الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أوّل هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة. فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة.
واختلف في الناسخ لهذا الأمر، فقيل: هو قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} إلى آخر السورة. وقيل: هو قوله: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} وقيل: هو قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، وقيل غير ذلك.
وبعد أن أمره بقيام الليل للصلاة أمره بترتيل القرآن فقال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ} في أثناء ما ذكر من قيام الليل؛ أي: اقرأه على تؤدةٍ وتمهلٍ وتبيين حروف. {تَرْتِيلًا} بليغًا وتبيينًا واضحًا بحيث يتمكن السامع من عدها، ولذا نهى ابن مسعود رضي الله عنه عن التعجل، وقال: ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. يعني: لا بد للقارىء من الترتيل ليتمكن هو ومن حضره من التأمل في حقائق الآيات. فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلاله، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يقع في الرجاء والخوف، وليسلم نظم القرآن من الخلل والزلل.
قال في "الكشاف": ترتيل القرآن قراءته على ترسّل وتؤدة بتبيين الحروف، وإشباع الحركات حتى يجيء المتلوّ منه شبيهًا بالثغر المرتل، وهو المفلّج المشبه بنور الأقحوان، وأن لا يهزّه هزًا، ولا يسرده سردًا. والأمر بترتيل القرآن يشعر بأنّ الأمر بقيام الليل نزل بعدما تعلم صلى الله عليه وسلم مقدارًا منه وإن قلّ.
5
- وقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} على الاستقبال بالنسبة إلى بقيّة القرآن. ثم الظاهر أن الأمر به يعم الأمة، لأنه أمر مهم للكل، والأمر للوجوب، كما دل عليه التأكيد بالمصدر أو للندب.
والمعنى: واقرأ القرآن على تمهّل، فإنه أعون على فهمه وتدبّره، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وجاء في الحديث: "زيّنوا القرآن بأصواتكم" ولقد أوتى هذا مزمارًا من مزامير آل داود". يعني: أبا موسى الأشعريّ، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنّك كنت تسمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرًا". "وعن عبد الله بن مغفّل قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح، فرجع في قراءته"، أخرجه
الشيخان. وعن جابر: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا العربي والعجمي فقال: "اقرؤوا وكلٌ حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح - السهم - يتعجلونه ولا يتأجلونه، لا يجاوز تراقيهم". رواه أبو داوُد.
قال في "فتح البيان": (1) والمقصود من الترتيل إنّما هو حضور القلب عند القراءة، لا مجرد إخراج الحروف من الحلقوم بتعويج الوجه والفم وألحان الغناء، كما يعتاده قرّاء هذا الزمان من أهل مصر وغيرها في مكة المكرّمة، وغيرها، بل هو بدعة أحدثها البطالون الأكالون والحمقى الجاهلون بالشرائع، وأدلتها الصادقة، وليس هذا أول قارورة كسرت في الإسلام اهـ.
والحكمة في ترتيل القرآن: التمكن من التأمل في حقائق الآيات ودقائقها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلاله، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف ويستنير القلب بنور الله. فإن الإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، والنفس تبتهج بذكر الأمور الروحية، ومن سرّ بشيء أحب ذكره كما أن من أحب شيئًا لا يحب أن يمر عليه مسرعًا.
وكان صلى الله عليه وسلم مجوّدًا للقرآن كما أنزل (2)، وتجويده تحسين ألفاظه بإخراج الحروف من مخارجها وإعطاء حقوقها من صفاتها، كالجهر والهمس واللين ونحوها، وذلك بغير تكلف، وهو ارتكاب المشقّة في قراءته بالزيادة على أداء مخرجه، والمبالغة في بيان صفته، فينبغي أن يتحفظ في الترتيل عن التمطيط، وهو التجاوز عن الحد، وفي الحد. عن الإدماج والتخليط بأن تكون قراءته بحال كأنه يلف بعض الحروف والكلمات في بعض آخر لزيادة السرعة.
واعلم: أن التجويد على ثلاث مراتب: ترتيل وحدر وتدوير:
أما الترتيل: فهو تؤدة وتأن وتمهل، وهو مختار ورش وعاصم وحمزة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:"من قرأ القرآن" أي ختمة "أقل من ثلاث" أي في أقل من ثلاث ليالٍ "لم يفهمه". وفي "قوت القلوب": أفضل القراءة الترتيل؛ لأن فيه التدبر والتفكر، وأفضل الترتيل والتدبر للقرآن ما كان في صلاة.
(1) المراغي.
(2)
روح البيان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ البقرة أرتلها وأتدبرها أحب إلى من أن أقرأ القرآن كله هذرمةً؛ أي: سرعة.
وأما الحدر: فهو الإسراع في القراءة، كما روي: أنه ختم القرآن في ركعة واحدة أربعة من الأمة: عثمان بن عفّان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة رضي الله عنهم. وهذا؛ أي: الحدر مختار ابن كثير وأبي عمرو وقالون.
وأمّا التدوير: فهو التوسط بين الترتيل والحدر، وهو مختار ابن عامر والكسائي. وهذا كله إنما يتصور في مراتب الممدود.
وفي الحديث: "رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه". وهو (1) متناول لمن يخل بمبانيه، أو معانيه أو بالعمل بما فيه، وذلك موقوف على بيان اللحن.
وهو قسمان: جلي وخفيّ:
فالجليّ: خطأ يعرض للفظ، ويخلّ بالمعنى بأن بَدَّلَ حرفًا مكان حرف بأن يقول مثلًا: الطالحات بدل الصالحات، وبالإعراب كرفع المجرور ونصبه سواء تغيَّر المعنى به أم لا، كما إذا قرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بجرّ {رسوله} .
والخفي: خطأ يخل باصطلاحات القراء المعروفة لديهم كترك الإخفاء والإدغام والإظهار والقلب، وكترقيق المفخّم عكسه ومد المقصور وقصر الممدود، وأمثال ذلك. ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، وإنما فيه التهديد وخوف العقاب. قال بعضهم: اللحن الخفي هو الذي لا يعرفه إلا مهرة القراء من تكرير الراءات وتطنين النونات وتغليظ اللامات وترقيق الراءات في غير محلّها لا يتصور أن يكون من فرض العين يترتب عليه العقاب على فاعلها، لما فيه من حرج، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وقال بعض أهل العلم: ومن الفتنة أن يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء لا تجوز الصلاة بدون التجويد، وهم لا يقدرون على التجويد، فيتركون الصلاة رأسًا. فالواجب أن يعلم مقدار ما يصح به النظم والمعنى ويتوغل في الإخلاص وحضور القلب.
(1) روح البيان.
ثم أتى بجملة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي، ليبين سهولة ما كلفه من القيام، فقال:{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ} ؛ أي: سنوحي إليك. وإيثار الإلقاء عليه لقوله تعالى: {قَوْلًا ثَقِيلًا} بانطوائه على التكاليف الشاقّة، وهو القرآن العظيم المنطوي على تكاليف شاقّة ثقيلة على المكلّفين، وأيضًا إنّ القرآن قديم غير مخلوق، والحادث يذوب تحت سطوة القديم إلّا من كان مؤيّدًا كالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
وهذه الجملة اعتراض بين الأمر وهو {قُمِ اللَّيْلَ} ، وبين تعليله وهو {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} إلخ، لتسهيل ما كلفه صلى الله عليه وسلم من القيام. يعني: أنّ في توصيف ما سيلقي عليه بالثقل إيماءً إلى أنَّ ثقل هذا التكليف بالنسبة إليه كالعدم، فإذا كان ما سيكلف أصعب وأشقّ، فقد سهل هذا التكليف.
وفي "الكشاف": أراد بهذا الاعتراض أنً ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الصعبة التي ورد بها القرآن؛ لأن الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادّة لطبعه ومجاهدة لنفسه، فمن استأنس بهذا التكليف لا يثقل عليه أمثاله.
والمعنى: أي إنا سننزل عليك القرآن، وفيه الأمور الشاقة عليك وعلى أتباعك من أوامر ونواه، فلا تبال بهذه المشقّة، وامْرُنْ عليها لما بعدها. وقال الحسن بن الفضل: ثقيلًا لا يحمله إلا قلب مؤيَّدٌ بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وفي "فتح الرحمن": وصف القرآن بالثقل لثقله بنزول الوحي على نبيه حتى كان يعرف في اليوم الثاني أو لثقل العمل بما فيه أو لثقله في الميزان أو لثقله على المنافقين.
وقد يكون (1) المراد أنّه ثقيل في الوحي، فقد جاء في حديث البخاري ومسلم:"إنّ الوحي كان يأتيه صلى الله عليه وسلم أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، وهذا أشدّه عليه، فيفصم عنه - يفارقه - وقد وعى ما قال، وأحيانًا يتمثّل له الملك رجلًا، فيكلّمه فيعي ما يقول، وان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإنّ جبينه ليتفصّد عرقًا" يجري عرقه كما يجري الدم من الفاصد.
(1) المراغي.