الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المدثر
سورة المدثر كلها مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة المزمل. وأخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدّثّر بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وقيل (1): هي مكية إلا آية من آخرها.
وآياتها: ست وخمسون آية. وكلماتها: مئتان وخمس وخمسون كلمة. وحروفها: ألف حرف وعشرة أحرف.
الناسخ والمنسوخ: وقال محمد بن حزم: سورة المدّثّر كلها محكمة إلا آية واحدة، وهي قوله تعالى:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} ، نسخت بآية السيف.
مناسبتها لما قبلها (2):
1 -
أنّها متواخية مع السّورة قبلها في الافتتاح بنداء النبيّ صلى الله عليه وسلم.
2 -
أن صدر كلتيهما نازل في قصة واحدة.
3 -
أن السابقة بدئت بالأمر بقيام الليل، وهو تكميل لنفسه صلى الله عليه وسلم بعبادة خاصة، وهذه بدئت بالإنذار لغيره، وهو تكميل لسواه.
وقال أبو حيان (3): مناسبتها لما قبلها: أن ما في قبلها {ذرني والمكذّبين} وفيه أيضًا {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} ، فناسب {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} ، وناسب ذكر يوم القيامة بعد، وذكر بعض المكذبين في قوله:{ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)} .
والله أعلم
* * *
(1) الخازن.
(2)
المراغي.
(3)
البحر المحيط.
أسباب النزول
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} سبب نزوله (1): ما أخرجه الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فلم أر أحدًا، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء، ففزعت فرجعت إلى أهلي، فقلت: دثّروني دثروني، فنزلت:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} .
قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}
…
الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه الحاكم وغيره عن ابن عباس وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في المسجد يصلي، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، وهو يقرأ:{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)} ، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم إلى استماعه .. أعاد القراءة، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم، فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى عليه. ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبونّ قريش كلهم، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى جلس إلى جنب الوليد حزينًا، فقال الوليد: ما لي أراك حزينًا يا ابن أخي؟ فقال: وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريب يجمعون لك نفعة يعينونك على كبر سنّك ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنك تدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريب أنّي من أكثرهم مالًا وولدًا؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام، ثم أتى مجلس قومه مع أبي جهل، فقال لهم: تزعمون أن محمدًا مجنون فهل رأيتموه يخنق قطّ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهّن قطّ؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنّه كذّاب، فهل جربتم عليه شئيا من الكذب؟ قالوا: اللهم لا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة لصدقه. ثم قالوا: فما هو؟ قال: ما
(1) لباب النقول.
هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يأثره عن مسيلمة وأهل بابل، فارتجّ النادي فرحًا، وتفرّقوا معجبين بقوله، متعجيبن منه. فنزلت هذه الآيات.
وقد كان الوليد يسمّى الوحيد؛ لأنه وحيد في قومه، فماله كثير فيه الزرع والضرع والتجارة، وكان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونعم وعبيد وجوار، وله عشرة أبناء يشهدون المحامل والمجامع أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة، وقد بسط الله له الرزق، وطال عمره مع الجاه العريض والرياسة في قومه، وكان يسمى ريحانة قريش.
قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} سبب نزول هذه الآية (1): ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "الشعب" عن البراء رضي الله عنه: أن رهطًا من اليهود سألوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه ساعتئذٍ {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} .
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)} قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع أن ابن أبي كبشة يعني: "محمدًا صلى الله عليه وسلم يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم - الشجعان - أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟ فقال له أبو الأشدّ بن كلدة الجمحيّ وكان شديد البطش: أيهولنكم التسعة عشر أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقول ذلك مستهزئًا. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، فنزل قوله:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} ؛ أي: لم نجعلهم رجالًا فيتعاطون مغالبتهم.
قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52)} الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر عن السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: لئن كان محمد صادقًا .. فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة
(1) لباب النقول.