الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَنَعْلَمُ} في الأول {أَنَّ مِنْكُمْ} أيها الناس {مُكَذِّبِينَ} بالقرآن، فنجازيهم على تكذيبهم. قال الإِمام مالك رحمه الله تعالى: ما أشد هذه الآية على هذه الأمة. وفي الآية وعيد شديد لا يخفى. والظاهر (1): أن قوله: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)} وما بعده معطوف على جواب القسم، فهو من جملة المقسم عليه، وما بينهما اعتراض اهـ شيخنا.
والمعنى: أي وإنّ هذا القرآن .. لعظة وذكرى لمن يخشى عقاب الله فيطيع أوامره وينتهي عما نهى عنه. وخص المتقين بالتذكرة والعظة؛ لأنّهم هم الذين ينتفعون بها. {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49)} له بسبب حبكم للدنيا وحسدكم للداعي، وإنا لنجازيكم على ذلك بما تستحقون إظهارًا للعدل.
والخلاصة: أنّ منكم من اتقى الله فتذكر بهذا القرآن وانتفع به، ومنكم من مال إلى الدنيا فكذب به وأعرض عنه.
50
- {وَإِنَّهُ} ؛ أي: وإن هذا القرآن {لَحَسْرَةٌ} وندامة {عَلَى الْكَافِرِينَ} المكذبين له يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين المصدقين به، أو حسرة عليهم في الدنيا حين رأوا دولة المؤمنين أو حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله. ويجوز (2) أن يعود الضمير إلى التكذيب المدلول عليه بقوله {مُكَذِّبِينَ} .
51
- {وَإِنَّهُ} ؛ أي: وإن هذا القرآن ككونه من عند الله {لَحَقُّ الْيَقِينِ} ؛ أي: للحق اليقين الذي لا يحول حوله ريب، ولا يتطرق إليه شك في أنه من عند الله، لم يتقوله محمد صلى الله عليه وسلم. فالحق واليقين صفتان بمعنى واحد، أضيف أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه كحب الحصيد للتأكيد، فإن الحق هو الثابت الذي لا يتطرق إليه الريب، وكذا اليقين.
52
- {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)} ؛ أي: فسبح الله سبحانه وتعالى يا محمد ونزهه عما لا يليق به بذكر اسمه العظيم بأن تقول سبحان الله تنزيهًا له عن الرضى بالتقول عليه وشكرًا له على ما أوحى به إليك من هذا القرآن الجليل الشأن. فمفعول سبح محذوف، والباء في {بِاسْمِ رَبِّكَ} للاستعانة (3) كما في ضربته
(1) الفتوحات.
(2)
روح البيان.
(3)
روح البيان.
بالسوط، فهو مفعول ثان بواسطة حرف الجر على حذف المضاف، و {الْعَظِيمِ} صفة الاسم، ويحتمل أن يكون صفة {رَبِّكَ} ، و {اسم} مقحم، ويؤيده ما روى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: "اجعلوها في ركوعكم". فالتزم ذلك بعض العلماء، كما في "فتح الرحمن". وفي "التأويلات النجمية": نزه تنزيهًا وقدس عن التشبيه اسم ربك؛ أي: مسمى ربك؛ إذ الاسم عين المسمى عند أرباب الحق وأهل الذوق انتهى. وقيل: إن لفظة {بِاسْمِ} زائدة. وعبارة "الخازن"؛ أي: نزه ربك العظيم، واشكره على أنْ جعلك أهلًا لأن يوحى إليك تأمل، انتهت.
الإعراب
{الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)} .
{الْحَاقَّةُ (1)} مبتدأ أوّل أو صفة لمحذوف؛ أي: القيامة الحاقة أو الساعة الحاقة. {مَا} اسم استفهام تعظيمي في محل الرفع مبتدأ ثان، {الْحَاقَّةُ (2)} خبر لـ {ما} الاستفهامية، والجملة خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة استئنافًا نحويًا لا محل لها من الإعراب. {وَمَا} {الواو}: عاطفة، {ما} اسم استفهام للتعظيم أيضًا في محل الرفع مبتدأ، {أَدْرَاكَ} فعل ماض وفاعل مستتر، والكاف مفعول أول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ {مَا} الاستفهامية، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مستأنفة. {وَمَا} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {الْحَاقَّةُ} خبر لـ {مَا} ، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني والثالث لـ {أَدْرَاكَ} ؛ لأن أدرى بمعنى أعلم، ينصب ثلاثة مفاعيل، وقد علّقت {أَدْرَاكَ} عن العمل بالاستفهام.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ} فعل وفاعل، {وَعَادٌ} معطوف على ثمود، {بِالْقَارِعَةِ} متعلق بـ {كَذَّبَتْ} والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحوال الحاقة. {فَأَمَّا} {الفاء}: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن ثمود وعادًا كذبتا، وأردت بيان عاقبة تكذيبهما فأقول لك. {أما} حرف شرط وتفصيل، {ثَمُوُد} مبتدأ، {فَأُهْلِكُوا} {الفاء}: رابطة لجواب {أمّا} ، واقعة في
غير موضعها؛ لأن موضعها موضع أما، حرف لا محل لها من الإعراب، {أهلكوا} فعل ماض مغيّر الصيغة ونائب فاعل، {بِالطَّاغِيَةِ} متعلق بـ {أهلكوا} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر جواب {أما} ، لا محل لها من الإعراب، وجملة {أما} في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة {إذا} المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لا محل لها من الإعراب. {وَأَمَّا} {الواو}: عاطفة، {أما} حرف شرط وتفصيل {عَادٌ} مبتدأ، {فَأُهْلِكُوا} {الفاء}: رابطة لجواب {أمّا} ، وجملة {أهلكوا} في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب {أمّا} وجملة {أمّا} في محل النصب معطوفة على جملة {أمّا} الأولى. {بِرِيحٍ} متعلق بـ {أهلكوا} ، {صَرْصَرٍ} صفة أولى لريح، {عَاتِيَةٍ} صفة ثانية لها.
{سَخَّرَهَا} فعل وفاعل مستتر يعود على الله تعالى، ومفعول به، {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {سَخَّرَهَا} ، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثالثة لـ {ريح} ، ولكنها سببية، {سَبْعَ لَيَالٍ} منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ {سَخَّرَهَا} ، {وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} معطوف عليه، {حُسُومًا} صفة لـ {سَبْعَ لَيَالٍ}. {وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ}؛ أي: متتابعات أو منصوب على المصدرية بفعل محذوف من لفظه؛ أي: تحسمهم حسومًا أو حال من مفعول {سَخَّرَهَا} ؛ أي: ذات حسوم. {فَتَرَى} {الفاء} : عاطفة، {ترى} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمّد صلى الله عليه وسلم، أو على من يصلح للخطاب، {الْقَوْمَ} مفعول به، والجملة معطوفة على جملة {سَخَّرَهَا} ، {فِيهَا} متعلق بـ {ترى} ، والضمير على الليالي والأيّام أو على الريح، {صَرْعَى} حال من القوم؛ لأن الرؤية هنا بصرية {كَأَنَّهُمْ} ناصب واسمه، {أَعْجَازُ نَخْلٍ} خبره ومضاف إليه، {خَاوِيَةٍ} صفة {نَخلٍ} ، وجملة {كأن} في محل النصب حال ثانية من القوم. {فَهَلْ} {الفاء}: استئنافية، {هل} حرف استفهام للاستفهام الإنكاري، {تَرَى} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد أو على؛ أي مخاطب، {لَهُمْ} متعلق بـ {تَرَى} ، {مِنْ} زائدة، {بَاقِيَةٍ} مفعول {ترى} ، أي: من نفس باقية، والجملة مستأنفة.
{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10)
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)}.
{وَجَاءَ فِرْعَوْنُ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على سابقها، {وَمَن} معطوف على {فِرْعَوْنُ} ، {قَبْلَهُ} ظرف متعلق بمحذوف صلة من الموصولة، {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} معطوف أيضًا على {فِرْعَوْنُ} ، {بِالْخَاطِئَةِ} متعلق بـ {جاء} ، {فَعَصَوْا} {الفاء}: عاطفة، {عصوا} فعل وفاعل، معطوف على {جاء} ، {رَسُولَ رَبِّهِمْ} مفعول به، {فَأَخَذَهُمْ} فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، معطوف على {عصوا} . {أَخْذَةً} مفعول مطلق، {رَابِيَةً} صفة لـ {أَخْذَةً} ؛ لأنّها مصدر مّرة، وليست مصدر هيئة، وإنما يستفاد معنى الهيئة من الصفة. {إِنَّا} ناصب واسمه، {لَمَّا} اسم شرط غير جازم، أو ظرفية بمعنى حين، {طَغَى الْمَاءُ} فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ {لَمَّا} ، {حَمَلْنَاكُمْ} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب {لَمَّا} لا محل لها من الإعراب، أو في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {لَمَّا} في محل الرفع خبر {إنّ} وجملة {إنّ} مستأنفة. {فِي الْجَارِيَةِ} متعلق بـ {حَمَلْنَاكُمْ} ، {لِنَجْعَلَهَا} اللام حرف جرّ وتعليل، {نجعلها} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، منصوب بـ {أن} مضمرة، {لَكُمْ} حال من {تَذْكِرَةً} لأنها صفة نكرة قدمت عليها، {تَذْكِرَةً} مفعول ثان لـ {نجعل} ، والجملة الفعلية صلة {أن} المضمرة، {أن} مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لجعلنا إيّاها تذكرة لكم، والضمير في {نجعلها} عائد على الفعلة، وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين، الجار والمجرور متعلق بـ {حَمَلْنَاكُمْ} ، {وَتَعِيَهَا} فعل ومفعول به، معطوف على {نجعلها} {أُذُنٌ} فاعل {وَاعِيَةٌ} صفة {أُذُنٌ} ، {فَإذَا} {الفاء}: استئنافية، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان، {نُفِخَ} فعل ماض مجهول، {فِي الصُّورِ} متعلق بـ {نُفِخَ} {نَفْخَةٌ} نائب فاعل، {وَاحِدَةٌ} صفة {نُفِخَ} ، والجملة الفعلية في محل، الجر مضاف إليه لـ {إذا} ، والظرف متعلق بـ {وَقَعَتِ} الآتي. {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ} فعل ونائب فاعل في محل الجر، معطوف على {نُفِخَ} ، {وَالْجِبَالُ} معطوف على الأرض، {فَدُكَّتَا} الفاء عاطفة، {دك} فعل ماض مغير الصيغة، والتاء: علامة تأنيث نائب الفاعل، والألف نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة {حملت} ، {دَكَّةً} مفعول مطلق، {وَاحِدَةً} صفة {دَكَّةً} .
{فَيَوْمَئِذٍ} {الفاء} : رابطة لجواب {إذا} ، {يوم} منصوب على الظرفية الزمانية، وهو مضاف، {إذ} ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه لـ {يوم} ، والتنوين عوض عن جملة مكونة من جملتي {نُفِخَ} و {حملت} ، والظرف متعلق بـ {وَقَعَتِ} على كونه بدلًا من {إذا} . {وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} فعل وفاعل، والجملة جواب {إذا} ، وجملة {إذا} مستأنفة. {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ} فعل وفاعل، معطوف على {وَقَعَتِ} ، {فَهِيَ} مبتدأ، والفاء: عاطفة {يَوْمَئِذٍ} ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ {وَاهِيَةٌ} ، و {وَاهِيَةٌ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {انشقت} . {وَالْمَلَكُ} مبتدأ، {عَلَى أَرْجَائِهَا} خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة {انشقت} أو حال من {السَّمَاءُ} ، {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ} فعل مضارع ومفعول به، {فَوْقَهُمْ} ظرف، متعلق بمحذوف حال من العرش؛ أي: حال كونه فوق الملائكة، {يَوْمَئِذٍ} ظرف أضيف إلى مثله، متعلق بـ {يحمل} ، {ثَمَانِيَةٌ} فاعل يحمل، والجملة معطوفة على جملة {وَقَعَتِ} ، {يَوْمَئِذٍ} ظرف متعلق بـ {تُعْرَضُونَ} ، و {تُعْرَضُونَ} فعل ونائب فاعل مرفوع بالنون، والجملة مستأنفة. {لَا} نافية، {تَخْفَى} فعل مضارع، {مِنْكُمْ} حال من {خَافِيَةٌ} ؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها، {خَافِيَةٌ} فاعل، والجملة في محل النصب حال من واو {تُعْرَضُونَ} .
{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)} .
{فَأَمَّا} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنكم تعرضون على الله وأردتم بيان حالكم بعد العرض .. فأقول لكم: {أمّا} . {أما} حرف شرط وتفصيل، {مَن} اسم موصول في محل رفع مبتدأ، {أُوتِيَ} فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، {كِتَابَهُ} مفعول ثان لـ {أُوتِيَ} ؛ لأنّه بمعنى أعطي. {بِيَمِينِهِ} متعلق بـ {أُوتِيَ} ، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. {فَيَقُولُ} الفاء رابطة لجواب {أمّا} ، واقعة في غير موضعها، {يقول} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {من} ، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ، والخبر
جواب {أمّا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {أمّا} من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. {هَاؤُمُ} {ها}: اسم فعل أمر بمعنى خذوا، مبني على السكون، والهمزة حرف دالّ على خطاب جماعة الذكور مبني على الضمّ؛ لأنها عوض عن كاف الخطاب، والميم حرف قال على جمع الذكور، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين حرف متولّد من إشباع ضمة الميم، وجملة اسم الفعل في محل النصب مقول القول. {اقْرَءُوا} فعل أمر مبني على حذف النون، و {الواو}: فاعل، والجملة في محل النصب مقول القول، {كِتَابِيَهْ} مفعول به، تنازع فيه {هَاؤُمُ} و {اقْرَءُوا} ، فأعمل الأول عند الكوفيين لسبقه، والثاني عند البصريين لقربه، وأضمر للآخر تقديره: هاؤم اقرأوه كتابيه، أو هاؤموه اقرأوا كتابيه، وأصله:(كتابي). {كتابي} مفعول منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، {كتاب} مضاف، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه مبني على الفتح، وأدخلت عليه هاء السكت لتظهر فتحة الباء، وقد تقدم بحث هاء السكت، فراجعه.
{إِنِّي} ناصب واسمه، وجملة {ظَنَنْتُ} خبره، وجملة {إن} في محل النصب مقول القول، {إِنِّي} ناصب واسمه، {مُلَاقٍ} خبره، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل، وجملة {أنَّ} المفتوحة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي {ظَنَنْتُ} ، {حِسَابِيَهْ} مفعول به لـ {مُلَاقٍ} ؛ لأنّه اسم فاعل، والياء: مضاف إليه، والهاء: حرف زائد للسكت، {فَهُوَ} الفاء فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مقالته وأردتم بيان عاقبته .. فأقول لكم: فهو في عيشة راضية، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {هو} مبتدأ، {فِي عِيشَةٍ} خبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، و {رَاضِيَةٍ} صفة لـ {عِيشَةٍ} ، {فِي جَنَّةً} جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله:{فِي عِيشَةٍ} ، {عَالِيَةٍ} صفة لـ {جَنَّةً} ، {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)} مبتدأ وخبر، والجملة صفة ثانية لـ {جَنَّةٍ} ، {كُلُوا} فعل أمر مبني على حذف النون، {والواو}: فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف أي: يقال
لهم: {كُلُوا} . {وَاشْرَبُوا} معطوف على {كُلُوا} ، {هَنِيئًا} حال من فاعل {كُلُوا وَاشْرَبُوا}؛ أي: مهنئين، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا وشربًا هنيئًا، أو منصوب بفعل محذوف؛ أي: هنئتم هنيئًا، {بِمَا}:{الباء} حرف جرّ وسبب، {ما} موصولة، الجار والمجرور متعلق بـ {هَنِيئًا} أو بـ {كُلُوا وَاشْرَبُوا} ، وجملة {أَسْلَفْتُمْ} صلة لـ {مَا} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بما أسلفتموه {فِي الْأَيَّامِ} متعلق بـ {أَسْلَفْتُمْ} ، {الْخَالِيَةِ} صفة لـ {أيام} .
{وَأَمَّا} {الواو} : عاطفة، {أمّا} حرف شرط، {مَنْ} مبتدأ، {أُوتِيَ كِتَابَهُ} فعل مغير ونائب فاعل ومفعول به ثان، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة، {بِشِمَالِهِ} متعلق بـ {أُوتِيَ} ، {فَيَقُولُ} {الفاء} رابطة لجواب {أمّا} ، وجملة {يقول} خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر جواب {أمّا} ، وجملة {أمّا} معطوفة على جملة {أمّا} الأولى، {يَا لَيْتَنِي} {يا} حرف نداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا أهل المحشر ليتني
…
إلخ. وجملة النداء في محل النصب مقول القول أو {يا} حرف تنبيه، {ليت} حرف تمنّ ونصب، تعمل عمل {إن} ، والنون للوقاية، والياء اسمها، وجملة {لَمْ أُوتَ} خبرها، و {ليت} في محل النصب مقول القول، {كِتَابِيَهْ} مفعول به ثان، والأول نائب فاعل مستتر، {وَلَمْ} {الواو}: عاطفة، {لم} حرف نفي وجزم، {أَدْرِ} فعل مضارع مجزوم بـ {لم} ، وفاعله ضمير مستتر، {مَا} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {حِسَابِيَهْ} خبرها، {والها}: للسكت، والجملة الاسمية سدّت مسدَّ مفعولي {أَدْرِ} ، علقت عنها باسم الاستفهام، والاستفهام للتعظيم والتهويل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {لم أُوتَ} . {يَا لَيْتَهَا} {يا} حرف نداء أو حرف تنبيه كما تقدم آنفًا، {ليت} حرف تمنّ ونصب، والهاء اسمها، والضمير يعود على الموتة في الدنيا، وجملة {كَانَتِ} خبر {ليت} ، وجملة {ليت} في محل النصب مقول القول، واسم كان ضمير مستتر يعود على الموتة في الدنيا، {الْقَاضِيَةَ} خبر {كان} .
{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ
فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)}.
{مَا} : نافية، {أَغْنَى} فعل ماض، {عَنِّي} متعلق بـ {أَغْنَى} ، {مَالِيَهْ} فاعل {أَغْنَى} ، ومفعول {أَغْنَى} محذوف؛ أي: ما دفع عنّي العذاب، والجملة في محل النصب مقول القول، وإن شئت قلت:{مَا} اسم استفهام للتوبيخ وبَّخ نفسه في محل النصب على المفعولية المطلقة لـ {أَغْنَى} ، أي: أيّ إغناء أغنى عنّي ما كان في الدنيا من المال والأتباع، ويجوز في {مَالِيَهْ} أن تكون {مَا} اسم موصول، هي فاعل أغنى، {ليه} جار ومجرور صلة لـ {مَا} الموصولة؛ أي؛ الذي ثبت واستقر لي في الدنيا، والأوّل أرجح. {هَلَكَ} فعل ماض، {عَنِّي} متعلق بـ {هَلَكَ} ، {سُلْطَانِيَهْ} فاعل {هَلَكَ} ، والجملة الفعلية مقول القول، {سُلْطَانِيَهْ} مضاف والياء: ضمير المتكلم مضاف إليه، والهاء: للسكت. {خُذُوُه} فعل أمر، والواو: فاعل، والهاء مفعول به، والجملة مقول لقول مقدر تقديره: ويقال للزبانية: خذوه، وجملة القول المقدر مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر كأنّه قيل: وما يفعل به بعد هذا التحسر الصادر منه؟ فقيل: يقال: خذوه. {فَغُلُّوهُ} فعل أمر وفاعل ومفعول به، معطوف على خذوه، {ثُمَّ} حرف عطف وترتيب مع التراخي كما مرّ البحث عنه، {الْجَحِيمَ} منصوب على الظرفية المكانية أو على أنه مفعول به على السعة، {صَلُّوهُ} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة {فَغُلُّوهُ} ، {ثُمَّ} حرف عطف وترتيب مع التراخي، والمعطوف بها قول مقدر معطوف على قول مقدر فيما قبلها، تقديره: قيل لخزنة جهنم: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم قيل لهم: {فِي سِلْسِلَةٍ
…
} إلخ. فتكون الفاء لعطف المقول على المقول، و {ثم} لعطف القول على القول، {فِي سِلْسِلَةٍ} متعلق بـ {اسلكوه} ، {ذَرْعُهَا} مبتدأ، {سَبْعُونَ} خبره، {ذَرْعُهَا} تمييز، والجملة الاسمية في محل الجرّ صفة لـ {سِلْسِلَةٍ}. {فَاسْلُكُوهُ} {الفاء}: عاطفة، {اسلكوه} فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة {صَلُّوهُ} .
{إِنَّهُ} ناصب واسمه، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إنّ} ، وجملة إنّ
مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، واسم {كَانَ} ضمير مستتر يعود على هذا الكافر، وجملة {لَا يُؤمِنُ} خبر {كَانَ} ، {بِاللَّهِ} متعلق بـ {يُؤمِنُ} ، {الْعَظِيمِ} صفة للجلالة، {وَلَا يَحُضُ} فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على جملة {لَا يُؤمِنُ} ، {عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} متعلق بـ {يَحُضُ} ومضاف إليه، {فَلَيْسَ} {الفاء}: حرف عطف وتفريع، {ليس} فعل ماض ناقص، {لَهُ} خبر مقدم لـ {ليس} ، {الْيَوْمَ} منصوب على الظرفية، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ليس، {هَاهُنَا} {ها} حرف تنبيه {هنا} اسم إشارة يشار به للمكان القريب في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق بما تعلق به الظرف قبله أيضًا، {حَمِيمٌ} اسم {ليس} مؤخّر، وجملة {ليس} معطوفة مفرّعة على جملة {لا يحض} ، {وَلَا طَعَامٌ} معطوف على {حَمِيمٌ} ، {إلا} أداة حصر، {مِنْ غِسْلِينٍ} صفة لـ {طَعَامٌ} ، {لَا} نافية، {يَأْكُلُهُ} فعل ومفعول به، {إلا} أداة حصر، {الْخَاطِئُونَ} فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ {غِسْلِينٍ} .
{فَلَا} : {الفاء} : استئنافية، {لا} زائدة، {أُقْسِمُ} فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله والجملة مستأنفة. {بمَا} متعلق بأقسم، وجملة {تُبْصِرُونَ} صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بما تبصرونه. {وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)} معطوف على {مَا تُبْصِرُونَ} . {إِنَّهُ} ناصب واسمه، {لَقَوْلُ} {اللام}: حرف ابتداء، {قول} خبر {إنّ} {رَسُولٍ} مضاف إليه، {كَرِيمٍ} صفة {رَسُولٍ} ، وجملة {إنّ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب. {وَمَا} {الواو} ، عاطفة، {مَا} حجازية، {هُوَ} اسمها، {بِقَوْلِ} خبر {مَا} الحجازية، والباء زائدة، {شَاعِرٍ} مضاف إليه، وجملة {مَا} معطوفة على جملة {إنّ} ، {قَلِيلًا} صفة لمصدر محذوف؛ أي: إيمانًا قليلًا، أو صفة لزمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا، {مَا} زائدة لتأكيد القلّة، {تُؤْمِنُونَ} فعل وفاعل، والجملة معترضة. {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ} معطوف على {بِقَوْلِ شَاعِرٍ} ، {قَلِيلًا} صفة لمصدر محذوف، {مَا} زائدة، وجملة {تَذَكَّرُونَ} مستأنفة. {تَنْزِيلٌ} خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو تنزيل، {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} متعلق بـ
{تَنْزِيلٌ} ، {وَلَوْ} {الواو}: استئنافية، {لو} حرف شرط، {تَقَوَّلَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة فعل شرط لـ {لو} {عَلَيْنَا} متعلقان بـ {تَقَوَّلَ} {بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} مفعول به ومضاف إليه، {لَأَخَذْنَا} اللام رابطة لجواب {لو} الشرطية، أخذنا فعل وفاعل، {مِنْهُ} متعلق بـ {أخذنا} . {بِالْيَمِينِ} مفعول به، والباء: زائدة، والجملة جواب {لو} الشرطية، وجملة {لو} الشرطية مستأنفة. {ثُمَّ} حرف عطف، واللام رابطة مؤكّدة للأولى، {لَقَطَعْنَا} فعل وفاعل، معطوف على {أخذنا} ، {مِنْهُ} متعلق بـ {لَقَطَعْنَا} ، {الْوَتِينَ} مفعول به.
{فَمَا} {الفاء} : عاطفة، {مَا} نافية حجازية، {مِنْكُمْ} حال {مِنْ أَحَدٍ} ، لأنّه كان في الأصل صفة لـ {أَحَدٍ} ، فلما تقدم عليه صار حالًا منه، {مِنْ} زائدة، {أَحَدٍ} اسم {مَا} الحجازية، {عَنْهُ} متعلق بـ {حَاجِزِينَ} ، و {حَاجِزِينَ} خبر {مَا} الحجازية؛ لأنّه هو محط الفائدة، والجملة معطوفة على جملة {قطعنا}. {وَإِنَّهُ} {الواو}: عاطفة، {إنه} ناصب واسمه، {لَتَذْكِرَةٌ} خبره، واللام: حرف ابتداء، {لِلْمُتَّقِينَ} متعلق بـ {تذكرة} والجملة معطوفة على جملة قوله:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)} لأنّه من جملة المقسم عليه، وما بينهما اعتراض. {وَإِنَّا} {الواو}: عاطفة، {إِنَّا} ناصب واسمه، {لَنَعْلَمُ} {اللام}: حرف ابتداء، وجملة {نعلم} في محل الرفع خبر {إنّ} ؛ وجملة {إنّ} معطوفة أيضًا على جواب القسم أوّل السورة، {أَنَّ} حرف نصب ومصدر، {مِنْكُمْ} خبرها مقدم، {مُكَذِّبِينَ} اسمها مؤخر، وجملة {أنّ} في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي {نعلم} . {وَإِنَّهُ} ناصب واسمه، {لَحَسْرَةٌ} خبره. والجملة معطوفة على جواب القسم {عَلَى الْكَافِرِينَ} صفة لـ {حسرة} أو متعلق به، {وَإِنَّهُ} ناصب واسمه، {لَحَقُّ الْيَقِينِ} خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة معطوفة على جواب القسم أيضًا. {فَسَبِّحْ} {الفاء}: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك:{سبح} . {سبّح} فعل أمر وفاعل مستتر، {بِاسْمِ رَبِّكَ} متعلق بـ {سبح} أو الباء: زائدة، و {الْعَظِيمِ} صفة لـ {رَبِّكَ} ، وجملة التسبيح في محل النصب مقول لجواب {إذا} المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
{الْحَاقَّةُ (1)} من أسماء القيامة، اسم فاعل من حقّ الشيء يحقّ بالكسر إذا وجب وثبت؛ أي: الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء. وأصله: الحاققة أدغمت القاف الأولى في الثانية. {مَا الْحَاقَّةُ (2)} ؛ أي: أيّ شيء هي تفخيمًا لشأنها وتعظيمًا لهولها. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)} ؛ أي: أيّ شيء أعلمك ما هي، فلا عِلْمَ لك بحقيقتها، إذ بلغت من الشدة والهول إلى ما لا يبلغها علم المخلوقين. و {أدراك} من الدراية بمعنى العلم، يقال: دراه، ودرى به دراية من باب رمى، وأدراه: أعلمه. وأصله: أدريك بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} والقارعة هي الحاقّة؛ أي: الساعة. والقيامة سمّيت بالقارعة؛ لأنّها تقرع قلوب الناس وتفزعها بفنون الأفزاع والأهوال. والقرع في اللغة: نوع من الضرب، وهو إمساس جسم لجسم بعنف. وفي "المصباح": وقرعت الباب من باب نفع: طرقته ونقرت عليه. {بِالطَّاغِيَةِ} ؛ أي: بالصيحة التي جاوزت حدَّ سائر الصيحات في الشدّة، فرجفت منها الأرض، والمراد بها الصاعقة. {بِرِيحٍ} والياء فيه منقلبة عن واو، وأصله: روح لجمعه على أرواح، فلمّا سكنت الواو في المفرد بعد الكسرة قلبت ياء، كما قلبت ياء في الجمع فقيل: الرياح لوقوعها بعد كسرة، وقبل ألف كصيام. {صَرْصَرٍ} أي: شديدة الصوت التي لها صرصرة، أو شديدة البرد من الصرّ، وهو البرد. {عَاتِيَةٍ}؛ أي: بالغة نهاية القوّة والشدّة، أو التي عتت عن الطاعة، فكأنّها عتت على خزّانها، فلم تطعهم، ولم يقدروا على ردّها لشدّة هبوبها، أو عتت على عادٍ، فلم يقدروا على دفعها بل أهلكتهم.
وفي قوله: {عَاتِيَةٍ} إعلال بالقلب، أصله: عاتوة من عتا يعتو، فلما تطرفت الواو بعد كسرة قلبت ياء. {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ}؛ أي: سلّطها عليهم، من التسخير، وهو سوق الشيء إلى الغرض المختصّ به قهرًا. {سَبْعَ لَيَالٍ} ذكر العدد؛ لأنَّ المعدود وهو ليلة مؤنّث؛ لأنّ الآحاد من أسماء العدد تجري على خلاف القياس لكون الليالي جمع ليلة، وهي مؤنثّة، وتجمع الليلة على الليالي بزيادة الياء على غير
القياس فتحذف ياؤها حالة التنكير بالإعلال مثل الأهالي، والأهال في جمع أهل، إلا في حالة النصب كقوله تعالى:{سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} ، لأنه غير منصرف، والفتح خفيف. {وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} أنث اسم العدد؛ لأنّ المعدود مذكّر؛ لأنّ الأيّام جمع يوم وهو مذكر. {حُسُومًا} جمع حاسم كشهود جمع شاهد، وهو حال من مفعول {سَخَّرَهَا} بمعنى حاسمات؛ أي: متتابعات أو مستأصلات، من الحسم، وهو القطع والاستئصال. وسمي السيف حسامًا؛ لأنّه يحسم العدو عما يريد من عدواته. {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى}؛ أي: موتى، جمع صريع كقتلى وقتيل، وصريع فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مصروع. أي مطروح على الأرض ساقط عليها؛ لأن الصرع: الطرح.
{أَعْجَازُ نَخْلٍ} جمع عجز، وهو الأصل. وفي "القاموس": العجز مثلثة وكندس والندس بوزن عضد: الفرح وككتف مؤخر الشي، وأعجاز النخل: أصولها انتهى. والنخل اسم جنس مفرد لفظًا وجمع معنى، واحدتها نخلة. {خَاوِيَةٍ}؛ أي: خالية الأجواف لا شيء فيها، وأصل الخوى: الخلاء، يقال: خوى بطنه من الطعام؛ أي: خلا. {مِنْ بَاقِيَةٍ} والباقية اسم كالبقيّة، لا وصف، والتاء للنقل إلى الاسميّة، أو مصدر بمعنى البقاء كالكاذبة والعاقبة.
{وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} ؛ أي: المنقلبات، وهي قرى قوم لوط، جعل الله عاليها سافلها بالزلزلة، يقال: أفكه عن الشيء؛ أي: قلبه، وائتفكت البلدة بأهلها؛ أي: انقلبت. {بِالْخَاطِئَةِ} مصدر بمعنى الخطأ كالعاقبة. {رَابِيَةً} ؛ أي: زائدة في الشدّة على عقوبات سائر الكفّار. يقال: ربا الشي يربو إذا زاد، ومنه: الربا الشرعيّ، وهو الفضل الذي يأخذه آكل الربا.
{فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} أصله: عصيوا بوزن فعلوا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. وقوله:{رَابِيَةً} فيه إعلال بالقلب، أصله: رابوه من ربا يربو قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة. {لَمَّا طَغَى الْمَاءُ} تجاوز حدّه وارتفع، وفيه إعلال بالقلب، أصله: طغي بوزن فعل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {حَمَلْنَاكُمْ} ؛ أي: حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم. {فِي الْجَارِيَةِ} وهي السفينة التي تجري في الماء. {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ؛ أي: تحفظها وتقول لكل ما حفظته في
نفسك: وعيته، وتقول لكل ما حفظته في غير نفسك: أوعيته. فيقال: أوعيت المتاع في الوعاء كما مرّ. {فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} الأصل في تاء التأنيث المتصلة بالفعل الماضي السكون، لكنها إذا اتصل بها ألف كما هنا حركت بالفتح لمناسبة الألف. والدك أبلغ من الدق.
وفي "الصحاح": الدكّ: الدقّ، وقد دكه إذا ضربه وكسره حتى سواه بالأرض، وبابه: ردّ. وفي "المفردات": الدك: الأرض اللينة السهلة، ودكّت الجبال دكّا؛ أي: جعلت بمنزلة الأرض اللينة، ومنه: الدكّان. {فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} أي: مسترخية ضعيفة القوّة، من قولهم: وهي السقاء إذا انخرق، ومن أمثالهم قول الراجز:
خَلِّ سَبِيْلَ مَنْ وَهَى سِقَاؤُهُ
…
وَمَنْ هُرِيْقَ بالْفَلَاةِ مَاؤُهُ
يقال: وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدًّا. قال في "القاموس": وهي كوعي وولي: تخرّق وانشق واسترخى رباطه. وفي "المفردات": الوهي شقّ في الأديم والثوب ونحوهما. {عَلَى أَرْجَائِهَا} ؛ أي: على نواحي السماء وجوانبها، جمع رجا بالقصر، وفيه إعلال بالإبدال، أصله: أرجاو جمع رجا بمعنى الطرف والجانب، أبدلت الواو همزة لتطرّفها إثر ألف زائدة. {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} أصله: أؤتي أبدلت الهمزة الساكنة حرف مدّ مجانسا لحركة الأولى. {مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} الحساب بمعنى المحاسبة، وهو عدّ أعمال العباد في الآخرة خيرًا أو شرًّا للمجازاة. قال الراغب: والظنّ اسم لما يحصل من أمارة، ومتى قويت أدّت إلى العلم، ومتى ضعفت جدًّا لم تتجاوز حدّ التوهّم انتهى.
{فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} فيه إعلال بالقلب، أصله: راضوة من الرضوان، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة، أي: عيشة مرضية لصاحبها، وهو مما جاء فيه فاعل بمعنى مفعول نحو قوله تعالى:{مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} بمعنى مدفوق بمعنى: أنَّ صاحبها يرضى بها، ولا يسخطها كما جاء مفعول بمعنى فاعل كقوله تعالى:{حِجَابًا مَسْتُورًا} ؛ أي: ساترًا. {عَالِيَةٍ} فيه إعلال أيضًا بالقلب، أصله: عالوة من العلوّ، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة. {قُطُوفُهَا} جمع قطف بالكسر، وهو ما يُقطف ويُجنى بسرعة، والقطف بالفتح مصدر. {دَانِيَةٌ} أصله أيضًا: دانوة، من الدنوّ قلبت الواو ياء
لتطرفها إثر كسرة. {بِمَا أَسْلَفْتُمْ} أي: قدّمتم في الدنيا من الأعمال الصالحة. ومعنى الإسلاف في اللغة: تقديم ما يرجو أنْ يعود عليك بخير، فهو كالإقراض، ومنه يقال: أسلفت إليك هذه الدراهم في كذا وكذا إذا قدم إليك رأس مال السلم. {فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} الخالية فيه إعلال أيضًا بالقلب، أصله: الخالوة من خلا يخلو واويّ اللام، قلبت الواو ياء لتطرّفها إثر كسرة.
{فَغُلُّوهُ} يقال: غل فلان إذا وضع في عنقه أو يده الغلّ، وهو بالضمّ: الطوق من حديد الجامع لليد إلى العنق المانع عن تحرك الرأس. {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)} أصله: صليوه، استثقلت الضمة على الياء فحذفت تخفيفًا فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمت اللام لمناسبة الواو. {ذَرْعُهَا} أي: طولها. {سَبْعُونَ ذِرَاعًا} ، والذراع ككتاب: ما يذرع به حديدًا كان أو قضيبًا. وفي "المفردات": الذراع: العضو المعروف ويعبّر به عن المذروع والممسوح، يقال: ذراع من الثوب أو الأرض.
{فَاسْلُكُوهُ} السلك: هو الإدخال في الطريق أو الخيط أو القيد أو في غيرها. {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} أصله: يحضض بوزن يفعل، نقلت حركة الضاد الأولى إلى الحاء فسكنت فأدغمت في الضاد الثانية، من الحضّ هو البعث والحثّ على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه: حروف التحضيض المبوّب له في النحو؛ لأنه يطلب به وقوع الفعل وإيجاده اهـ "سمين". {إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} هو فعلين، من الغسل، فنونه وياؤه زائدتان. قال أهل اللغة: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت، وفي كتب التفسير: هو صديد أهل النار، وقيل: هو شجر يأكلونه. وفي "الكواشي": أو نونه غير زائدة، وهو شجر في النار، وهو من أخبث طعامهم.
{قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فيه حذف إحدى التاءين، أصله: تتذكرون، وقرىء بتشديد الذال على أنّ التاء الثانية أدغمت في الذال. {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} التقول افتعال القول واختلاقه؛ لأن فيه تكلّفا من المفتعل. قال أبو حيان: التقوّل: أن يقول الإنسان عن آخر: إنّه قال شيئًا لم يقله. {بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} الأقاويل جمع الجمع؛ لأنّه جمع أقوال وأقوال جمع قول كبيت وأبيات وأباييت. قال الزمخشري: وسمّيت الأقوال المتقولة
أقاويل تصغيرًا لها وتحقيرًا. {لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} وفي "المفردات" الوتين: عرق يسقي الكبد إذا انقطع مات صاحبه، وفي بعض كتب التفسير: الوتين: عرق في القلب يجري منه الدم إلى العروق كلّها، ويجمع على وتن وأوتنة اهـ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإطناب بتكرار لفظ {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)} للتهويل والتعظيم.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {الْحَاقَّةُ (1)} . لأنَّ المراد بها الزمان الذي يحقّ أن يتحقق فيه ما أنكر في الدنيا من البعث، فيصير فيها محسوسًا مشاهدًا بالعيان على حدّ قولهم: نهاره صائم وليله قائم.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {مَا الْحَاقَّةُ (2)} تأكيدًا لهولها، الأصل: ما هي؛ أي: أيّ شيء هي في حالها وصفتها؟.
ومنها: وضع القارعة موضع ضمير الحاقة في قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} للدلالة على معنى القرع فيها زيادة في وصف شدتها فإن في القارعة ما ليس في الحاقة من الوصف؛ لأنَّ الأصل أن يقال: كذّبت ثمود وعاد بها.
ومنها: الإجمال في قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} ثم التفصيل بقوله: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)
…
} إلخ. لزيادة البيان والإيضاح، وفيه أيضًا من المحسنات البديعية اللفّ والنشر المرتب.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {حُسُومًا} ، لأنّه من استعمال المقيّد، وهو الحسم الذي هو تتابع الكيّ في مطلق التتابع، وقيل: فيه استعارة تصريحية تبعية، فقد شبه تتابع الريح المستأصلة بتتابع الكيّ القاطع للداء، فاستعار له الاسم الدالّ على المشبه به على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} لذكر الأداة فيه مع حذف وجه السببه، فقد شبهم بالجذوع لطول قاماتهم، وكان الريح تقطع رؤوسهم كما تقطع رؤوس النخل المتطاولة خلال تلك الإيّام الثمانية والليالي
السبع.
ومنها: التعبير عن الريح الصرصر، وهو مفرد بلفظ الجمع، وهو {حسومًا} نظرًا إلى تكثّرها باعتبار وقوعها في تلك الليالي والأيّام.
ومنها: التخصيص في قوله: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} بعد التعميم في قوله: {وَمَنْ قَبْلَهُ} لغرض التتميم؛ لأنَّ قوم لوط أتوا بفاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين.
ومنها: مقابلة الجمع بالجمع المستدعية لانقسام الآحاد على الآحاد في قوله: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} .
ومنها: المجاز العقليّ في قوله: {بِالْخَاطِئَةِ} ؛ أي: بالفعلة الخاطئة كقولهم: شعر شاعر.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} ، وهي من باب استعارة المعقول للمحسوس للاشتراك في أمر معقول، وهي الاستعارة المركّبة من الكثيف واللطيف، فالمستعار الطغيان، وهو الاستعلاء المنكر، والمستعار منه كلّ مستعل متكبّر متجبّر مضرّ، والمستعار له الماء، والطغيان معقول، والماء محسوس، والمستعار منه محسوس. وقيل: فيه استعارة تصريحية تبعيّة؛ لأنَّ الطغيان من صفات الإنسان، فشبّه ارتفاع الماء وكثرته بطغيان الإنسان بجامع العلّو في كلّ على طريق الاستعارة التصريحية التبعيّة.
ومنها: التنكير والتوحيد في قوله: {أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ، حيث لم يقل الآذان الواعية للدلالة على قلتها، وأن من هذا شأنه مع قلته يتسبب لنجاة الجم الغفير، وإدامة نسلهم.
ومنها: التأكيد بذكر الواحدة في قوله: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} وفي قوله: {دَكَّةً وَاحِدَةً} ، لأنّ النفخة والدكّة لا تكون إلّا واحدة.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {نُفِخَ} {نَفْخَةٌ} وقوله {فَدُكَّتَا دَكَّةً} وقوله: {لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} .
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} ؛ أي: تسألون وتحاسبون، شبه المحاسبة عند الله بعرض العسكر على الملك لتعرف أحوالهم،
فاستعار اسم المشبّه به الذي هو العرض على الملك للمشبّه الذي هو المحاسبة عند الله، فاشتق منه تعرضون بمعنى تحاسبون على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: تقديم {مِنْكُمْ} على {خَافِيَةٌ} مع كونه صفة لها لرعاية الفاصلة.
ومنها: المقابلة البديعة في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
…
} إلخ، حيث قابلها بقوله:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} إلخ.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} ؛ لأنّ العيشة إنّما تكون مرضية لا راضية، فهو من إسناد ما للفاعل إلى المفعول.
ومنها: إسناد الهناءة إلى الأكل والشرب في قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا} مجازًا للمبالغة؛ لأنّ الهناءة إنّما تكون للمأكول والمشروب.
ومنها: تقديم الجحيم على {صَلُّوهُ} في قوله: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)} ، وتقديم {سِلْسِلَةٍ} على {فَاسْلُكُوهُ} في قوله:{ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)} لغرض التخصيص والحصر والاهتمام بذكر ألوان ما يعذب به.
ومنها: تخصيص الطول بسبعين ذراعًا مبالغة في إرادة الوصف بالطول، كما قال:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} يريد مرّات كثيرة؛ لأنّها إذا طالت كان الإرهاق أشدُّ، فهو كناية عن زيادة الطول.
ومنها: ذكر الحض في قوله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} دون الفعل، حيث لم يقل: ولا يطعم المسكين للإشعار بأنّه إذا كان تارك الحضّ بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟.
ومنها: عطف حرمان المسكين على ترك الإيمان في قوله: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} للدلالة على أنَّ حرمان المسكين صفة للكفرة، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)} .
ومنها: طباق السلب في قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)} .
ومنها: تكرار لفظ القول في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ} وقوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وفي قوله: {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ} مبالغة في إبطال أقاويلهم الكاذبة على القرآن الحق والرسول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.
ومنها: زيادة {ما} في قوله: {قَلِيلًا مَا} لتأكيد القلّة، أو لنفيها كما مر.
ومنها: إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول في قوله: {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)} لإفادة المبالغة.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)} لأن اليمين مجاز عن القوة؛ لأنَّ قوة كل شيء في ميامنه، فيكون من قبيل ذكر المحل، وإرادة الحال أو ذكر الملزوم، وارادة اللازم، لأنّ المعنى: سلبنا منه القوة والقدرة على التكلم بذلك.
ومنها: الكناية في قوله: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)} ، لأنّه كناية عن إهلاكه وإماتته.
ومنها: الحذف والزيادة في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
خلاصة ما تضمّنته السورة الكريمة
تضمنت هذه السورة الكريمة خمسة مقاصد:
1 -
هلاك الأمم المكذّبة لرسلها في الدنيا من أوّل السورة إلى قوله: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} .
2 -
عذاب الآخرة جزاء على التكذيب في الدنيا.
3 -
إثبات أن القرآن العظيم وحي من عند الله تعالى، وليس بقول شاعر ولا بقول كاهن.
4 -
إهلاكه صلى الله عليه وسلم لو تقول عليه شيئًا ما من الأقاويل الباطلة الكاذبة على سبيل الفرض والتقدير.
5 -
أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيه ربه عما يقول المشركون، شكرًا له على ما أوحي إليه من الوحي الكريم والقرآن العظيم (1).
والله أعلم
* * *
(1) بعون الله تعالى وتوفيقه تمّ تفسير سورة الحاقة في اليوم الخامس من شهر ربيع الأول، قُبَيْل الغروب من شهور سنة ألف وأربع مئة وستّ عشرة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية 5/ 3/ 1416 هـ، وصلى الله تعالى وسلم على سيّدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين آمين.