ومنها: إبراز الفعل في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ} ثمّ قال: {وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ} للاهتمام بالخبر، والتنبيه على إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإطناب.

ومنها: الطباق بين السموات وبين الأرض في قوله: {غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} وبين {ما تُبْدُونَ} وبين {ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} في قوله: {وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} هذا وإنّ الطباق من الألفاظ التي خالفت مضمونها، ولذلك سماه بعضهم بالتضادّ والتكافؤ، وهو الجمع بين معنيين متضادين، ولا مناسبة بين معنى المطابقة لغة، وبين معناها اصطلاحا، فإنها في اللغة الموافقة يقال: طابقت بين الشيئين، إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر، وابن الأثير يعجب من هذه التسمية؛ لأنه لا يعرف من أين اشتقت هذه التسمية، إذ لا مناسبة بين الاسم ومسماه، وابن قدامة يسميه التكافؤ، ولا فرق بين أن يكون التقابل حقيقيا، أو اعتباريا، أو تقابل السلب والإيجاب، ومن طباق السلب، قول السموءل اليهوديّ:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم

ولا ينكرون القول حين نقول

فقد طابق بين ننكر وهو إيجاب، وبين ولا ينكرون وهو سلب، وقد يصح الطباق مقابلة حين يؤتى بمعنيين، أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب، كقول البحتري:

فإذا حاربوا أذلّوا عزيزا

وإذا سالموا أعزّوا ذليلا

ومنها: التعبير بصيغة الجمع في قوله: {وَإِذْ قُلْنا} للتعظيم؛ لأنه صيغة مكالمة الأكابر، وهي معطوفة على قوله:{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ} وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم؛ لتربية المهابة؛ وإظهار الجلالة.

ص: 346

ومنها: إفادة الفاء في قوله: {فَسَجَدُوا} التعقيب؛ لأنها دلت على أنهم سارعوا في الامتثال، ولم يثبّطوا فيه، وفيه أيضا: الإيجاز بالحذف؛ لأن التقدير فسجدوا له، وكذلك قوله:{أَبى} مفعوله محذوف تقديره؛ أي: أبى السجود.

ومنها: التعبير في النهي عن الأكل بالنهي عن القربان في قوله: {وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ} لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ، كقوله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى} فنهى عن القرب من الزنا؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه.

ومنها: الإبهام في قوله: {مِمَّا كانا فِيهِ} فإنه أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات، مما لو قيل من النعيم أو الجنة؛ لأنّ من أعظم أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء وفخامته، أن يعبّر عنه بلفظ مبهم، كما هنا، لتذهب نفس السامع في تصوّر عظمته إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.

ومنها: التعبير بقوله: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ؛ أي: كثير التوبة واسع الرحمة؛ لأن فعالا وفعيلا من صيغ المبالغة.

ومنها: التكرار في قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا} تأكيدا لما قبله، وتوطئة لما بعده.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

فائدة: قال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحطّ عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة، لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية، فقال:{ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ} .

وقال الشاعر:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

جاءت محاسنه بألف شفيع

والله أعلم

* * *

ص: 347

قال الله سبحانه جل وعلا:

{يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} .

المناسبة

قوله تعالى: {يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (1) خطاب المكلفين عموما في أول السورة، ثم ثنّى بمبدأ خلق آدم عليه السلام، وقصته مع إبليس اللعين، ثلّث هنا بذكر بني إسرائيل، سواء كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم أو قبله، وما يتعلق بهم من هنا إلى قوله:{سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ} فعدّد عليهم نعما عشرا، وقبائح عشرا، وانتقامات عشرا.

والحكمة في ذكر بني إسرائيل (2)، الذين تقدموا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لم يخاطبوا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ من كان في زمنه صلى الله عليه وسلم يدّعي أنه على قدمهم، وأنه متبع لهم، وأن أصولهم كانوا على شيء، فلذلك تبعوهم. فبين

(1) الصاوي.

(2)

الصاوي.

ص: 348

سبحانه وتعالى النعم التي أنعم بها على أصولهم، وبين لهم أنهم قابلوا تلك النعم بالقبائح، وبين أنه أنزل عليهم العقاب؛ ليعتبر من يأتي بعدهم.

وحكمة تخصيصهم بالخطاب: أن السورة أول ما نزل بالمدينة، وأهل المدينة كان غالبهم يهودا، وهم أصحاب كتاب وشوكة، فإذا أسلموا، أو انقادوا، انقاد جميع أتباعهم، لذلك توجّه الخطاب لهم.

قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما ذكر الله سبحانه وتعالى أولا نعمه على بني إسرائيل إجمالا، ذكر هنا أنواع تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في ذكرها وأدعى لشكرها، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، واذكروا إذ فرقنا بكم البحر، واذكروا إذ واعدنا موسى، وإذ آتينا موسى الكتاب، إلى آخر ما عدده من النعم عليهم، وكل هذه النعم تستدعي شكر المنعم جل وعلا، لا كفرانه وعصيانه.

أسباب النزول

قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ

} الآية، سبب نزول هذه الآية (1): ما أخرجه الواحدي، والثعلبي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:(نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره، ولذوي قرابته، ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين، أثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل، فإنّ أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه).

وعبارة أبي حيان هنا قوله تعالى: {يا بَنِي إِسْرائِيلَ

} الآيات، هذا (2) افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى، ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة، وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكتاب، وأن فيه هدى للمؤمنين، ثم أعقب ذلك بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة، ثم بذكر المنافقين، وذكر جمل من أحوالهم، ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى، ثم ذكر إعجاز القرآن إلى غير ذلك مما ذكره،

(1) لباب النقول.

(2)

البحر المحيط.

ص: 349