الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحج وغيرها. فهو مبالغة في وصفهم بالتوفّر على أداء الواجبات. والإيفاء بالشيء: هو الإتيان به تامًّا وافيًا. و {النذر} : إيجاب الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى بأن يقول: لله عليّ كذا من الصدقة وغيرها. والنذر: قربة مشروعة، ولا يصحّ إلا في الطاعة. وفي الحديث:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"؛ أي: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم، ومن أوفى بما أوجبه على نفسه فهو على الوفاء بما أوجبه الله عليه أولى.
وقصارى ذلك: أنهم يؤدون ما أوجبه الله عليهم بأصل الشرع، وبما أوجبوه على أنفسهم بالنذر. قال الفرّاء: في الكلام إضمار؛ أي: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا.
2 -
{وَيَخَافُونَ يَوْمًا} ؛ أي: يوم القيامة {كَانَ شَرُّهُ} ؛ أي: هوله وشدته وعذابه {مُسْتَطِيرًا} ؛ أي: فاشيًا منتشرًا في الأقطار غاية الانتشار بالغًا أقصى المبالغ من استطار الفجر إذا انتشر ضوءه، وهو أبلغ من طار بمنزلة استنفر من نفر. وأطلق الشر على أهوال القيامة، وشدائدها المنتشرة غاية الانتشار حتى ملأت السماوات والأرض مع أنها عين حكمة وصواب لكونها مضرّة بالنسبة إلى من تنزل عليه، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون خبره {مُسْتَطِيرًا} أيضًا، فإن ليوم القيامة أمورًا سارّةً كما أن له أمورًا ضارّةً.
ثم {يُوفُونَ
…
} إلخ، بيان لأعمالهم وإتيانهم بجميع الواجبات، وقوله:{يخافون} إلخ، بيان لنياتهم حيث اعتقدوا بيوم البعث والجزاء، فخافوا منه، فإن الطاعات إنما تتم بالنيّات، وبمجموع هذين الأمرين سمّاهم الله تعالى بالأبرار. قال مقاتل: كان شره فاشيًا في السماوات، فانشقت وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة. وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه.
والمعنى: أي ويتركون المحرمات التي نهاهم ربهم عنها خيفة سوء الحساب يوم المعاد حين يستطير العذاب، ويفشو بين الناس إلا من رحم الله تعالى.
3 -
8
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} ؛ أي: كائنين علي حب الطعام والحاجة إليه، ونحوه قوله تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . أو كائنين (1) على حب
(1) روح البيان.
الإطعام، فيطعمون بطيب النفس، فالضمير إلى مصدر الفعل كما في قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . أو كائنين على حب الله؛ أي: إطعامًا كائنًا على حبه تعالى، وهو الأنسب لما سيأتي من قوله:{لِوَجْهِ اللَّهِ} فالمصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل متروك؛ أي: على حبهم لله تعالى، ويجوز أن يضاف إلى الفاعل والمفعول متروك؛ أي: على حبّ الله الإطعام. والطعام خلاف الشراب، وقد يطلق على الشراب أيضًا؛ لأن طعم الشيء: ذوقه مأكولًا أو مشروبًا. والظاهر: الخصوص وإن جاز العموم، والأظهر: أن المراد من إطعام الطعام الإحسان إلى المحتاجين ومواساتهم بأيّ وجه كان، وإنما خص الطعام لكونه أشرف أنواع الإحسان جرم أن عبر به عن جميع وجوه المنافع.
واعلم (1): أنّ مجامع الطاعات محصورة في أمرين الطاعة لأمر الله، ماليه الإشارة بقوله:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ، والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} . فإن الطعام وهو جعل الغير طاعمًا كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة إليهم بأي وجهٍ كان، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه إلا أن الإحسان بالطعام لما كان أشرف أنواع الإحسان .. عبر عن جنس الإحسان باسم هذا النوع، كما في "حواشي ابن الشيخ".
{مِسْكِينًا} ؛ أي: فقيرًا لا شيء له أصلًا عاجزًا عن الكسب. {وَيَتِيمًا} ؛ أي: طفلًا لا أب له {وَأَسِيرًا} مأخوذًا لا يملك لنفسه نصرًا ولا حيلة، أي أسير كان فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير، فيدفعه إلى بعض المسلمين، فيقول: أحسن إليه؛ لأنه يجب إطعام الأسير الكافر والإحسان إليه في دار الإِسلام عند عامّة العلماء إلى أن يرى الإمام رأيه فيه من قتل أو منّ أو فداء أو استرقاق. وفي "الخطيب": خصّ هؤلاء الثلاثة بالذكر، لأن المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه لما يكفيه، واليتيم مات من يكتسب له، وبقي عاجزًا عن الكسب لصغره، والأسير لا يملك لنفسه نصرًا ولا حيلة انتهى.
والمعنى (2): أي ويطعمون الطعام وهم في محبة له، وشغف المسكين العاجز عن الاكتساب واليتيم الذي مات أبوه، والأسير المأخوذ من قومه المملوكة رقبته
(1) روح البيان.
(2)
المراغي.