الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي: نجمع سلامياته، ونضم بعضه إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها، فكيف بكبار العظام؟ وهو جمع سلامى كحبارى، وهي العظام الصغار في اليد والرجل. وقيل: البنان: الأصابع، وهي أكثر العظام تفرقًا وأدقها أجزاء، وهي العظام التي في الأنامل ومفاصلها. وهذا عند البعث.
وقرأ الجمهور: {قَادِرِينَ} بالنصب على الحال من الضمير المستكن في الفعل المقدر، أو على أنّه خبر كان المحذوفة؛ أي: بلى كنا قادرين. وقرأ ابن أبي عبلة، وابن السميفع {قادرون} بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: بلى نحن قادرون على أن نسوي بنانه.
ومعنى (1): {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)} ؛ أي: على أن نجمع بعضها إلى بعض، فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها، فكيف بكبار الأعضاء؟ فنبه سبحانه بالبنان، وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق. فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة. وقال جمهور المفسرين: إن معنى الآية: أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار صفيحة واحدة لا شقوق فيها، فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة والحياكة ونحوها، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها. وقيل: المعنى بلى نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها؟ والأول أولى.
5
- وقوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)} معطوف (2) على قوله: {أَيَحْسَبُ} ، إمّا على أنه استفهام مثله وأضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا، أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام، وهذا أبلغ وأولى.
والمعنى: بل يريد الإنسان ليدوم على فجوره وذنبه فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان، لا يرعوي عنه. فالأمام هنا مستعار للزمان من المكان، فيقدم الذنب ويؤخر التربة. وقال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
عمره، وليس في نيّته أن يرجع عن ذنب يرتكبه. قال مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدّي، وسعيد بن جبير: يقول: سوف أتوب، ولا يتوب حتى يأتيه الموت، وهو على أشر أحواله. وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت. واللام في قوله:{لِيَفْجُرَ} للتأكيد مثل قوله: {وَأَنصَحُ لَكُمْ} في أنصحكم. و {أن يفجر} مفعول {يُرِيدُ} . والفجور أصله: الميل عن الحق، فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل، ومنه: قول الأعرابي في حق عمر:
أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُوْ حَفْصٍ عُمَرْ
…
مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
فاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ
وحاصل معنى قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ
…
} إلخ؛ أي: (1) أيظن ابن آدم أنه لن نقدر على جمع عظامه بعد تفرّقها بلى نحن قادرون على ذلك، وأعظم منه، فنحن قادرون على أن نسوي بنانه وأطراف يديه ورجليه، ونجعلهما شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار، فلا يستطيع أن يعمل بها شيئًا مما يعمله بأصابعه المفرّقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال التي تحتاج إلى القبض والبسط والتأني في عمل ما يراد من الشؤون كالغزل والنسج والضرب على الأوتار والعيدان إلى نحو أولئك ..
والخلاصة: إنا لقادرون على جمع العظام وتأليفها وإعادتها إلى مثل التركيب الأول بعد تفرقها وصيرورتها عظامًا ورفاتًا في بطون البحار وفسيح القفار، وحيثما كانت، وعلى أن نسوي أطراف يديه ورجليه ونجعلهما شيئًا واحدًا، فيكون كالجمل والحمار ونحوهما، فيأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب. وفي ذلك خسران كبير له، وتشويه لخلقه، وإفساد لوظيفته التي أعد لها في الحياة. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)}؛ أي: لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على أن يجمع عظامه، لكنه يريد أن يمضي قدمًا في المعاصي لا يثنيه عنها شيء ولا يتوب منها، بل يسّوف بالتوبة، فيقول: أعمل ثم أتوب بعد ذلك.
والخلاصة: أنه انتقل من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال الإنسان
(1) المراغي.