الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كهانته، وسمّوا شياطين؛ لبعدهم عن الحقّ، فإنّ الشّطون هو البعد، كذا في «التيسير» .
والمعنى: أي وإذا انفردوا عن المؤمنين، ورجعوا إلى شياطينهم؛ أي: إلى كبرائهم، ورؤسائهم في الضلال والنفاق الذين شابهوا الشياطين في تمردهم وعتوهم، أو إلى كهنتهم. {قالُوا}؛ أي: قال هؤلاء المنافقون لرؤسائهم: {إِنَّا مَعَكُمْ} : أي: مصاحبوكم، وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم في حال من الأحوال. وكأنه قيل لهم عند قولهم:{إِنَّا مَعَكُمْ} : فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الشهادة، وتشهدون مشاهدهم، وتدخلون مساجدهم، وتحجون، وتغزون معهم؟ فقالوا:{إِنَّما نَحْنُ} في إظهار الإيمان عند المؤمنين {مُسْتَهْزِؤُنَ} بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة، فنريهم أنا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا، وإنما نكون معهم ظاهرا؛ لنشاركهم في غنائمهم، وننكح بناتهم، ونطّلع على أسرارهم، ونحفظ أموالنا، وأولادنا، ونساءنا من أيديهم.
والاستهزاء: التجهيل للغير، والسخرية به، والاستخفاف به.
والمعنى: إنّا نجهّل محمدا وأصحابه، ونسخر بهم بإظهارنا الإسلام.
وقرىء {مُسْتَهْزِؤُنَ} بتحقيق الهمزة، وهو الأصل، وبقلبها ياء مضمومة؛ لانكسار ما قبلها، ومنهم من يحذف الياء؛ تشبيها بالياء الأصلية في نحو: يرمون، ذكره في «البحر» .
15
- فردّ الله عليهم بقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي: يجازيهم على استهزائهم، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم، أو ينزل الحقارة بهم والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزىء بهم، أمّا في الدنيا: فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال، والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة: فبما يروى: أنّه يفتح لهم بابا إلى الجنة، وهم في جهنّم، فيسرعون نحوه، فإذا وصلوا إليه سدّ عليهم الباب، وردّوا إلى جهنم. والمؤمنون على الأرائك في الجنة، ينظرون إليهم، فيضحكون لهم كما ضحكوا من المؤمنين في الدنيا، فذلك بمقابلة هذا،
ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرّة.
قال ابن كثير: وهذا إخبار من الله تعالى أنّه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء، مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقّوا العقاب عليه. فاللفظ متفق والمعنى مختلف، كقوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} ؛ لأنّ الأول ظلم والثاني عدل.
{وَيَمُدُّهُمْ} ؛ أي: يزيدهم، ويقويهم من مدّ الجيش وأمده؛ إذا زاده وقوّاه، لا من المدّ في العمر، فإنّه يعدى باللام كأملي لهم. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير وَيَمُدُّهُمْ. {فِي طُغْيانِهِمْ} متعلّق بيمدّهم. والطغيان: مجاوزة الحد في كلّ أمر، والمراد هنا: إفراطهم في العتوّ، وغلّوهم في الكفر. وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم، وتأييد لما أشير إليه من ترتب المدّ على سوء اختيارهم.
والمشهور فتح الياء من {يَمُدُّهُمْ} . وقرىء شاذا بضمّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بمعنى واحد، ونسبت هذه القراءة إلى ابن محيص، وشبل، وابن كثير، كما مرّ.
حالة كونهم {يَعْمَهُونَ} فيه؛ أي: يتردّدون في الضلالة، متحيّرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم. وهو حال من الضمير المنصوب، أو المجرور، لكون المضاف مصدرا، وهو مرفوع حكما. والعمه في البصيرة، كالعمى في البصر، وهو التحيّر والتردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه.
والمعنى: أي يزيدهم بطريق الإمهال والترك في طغيانهم، وضلالتهم، وكفرهم حالة كونهم يعمهون؛ أي: يتردّدون ويتحيّرون في طغيانهم، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأنّ الله طبع قلوبهم، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشدا، ولا يهتدون سبيلا، أو المعنى: يتردّدون في البقاء على الكفر وتركه، والدخول في الإيمان.
والمراد بالعمه: عدم معرفة الحقّ من الباطل، فمنهم: من يظهر له وجه الحقّ، ويكفر عنادا ومنهم: من يشكّ في الحقّ ويقال له: عمي أيضا. فبين العمه والعمى عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في طمس القلب، وينفرد العمى بفقد البصر.