المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

البالغة، والحجة الدامغة. وهذا (1) بيان لكون مشيئته تعالى مبنية - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣٠

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الملك

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌سورة ن

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌ 4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌ 47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة الحاقّة

- ‌1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌ 6

- ‌7

- ‌8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة المعارج

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌ 26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌ 29

- ‌30

- ‌31

- ‌ 32

- ‌ 33

- ‌ 34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌سورة نوح

- ‌(1):

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌ 12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة الجن

- ‌1

- ‌2

- ‌ 3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌ 6

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌ 10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌ 14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة المزمل

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌سورة المدثر

- ‌2)}

- ‌1

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌8)

- ‌7

- ‌9

- ‌(10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌(41)}

- ‌42

- ‌43

- ‌ 44

- ‌ 45

- ‌ 46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌سورة القيامة

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌سورة الإنسان

- ‌(1)

- ‌(2):

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌9

- ‌10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌(24)}

- ‌23

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌سورة المرسلات

- ‌(4

- ‌(1):

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌(5)}

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

الفصل: البالغة، والحجة الدامغة. وهذا (1) بيان لكون مشيئته تعالى مبنية

البالغة، والحجة الدامغة. وهذا (1) بيان لكون مشيئته تعالى مبنية على أساس العلم والحكمة؛ أي: إنه تعالى مبالغ في العلم والحكمة، فيفعل ما يستأهله كل أحد، فلا يشأ لهم إلا ما يستدعيه علمه وتقتضيه حكمته.

‌31

- {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} فيهديه ويوفّقه للطاعة بحسب استعداده. وهذا بيان لأحكام مشيئته المرتبة على علمه وحكمته؛ أي: يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها، وهو الذي يصرّف مشيئته نحو اتخاذ السبيل إليه تعالى حيث يوفقه لما يؤدي إلى دخول الجنة من الإيمان والطاعة.

{وَالظَّالِمِينَ} وهم الذين صرفوا مشيئتهم إلى خلاف ما ذكر؛ أي: والذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، فماتوا على شركهم {أَعَدَّ لَهُمْ}؛ أي: هيّأ لهم في الآخرة {عَذَابًا أَلِيمًا} ؛ أي: متناهيًا غاية الإيلام؛ أي: عذابًا مؤلمًا موجعًا، هو عذاب جهنم وبئس المصير.

قال الزجاج: نصب {الظالمين} لأنّ ما قبله منصوب؛ أي: يدخل من يشاء في رحمته ويعذّب الظالمين، ويكون {أَعَدَّ لَهُمْ} تفسيرًا لهذا المضمر. وختم (2) الله سبحانه السورة بالعذاب المعدّ يوم البعث والحشر ففيه حسن الاختتام لموافقته الابتداء على ما لا يخفى على أهل العقل والفهم.

وقرأ الجمهور (3): {وَالظَّالِمِينَ} نصبًا بإضمار فعل يفسّره قوله: {أَعَدَّ لَهُمْ} تقديره: ويعذّب الظالمين، وهو من باب الاشتغال عطف جملة فعلية على جملة فعلية. وقرأ ابن الزبير، وأبان بن عثمان، وابن أبي عبلة {والظالمون} عطف جملة اسمية على فعلية، وهو جائز حسن. وقرأ عبد الله {وللظالمين} بلام الجرّ، وهو متعلق بـ {أعدّ} لهم توكيدًا، ولا يجوز أن يكون من باب الاشتغال، ويقدّر فعل يفسره الفعل الذي بعده، فيكون التقدير: وأعدّ للظالمين، وأعدَّ لهم. وهذا مذهب الجمهور، وفيه خلاف ضعيف مذكور في النحو، فتقول: يزيد مررت به، ويكون التقدير: مررت يزيد مررت به، ويكون من باب الاشتغال، والمحفوظ المعروف عن العرب نصب الاسم وتفسير مررت المتأخّر، وما أشبهه من جهة المعنى فعلًا ماضيًا.

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

(3)

البحر المحيط.

ص: 511

الإعراب

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)} .

{هَلْ} هنا بمعنى قد التحقيقية، فليست للاستفهام؛ لأنّ الاستفهام محال على الله تعالى. وقيل: للاستفهام التقريري، والجواب مقدّر، تقديره: نعم. {أَتَى} فعل ماض، {عَلَى الْإِنْسَانِ} متعلق به، {حِينٌ} فاعل، {مِنَ الدَّهْرِ} صفة لـ {حِينٌ} ، والجملة مستأنفة. {لَمْ} حرف نفي وجزم، {يَكُنْ} فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على {الْإِنْسَانِ} ، {شَيْئًا} خبرها، {مَذْكُورًا} صفة {شَيْئًا} ، وجملة {يَكُنْ} في محل النصب حال من الإنسان، أي: حال كونه غير مذكور، أو في محل الرفع صفة لـ {حِينٌ} كقوله:{يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ} . {إِنَّا} ناصب واسمه، {خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} فعل وفاعل ومفعول، {مِنْ نُطْفَةٍ} متعلق بـ {خَلَقْنَا} ، {أَمْشَاجٍ} نعت لـ {نُطْفَةٍ} ، وجملة {خَلَقْنَا} في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لبيان كيفية خلق الإنسان {نَبْتَلِيهِ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من فاعل {خَلَقْنَا}؛ أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له، أو حال من {الْإِنْسَانَ} ، وصحّ ذلك لأنّ في الجملة ضميرين كلّ منهما يعود على صاحب الحال. ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنةً إن كان المعنى: نبتليه بتصريفه في بطن أمّه نطفةً ثم علقةً، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى {نَبْتَلِيهِ} نختبره بالتكليف؛ لأنه وقت خلقه غير مكلف. {فَجَعَلْنَاهُ} الفاء: عاطفة للترتيب مع التعقيب، {جعلناه} فعل وفاعل ومفعول أوّل، معطوف على {خَلَقْنَا} ، {سَمِيعًا بَصِيرًا} مفعول به ثان وقد نزلت الكلمتان منزلة الكلمة الواحدة؛ لأنهما كناية عن التمييز والفهم، إذ آلتهما سبب لذلك، وهما أشرف الحواس تدرك بهما أعظم المدركات. {إِنَّا} ناصب واسمه، {هَدَيْنَاهُ} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر {إنّ} وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل الابتلاء، {السَّبِيلَ} مفعول به ثان لـ {هدينا} ، أو في محل نصب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلق بـ {هدينا} . {إِمَّا} حرف تفصيل، {شَاكِرًا} حال من الهاء في {هَدَيْنَاهُ} ،

ص: 512

{وَإِمَّا كَفُورًا} {الواو} : عاطفة، {إِمَّا} على {إِمَّا} الأولى، {إِمَّا} حرف عطف وتفصيل، {كَفُورًا} معطوف على {شَاكِرًا}. أي: مكّنّاه وأقدرناه على حالتيه جميعًا.

{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ أَعْتَدْنَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)} .

{إِنَّا} ناصب واسمه، {أَعْتَدْنَا} فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر {إنّ} وجملة {إنّ} جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، مسوقة لتعليل ما قبلها أيضًا، {لِلْكَافِرِينَ} متعلق بـ {أَعْتَدْنَا} ، {سَلَاسِلَ} مفعول به، ومنع من الصرف، لأنّه على صيغة مفاعل، وقرىء بالصرف للمناسبة مع {أَغْلَالًا} ، وهما قراءتان سبعيتان، كما سبق. {وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} معطوفان على {سَلَاسِلَ} . {إِنَّ الْأَبْرَارَ} ناصب واسمه، وجملة {يَشْرَبُونَ} خبرها، {مِنْ كأَسٍ} متعلق بـ {يَشْرَبُونَ} ، ومفعول {يَشْرَبُونَ} محذوف؛ أي: خمرًا من كأس، وجملة {إِنَّ} مستأنفة، {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة {كَانَ} في محل الجرّ صفة لـ {كأَسٍ} ، {عَيْنًا} بدل من {كَافُورًا} ، أو من محل {مِنْ كأَسٍ} ، أو مفعول {يَشْرَبُونَ} أو منصوب على الاختصاص، وقيل: غير ذلك. وجملة {يَشْرَبُ} صفة لـ {عَيْنًا} ، {بِهَا} متعلق بـ {يشَرَبُ} ، {عِبَادُ اللَّهِ} فاعل {يشَرَبُ} {يُفَجِّرُونَهَا} فعل وفاعل ومفعول به، {تَفْجِيرًا} مفعول مطلق والجملة في محل النصب حال من {عِبَادُ اللَّهِ} .

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} .

{يُوفُونَ} فعل وفاعل، {بِالنَّذْرِ} متعلق بـ {يُوفُونَ} ، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: بم استحقوا ذلك النعيم؟ فقيل: {يُوفُونَ} إلخ. {وَيَخَافُونَ يَوْمًا} فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على {يُوفُونَ} ، {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب صفة لـ {يَوْمًا} . {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {يُوفُونَ} ، {عَلَى} حرف جر بمعنى مع، {حُبِّهِ} مجرور بـ {عَلَى} الجار والمجرور حال من فاعل {يطعمون}؛ أي: حال كونهم محبين له، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، والضمير لـ {الطَّعَامَ} كما مرّ. {مِسْكِينًا} مفعول

ص: 513

ثان لـ {يطعمون} ، {وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} معطوفان على {مِسْكِينًا} .

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)} .

{إِنَّمَا} كافّ ومكفوف، {نُطْعِمُكُمْ} فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، {لِوَجْهِ اللَّهِ} متعلق بـ {نُطْعِمُكُمْ} ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الإطعام، {لَا} نافية، {نُرِيدُ} فعل مضارع وفاعل مستتر، {مِنْكُمْ} متعلق بـ {نُرِيدُ} ، {جَزَاءً} مفعول به، {وَلَا شُكُورًا} معطوف عليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل {نُطْعِمُكُمْ} . {إِنَّا} ناصب واسمه، وجملة {نَخَافُ} خبره، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل قوله:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} . {مِنْ رَبِّنَا} متعلق بـ {نَخَافُ} ، {يَوْمًا} مفعول به، {عَبُوسًا} نعت {يَوْمًا} ، {قَمْطَرِيرًا} نعت ثان لـ {يَوْمًا} ، {فَوَقَاهُمُ} الفاء: عاطفة سببية، {وقاهم الله} فعل ماض ومفعول مقدم، وفاعل مؤخّر، {شَرَّ} مفعول ثان، {ذَلِكَ} مضاف إليه، {الْيَوْمِ} بدل من اسم الإشارة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {إنّ} عطف مسبب على سبب؛ أي: فبسبب خوفهم وقاهم الله إلخ. {وَلَقَّاهُمْ} فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على {وقاهم} ، {نَضْرَةً} مفعول به ثان، {وَسُرُورًا} معطوف على {نَضْرَةً} ، {وَجَزَاهُمْ} فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على {وقاهم} أيضًا، {بِمَا} متعلق بـ {جزاهم} ، و {ما} مصدرية؛ أي: بسبب صبرهم، {صَبَرُوا} فعل وفاعل و {ما} وما بعدها في محل جر بالإضافة {جَنَّةً} مفعول به ثان، {وَحَرِيرًا} معطوف على {جَنَّةً} .

{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)} .

{مُتَّكِئِينَ} حال من مفعول {جزاهم} ، {عَلَى الْأَرَائِكِ} متعلق بـ {مُتَّكِئِينَ} ، وجملة {لَا يَرَوْنَ} حال ثانية من مفعول {جزاهم} ، ولك أن تجعلها حالًا من الضمير في {مُتَّكِئِينَ} ، {فِيهَا} متعلق بـ {يَرَوْنَ} ، {شَمْسًا} مفعول به لـ {يَرَوْنَ} ، والرؤية بصرية تتعدّى إلى مفعول واحد، {وَلَا زَمْهَرِيرًا} معطوف على {شَمْسًا} ، {وَدَانِيَةً} معطوف على {مُتَّكِئِينَ} ، ودخلت الواو للدلالة على أنّ الأمرين يجتمعان

ص: 514

لهم كأنّه قيل: وجزاهم جنة جامعين فيها بين السلامة من الحرّ والقرّ، وبين دنوّ الظلال عليهم. و {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {دانية} ، ولا بد من تضمين على معنى {من} ، لأنّ الدنوّ لا يتعدى بـ {على} ، وإنما لم يقل منهم لأن الظلال عالية عليهم، {ظِلَالُهَا} فاعل {دانية} ، ومضاف إليه {وَذُلِّلَتْ} فعل ماض مغيّر الصيغة، {قُطُوفُهَا} نائب فاعل، ومضاف إليه {تَذْلِيلًا} مفعول مطلق، والجملة معطوفة على {دانية} ، لأنّه في تأويل الفعل؛ أي: وأدنيت عليهم، فهي في محل نصب على الحال؛ أي: مذلّلة. وإنما خولف بعطف الفعلية على الاسمية للإشارة إلى أن التظليل أمر دائم لا يزول؛ لأنها لا شمس فيها بخلاف التذليل، فإنه أمر متجدّد طارىء. {وَيُطَافُ} فعل مضارع مغيّر الصيغة، معطوف على {ذللت} ، {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {يطاف} ، {بِآنِيَةٍ} في محل الرفع نائب فاعل لـ {يطاف} ؛ لأنّه هو المفعول به في المعنى، {مِنْ فِضَّةٍ} صفة لـ {آنية} ، {وَأَكْوَابٍ} معطوف على {آنية} من عطف الخاصّ على العامّ، {كَانَتْ} فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على {الأكواب} ، {وقواريرا} خبرها، وجملة {كَانَتْ} في محل الجرّ صفة لـ {أكواب} ، ويجوز أن تكون كان تامّة، فيكون {قَوَارِيرَا} حالًا، {قَوَارِيرَا} الثاني بدل من {قَوَارِيرَا} الأول، {مِنْ فِضَّةٍ} نعت لـ {قَوَارِيرَا} ، وجملة {قَدَّرُوهَا} نعت ثان لـ {قَوَارِيرَا} ، {تَقْدِيرًا} مفعول مطلق.

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)} .

{وَيُسْقَوْنَ} فعل مضارع مغيّر الصيغة، والواو: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة {يطاف} ، {فِيَها} متعلق بـ {يسقون} ، {كَأْسًا} مفعول به ثان، {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة {كَانَ} صفة لـ {كَأْسًا} ، {عَيْنًا} بدل من {كَأْسًا} أو منصوب على الاختصاص، {فِيهَا} صفة لـ {عَيْنًا} وجملة {تُسَمَّى} نعت ثان لـ {عَيْنًا} ، {تُسَمَّى} فعل مضارع مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر، تقديره: هي، يعود على {عَيْنًا} ، {سَلْسَبِيلًا} مفعول به ثان لـ {تُسَمَّى} . {وَيَطُوفُ} فعل مضارع معلوم، معطوف على ما قبله، {عَلَيْهِمْ} متعلق بـ {يطوف} ، {وِلْدَانٌ} فاعل، {مُخَلَّدُونَ} نعت لـ {وِلْدَانٌ} ، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بالجواب الآتي، {رَأَيْتَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجرّ بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها، {حَسِبْتَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول

ص: 515

أول، {لُؤْلُؤًا} مفعول ثان، {مَنْثُورًا} صفة لـ {لُؤْلُؤًا} ، والجملة الفعلية جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} مستأنفة، أو صفة ثانية لـ {لُؤْلُؤًا}. {وإذا} {الواو}: عاطفة، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط، {رَأَيْتَ} فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها، {ثَمَّ} ظرف مكان مختصّ بالمكان البعيد، متعلق بـ {رَأَيْتَ} ، وليس لـ {رَأَيْتَ} مفعول ظاهر ولا مقدر لإشاعة الرؤية وتعميمها كأنه قيل: وإذا أوجدت الرؤية ثمّ، والمعنى: وإذا صدرت منك الرؤية في ذلك المكان رأيت، وجملة {رَأَيْتَ} جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب. وجملة {إذا} معطوفة على جملة {إذا} الأولى أو مستأنفة. {نَعِيمًا} مفعول به لـ {رَأَيْتَ} الثانية، {وَمُلْكًا} معطوف على {نَعِيمًا} ، {كَبِيرًا} صفة {ملكا} .

{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)} .

{عَالِيَهُمْ} ظرف مكان بمعنى فوقهم، منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف خبر مقدم، {ثِيَابُ سُنْدُسٍ} مبتدأ مؤخّر، ومضاف إليه، {خُضْرٌ} صفة لـ {ثِيَابُ} ، {وَإِسْتَبْرَقٌ} معطوف على {ثِيَابُ} على حذف مضاف؛ أي: ثياب استبرق. والجملة في محل النصب صفة بعد صفة لـ {وِلْدَانٌ} . وقيل: {عَلَيْهِمْ} حال من الضمير في قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} ، {ثِيَابُ سُندُسٍ} فاعل لـ {عَلَيْهِمْ}؛ أي: ويطوف عليهم ولدان حال كونهم عاليًا للمطوف عليهم ثياب سندس. أو حال من الهاء في {حَسِبْتَهُمْ} ؛ أي: حسبتهم لؤلؤًا عاليًا لهم ثياب سندس إلخ. وهنا أوجه واختلاف بين المعربين فراجع المطولات. {وَحُلُّوا} {الواو} : عاطفة، {حلوا} فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله:{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} . وجاز عطف الماضي على المضارع، لأنّه مستقبل المعنى، وللإيذان بتحققه؛ لأنه بمعنى يحلون. {أَسَاوِرَ} مفعول به، {مِنْ فِضَّةٍ} صفة لـ {أَسَاوِرَ} ، {وَسَقَاهُمْ} فعل ومفعول به، معطوف على {حلوا} ، {رَبُّهُمْ} فاعل، {شَرَابًا} مفعول به ثان لـ {سقاهم} ، و {طَهُورًا} نعت {شَرَابًا} . {إنَّ هَذَا} ناصب واسمه، وجملة {كَانَ} خبره، وجملة {إِنَّ} مقول لقول محذوف تقديره: ويقال لأهل الجنة: إن هذا كان لكم جزاءً إلخ. واسم {كَانَ} ضمير يعود على {هَذَا} تقديره: هو {لَكُمْ} متعلق بـ {جَزَاءً} ،

ص: 516

و {جَزَاءً} خبر {كَانَ} ، {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على {كَانَ} الأولى.

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)} .

{إِنَّا} ناصب واسمه، {نَحْنُ} تأكيد لاسم {إنّ} ، وجملة {نَزَّلْنَا} من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر {إِنَّا} ، {عَلَيْكَ} متعلق بـ {نَزَّلْنَا} ، و {الْقُرْآنَ} مفعول به، {تَنْزِيلًا} مفعول مطلق، وجملة {إِنَّ} مستأنفة. ولك أن تجعل {نَحْنُ} مبتدأ، وجملة {نَزَّلْنَا} خبره، والجملة خبر {إنّ}. {فَاصْبِرْ} {الفاء}: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك. اصبر. {اصبر} فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {لِحُكْمِ رَبِّكَ} متعلق بـ {اصبر}. {وَلَا} {الواو}: عاطفة، {لَا} ناهية جازمة، {تُطِعْ} فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بـ {لا} الناهية، والجملة معطوفة على جملة {اصبر} ، {مِنْهُمْ} حال من {آثِمًا أَوْ كَفُورًا} ، {آثِمًا} مفعول به، {أَوْ} حرف عطف، {كَفُورًا} معطوف على {آثِمًا} . وإنما جنح إلى {أو} دون الواو لإفهام النهي عن طاعتهما معًا. {وَاذْكُر} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على فـ {اصبر} ، {اسْمَ رَبِّكَ} مفعول به ومضاف إليه، {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ظرفان متعلقان بـ {اذكر} ، والمراد الدوام على الصلاة في أوقاتها. {وَمِنَ اللَّيْلِ} متعلق بـ {اسجد} ، و {مِنْ} للتبعيض؛ أي: اسجد وصلّ له بعض الليل، {فَاسْجُدْ} الفاء رابطة لجواب الشرط المقدر تقديره: ومهما يكن من شيء فاسجد له. {اسجد} فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، {لَهُ} متعلق بـ {اسجد} ، وجملة {اسجد} في محل الجزم جواب الشرط المقدر، وجملة الشرط معطوفة على جملة قوله:{فَاصْبِرْ} . {وَسَبِّحْهُ} فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على {فَاصْبِرْ} ، {لَيْلًا} ظرف متعلق بـ {سبحه} ، {طَوِيلًا} صفة {لَيْلًا} .

{إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29)

ص: 517

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)}.

{إِنَّ} حرف نصب، {هَؤُلَاءِ} اسمها، {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر {إِنَّ} ، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها من الأمر والنهي. {وَيَذَرُونَ} فعل وفاعل، معطوف على {يُحِبُّونَ} ، {وَرَاءَهُمْ} ظرف مكان بمعنى قدّام وأمام، متعلق بمحذوف حال من {يَوْمًا} ، و {يَوْمًا} مفعول به {ثَقِيلًا} صفة {يَوْمًا} ، {نَحْنُ} مبتدأ، وجملة {خَلَقْنَاهُمْ} خبره، والجملة مستأنفة. {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {خَلَقْنَاهُمْ}. {وَإِذَا شِئْنَا} {الواو}: عاطفة، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان، {شِئْنَا} فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: تبديلهم، والجملة في محل الخفض بإضافة {إذا} إليها على كونها فعل شرط لها. {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ} فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، {تَبْدِيلًا} مفعول مطلق، والجملة جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب. وجملة {إذا} معطوفة على جملة {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ} . {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. {فَمَنْ} {الفاء}: عاطفة، {مَنْ} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، {شِئْنَا} فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونه فعل شرط لها، {اتَّخَذَ} فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونه جواب الشرط لها، وجملة {مَنْ} الشرطية معطوفة على جملة {إن} {إِلَى رَبِّهِ} متعلق بـ {اتَّخَذَ} ، وهو في موضع المفعول الثاني لـ {اتَّخَذَ} ، {سَبِيلًا} مفعول أول لـ {اتَّخَذَ} ، {وَمَا} {الواو}: عاطفة، {ما} نافية، {تَشَاءُونَ} فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة {مَنْ} الشرطية، ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: وما تشاؤون الطاعة. {إِلَّا} أداة استثناء من أعمّ الظروف، أو أعمّ الأحوال، {أَن} حرف نصب ومصدر، {يَشَاءَ اللَّهُ} فعل وفاعل، منصوب بـ {أنْ} المصدرية، وجملة {أن} المصدرية مع ما في حيّزها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه، والتقدير: وما تشاؤون في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله، أو بإضافة الحال إليه؛ أي: وما تشاؤون في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى. {إِنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه، وجملة {كَانَ} خبره، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، {كَانَ} فعل

ص: 518

ناقص واسمها ضمير مستتر فيها، {عَلِيمًا} خبرها، {حَكِيمًا} خبر ثان لها، {يُدْخِلُ} فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة أو في محل النصب حال من اسم {كَانَ} ، {مَنْ} اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة {يَشَاءَ} صلة {مَنْ} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء هدايته، {فِي رَحْمَتِهِ} متعلق بـ {يُدْخِلُ} ، {وَالظَّالِمِينَ} {الواو}: عاطفة، {الظالمين} منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسّره المذكور بعده، قدّره أبو البقاء: ويعذّب الظالمين. والجملة معطوفة على جملة {يُدْخِلُ} ، وجملة {أَعَدَّ} جملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب، {لَهُمْ} متعلق بـ {أَعَدَّ} ، {عَذَابًا} مفعول به، {أَلِيمًا} صفة لـ {عَذَابًا} .

التصريف ومفردات اللغة

{حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} الحين: زمان مطلق، ووقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر. وفي "المفردات": الحين: وقت بلوغ الشيء وحصوله، وهو مبهم، ويتخصّص بالمضاف إليه نحو:{وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} . {الدَّهْرِ} الزمان الطويل. {مِنْ نُطْفَةٍ} ؛ أي: من مادّة، هي شيء يسير جدًّا من الرجل والمرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة اهـ خطيب. وفي "المصباح": نطف الماء ينطف من باب قتل: سأل. وقال أبو زيد: نطفت القربة وتنطف وتنطف من بأبي: ضرب ونصر نطيفًا إذا قطرت من وهي. والنطفة: ماء الرجل والمرأة، وجمعها نطف ونطاف، مثل: برمةٍ وبرم وبرام. والنطفة أيضًا: الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة؛ أي: لا يستعمل لها فعل من لفظها اهـ.

{أَمْشَاجٍ} ؛ أي: أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين. جمع مشج كسبب وأسباب أو ككتف وأكتاف أو كعدلٍ وأعدال. أو جمع مشيج كشريف وأشراف. ووقع الجمع صفة لمفرد؛ لأنّه في معنى الجمع، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك، فوصف بالجمع. وفي "المختار": مشج بينهما: خلط، وبابه: ضرب، والشيء مشيج، والجمع أمشاج كيتيم وأيتام، ويقال: نطفة أمشاج لماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها، وعبارة الزمخشري: نطفة أمشاج كبرمة أعشار وبرد أكباشٍ، وهي ألفاظ مفردة غير جموع، ولذلك وقعت صفة للأفراد اهـ. وفي "القرطبي" والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان، وكل منهما

ص: 519

مختلف الأجزاء متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص، تجتمع من الأخلاط، وهي العناصر الأربعة. ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، أيّهما علا كان الشبه له اهـ.

{إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} قال الراغب: الكفور يقال في كافر النعمة وكافر الدين. {سَلَاسِلَ} جمع سلسلة بكسر أوّله، وفي "القاموس". السلسلة بالفتح: إيصال الشيء بالشيء، وبالكسر: دائرة من حديد ونحوه {وَأَغْلَالًا} جمع غلّ بالضمّ، وهو ما تطوق به الرقبة للتعذيب. {إِنَّ الْأَبْرَار} جمع برّ كربّ وأرباب، أو جمع بارّ كشاهد وأشهاد، وهو من يبر خالقه؛ أي: يطيعه، يقال: بررته أبره كعلمته وضربته. وفي "المفردات": البر خلاف البحر، وتصور منه التوسح، فاشتقّ منه البر؛ أي: التوسع في فعل الخير، وبر العبد ربه: توسع في طاعته. {كَانَ مِزَاجُهَا} يقال: مزج الشراب: خله، ومزاج البدن: ما يمازجه من الصفراء والسوداء والبلغم والدم والكيفيات المناسبة لكلّ منها. {كَافُورًا} والكافور: طيب معروف يطيب به الأكفان والأموات لطيب رائحته. واشتقاقه من الكفر، وهو الستر؛ لأنّه يغطي الأشياء برائحته، وفي "القاموس": الكافور: طيب معروف يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين، يظل خلقًا كثيرًا؛ وتألفه النمورة، وخشبه أبيض انتهى. والكافور أيضًا: كمام الشجر التي تغطي ثمرتها. {عَيْنًا} والعين الجارية، ويقال لمنبع الماء تشبيهًا بها في الهيئة وفي سيلان الماء فيها. {يُوفُونَ بِالنَّذْر} والإيفاء بالشيء: هو الإتيان به تامًّا وافيًا. والنذر: التزام قربة ليست واجبة في أصل الشرع تقرّبًا إلى الله تعالى. وأصل {يُوفُونَ} يوفيون بوزن يفعلون، استثقلت الضمّة على الياء، فحذفت فلما سكنت التقى ساكنان فحذفت الياء وضمّت الفاء لمناسبة الواو.

{وَيَخَافُونَ} أصله: يخوفون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت، لكنّها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. {مُسْتَطِيرًا} قال في "القاموس" المستطير: الساطع المنتشر، يقال: استطار الفجر إذا انتشر، وهو أبلغ من طار كاستغفر من غفر، وأصله: مستطير بوزن مستفعل، نقلت حركة الياء إلى الطاء، فسكنت إثر كسرة، فصارت حرف مدّ. وفي السمين: قوله: {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} المستطير: المنتشر، يقال: استطار يستطير استطارة فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران.

ص: 520

{وَأَسِيرًا} من الأسر، وهو الشد بالقد بكسر القاف، وهو من السير مِنَ الجلد، سمي الأسير بذلك ثمّ قيل لكل مأخوذ: مقيد؛ وإن لم يكن مشدودًا بذلك. {عَبُوسًا} ؛ أي: يومًا تعبس فيه، وتكلح وجوه أهله من طوله وشدّته، فوصف اليوم بالعبوس مجازٌ في الإسناد، كما يقال: نهاره صائم {قَمْطَرِيرًا} القمطرير: الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. قال الزجاج: يقال: قمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها، وجمعت قطربها وزقت بأنفها، فاشتقه من القطر، وجعل الميم زائدة. وفي "القاموس": يوم قمطرير شديد، وأقمطر: اشتد. {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ} أصله: وقيهم بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {وَلَقَّاهُمْ} أصله: لقيهم بوزن فعل قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.

{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} أصله جزيهم بوزن فعل. قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح.

{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ} جمع أريكة، والهمزة فيه مبدلة من الياء الموجودة في المفرد المؤنث حيث وقعت حرف مد ثالثًا زائدًا. {لَا يَرَوْنَ فِيهَا} أصله: يرأيون، نقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت وقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت لالتقاء الساكنين الألف وواو الجماعة. {شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} والزمهرير: شدّة البرد، وازمهر اليوم: اشتد برده. {وَدَانِيَةً} فيه إعلال بالقلب، أصله: دانوة من الدنوّ، قلبت الواو ياء لتطرّفها إثر كسرة. {ظِلَالُهَا} والظلال جمع ظل بالكسر، نقيض الضّحّ. {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} جمع قطف بكسر القاف وسكون الطاء بمعنى العنقود، يقال: قطفت العنب إذا قطعت عنقوده، وسمي العنقود قطفًا لأنّه يقطف ويقطع وقت الإدراك.

{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ} من طاف يطوف طوفًا وطوافًا وطوفانًا إذا دار. أصله: يطوف بوزن يفعل مبنيًّا للمجهول، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت لكنها أبدلت ألفًا لتحركها في الأصل وفتح ما قبلها في الحال. {بِآنِيَةٍ}؛ أي: بأوعية، جمع إناء، والأواني جمع الجمع. وأصل {آنية} أأنية بوزن أفعلة بهمزتين، الأولى منهما مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة، فقلبت الثانية ألفًا وجوبًا، نظيره من معتل اللام: كساء وأكسية وغطاء وأغطية، ومن صحيح اللام: حمار وأحمرة اهـ سمين. {وَأَكْوَابٍ} جمع كوب، وهو الكوز العظيم المدور الذي لا أذن له ولا عروة كما مرّ. {كَانَتْ

ص: 521

قَوَارِيرَا} جمع قارورة، وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف. وقيل: هو خاص بالزجاج. ولما كان رأس آية، وكان التعبير بالقوارير مما أفهم أنها من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة قال تعالى معيدًا للفظ أول الآية الثانية للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج، وبيانًا لنوعها:{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} ؛ أي: فجمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها ولينها اهـ خطيب.

{وَيُسْقَوْنَ} أصلها: يسقيون، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. {زَنْجَبِيلًا} والزنجبيل عرق يسري في الأرض، ونباته كالقصب كما مر. {تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} أصل {تُسَمَّى} تسمي بوزن تفعل قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح. والسلسبيل: ما سهل انحداره في الحلق للذة طعمه وطيب رائحته وصفاء لونه. قال في "الكواشي": هو لفظ مفرد بوزن فعلليل كدردبيس، وقيل: وزنه فعفليل؛ لأن الفاء مكررة، وهو اسم أعجمي نكرة، فلذلك صرف. {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} أصله: يطوف بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت إثر ضمّة فصارت حرف مدّ. {وِلْدَانٌ} جمع وليد، وهو من قرب عهده بالولادة كما مرّ. {لُؤْلُؤًا} يجمع على اللآلىء يقال: تلألأ الشيء إذا لمع لمعان اللؤلؤ. {وَمُلْكًا كَبِيرًا} والملك بالضمّ: هو التصرف في المأمورين بالأمر والنهي، ومنه: الملك. وأمّا الملك بالكسر فهو التصرف في الأعيان المملوكة بحسب المشيئة، ومنه: المالك.

{عَالِيَهُمْ} قرىء بفتح الياء على أنه ظرف بمعنى فوقهم، والياء فيه منقلبة عن واو لتطرّفها إثر كسرة. وقرىء {عاليهم} بإسكان الياء، ويقال فيه أيضًا قلبت الواو ياء؛ لأنّه من العلو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة ثم سكنت وصارت حرف مدّ. {ثِيَابُ} الياء فيه مبدلة من واو لوقوعها إثر كسرة {سُنْدُسٍ} وهو ما رق من الحرير، فهو البطائن جمع بطانة. {وَإِسْتَبْرَقٌ} وهو ما غلظ من الحرير، وهو الظهائر جمع ظهارة. {وَحُلُّوا} أصله: وحليوا بوزن فعلوا، استثقلت الضمّة على الياء فحذفت فلمّا سكنت حذفت لالتقاء الساكنين، وضمّت اللام لمناسبة الواو. {وَسَقَاهُمْ} فيه إعلال بالقلب، أصله: سقيهم بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} الهمزة فيه مبدلة من ياء، أصله: جزاي أبدلت الياء همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. {وَلَا تُطِعْ} أصله: تطوع بوزن تفعل، نقلت حركة الواو إلى

ص: 522

الطاء فسكنت الواو، ثم دخل الجازم، وهو {لا} الناهية فسكنت آخر الفعل فالتقى ساكنان فحذفت الواو، فصار {تطع}. {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}؛ أي: قوينا أسرهم. والأسر كما في "القاموس": الشدّة والغضب وشدّة الخلق والخلق، وشددنا أسرهم؛ أي: مفاصلهم. وفي "المختار"(1): وأسره من باب ضرب؛ أي: شده بالإسار بوزن الإزار، وهو النقد بالكسر، وهو سير يقد من جلد غير مدبوغ، ومنه سمي الأسير؛ لأنهم كانوا يشدونه بالقد، فسمي كل مأخوذ أسيرًا وإن لم يشد به، وأسره الله: خلقه، وبابه: ضرب، ومنه: وشددنا أسرهم؛ أي: خلقهم. والأسر بالضم: احتباس البول كالحصر في الغائط، وأسرة الرجل: أهله لأنه يتقوى بهم.

البلاغة

وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} لزيادة التقرير.

ومنها: وصف المفرد بالجمع في قوله: {مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} فإنه وصف النطفة مع كونه مفردًا بالجمع، وهو أمشاج؛ لأن المراد بها مجموع الماءين: ماء الرجل وماء المرأة.

ومنها: الطباق بين {شَاكِرًا} و {كَفُورًا} وبين {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، وبين {شَمْسًا} و {زَمْهَرِيرًا} .

ومنها: التعبير بصيغة اسم الفاعل في قوله: {إِمَّا شَاكِرًا} ، وبصيغة المبالغة في قوله:{وَإِمَّا كَفُورًا} حيث لم يقل: إما شاكرًا وإما كافرًا أو لم يقل: إما شكورًا وإما كفورًا. للدلالة على قلة من يتصف بالشكر وكثرة من يتصف بالكفر، ولرعاية الفاصلة أيضًا.

ومنها: التعبير بصيغة المبالغة في قوله: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} إشارة إلى كمال إحسانه إليه وتمام إنعامه عليه.

ومنها: اللفُّ والنشر المشوش في قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ} إلخ،

ص: 523

حيث قدّم أوّلًا ذكر الشاكر ثم الكفور في قوله: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ثم عاد بالذكر على الثاني دون الأول. ففيه لف ونشر غير مرتب.

ومنها: إيراد الشاكرين بعنوان البر في قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ} للإشعار بما استحقوا به ما نالوه من الكرامة السَّنِيّة.

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} ، وفي قوله:{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ} .

ومنها: الجناس الناقص بين قوله: {فَوَقَاهُمُ} وقوله: {وَلَقَّاهُمْ} .

ومنها: المجاز العقليّ في قوله: {يَوْمًا عَبُوسًا} حيث أسند العبوس إلى اليوم مع كونه من صفة أهله، فهو من إسناد الشيء إلى زمانه كنهاره صائم وليله قائم. والمعنى هنا: تعبس فيه الوجوه من طوله وشدّته، كما في "الخازن".

ومنها: الإتيان بصيغة المبالغة في قوله: {شَرَابًا طَهُورًا} للدلالة على المبالغة في طهارته ونظافته.

ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} ؛ أي: كاللؤلؤ المفرق المنتشر.

ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} ؛ أي: يقال لهم: إنّ هذا إلخ.

ومنها: الطباق بين {يُحِبُّونَ} و {يَذَرُونَ} .

ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} ، قابل بين المحبة والترك، وبين العاجلة والباقية.

ومنها: إيراد صيغة الماضي مرادًا به المستقبل في قوله: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} ؛ أي: يحلون منها إشارة لتحقق وقوعه.

ومنها: التعبير عن المجازاة بالشكر في قوله: {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} ؛ لأنَّ الشكر مجاز عن المجازاة.

ومنها: تقديم الظرف على متعلقه في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} للاهتمام به، لما في صلاة الليل من مزيد كلفةٍ وإخلاص.

ص: 524

ومنها: الإتيان بالفاء في هذا التركيب لإفادة معنى الشرط، كأنّه قال: مهما يكن من شيء فاسجد له، ففيها وكادة أخرى لأمرها.

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ} ؛ لأنّ الوراء هنا مستعار لمعنى الأمام.

ومنها: الاستعارة التصريحية التخييلية في قوله: {يَوْمًا ثَقِيلًا} ، فقد استعير الثقل لشدّة ذلك اليوم وهو له من الشيء الثقيل الباهط لحامله، مثله: قوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} .

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} .

ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.

خطأ وقياس في غير محله: هذا ومن المضحك: أن بعضهم علق على قوله: {وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} ، فقال: هذه الآية رد على عدم ما قاله أهل علم المعاني والبيان: إن الجمع بين الحاء والهاء مثلًا يخرج الكلمة من فصاحتها، وجعلوا من ذلك قول أبي تمام:

كَرِيْمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ وَالْوَرَى

مَعَيْ وَإِذَا مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِيْ

وهذا خطأ من الناقد الذي ظن أنه يبرىء القرآن الكريم من العيوب المخلة بالفصاحة بشجبه، لما قرره علماء البلاغة. وقياس في غير محله، فالفرق بين الآية والبيت واضح، وهو أن تكرار أمدحه هو الذي أخرجه عن مهيع الفصاحة لا مجرد اجتماع الحاء والهاء، واذن فالآية سليمة من تنافر الحروف. قال الشيخ مخلوف الميناوي في "حاشيته" على شرح الشيخ أحمد الدمنهوري لمتن الإمام الأخضري: فإن منشأ الثقل هو تكرار أمدحه لا مجرد الجمع لوقوعه بين الحاء والهاء في التنزيل، نحو:{فَسَبِحْهُ} .

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 525

خلاصة ما تضمه هذه السورة من الموضوعات

اشتملت هذه السورة الكريمة على أربعة مقاصد:

1 -

خلق الإنسان.

2 -

جزاء الشاكرين والجاحدين.

3 -

وصف الجنة والنار.

4 -

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر، وذكر الله تعالى، والتهجد بالليل (1).

والله أعلم

* * *

(1) وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، آمين. تمت سورة الإنسان بعون الله ذي الإحسان أوائل ليلة الخميس الخامسة والعشرين من شهر الجمادى الأولى من شهور سنة ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من سنين الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التحيات.

بعد أن عاقني منها عوائق التدريس في المدارس، لأنّي لم يصبني في هذه السنة مطر المساعدة بالتفرغ الأسبوعي له يوم الأربعاء؛ لأنه لما تغير المدير تغيرت الأمور، و {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} . فسبحان المستعان في كل الأمور، وعليه التكلان في تقلّبات الدهور. وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين آمين آمين ألف آمين يا ربّ العالمين.

ص: 526