الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. يعني (1): أنه كما ليس لهم دليل عقلي في إثبات هذا المذهب، وهو التسوية بين المحسن والمسيء كما قال:{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} ، ولا دليل نقلي، وهو كتاب يدرسونه، ولا عهود موثقة بالأيمان فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول حتى يقلدوهم، وإن كان التقليد لا يفلح من تشبث بذيله. فثبت أن ما زعموا باطل من كل الوجوه. وقيل: المعنى (2) أم لهم شركاء وآلهة يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة.
وقصارى هذا الحجاج (3): نفي جميع ما يمكن أن يتعلقا به في تحقيق دعواهم، فنبه أوَّلًا إلى نفي الدليل العقلي بقوله:{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} ثم إلى نفي الدليل النقلي بقوله: {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)} ثم إلى نفي الوعد بذلك ووعد الكريم دين عليه بقوله: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا} ثم إلى نفي التقليد الذي هو أوهن من حبال القمر بقوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ} .
وقرأ الجمهور (4): {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ} وقرأ عبد الله وابن أبي عبلة {فليأتوا بشركهم} . قيل: والمراد في القراءتين الأصنام، أو ناس يشاركونهم في قولهم ويوافقونهم فيه؛ أي: لا أحد يقول بقولهم كما أنه لا كتاب لهم ولا عهد من الله، ولا زعيم بذلك فليأتوا بشركائهم. وهذا استدعاء وتوقيف وتعجيز.
42
- وقوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} منصوب بـ (اذكر) المقدر، و {عَنْ سَاقٍ} نائب فاعل لـ {يُكْشَفُ} ، والمراد به يوم القيامة؛ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين ولسائر أمّتك أهوال يوم يكشف الله سبحانه عن ساقه، ويتجلى لعباده، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. وقيل: الساق متعلق بقوله: {فَلْيَأْتُوا} أي: فليأتوا بشركائهم، وآلهتهم يوم يكشف عن ساق ليشفعوا لهم. وقيل: التقدير: يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، حذف للتهويل العظيم بما يكون فيه من الحوادث. {وَيُدْعَوْنَ} أي: ويُدعى الكفّار والمنافقون {إِلَى السُّجُودِ} له تعالى توبيخًا وتعنيفًا لهم على تركهم إيّاه في الدنيا، وتحسيرًا لهم على تفريطهم في ذلك، لا على سبيل التكليف والتعبّد؛ لأنَّ يوم القيامة ليس دار تعبّد وتكليف. {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ}؛ أي: الكفرة والمنافقون على
(1) روح البيان.
(2)
الشوكاني.
(3)
المراغي.
(4)
البحر المحيط.
السجود لزوال القدرة الحقيقية عليه عنهم. وفيه دلالة على أنهم يقصدون السجود فلا يتأتى منهم ذلك. قال ابن مسعود رضي الله عنه: تعقم أصلابهم؛ أي: ترد عظامًا بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض، فيبقون قيامًا على حالهم حتى تزداد حسرتهم وندامتهم على تفريطهم في الدنيا.
قال الواحدي: قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدةً، ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود. قال الربيع بن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا.
فصل في الاختلاف في معنى الساق
وهذا التفسير الذي ذكرناه في بيان معنى الساق وإيضاح معنى الآية هو المذهب الأسلم الذي عليه السلف، ونلقى عليه الرب سبحانه. فساق الله صفة ثابتة له نثبتها، ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . ومعنى كشف الساق رفع الحجاب بينه وبين عابده. وقد دلت على هذا المعنى أحاديث مرفوعة صحيحة.
وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا"، وهذا الحديث ثابت من طرق كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف.
وأخرج ابن منده عن أبي هريرة رضي الله عنه في الآية قال: "يكشف الله عز وجل عن ساقه". وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال: يكشف عن ساقه تبارك وتعالى. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"عن نور عظيم فيخرون له سجدًا".
وقيل: معنى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب. وكشف الساق مثل في ذلك، ولا كشف ولا ساق ثمة كما تقول للأقطع الشحيح: يده
مغلولة ولا يد ثمة ولا غل، وإنما هو مثل في البخل بأن شبهت حال البخيل في عدم تيسر الإنفاق له بحال من غلت يده، وكذا شبهت هنا حال من اشتد عليه الأمر في الموقف بالمخدرات اللاتي اشتد عليهن الأمر، فاحتجن إلى تشمير سوقهن في الهرب بسبب وقوع أمر هائل بالغ إلى نهاية الشدة مع أنهن لا يخرجن من بيوتهن، ولا يبدين زينتهن لغير محارمهن لغاية خوفهن، وزوال عقلهن من دهشتهن، وفرارهن لخلاص أنفسهن، فاستعمل في حق أهل الموقف من الأشقياء ما يستعمل في حقهن من غير تصرف في مفردات التركيب، بل التصرف إنما هو في الهيئة التركيبية. فكشف الساق استعارةٌ تمثيلية في اشتداد الأمر وصعوبته.
ومعنى الآية على هذا القول: فليأتوا بهؤلاء الشركاء ليعاونوهم إذا اشتد الهول وعظم الخطب يوم القيامة، ويدعون إلى السجود توبيخًا لهم على تركهم إيّاه في الدنيا فلا يستطيعون، فتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه حين دعوا إليه في الدنيا، وهم سالمون أصحاء فلم يفعلوا.
وقيل: الساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها إذا عظم أمرها، وتقول لمن وقع في أمر عظيم شديد يحتاج فيه إلى جهد ومقاساة؛ شمر عن ساقك، وكذلك التفت الساق بالساق؛ أي: دخلت الأهوال والأمور العظام بعضها إلى بعض يوم القيامة.
والمعنى عليه: يوم يكشف عن أمر عظيم من أهوال يوم القيامة. وتنكيره على هذا الوجه للتهويل؛ لأنَّ يوم القيامة يوم يقع فيه أمر فظيع هائل منكر خارج عن المألوف.
وقيل: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فإنَّ ساق الشجر مثلًا أصله والأغصان تنبت على ذلك الأصل وتقوم به.
والمعنى عليه: يوم يكشف عن ساق الأمور وأصولها وحقائقها بحيث تظهر وتصير عيانا. وعلى هذا فالتنوين للتعظيم. وقيل: يكشف عن ساق جهنم، وقيل: عن ساق العرش، وقيل: هو عبارة عن القرب، وقيل: يكشف الرب عن نوره. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه سئل عن قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} فقال: إذا خفي عليكم شيء