الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات، فلعدم خوفهم منها أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف.
والمعنى (1): أي إنما دسّاهم وطبع على قلوبهم، وأعمى أبصارهم أنهم كانوا لا يصدّقون بالآخرة، ولا يخافون أهوالها. ومن ثم أعرضوا عن التأمل في تلك المعجزات الكثيرة، وقد كانت كافية لهم جدّ الكفاية في الدلالة على صدق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة، فطلب الزيادة يكون من التعنت الذي لا مسوغ له. وقرأ الجمهور {يَخَافُونَ} بياء الغيبة، وأبو حيوة بتاء الخطاب التفاتًا.
54
- ثم وبّخهم على إعراضهم عن التذكرة فقال: {كَلَّا} ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة {إِنَّهُ} الضمير في {إِنَّهُ} وفي {ذَكَرَهُ} ؛ للتذكرة؛ لأنها بمعنى الذكر أو القرآن كالموعظة بمعنى الوعظ والصيحة بمعنى الصوت. {تَذْكِرَةٌ} بليغة كافية. فالتنوين فيه للتعظيم. وفي "برهان القرآن" أي: تذكير للحق، وعدل إليها للفاصلة؛ أي: ليس الأمر كما يقول المشركون في هذا القرآن من أنه سحر يؤثر، بل هو تذكرة من الله لخلقه، ذكّرهم به، فليس لأحد أن يعتذر بأنه لم يجد مذكرًا ولا معرفًا.
55
- ثم ما ذكر هو كالنتيجة لما سلف، فقال:{فَمَنْ شَاءَ} من عباده أن يذكره، ولا ينساه، ويتعظ به قبل حلوله في رمسه. {ذَكَرَهُ}؛ أي: جعله نصب عينيه، وحاز بسببه سعادة الدارين، فإنه ممكن من ذلك.
56
- ثم ردّ سبحانه المشيئة إلى نفسه، فقال:{وَمَا يَذْكُرُونَ} بمجرد مشيئتهم للذكر، كما هو المفهوم من ظاهر قوله تعالى:{فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)} ، إذ لا تأثير لمشيئة العبد وإرادته في أفعاله. وضمير (2) الجمع إمّا أن يعود إلى الكفرة؛ لأنّ الكلام فيهم أو إلى {مَن} الموصولة نظرًا إلى عموم المعنى لشموله لكلّ من المكلّفين.
وقرأ نافع وسلام ويعقوب {تذكرون} بتاء الخطاب ساكنة الذال، وباقي السبعة وأبو جعفر والأعمش وطلحة وعيسى والأعرج {يَذْكُرُونَ} بالياء. وروي عن
(1) المراغي.
(2)
المراغي.
أبي جعفر {تذكرون} بالتاء وإدغام التاء في الذال. وروي عن أبي حيوة {يذكرون} بياء الغيبة وشدّ الذال.
{إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} استثناء مفرغ من أعم العلل أو من اعم الأحوال؛ أي: وما يذكرون لعلة من العلل، أو في حال من الأحوال إلا بأن يشاء الله أو حال أن يشاء الله ذكرهم. وهذا تصريح بأنّ أفعال العبد بمشيئة الله لا برادة نفسه.
والمعنى (1): أي وما يذكرون هذا القرآن، ولا يتعظون بعظاته، ويعملون بما فيه، إلا أن يشاء الله أن يذكروه، فلا يستطيع أحد أن يفعل شيئًا إلا أن يعطيه الله القدرة على فعله؛ إذ لا يقع في ملكه سبحانه إلا ما يشاء، كما قال سبحانه: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
ثم ذكر ما هو كالعلة لما سلف، فقال:{هُوَ} سبحانه وتعالى {أَهْلُ التَّقْوَى} ؛ أي: هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه، والعمل بطاعاته؛ أي: حقيق بأن يتّقى عقابه ويؤمن به ويطاع. فالتقوى مصدر من المبنيّ للمفعول. {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} ؛ أي: وهو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة، فيغفر ذنوبهم. وقيل: هو أهل أن تُتَّقى محارمه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه.
وعن أنس رضي الله عنه: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أُتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهًا، فأنا أهل أن أغفر له". أخرجه أحمد، والدارميّ، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث غريب، وفي إسناده سهيل بن عبد الله القطيعي، وليس بالقوي في الحديث، وقد تفرّد به عن ثابت، والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب
(1) الشوكاني.
{يَا أَيُّهَا} {يا} : حرف نداء، {أيّ} منادى نكرة مقصودة، والهاء: حرف تنبيه، {الْمُدَّثِّرُ} صفة لأيّ، وجملة النداء مستأنفة. {قُمْ} فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمّد، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {فَأَنْذِرْ} {الفاء}: عاطفة، {أنذر} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {قُمْ} ، {وَرَبَّكَ} {الواو} عاطفة، {ربك} مفعول مقدم لـ {كبّر} ، {فَكَبِّرْ} {الفاء}: زائدة، {كبر} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {قُمْ}. وقال ابن جنّي:{الفاء} : في {فَكَبِّرْ} زائدة كالفاء في قولك: زيدًا فاضرب؛ أي: زيدًا ضرب. وقال الزجاج: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر يقتضيه السياق كأنّه قيل: مهما يكن من شيء فلا تدع تكبيره. {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)} {الواو} : عاطفة، {ثيابك} مفعول مقدم، ومضاف إليه و {الفاء}: إما زائدة؛ أو رابطة كما تقدم آنفًا، {طهر} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {كبر}. {وَالرُّجْزَ} {الواو}: عاطفة، {الرجزَ} مفعول مقدم، {فَاهْجُرْ} {الفاء}: تقدم الكلام فيها، {اهجر} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على ما قبله، {وَلَا} {الواو}: عاطفة، {لا} ناهية، {تَمنُنْ} فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على ما قبلها، {تَسْتَكْثِرُ} فعل مضارع، مجزوم بالطلب السابق، أو على البدليّة من {تَمنُنْ} ، والتقدير على جعله جوابًا للنهي؛ أي: إنك إن لا تمنن بعطائك تجد ثوابًا كثيرًا على عطيّتك لسلامة ذلك من الإبطال بالمنّ على حدّ قوله تعالى: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} . ووجه الإبدال أنه نظير قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)} . وقُرىء بالرفع، والجملة حينئذٍ في محل النصب حال من فاعل {تَمنُنْ}. {وَلِرَبِّكَ} {الواو}: عاطفة، {لربك} متعلق بـ {اصبر} ، {فاصبر} فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ما قبله، والفاء الكلام فيها مثل ما تقدم.
{فَإِذَا} {الفاء} : استئنافية، وفيها معنى التسبّب والعلّة، كأنّه قيل: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه مغبّة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك. {إذا}
ظرف لما يستقبل من الزمان، {نُقِرَ} فعل ماض مغيّر الصيغة، {فِي النَّاقُورِ} جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بما يدل عليه الجواب الآتي، والتقدير: فإذا نقر في الناقور اشتدّ الأمر وعسر على الكافرين. {فَذَلِكَ} {الفاء} : رابطة لجواب {إذا} وجوبًا، {ذلك} مبتدأ، {يَوْمَئِذٍ} {يوم} ظرف زمان في محل الرفع، بدل من اسم الإشارة، مبنيّ على الفتح لإضافته إلى المبني، {يَوْمٌ} مضاف، {إذ} ظرف لما مضى من الزمان في محل الجرّ مضاف إليه، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلّص من التقاء الساكنين، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ نفخ في الصور. {يَوْمٌ} خبر المبتدأ، {عَسِيرٌ} صفة لـ {يَوْمٌ} ، {عَلَى الْكَافِرِينَ} متعلق بـ {عَسِيرٌ} ، {غَيْرُ يَسِيرٍ} نعت ثان لـ {يَوْمٌ} ، والجملة الاسميّة جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} مستأنفة. {ذَرْنِي} فعل أمر وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به، والجملة مستأنفة. {وَمَنْ خَلَقْتُ} {الواو}: واو المعيّة و {من} مفعول معه، ويجوز أن تكون الواو عاطفة، و {من} معطوفة على المفعول في {ذَرْنِي} ، وجملة {خَلَقْتُ} صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: خلقته، {وَحِيدًا} حال من العائد المحذوف، أو من الضمير المنصوب في {ذَرْنِي} أو من الضمير في {خلقت} ، والأول أولى؛ لأنّ المراد به الوليد بن المغيرة؛ لأنّه كان يزعم أنه وحيد قومه كما مر. {وَجَعَلْتُ} فعل وفاعل، معطوف على {خَلَقْتُ} ، {لَهُ} متعلق بـ {جعلتُ} ، وهو في محل المفعول الثاني لـ {جعل} ، {مَالًا} هو المفعول الأول، {مَمْدُودًا} صفة {مَالًا} ، {وَبَنِينَ} معطوف على {مَالًا} ، {شُهُودًا} نعت لـ {وبنين} ، {وَمَهَّدْتُ} فعل وفاعل، معطوف على {جعلتُ} ، {لَهُ} متعلق بـ {مهدت} ، {تَمْهِيدًا} مفعول مطلق لـ {مهدت} ، {ثم} حرف عطف وتراخ، {يَطمَعُ} فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على {جعلت} ، {أَن} هو حرف نصب ومصدر، {أَزِيدَ} فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بـ {أن} المصدرية، وجملة {أن} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، تقديره: ثم يطمع في الزيادة، والجار والمجرور المحذوف متعلق بـ {يطمع} .
{كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)}.
{كَلَّا} حرف ردع وزجر له لقطع رجائه وطمعه وتهالكه، {إِنَّهُ} ناصب واسمه، وجملة {كَانَ} خبر {إنّ} ، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل الردع والزجر، واسم {كَانَ} ضمير يعود على الوليد بن المغيرة، {لِآيَاتِنَا} متعلق بـ {عَنِيدًا} ، و {عَنِيدًا} خبر {كَانَ}. {سَأُرْهِقُهُ} السين: حرف استقبال، {أرهقه} فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول، {صعُوًدا} مفعول ثاني لتضمين {أرهقه} معنى أكلّفه. والصعود في اللغة: العقبة الشاقّة. {إِنَّهُ} ناصب واسمه، وجملة {فَكَّرَ} خبره، {وَقَدَّرَ} معطوف على {فَكَّرَ} ، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل الإرهاق، {فَقُتِلَ} {الفاء}: عاطفة، {قتل} فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر، تقديره. هو، معناه: لعن. والجملة معطوفة على {فَكَّرَ} . {كَيْفَ} اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل {قَدَّرَ} ، {قَدَّرَ} فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة جملة تعجبية لا محل لها من الإعراب، والمقصود من هذا الاستفهام توبيخه والاستهزاء به والتعجيب من تقديره. {ثُمَّ} حرف عطف وتراخ، وأتى بها للدلالة على أنَّ هذه الجملة أبلغ من الجملة الأولى، فهي للتفاوت في الرتبة، وهي مؤكّدة لنظيرتها المتقدمة، فالتكرار للتأكيد، {قُتِلَ} فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر معطوف على نظيرتها المتقدمة، وجملة {كَيْفَ قَدَّرَ} مؤكدة أيضًا لنظيرتها المتقدمة، فتلخص أن جملتي {كَيْفَ قَدَّرَ} متحدتان، وإنما كرر للتأكيد.
{ثُمَّ} حرف عطف وترتيب {نَظَرَ} فعل ماض وفاعل مستر، معطوف على ما قبله، {ثُمَّ} حرف عطف، {عَبَسَ} فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ما قبله، {وَبَسَرَ} فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على {عَبَسَ} ، {ثُمَّ} حرف عطف وترتيب، {أَدبَرَ} فعل ماض، معطوف على {عَبَسَ} ، {وَاسْتَكْبَرَ} معطوف على {أَدْبَرَ} ، {فَقَالَ} {الفاء}: عاطفة {قال} فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو {إِنْ} نافية، {هَذَا} مبتدأ، {إِلَّا} أداة حصر، {سِحْرٌ} خبر، وجملة {يُؤْثَرُ} صفة لـ {سِحْرٌ} ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول {قال} . {إِنْ} نافية، {هَذَا}
مبتدأ، {إِلَّا} أداة حصر، {قَوْلُ الْبَشَر} خبر والجملة أيضًا في محل النصب مقول قال {سَأُصْلِيهِ} السين حرف استقبال، {أصليه} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، {سَقَرَ} مفعول ثان، والجملة بدل من قوله:{سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} . {وَمَا} {الواو} : عاطفة، {مَا} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {أَدْرَاكَ} فعل ماض وفاعل مستتر تقديره:{هو} يعود على {مَا} ، ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر لـ {ما} الاستفهامية؛ أي: أي شيء أعلمك والجملة معطوفة على ما قبلها، {مَا سَقَرُ} {ما} اسم استفهام مبتدأ، و {سَقَرَ} خبره، والجملة سادّة مسدّ المفعول الثاني لـ {أَدْرَاكَ} المعلقة عن العمل بالاستفهام، وقد مرّ نظيره في الحاقة. {لَا} نافية، {تُبْقِي} فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على {سَقَرَ} ، {وَلَا تَذَرُ} معطوف على {لا تبقى} ، ومفعولاهما محذوفان تقديرهما: لا تبقي لحمًا ولا تذر عظمًا أو غير ذلك من التقادير التي مرت لك، وجملة إلا تبقي مستأنفة، أو في محل النصب حال من {سَقَرَ} ، والعامل فيها معنى التهويل والتعظيم لأمرها، لأن الاستفهام بقوله:{مَا سَقَرُ} للتعظيم، فالمعنى: استعظموا {سَقَرَ} حال كونها {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)} . {لَوَّاحَةٌ} خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي لوّاحة، {لِلْبَشَرِ} متعلق بـ {لَوَّاحَةٌ} ، والجملة حال ثانية من {سَقَرَ} ، وقرىء {لواحةً} بالنصب على أنه حال من {سَقَرَ} أو من الضمير المستكن في {لَا تُبْقِي} أو من الضمير في {لا تذر} . واختار الزمخشري نصبه على الاختصاص. {عَلَيْهَا} خبر مقدم، {تِسْعَةَ عَشَرَ} مبتدأ مؤخر في محل الرفع مبني على فتح الجزئين، بني الجزء الأول لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًا لافتقاره إلى الجزء الثاني، وبني الجزء الثاني لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا لتضقنه معنى حرف العطف، وإنما حركا ليعلم أن لهما أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركيب. والجملة الاسمية في محل النصب حال ثالثة أو مستأنفة.
{وَمَا} {الواو} : استئنافية، {ما} نافية، {جَعَلْنَا} فعل وفاعل، {أَصْحَابَ النَّارِ} مفعول أول ومضاف إليه، {إلا} أداة حصر، {مَلَائِكَةً} مفعول ثان، والجملة مستأنفة، {وَمَا} {الواو} عاطفة، {ما} نافية، {جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول
أوّل، {إلا} أداة حصر، {فِتْنَةً} مفعول ثان على حذف مضاف؛ أي: سبب فتنة. والجملة معطوفة على ما قبلها. {لِلَّذِينَ} متعلق بـ {فِتْنَةً} ، أو صفة لها، وجملة {كَفَرُوا} صلة الموصول، {لِيَسْتَيْقِنَ} {اللام}: حرف جرّ وتعليل، {يستيقن} فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام {كي} ، {الَّذِينَ} فاعل، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ {جَعَلْنَا} الثاني، وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: فعلنا ذلك ليستيقن الذين أوتوا الكتاب. {أُوتُوا الْكِتَابَ} فعل ماض ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة صلة الموصول، {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ} فعل وفاعل، معطوف على {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ} ، وجملة {آمَنُوا} صلة الموصول، {إِيمَانًا} مفعول به، {وَلَا} {الواو}: عاطفة، {لا} نافية، {يَرْتَابَ الَّذِينَ} فعل وفاعل، معطوف على {يزداد} ، {أُوتُوا الْكِتَابَ} فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، صلة الموصول، {وَالْمُؤْمِنُونَ} معطوف على {الَّذِينَ} .
{وَلِيَقُولَ الَّذِينَ} فعل وفاعل، منصوب بـ {أن} مضمرة بعد لام كي، معطوف على {لِيَسْتَيْقِنَ} ، {في قُلُوبِهِم} خبر مقدم، {مَرَضٌ} مبتدأ مؤخّر، والجملة صلة الموصول، {وَالْكَافِرُونَ} معطوف على الموصول، {ما} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {ذا} اسم موصول في محل الرفع خبر، وجملة {أَرَادَ اللَّهُ} صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: أراده الله. والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ {يقول} ، {بِهَذَا} متعلق بـ {أَرَادَ} ، {مَثَلًا} تمييز لـ {هذا} .
{كَذَلِكَ} صفة لمصدر محذوف، والتقدير: يضلّ الله إضلالًا مثل ذلك، {يُضِلُّ اللَّهُ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {مَن} اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة {يَشَاءُ} صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: من يشاء إضلاله، {وَيَهْدِي} فعل مضارع وفاعل مستتر، معطوف على {يُضِلُّ} ، {مَن} مفعول به، وجملة {يَشَاءُ} صلته، {وَمَا} {الواو}: استئنافية، {ما} نافية، {يَعْلَمُ} فعل
مضارع، {جُنُودَ رَبِّكَ} مفعول به، {إِلَّا} أداة حصر، {هُو} ضمير للمفرد المنزه عن الذكررة والأنوثة والغيبة في محل الرفع فاعل، والجملة مستأنفة. {وَمَا} {الواو}: عاطفة، {ما} نافية، {هِىَ} ضمير منفصل في محل الرفع مبتدأ، والضمير يعود إلى {سَقَرَ} ، {إِلَّا} أداة حصر، {ذِكْرَى} خبر {للبشر} متعلق بـ {ذِكْرَى} ، والجملة معطوفة على جملة {يعلم} ، {كَلَّا} حرف ردع وزجر، {وَالْقَمَرِ} {الواو}: حرف جرّ وقسم، {القمرِ} مقسم به مجرور بواو القسم الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالقمر، وجملة القسم مستأنفة. {وَاللَّيْلِ} جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، والتقدير: وأقسم بالليل، {إذ} ظرف لما مضي متعلق بفعل القسم المحذوف، وجملة {أَدْبَرَ} في محل الجر مضاف إليه لـ {إذ} ، {وَالصُّبْحِ} مجرور بواو القسم، متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالصبح، {إِذَا} ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط متعلق بفعل القسم، وجملة {أَسْفَرَ} في محل الجر مضاف إليه لـ {إِذَا} . {إِنَّهَا} ناصب واسمه، {لَإِحْدَى} اللام: حرف ابتداء، {إحدى الكبرِ} خبر {إنّ} والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب. {نَذِيرًا} حال من {إحدى الكبر} ، {لِلْبَشَرِ} متعلق بـ {نَذِيرًا} ، {لِمَنْ شَاءَ} جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله:{لِلْبَشَرِ} ، وجملة {شَاءَ} صلة {مَنْ} الموصولة، {مِنْكُمْ} حال من فاعل {شَاءَ} ، {أَن} حرف نصب ومصدر، {يَتَقَدَّمَ} فعل مضارع منصوب بـ {أَن} ، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} {أَوْ يَتَأَخَّرَ} معطوف على {يَتَقَدَّمَ} ، وجملة {يَتَقَدَّمَ} مع {أَن} المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {شَاءَ}. أي: لمن شاء منكم تقدّمه إلى الخير أو تأخره عنه.
{كُلُّ نَفْسٍ} مبتدأ {بِمَا} متعلق بـ {رَهِينَةٌ} ، وجملة {كَسَبَتْ} صلة لـ {ما} هو الموصولة، {رَهِينَةٌ} خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. {إِلَّا} أداة استثناء، {أَصْحَابَ الْيَمِينِ} مستثنى متصل، أو منقطع على الخلاف المذكور عندهم، منصوب، {فِي جَنَّاتٍ} حال من {أَصْحَابَ الْيَمِينِ} أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم كائنون في جنات، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، {يَتَسَاءَلُونَ} فعل وفاعل، والجملة إما حال
ثانية، أو خبر ثان للمبتدأ المحذوف، {عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)} متعلق بـ {يَتَسَاءَلُونَ} ، وجملة قوله:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)} مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل {يَتَسَاءَلُونَ} ، تقديره: يتساءلون عن المجرمين حال كونهم قائلين لهم: ما سلككم أنها المجرمون في نار سقر؟ {مَا} اسم استفهام للاستفهام التوبيخيّ المضمّن للتعجب من حالهم في محل الرفع مبتدأ، وجملة {سَلَكَكُمْ} من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل الرفع خبر عن {ما} الاستفهامية، والجملة الاسمية في محل النصب مقول للقول المحذوف {فِي سَقَرَ} متعلق بـ {سَلَكَكُمْ} .
{قَالُوا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {لَمْ نَكُ} {لَمْ} حرف نفي وجزم، {نَكُ} فعل مضارع مجزوم بـ {لَمْ} ، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف؛ لأنّها تحذف من مضارع كان المجزوم لكثرة استعمالها إذا لم يلها ساكن، واسمها ضمير مستتر تقديره: نحن. {مِنَ الْمُصَلِّينَ} خبرها، والجملة الناسخة في محل النصب مقول {قالوا} ، {وَلَمْ نَكُ} جازم وفعل ناقص واسمه المستتر، وجملة {نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} من الفعل والفاعل المستتر والمفعول في محل النصب خبر {نكون} ، وجملة {نكون} في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول {قَالُوا} ، {وَكُنَّا} فعل ناقص واسمه، وجملة {نَخُوضُ} خبره، والجملة الناقصة معطوفة على ما قبلها أيضًا، {مَعَ الْخَائِضِينَ} مع ظرف زمان باعتبار التكلم متعلق بـ {نَخُوضُ} ، {الْخَائِضِينَ} مضاف إليه، {وَكُنَّا} فعل ناقص واسمه، معطوف على ما تقدم، وجملة {نُكَذِّبُ} خبره، {بِيَوْمِ الدِّينِ} متعلق بـ {نُكَذِّبُ} ، {حَتَّى} حرف جرّ وغاية، والغاية للأمور الأربعة الآنفة، {أَتَانَا} فعل ماض ومفعول به مقدم في محل النصب بأن المضمرة بعد {حَتَّى} الجارة، {الْيَقِينُ} فاعل، والجملة الفعلية مع أنْ المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى إلى، تقديره: إلى إتيان اليقين والموت إيّانا، الجار والمجرور تنازع فيه كل من الأكوان الأربعة السابقة. {فَمَا} {الفاء}: عاطفة، {ما} نافية، {تَنْفَعُهُمْ} فعل مضارع ومفعول به، {شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} فاعل، ومضاف إليه والجملة معطوفة على جملة {قَالُوا} .
{فَمَا} {الفاء} استئنافية، {ما} اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، {لَهُمْ} خبر لـ {ما} الاستفهامية، {عَنِ التَّذْكِرَةِ} متعلق بـ {مُعْرِضِينَ} ، و {مُعْرِضِينَ} حال من ضمير {لهم} ، والجملة الاسمية مستأنفة. {كَأَنَّهُمْ} ناصب واسمه، {حُمُرٌ} خبره، {مُسْتَنْفِرَةٌ} صفة لـ {حُمُرٌ} ، والجملة التشبيهية في محل النصب حال من الضمير المستكن في {مُعْرِضِينَ} فهي حال متداخلة، {فَرَّتْ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على {حُمُرٌ} ، {مِنْ قَسْوَرَةٍ} متعلق بـ {فَرَّتْ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ {حُمُرٌ} . {بَل} حرف إضراب وانتقال عن محذوف، هو جواب الاستفهام السابق، كأنّه قيل: فلا جواب لهم عن هذا السؤال؛ أي: لا سبب لهم في الإعراض بل يريد إلخ. {يُرِيدُ} فعل مضارع، {كُلُّ امْرِئٍ} فاعل، ومضاف إليه، {مِنْهُمْ} صفة {امْرِئٍ} ، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، {أَن} حرف نصب، {يُؤْتَى} فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ {أَنْ} ، ونائب فاعله ضمير يعود على {كُلُّ امْرِئٍ} ، {صُحُفًا} مفعول ثان لـ {يُؤْتَى} ، {مُنَشَّرَةً} صفة {صُحُفًا} ، والجملة الفعلية مع {أنْ} المصدرية في تأويل مصدر منصوب، على أنه مفعول به لـ {يُرِيدُ} ، تقديره: بل يريد كلّ امرىء منهم إيتاء صحف منشرة.
{كَلَّا} حرف ردع وزجر عن الإرادة المذكورة، {بَلْ} حرف إضراب وانتقال لبيان سبب هذا التعنت، {لَا} نافية، {يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} فعل وفاعل ومفعول به والجملة الإضرابية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {كَلَّا} حرف ردع وزجر عن الإعراض، {إِنَّه} ناصب واسمه؛ أي: القرآن. {تَذْكِرَةٌ} خبره، والجملة مستأنفة. {فَمَنْ} {الفاء}: عاطفة، {مَن} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما {شَاءَ} فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ {مَن} على كونه فعل شرط لها، ومفعول {شَاءَ} محذوف تقديره: فمن شاء أن
يذكره، {ذَكَرَهُ} فعل وفاعل مستتر ومفعول به في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونه جواب شرط لها، وجملة {مَنْ} الشرطية معطوفة على جملة {إن} ، {وَمَا} {الواو}: عاطفة، {ما} نافية، {يَذْكُرُونَ} فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {مَن} الشرطية، {إلَّا} أداة استثناء من أعمّ العلل، أو من أعمّ الأحوال، كما مرّ. {أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ناصب وفعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة الفعلية مع {أن} المصدرية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله ذكرهم، أو لعلة من العلل إلا لعلة مشيئة الله ذكرهم. {هُوَ} ضمير للمفرد المنزه عن المذكورة والأنوثة، والغيبة في محل الرفع مبتدأ، {أَهْلُ التَّقْوَى} خبره {وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} معطوف على {أَهْلُ التَّقْوَى} . والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} ؛ أي: يا أيها الذي لبس الدثار، وهو ما فوق الشعار الذي يلي الجسد، وأصله: المتدثّر، أدغمت التاء بعد قلبها دالاًّ في الدال، كما مر في المزمل. {قُمْ} من مضجعك واترك التدثّر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له، وهو الإنذار اهـ خطيب.
{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} ؛ أي: خصّص ربك بالتكبير والتعظيم عما لا يليق به من النقائص والشركاء. {وَثِيَابَكَ} الياء في {ثيابك} مبدلة من واو؛ لأن أصله: ثواب، فأبدلت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة. {وَالرُّجْزَ} بكسر الراء وضمّها بمعنى وحد، يراد بهما الأصنام والأوثان. {النَّاقُورِ} فاعول من النقر، وهو الصوت كالجاسوس من التجسّس، والمراد به هنا الصور، وهو القرن. {شُهُودًا} جمع شاهد، مثل: قاعد وقعود، وشهده كسمعه: حضره؛ أي: بنين حضورًا معه بمكة يتمتع بمشاهدتهم، لا يفارقونه للتصرّف في عمل أو تجارة، كما مرّ.
{وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14)} التمهيد في الأصل: التسوية والتهيئة، ويتجوز به عن بسط المال والجاه. {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)} أصله: أزيد بوزن أفعل، نقلت حركة الياء إلى الزاي فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ. {لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} يقال: عند إذا
خالف الحق ورده عارفًا به، فهو عنيد وعاند، يعني: منكرًا. والمعاندة: المفارية والمجانبة والمعارضة بالخلاف كالعناد. والعنيد هنا بمعنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير بمعنى المجالس والمؤاكل والمعاشر. {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} قال الراغب: رهقه الأمر إذا غشيه بقهر، يقال: رهقته وأرهقته مثل: ردفته وأردفته وتبعته وأتبعته، ومنه: أرهقت الصلاة؛ أي: أخرتها حتى غشي وقت الأخرى. والصعود: العقبة الشاقّة، ويستعار لكلّ مشاق. والمعنى: سأكلّفه كرهًا بدل ما يطمعه من الزيادة ارتقاء عقبة شاقّة المصعد، كما مرّ. {إِنَّهُ فَكَّرَ} من التفكير بمعنى التفكر والتأمل.
{ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} {عَبَسَ} من باب جلس، وبسر من باب دخل كما في "المختار" فيهما. وفي "السمين": قوله: ثمّ عبس يعبس عبسا وعبوسًا؛ أي: قطب وجهه، "يقال: قطب بين عينيه إذا جمع، وبابه: ضرب وجلس". والعبس: ما يبس في أذناب الإبل من البعر والبول، ويقال: بسر يبسر بسرًا وبسورًا إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشيء، واسودّ وجهه، منه يقال: وجه باسر؛ أي: منقبض أسود، وأهل اليمن يقولون: بسر المراكب، وأبسر إذا وقف، وأبسرنا؛ أي: صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر؛ أي: متناول من غدير قبل سكونه، ومنه: قيل للذي لم يدرك من الثمر بسر.
{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} يقال: أثرت الحديث أثره أثرًا إذا حدّث به عن قوم في آثارهم؛ أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل ثمّ كان بمعنى الرواية عمّن كان، وحديث مأثور؛ أي: منقول ينقله خلف عن سلف، وأدعية ماثورة؛ أي: مروية عن الأكابر. {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)} ؛ أي: أدخله جهنم، لما قال في "الصحاح": سقر اسم من أسماء النار، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)}؛ أي: محرقة لظاهر الجلد، وهي بناء مبالغة، وفيها معنيان، كما مرّ أحدهما من لاح يلوح؛ أي: ظهر؛ أي: إنها تظهر للبشر، وثانيهما وهو الأرجح أنّها من لوّحه؛ أي: غيّره وسوّده. والبشر: جمع بشرة كثمر وثمرة، وهو ظاهر الجلد. {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا} أصله: يزتيد بوزن يفتعل، أبدلت تاء الافتعال دالًا وأبدلت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
{وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أصله: يرتَيبْ بوزن يفتعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها
بعد فتح. {أُوتُوا} أصله: أؤتيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمّة على الياء فحذفت، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين. {جُنُودَ رَبِّكَ}؛ أي: جموع خلقه، جمع جند بالضمّ، وهو العسكر، وكلّ مجتمع وكلّ صنف من الخلق على حدة. {وَاللَّيْلِ} وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. {وَالصُّبح} قال في "القاموس": الصبح: الفجر أو أوّل النهار، والجمع أصباح. وفي "المفردات": الصبح والصباح: أوّل النهار، وهو وقت ما أحمرّ الأفق بحاجب الشمس. {إِذَا أَسْفَرَ}؛ أي: ضاء وانكشف. قال الراغب: السفر: كشف الغطاء، ويختصّ ذلك بالأعيان، نحو: سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه، والأسفار يختص باللون، نحو: والصبح إذا أسفر؛ أي: أشرق لونه ووجهه. وفي "قوت القلوب": الفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس، وهو بريق بياضها الذي تحت الحمرة، وهو الشفق الثاني على ضدّ غروبها؛ لأن شفقها الأول من العشاء هو العمرة بعد الغروب وبعد العمرة البياض، وهو الشفق الثاني من أوّل الليل، وهو آخر سلطان شعاع الشمس، وبعد البياض سواد الليل وغسقه، ثم ينقلب ذلك على الضدّ، فيكون بدء طلوعها الشفق الأول وهو البياض، وبعده العمرة وهو شفقها الثاني، وهو أوّل سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس. فالفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه أرض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المشرفة العالية، ويظهر شعاعها منتشرًا إلى وسط الدنيا عرضًا مستطيرًا انتهى.
{لَإِحْدَى الْكُبَرِ} والكبر: جمع الكبرى، جعلت ألف التأنيث كتائه وألحقت بها، فكما جمعت فعلة على فعل كركبة وركب جمعت فعلى عليها، وإلا ففعلى لا تجمع على فعل، بل على فعالى كحبلى وحبالى. {نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36)}؛ أي: لبني آدم، سمّوا بشرًا لبدوّ بشرتهم؛ أي: خلوّها عن الشعر. {بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} قال الراغب: {رَهِينَة} إنّه فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ثابتة مقيمة. وقيل بمعنى مفعول؛ أي: كل نفس مقامة في جزاء ما قدّم من عملها، ولما كان الرهن يتصور من حبسه أستعير ذلك للمحتبس أي شيء كان. {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)} سمّوا بهم؛ لأنهم يأخذون كتبم بأيمانهم. {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)} من سلكت الخيط في الإبرة سلكًا؛ أي: أدخلته فيها، فهو من السلك بمعنى الإدخال، لا من السلوك بمعنى الذهاب. {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} أصله: نكون، هذا قبل نقل حركة الواو إلى الكاف؛ لأنّ الأصل:
نكون بوزن نفعل، فلما جزم الفعل المضارع الصحيح الآخر سكّن آخره، فصار نكون فالتقى ساكنان، فحذفت الواو، فصار نكن بوزن نفل، ثم حذفت النون حذفًا غير مطرد، فقيل:{نَكُ} . وهذه النون يجوز حذفها إلا إذا اتصل بها ضمير نصب، أو كان بعدها ساكن، نحو:{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال ابن مالك:
وَمِنْ مُضَارعِ لِكَانَ مُنْجَزِمْ
…
تُحْذَفُ نُوْنٌ وَهْوُ حَذْفٌ مَا التُزِمْ
{وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)} أي: نخالط أهل الباطل في باطلهم، فكلما غوى غاوٍ غوينا معه. {كنا} أصل كان: كون بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح فصار كان ثم أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك "نا" فسكن آخره لذلك فالتقى ساكنان الألف والنون آخر الفعل فحذفت الألف ثم ألغيت حركة فاء الكلمة، وعوض عنها حورة مناسبة لعين الفعل المحذوفة لتدل على العين المحذوفة، هل هي واو أو ياء، فلمّا ضمّت الفاء التي هي الكاف علم أن العين المحذوفة واو لمناسبة الضمّة للواو، وهكذا كلّ أجوف واويّ العين أسند إلى ضمير رفع متحرك. {نَخُوضُ} أصله:{نخوض} بوزن نفعل، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مدّ. {مَعَ الْخَائِضِينَ} فيه إعلال بالإبدال، أصله: الخاوضين من خاض يخوض، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على فعله خاض في الإعلال، حيث قلبت واوه ألفا لتحركها بعد فتح. {أَتَانَا الْيَقِينُ} أصله: أتينا، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.
{فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} ؛ أي: من أسد، وهي فعولة من القسر، وهو القهر والغلبة؛ لأنّه يغلب السباع ويقهرها. {كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ} قال في "القاموس": المرء مثلثة الميم: لا الإنسان أو الرجل، ولا يجمع من لفظه، ومع ألف الوصل ثلاث لغات: فتح الراء دائمًا وضمها دائمًا وكسرها دائمًا. {صُحُفًا} جمع صحيفة بمعنى الكتاب. {مُنَشَّرَةً} ؛ أي: منشورة؛ أي: غير مطوية؛ أي: طرية لم تطو بل تأتينا وقت كتابتها، وهذا من زيادة تعنّتهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
منها: تقديم المعمول على عامله في قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)} لإفادة الاختصاص؛ أي: وخصّص {ربّك} وبالتكبير، وفيه رعاية الفواصل، كما في نظائره من الآي.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)} .
ومنها: الطباق بين {عَسِيرٌ} و {يَسِيرٍ} .
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14)} .
ومنها: تقديم الجارّ على متعلقه في قوله: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} للدلالة على التخصيص، فتخصيص العناد بها مع كونه تاركًا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)} ؛ لأن الصعود حقيقة في العقبة الشاقّة المصعد فاستعير لكل مشاق.
ومنها: الإطناب بتكرار الجملة في قوله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20)} لإفادة التأكيد والمبالغة في التشنيع.
ومنها: التأكيد في قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)} ؛ لأنه تأكيد لما قبله، ولذلك خلي من العاطف.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)} لإفادة التهويل والتفظيع منها.
ومنها: التأكيد في قوله: {وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} ، لأنّه تأكيد لما قبله من الاستيقان وازدياد الإيمان، فإن نفي ضد الشيء بعد إثبات وقوعه أبلغ في الإثبات كما مرّ.
ومنها: التعبير عن الذين آمنوا باسم الفاعل في قوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ} بعد ذكرهم بالموصول والصلة الفعلية المنبئة من الحدوث للإيذان بثباتهم على الإيمان بعد ازدياده ورسوخهم في ذلك.
ومنها: الطباق بين قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، وبين {يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} .
ومنها: تخصيص الإنس في قوله: {وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} مع أنها تذكرة للجن أيضًا؛ لأنهم هم الأصل في القصد بالتذكرة.
ومنها: المقابلة بين {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)} ، وبين {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)} .
ومنها: التنكير في قوله: {فِي جَنَّاتٍ} تفخيمًا لشأنها بأنها بلغت غاية لا يكتنه كنهها ولا يوصف وصفها.
ومنها: تأخير قوله: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} عمّا قبله مع كونه أعظم جناياتهم؛ إذ هو تكذيب بالقيامة وإنكارها كفر، والأمور الثلاثة المتقدمّة فسق لتفخهيم هذه الجناية، وللترقّي من القبيح إلى الأقبح، ولبيان كون تكذيبهم به مقارنًا لسائر جناياتهم المعدودة قبله مستمرًّا إلى آخر عمرهم، كما مرّ.
ومنها: أسلوب التقريع والتوبيخ بطريق الاستفهام في قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)} .
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} ، حيث شبههم بالحمر المستنفرة في إعراضهم عن القرآن واستماع ما فيه من المواعظ وشرادهم عنه.
وفي ذلك مذمّة ظاهرة وتهجين لحالهم وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا توى مثل نفار حمار الوحش وإطرادها في العدو إذا خافت من شيء.
ومنها: الإيجاز بحذف بعض الجمل في قوله: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)} ؛ أي: قائلين لهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)} ، فحذف اعتمادًا على فهم المخاطبين.
ومنها: التنوين في قوله: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54)} تعظيمًا لشأنه وتفخيمًا له؛ أي: كلّا إن هذا القرآن تذكرةٌ بليغةٌ كافيةٌ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
خلاصة ما في هذه السورة من الموضوعات
1 -
وصفه صلى الله عليه وسلم بالتدثّر، وأمره بالإنذار والتكبير والطهارة واجتناب الأوثان والصبر.
2 -
التصريح بعسر يوم القيامة على الكافرين، والتعريض بيسره على المؤمنين.
3 -
ذكر قصة الوليد بن المغيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وتهديده بعذاب سقر.
4 -
ذكر كون أصحاب النار المدبرين لها ملائكة وبيان عدتهم.
5 -
جعل عدتهم فتنة للكافرين وزيادة لايمان المؤمنين.
6 -
بيان كون الإضلال والهداية بيد الله سبحانه وتعالى.
7 -
بيان كثرة جنود الله تعالى حتى لا يعلم عدّتهم أحد إلا الله سبحانه.
8 -
بيان قسمه سبحانه بما شاء من مخلوقاته.
9 -
بيان كون كلّ نفس مرهونة بعملها.
10 -
بيان تساؤل أصحاب اليمين عن أحوال المجرمين توبيخًا لهم مع بيان جواب المجرمين عن سؤالهم.
11 -
تشبيه المجرمين بالحمر المستنفرة في إعراضهم عن القرآن وشرادهم عن استماعه.
12 -
بيان أن الشفاعة لا تنفع الكافرين.
13 -
بيان أن القرآن تذكرة لمن ذكره (1).
والله أعلم
* * *
(1) تمّ الفراغ من تفسير هذه السورة في الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء الثامن عشر من شهر الربيع الآخر من شهور سنة 18/ 4/ 1416 هـ ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.