الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لم يصح الاستثناء منه، واستغراق جميعه بالقيام على الدوام غير ممكن، فلذلك استثني منه لراحة الجسد، فحذف (في) وأوصل الفعل إليه فنصب؛ لأن عمل الجر لا يكون في الفعل، والنصب أقرب إليه من الرفع، ومن ذلك قال بعضهم: هو مفعول نظرًا إلى الظاهر في الاستعمال، ومن ذلك قوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقوله: {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} في أحد الوجهين كما سبق.
وحد الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. قال بعضهم: إنّ الله اشتاق إلى مناجاة حبيبه، فناداه أن يقوم في جوف الليل. وقد قالوا: إنّ القيام والمناجاة ليسا من الدنيا بل من الجنة لما يجده أهل الذوق من الحلاوة. وقيل: معنى (1){قُمِ} صل، عبر به عنه تجوزًا.
{إِلَّا قَلِيلًا} استثناء من الليل. أي: صل الليل كله إلا يسيرًا منه، والقليل من الشيء هو ما دون النصف، وقيل: ما دون السدس، وقيل: ما دون العشر. وقال مقاتل والكلبي: المراد بالقليل هنا الثلث. وقد أغنانا عن هذا الاختلاف.
3
- قوله: {نِصْفَهُ} بالنصب بدل من الليل الباقي بعد الاستثناء بدل الكل. والنصف (2) أحد شقي الشيء. أي: قم نصفه. والتعبير عن النصف المخرج بالقليل لإظهار كمال الاعتداد بشأن الجزء المقارن للقيام والإيذان بفضله وكون القيام فيه بمنزلة القيام في أكثره في كثرة الثواب. يعني: أنه يجوز أن يوصف النصف المستثنى بكونه قليلًا بالنسبة إلى النصف المشغول بالعبادة مع أنهما متساويان في المقدار من حيث إن النصف الفارغ لا يساويه بحسب الفضيلة والشرف، فالاعتبار بالكيفية لا بالكمية. وقال بعضهم: إن القلة في النصف بالنسبة إلى الكل لا إلى العديل الآخر، وإلا لزم أن يكون أحد النصفين المتساويين أقل من الآخر، وفيه أنه من عرائه عن الفائدة خلاف الظاهر، كما في الإرشاد.
{أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} أي: أو انقص القيام من النصف المقارن له إلى الثلث {قَلِيلًا} أي نقصانًا قليلًا أو مقدارًا قليلًا بحيث لا ينحط إلى نصف الليل
4
- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي زد القيام على النصف المقارن له إلى الثلثين. فالمعنى: تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم نصفه أو أقل منه أو أكثر. أي: قم إلى الصلاة في الزمان المحدود المسمى بالليل إلا في
(1) الشوكاني.
(2)
روح البيان.
الجزء القليل منه، وهو نصفه أو انقص القيام من نصفه أو زد عليه، فكأنه قال: قم ثلثي اللَّيل أو نصفه أو ثلثه. وقيل: إن {نِصْفَهُ} بدل من قوله: {قَلِيلًا} ، ويكون الضميران في {مِنهُ} و {عَلَيْهِ} راجعين إلى النصف المبدل من {قَلِيلًا}: فيكون المعنى {قُمِ اللَّيْلَ} إلا نصفه أو أقل من نصفه أو أكثر من نصفه. قال الواحدي: وهذا المعنى هو الظاهر.
قيل: وهذا التخيير (1) بحسب طول الليالي وقصرها، فالنصف إذا استوى الليل والنهار، والنقص منه إذا قصر الليل، والزيادة عليه .. إذا طال الليل. فكان (2) النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير، وكان الرجل منهم لا يدري متى ثلث الليل أو متى نصفه أو متى ثلثاه؟ فكان يقوم الليل كله حتى يصبح، مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب. واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم، فرحمهم الله تعالى، وخفف عنهم ونسخها عنهم بقوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} . قيل: ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أوّلَها إلا هذه السورة، وكان بين نزول أولها ونزول آخرها سنة، وقيل: ستة عشر شهرًا. وكان قيام الليل فرضًا ثم نسخ بعد ذلك في حق الأمة بالصلوات الخمس، وثبتت فريضته على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} .
والمعنى: يا أيها النبي المتزمل بثيابه المتهيّىء للصلاة دم عليها الليل كله إلا قليلًا. ثم فسر هذا القليل: {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} إلخ؛ أي إلا قليلًا وهو النصف أو انقص من النصف، أو زد على النصف إلى الثلثين، فهو صلى الله عليه وسلم قد خير بين الثلث والنصف والثلثين.
وقصارى ذلك: أنه أمر أن يقوم نصف الليل، أو يزيد عليه قليلًا أو ينقص منه قليلًا، ولا حرج عليه في واحد من الثلاثة.
أخرج مسلم عن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. فقلت: فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت: ألست تقرأ المزّمّل؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في
(1) روح البيان.
(2)
الخازن.