الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والانحناء تواضع له وتعظيم، والسجود أبلغ منه في التواضع والتعظيم، ومن ذلك قالوا: إن السجود لغير الله كفر إن كان للعبادة، وخطر عظيم إن كان للتعظيم. وفي "حواشي ابن الشيخ": الركوع في اللغة حقيقة في مطلق الانحناء الحسّيّ، وركوع الصلاة من جملة أفراده، وتفسيره بالإطاعة والخضوع مجاز لغويّ تشبيهًا له بالانحناء الحسّي. {لَا يَرْكَعُونَ}؛ أي: لا يخضعون، ولا يقبلون ذلك، ويصرون على ما هم عليه من الاستكبار.
وقيل المعنى: إذا أمروا بالصلاة، أو بالركوع لا يفعلون، لما روى مقاتل: أنه نزل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيفًا بالصلاة، فقالوا: إنّا لا نخرّ ولا نحني؛ أي: لا نقوم قيام الراكع، فإنها سبة علينا؛ أي: إنّ هيئة التجبية هيئة تظهر وترفع فيها السبّة، وهي الاست؛ أي: الدبر. وهو عار وعيب علينا، فقال صلى الله عليه وسلم:"لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود".
وفي بعض التفاسير: كانوا في الجاهلية يسجدون للأصنام ولا يركعون لها، فصار الركوع من أعلام صلاة المسلمين لله تعالى. وفيه دلالة على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع في حقّ المؤاخذة في الآخرة، كما مرّ مرارًا. وفيه ذمّ عظيم لتارك الصلاة حيث لا يجيب داعي الله، أي: المؤذّن. فإنه يدعو في الأوقات الخمسة المؤمنين إلى بيت الله وإقامة الصلاة، وقس عليه سائر الداعين.
والخلاصة (1): أي وإذا قيل لهؤلاء المكذّبين: أعبدوا الله وأطيعوه واخشوا يومًا تتقلّب فيه القلوب والأبصار استكبروا، وأصرّوا على عنادهم.
وروى ابن جرير عن ابن عباس: أنه قال: ما يقال هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون من جراء أنهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا.
49
- {وَيْلٌ} ؛ أي: توبيخ عظيم وعذاب شديد {يَوْمَئِذٍ} ؛ أي: يوم إذ يوبّخ المكذبين، ويُعنّفون على أعمالهم الخبيثة {لِلْمُكَذِّبِينَ} بأوامر الله سبحانه ونواهيه.
50
- وبعد أن بالغ في زجر الكفّار بما تقدم ذكره، وحثّ على الانقياد للدين الحقّ ختم السورة بالتعجيب من هؤلاء المشركين الذين لم يسمعوا نصيحة الداعي، ولم
(1) المراغي.
يتّبعوا عظاته وما فيه رشدهم وصلاحهم في آخرتهم ودنياهم، فقال:{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ} ؛ أي: (1) فبأيّ خبر يخبر بالحقّ، وينطق بما كان وما يكون على الصدق؟ {بَعْدَهُ}؛ أي: بعد القرآن الناطق بأحاديث الدارين وأخبار النشأتين على نمط بديع معجز مؤسّس على حجج قاطعة وبراهبن ساطعة {يُؤْمِنُونَ} إذا لم يؤمنوا به؛ أي: بالقرآن الجامع لجميع الأحاديث والأخبار. فقوله: {فَبِأَيِّ
…
} إلخ، جواب شرط محذوف، وكلمة {بعد} بمنزلة ثمّ في إفادة التراخي الرتبي، أي: فإذا لم يؤمنوا به وهو موصوف بما ذكر فبأي كتاب يؤمنون؟ أي: إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل على تجلّيها ووضوحها فبأي كلام بعد هذا يصدقون؟
وقصارى ذلك: أنَّ القرآن قد اشتمل على البيان الشافي، والحق الواضح، فما بالهم لا يبادرون إلى الإيمان به قبل الفوت وحلول الموت وعدم الانتفاع بعسى ولعل وليت؟. وقرأ الجمهور (2){يُؤْمِنُون} بالتحتية على الغيبة. وقرأ ابن عامر في رواية عنه، ويعقوب بالفوقية على الخطاب.
وقد ختم سبحانه (3) السورة بالتعجيب من الكفّار؛ لأن الاستفهام للتعجيب وبين أنهم في أقصى درجات التمرد والعناد، حيث لم ينقادوا لمثل هذا البرهان الساطع والدليل القاطع على حقّيّة الدين القويم من حيث كونه في أرفع درجات الفصاحة والبلاغة، وفي أقصى طبقات الإعجاز. واستدل بعض المعتزلة على أنّ القرآن ليس بقديم بقوله تعالى:{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} ؛ إذ الحديث ضدّ القديم؛ لأنّ الحدوث والقدم لا يجتمعان في شيء واحد، ورد بأن الحديث هنا بمعنى الخبر لا بمعنى الحادث، ولو سلم فالعبارة لا تدل على أنّ القرآن محدث لاحتمال أن يكون المراد فبأيّ حديث بعد القديم يؤمنون؟ وروي: أنّ المرسلات نزلت في غار قرب مسجد الخيف بمنى، يسمّى غار والمرسلات.
خاتمة (4): وجاء في هذه السورة بعد كل جملة قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)} ؛ لأنّ كل جملة منها فيها إخبار الله تعالى عن أشياء من أحوال الآخرة، وتقريرات من أحوال الدنيا، فناسب أن يذكر الوعيد عقيب كلّ جملة منها للمكذّب
(1) روح البيان.
(2)
البحر المحيط.
(3)
روح البيان.
(4)
البحر المحيط.
بالويل في يوم الآخرة.
ولما كان في سورة الإنسان ذكر نزرًا من أحوال الكفّار في الآخرة، وأطنب في وصف أحوال المؤمنين فيها جاء في هذه السورة الإطناب في وصف الكفّار والإيجاز في وصف المؤمنين، فوقع بذلك الاعتدال بين السورتين.
الإعراب
{وَالْمُرْسَلَاتِ} {الواو} : حرف جرّ وقسم، {المرسلات} مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالمرسلات، وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًّا. و {عُرْفًا} ، إما حال من الضمير المستكن في المرسلات إن كان مأخوذًا من عرف الفرس؛ أي: شعر عنق الفرس، والمعنى على التشبيه؛ أي: أقسم بالرياح المرسلات حال كونها شبيهة بعرف الفرس من حيث تلاحقها وتتابعها كما أنّه كذلك. أو منصوب على المصدرية؛ أي: والمرسلات إرسالًا عرفًا؛ أي: متتابعًا متلاحقًا. أو على أنّه مفعول لأجله إن كان بمعنى المعروف؛ أي: والمرسلات لأجل العرف؛ أي؛ أرسلت للإحسان والمعروف. وجواب القسم وما عطف عليه قوله الآتي: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)} . {فَالْعَاصِفَاتِ} {الفاء} : عاطفة للتعقيب، {العاصفات} معطوف على {المرسلات} ، وهي اسم فاعل من العصف بمعنى الشدّة، {عَصْفًا} مصدر مؤكّد منصوب على المفعولية المطلقة بـ {العاصفات} ، {وَالنَّاشِرَاتِ} معطوف أيضًا على {وَالْمُرْسَلَاتِ} ، {نَشْرًا} مفعول مطلق منصوب بـ {الناشرات} ، {فَالْفَارِقَاتِ} معطوف على {الناشرات} ، {فَرْقًا} منصوب على المفعولية المطلقة بـ {الفارقات} ، {فَالْفَارِقَاتِ} معطوف على {الفارقات} ، {ذِكْرًا} مفعول به لـ {الملقيات}. {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)} منصوبان على البدلية من {ذِكْرًا} أو على أنّهما مفعولان لأجله أو على الحال من الضمير المستكن في {الملقيات} أي: معذرين ومنذرين. {إِنَّمَا} إنّ حرف نصب وتوكيد، {مَا} اسم موصول بمعنى الذي في محل النصب اسمها، ولا تكون {مَا} هنا مصدرية ولا كافّة، وقد مرّ لك أنها كتبت هنا متصلة بـ {إن} إتباعًا لرسم المصحف الإمام.
وجملة {تُوعَدُونَ} من الفعل المغيّر ونائب فعله صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد محذوف تقديره: إنّ الذي توعدونه من البعث والحشر، {لَوَاقِعٌ} خبر {إنّ} ، واللام المزحلقة حرف ابتداء، وجملة {إنّ} من اسمها وخبرها جواب القسم، لا محل لها من الإعراب.
{فَإِذَا النُّجُومُ} {الفاء} استئنافية، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط، {النُّجُومُ} نائب فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسّره ما بعده، تقديره: فإذا طمست النجوم طمست. وجملة {طُمِسَتْ} من الفعل المغيّر ونائب فاعله جملة مفسّرة لا محل لها من الإعراب.
وفي جواب {إذا} قولان:
أحدهما: أنّه محذوف تقديره: فإذا طمست النجوم وقع ما توعدون لدلالة قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)} عليه.
والثاني: أنّ جوابها قوله: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)} على إضمار القول؛ أي: يقال: لأيّ يوم أجّلت. فالفعل في الحقيقة هو الجواب، وجملة {إذا} من فعل شرطها وجوابها على كلا القولين مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وقوله:{وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)} جمل معطوفة على جملة قوله: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8)} ، وجرى فيها ما جرى فيه من الإعراب من الاشتغال؛ أي: وإذا فرجت السماء فرجت، وإذا نسفت الجبال نسفت، وإذا أقتت الرسل أقتت وقع ما توعدون من البعث والمجازاة. {لِأَيِّ يَوْمٍ} جار ومجرور متعلق بـ {أُجِّلَتْ}؛ أي: أجلت لأيّ يوم، والجملة مقول لقول محذوف في محل نصب على الحال من مرفوع {أُقِّتَتْ}؛ أي: ماذا أقتت الرسل مقولًا فيهم: لأيّ يوم أجلت وقع ما توعدون، أو مقول لقول محذوف وقع جوابًا لـ {إذا} ، فلا محل لها من الإعراب كما تقدم؛ أي: يقال لأيّ يوم أجلت. {لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)} جار ومجرور، ومضاف إليه، بدل من الجار والمجرور في قوله:{لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)} بإعادة
العامل، ولك أن تعلقه بفعل محذوف؛ أي: أجلت ليوم الفصل. {وَمَا} {الواو} : استئنافية، {ما} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، {أَدْرَاكَ} فعل ماض ومفعول به أوّل، وفاعله ضمير يعود على {ما} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: وأي شيء مدر إياك جواب {مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} ، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. {مَا} استفهامية في محل الرفع مبتدأ، {يَوْمُ الْفَصْلِ} خبره، والجملة الاسمية في محل النصب سادّة مسد المفعول الثاني لـ {أَدْرَاكَ}؛ أي: شيء جعلك داريًا، جواب استفهام {مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} ، والاستفهام الأول معناه الاستبعاد والإنكار، والثاني للتهويل والتعظيم. {وَيْلٌ} مبتدأ سوغ الابتداء به مع كونه نكرة ما فيه من معنى الدعاء، {يَوْمَئِذٍ} ظرف أضيف إلى مثله، متعلق بـ {وَيْلٌ} ؛ لأنّه بمعنى هلاك، أو صفة له، والتنوين عوض عن جمل محذوفة تقتبس من السياق.
والتقدير: يوم إذ طمست النجوم وفرجت السماء إلخ، {لِلْمُكَذِّبِينَ} خبر عن {وَيْلٌ} ، والجملة الاسمية مستأنفة. {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)} الهمزة للاستفهام التقريري؛ لأنّ الاستفهام في الأصل إنكاري، وقد دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، ويعبّر عنه بالاستفهام التقريري. {لم نهلك} جازم وفاعل مضارع، مجزوم بـ {لم} ، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، يعود على الله، {الْأَوَّلِينَ} مفعول به، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. {ثُمَّ} حرف عطف وترتيب مع التراخي {نتبعهم} فعل مضارع ومفعول به، مرفوع على الاستئناف لتجرّده عن الناصب والجازم، وفاعله ضمير يعود على الله، {الْآخِرِينَ} مفعول به ثان، أي: ثمّ نحن نتبعهم الآخرين. {كَذَلِكَ} صفة لمصدر محذوف؛ أي: فعلا مثل ذلك الفعل الفظيع، {نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} . {نَفْعَلُ} فعل مضارع وفعل مستتر يعود على الله، {بِالْمُجْرِمِينَ} متعلق بـ {نَفْعَلُ} ، والجملة مستأنفة. وقوله:{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)} تقدم إعرابه آنفًا فلا عود ولا إعادة، وسيأتي سر تكرارها في مبحث البلاغة.
{أَلَمْ} {الهمزة} للاستفهام التقريري: {لم} حرف جزم، {نَخْلُقْكُمْ} فعل
مضارع مجزوم بـ {لم} ، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على الله، {مِنْ مَاءٍ} متعلق بـ {نَخْلُقْكُمْ} ، {مَهِينٍ} نعت لـ {مَاءٍ} ومن الابتدائية إشارة إلى أنه تعالى قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. {فَجَعَلْنَاهُ} فعل وفاعل ومفعول أوّل، معطوف على الجملة الاستفهامية، {فِي قَرَارٍ} في موضع المفعول الثاني، {مَكِينٍ} صفة لـ {قَرَارٍ} ، {إِلَى قَدَرٍ} جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع حالًا من مفعول {جعلناه}؛ أي: مؤخّرًا إلى قدر معلوم، و {مَعْلُومٍ} صفة لـ {قَدَرٍ} ، {فَقَدَرْنَا} فعل وفاعل، معطوف على {جعلناه} ، {فَنِعْمَ} {الفاء}: عاطفة، {نعم} فعل ماض جامد لإنشاء المدح، {الْقَادِرُونَ} فاعل، والجملة معطوفة على جملة {قدرنا} ، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: نحن. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)} تقدم إعرابها. {أَلَمْ نَجْعَلِ} {الهمزة} للاستفهام التقريريّ، {لم نجعل الأرض كفاتًا} جازم وفعل مضارع وفاعل مستتر ومفعولان، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)} مفعولان به لـ {كِفَاتًا} إن قلنا: إنّه مصدر أو جمع كافت لأنّه اسم فاعل، و {جعلنا} فعل وفاعل معطوف على الجملة الاستفهامية، {فِيهَا} متعلق بـ {جعلنا} إن كان بمعنى {خلقنا} ، وفي موضع المفعول الثاني إن كان بمعنى صيرنا، {رَوَاسِىَ} مفعول {جعلنا} ، {شَامِخَاتٍ} صفة لـ {رَوَاسِىَ} ، {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً} فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على {جعلنا} ، {فُرَاتًا} صفة لـ {مَاءً} . {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)} تقدم إعرابها.
{انْطَلِقُوا} فعل أمر، مبني على حذف النون، {والواو}: فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: {انْطَلِقُوا} إلخ. وجملة القول مستأنفة، {إِلَى مَا} متعلق بـ {انْطَلِقُوا} ، {كُنْتُمْ} فعل ناقص واسمه، {بِهِ} متعلق بـ {تُكَذِّبُونَ} ، وجملة {تُكَذِّبُونَ} خبر {كَانَ} ، وجملة {كُنْتُمْ} صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد الضمير في {به} . {انْطَلِقُوا} فعل وفاعل، توكيد لفظيّ لـ {انْطَلِقُوا} الأول، {إِلَى ظِلٍّ} معلق بـ {انْطَلِقُوا} ، {ذِي ثَلَاثِ} صفة لـ {ظِلٍّ} ،
{ذِي} مضاف، {ثَلَاثِ} مضاف إليه، {ثَلَاثِ} مضاف، {شُعَبٍ} مضاف إليه، {لَا ظَلِيلٍ} صفة لـ {ظِلٍّ} ، و {وَلَا} متوسطة بين الصفة والموصوف لإفادة النفي؛ أي: إلى ظلّ غير ظليل. وجملة {لا يغني من اللهب} صفة ثانية لـ {ظِلٍّ} ؛ أي: إلى ظل غير ظليل غير مغنٍ من اللهب، و {مِنَ اللَّهَبِ} متعلق بـ {يغني} ، وجيء بالصفة الأولى اسمًا وبالثانية فعلًا دلالة على نفي ثبوت هذه الصفة ونفي التجدّد والحدوث للإغناء عن اللهب، كما في "السمين". {إِنَّهَا} ناصب واسمه، وجملة {تَرْمِي} خبره، وجملة إنّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل عدم غناء الظلّ غير الظليل. {بِشَرَرٍ} ، متعلق بـ {تَرْمِي} ، {كَالْقَصْرِ} نعت لـ {شرر} ، {كَأَنَّهُ} ناصب واسمه، {جِمَالَتٌ} خبره، {صُفْرٌ} صفة لـ {جمالة} ، وجملة {كأن} في محل الجر صفة ثانية لـ {شرر} . {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34)} تقدم إعرابها.
{هَذَا} مبتدأ، و {يَوْمُ} خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، وجملة {لَا يَنْطِقُونَ} في محل جر بإضافة الظرف إليه، وقرىء بفتح الميم نصبًا على الظرفية، وهو متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. {وَلَا يُؤْذَنُ} {الواو}: عاطفة، {لا} نافية، {يُؤْذَنُ} فعل مضارع مغيّر الصيغة، {لَهُم} جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ {يُؤْذَنُ} ، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة {لَا يَنْطِقُونَ}. {فَيَعْتَذِرُونَ} {الفاء}: عاطفة، {يعتذرون} فعل وفاعل، معطوف على {يُؤْذَنُ} ، منتظم في سلك النفي من غير تسبّب عنه، ولهذا لم ينصب؛ لأنّه لو نصب لـ كان مسبّبًا عنه لا محالة. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37)} تقدم إعرابها. {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. {جَمَعْنَاكُمْ} فعل وفاعل ومفعول به، {وَالْأَوَّلِينَ} معطوف على الكاف أو مفعول معه، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، لأنّها فسرت جملة قوله:{هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} . {فإن} الفاء: عاطفة، {إنْ} حرف شرط، {كَانَ} فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ {إنْ} الشرطية على كونها فعل شرط لها، {لَكُمْ} خبرها مقدم، {كَيْدٌ} اسمها مؤخّر، {فَكِيدُونِ} {الفاء}: رابطة الجواب، {كيدون} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية،
وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة مفعول به، وجملة {كيدون} في محل الجزم بـ {إنْ} الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة {إن} الشرطية معطوفة على جملة {جَمَعْنَاكُمْ} . {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40)} . تقدم إعرابها.
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ} ناصب واسمه، {فِي ظِلَالٍ} خبره، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لذكر أحوال المؤمنين على سبيل الإيجاز، {وَعُيُونٍ} معطوف على {ظِلَالٍ} ، {وَفَوَاكِهَ} معطوف على {ظلال} ، مجرور بالفتحة، لأنّه على صيغة منتهى المجموع، {مِمَّا} جار ومجرور نعت لـ {فواكه} ، وجملة {يَشْتَهُونَ} صلة لـ {ما} الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما يشتهونه. {كُلُوا} فعل أمر وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من الضمير المستكن في خبر {إنّ} الذي هو قوله:{فِي ظِلَالٍ} ؛ أي: مستقرّون في ظلال مقولا لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} إلخ. {وَاشْرَبُوا} معطوف على {كُلُوا} ، {هَنِيئًا} صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا وشربًا هنيئين، أو منصوب على الحال من فاعل {كُلُوا وَاشْرَبُوا} ، أي: حال كونكم متهنّئين. {بِمَا} متعلق بـ {هَنِيئًا} {كنتم} فعل ناقص واسمه، وجملة {تَعْمَلُونَ} خبرها، وجملة {كان} صلة لـ {ما} الموصولة. {إِنَّا} ناصب واسمه، {كَذلِكَ} صفة لمصدر محذوف مقدم على عامله؛ أي: جزاء مثل ذلك الجزاء العظيم. {نَجْزِي} فعل مضارع وفاعل مستتر، {الْمُحْسِنِينَ} مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إنّ} جملة تعليليّة، لا محل لها من الإعراب. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45)} تقدم إعرابها. {كُلُوا} فعل أمر وفاعل، {وَتَمَتَّعُوا} معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من {المكذبين} ، والتقدير: الويل ثابت للمكذبين حال كونهم مقولًا لهم: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا} . قَلِيلًا صفة لظرف محذوف تقديره: زمانًا قليلًا، والظرف تنازع فيه {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا} ، أو صفة لمصدر محذوف أي: أكلًا قليلًا وتمتعًا قليلًا. {إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} ناصب واسمه وخبره، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل التهديد المفهوم من الأمر
بالأكل والتمتع. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47)} تقدم إعرابها. {وَإِذَا} {الواو} : استئنافية، {إذا} ظرف لما يستقبل من الزمان، {قِيلَ} فعل ماض مغير الصيغة، {لَهُمُ} متعلق بـ {قِيلَ} ، {ارْكَعُوا} نائب فاعل محكيّ لـ {قِيلَ} ، وجملة {قيل} في محل الجر مضاف إليه لـ {إذا} على كونها فعل شرط لها، وجملة {لَا يَرْكَعُونَ} جواب {إذا} لا محل لها من الإعراب، وجملة {إذا} مستأنفة. {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)} تقدم إعرابها. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ} {الفاء}: استئنافية، الباء، حرف جر. {أيّ} اسم استفهام للاستفهام التعجبي، مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ {يؤمنون} ، {أي} مضاف، {حَدِيثٍ} مضاف إليه، {بَعْدَهُ} ظرف متعلق بمحذوف صفة لحديث، {يُؤْمِنُونَ} فعل وفاعل، والجملة الفعلية جملة استفهامية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
{عُرْفًا} وفي "القاموس": والعرف بالضمّ: شعر عنق الفرس اهـ. ثم قال: والمعرفة كمرحلة: موضع العرف من الفرس اهـ. {فَالْعَاصِفَاتِ} من العصف بمعنى الشدّة، وفي "المصباح": عصفت الريح عصفًا من باب ضرب وعصوفًا أيضًا: اشتدت. {نَشْرًا} مصدر نشر من باب نصر، يقال: نشرت الريح المطر إذا فرقته حيث شاء الله تعالى، وفرق بين الحق والباطل فرقًا من باب نصر، كما في "المختار". {عُذْرًا} مصدر من عذر إذا محا الإساءة. {أَوْ نُذْرًا} اسم من أنذر إذا خوّف، لا مصدر؛ لأنّه لم يسمع فعل مصدرًا من أفعل. {طُمِسَتْ}؛ أي: محيت ومحقت وذهب نورها. {فُرِجَتْ} ؛ أي: فتحت فكانت أبوابًا. {نُسِفَتْ} ؛ أي: تفتتت فصارت كالرمل السائل، وفي "المصباح": نسفت الريح التراب نسفًا من باب ضرب: اقتلعته وفرقته اهـ. {أُقِّتَتْ} قرأه أبو عمرو البصري {وُقّتَتْ} بالواو من الوقت، فالواو هي الأصل فاء الكلمة. وقرأه الباقون {أقتت} بالهمزة، وفيه إبدال الواو همزة؛ لأن الضمة من جنس الواو، فالجمع بينهما يجري مجرى الجمع بين المثلين، فيكون ثقيلًا، ولهذا السبب تستثقل الكسرة على الياء، ولم تبدل في نحو:{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} ، لأنّ ضمة الواو ليست بلازمةٍ فيه. وفي "كشف الأسرار": الألف والواو لغتان، والعرب تبدل الألف من الواو، تقول: وسادة
وإسادة وكتاب مورخ ومؤرخ وقوس موتر ومؤتر. {وَمَا أَدْرَاكَ} فيه إعلال بقلب الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، أصله: أدريك بوزن أفعل. {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} والميم فيه أصلية، ومهانته قلته وخسته، وكل شيء ابتذلته فلم تصنه فقد امتهنته؛ أي: خلقناكم منه. {فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} فالقرار موضع الاستقرار، والمكين: الحصين الحفيظ له مما يفسده كالهواء. {كِفَاتًا} والكفات اسم ما يكفت؛ أي: يضم ويجمع من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه كالضمام، لما يضم والجماع لما يجمع، نحو: التقوى جماع كل خير، والخمر جماع كل إثم. {رَوَاسِيَ}؛ أي: جبالًا ثوابت من وما الشيء يرسو؛ أي: ثبت. {شَامِخَاتٍ} جمع شامخة، والشامخ: العالي المرتفع؛ أي: مرتفعات. ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد كأشهر معلومات ونحوه.
{مَاءً فُرَاتًا} يقال: الفرات للواحد والجمع، وتاؤه أصلية {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} جمع شعبة بمعنى قطعة وفرقة. {وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}؛ أي: لا يدفعه، واللهب: ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر. ترمي بشرر فالشرر جمع شررة، وهي ما تطاير من النار في الجهات متفرقًا كالنجوم. قال في "القاموس": الشرر والشرار كجبلٍ وكتاب: ما يتطاير من النار، واجدتهما بهاء انتهى. {كَالْقَصْرِ} في العظم، مفرد جمعه قصور، وهو البناء العالي، ووصف به الجمع باعتبار كل واحد من أفراده، كما مرّ. {جمالة صفر} جمع جمل كحجارة في جمع حجر، ويقال: جمل وجمال وجمالة نحو: ذكر وذكارٍ وذكارة وحجر وحجار وحجارة. والتاء فيه لتأنيث الجمع أو اسم جمع كالحجارة. والجمل: ذكر الإبل، والناقة أنثاه. والصفر: جمع أصفر، والصفرة: لون من الألوان التي بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر بها عن السواد. {فَكِيدُونِ} أمر من كاد يكيد، وأصل يكيد يكيد بوزن يفعل، نقلت حركة الياء إلى الكاف فسكنت الياء إثر كسرة فصارت حرف مدّ، فلما بني منه الأمر حذف حرف المضارعة، وحذفت نون الرفع كما حذفت ياء المتكلم لرعاية الفواصل. والكيد: هو المكر والاحتيال والخديعة. {فِي ظِلَالٍ} جمع ظل كشعاب وشعب أو ظلة كقباب وقبة. {يَشْتَهُونَ} أصله: يشتهيون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما حذفت حركتها سكنت فالتقى ساكنان فحذفت الياء، وضمت الهاء لمناسبة الواو.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع.
فمنها: التأكيد بذكر المصادر زيادة في البيان وتقوية للكلام في قوله: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4)} . وهو من المحسنات اللفظية.
ومنها: الطباق بين {عُذْرًا} و {نُذْرًا} وبين {أَحْيَاءً} و {وَأَمْوَاتًا} وبين {الْأَوَّلِينَ} و {الْآخِرِينَ} .
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر مع الإتيان بصيغة الاستفهام في قوله: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)} لزيادة تفظيع الأمر وتهويله، وكان مقتضى السياق وما أدراك ما هو.
ومنها: تكرار آية {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)} في عشر مواضع لزيادة الترهيب والتهديد؛ لأن التكرار في مقام الترغيب والترهيب مستساغ حسن، لا سيما إذا تغايرت الآيات السابقة على المرّات المكررة كما هنا.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)} وفي قوله: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20)} .
ومنها: الجناس الناقص بين لفظي {مَهِينٍ} و {مَكِينٍ} .
ومنها: التنكير في قوله: {رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} للتفخيم، أو للإشعار بأنّ ما يرى على ظهر الأرض من الجبال بعض منها، وإنّ في عداد الجبال ما لم يعرف ولم ير، فإن في السماء جبالًا أيضًا بدلالة قوله تعالى:{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} .
ومنها: التنكير في قوله: {مَاءً فُرَاتًا} للتفخيم أو لإفادة التبعيض؛ لأنّ في السماء ماء فراتًا أيضًا، بل هي معدنه ومصبه.
ومنها: تقديم الجار والمجرور على متعلق في قوله: {إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} لرعاية رؤوس الفواصل.
ومنها: الكناية في قوله: {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} ؛ لأنّه كناية عن كون ذلك الدخان عظيمًا بناءً على أن التشعب من لوازمه.
ومنها: وصف الظل بالظليل في قوله: {لَا ظَلِيلٍ} للتأكيد كنومٍ نائمٍ، وللدلالة على أن تسمية ما يغشاهم من العذاب بالظل استهزاء بهم.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} والمرسل المفصّل في قوله: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)} . فالأول وهو التشبيه بالقصر تشبيه في العظم، والثاني وهو التشبيه بالجمل تشبيه في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط والحركة.
ومنها: الإهانة والتعجيز والتقريع في قوله: {فَكِيدُونِ} ؛ لأنّ الأمر فيه أمر إهانة، والخطاب فيه خطاب تعجيز وتقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا.
ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ} ، سمّي العذاب ظلًّا تهكّمًا وسخرية بهم.
ومنها: المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجّار في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} ، قابل ذلك بقوله:{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)} .
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ} إلخ، من إطلاق الحال وإرادة المحل، وهو الجنة، علاقته المحلية؛ لأنّ الظلال تمتدّ فيها، والعيون تجري فيها، والفواكه تنضج فيها.
ومنها: المجاز المرسل أيضًا في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا} علاقته البعضيّة، لأنّه سمى الصلاة باسم جزء من أجزائها، وهو الركوع، وإنما خص الركوع بالذكر مع أن الصلاة تشتمل على أفعال كثيرة؛ لأنّ العرب كانوا يأنفون من الركوع والسجود.
ومنها: التنكير في قوله: {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)} ، فقد نكّرهما مع أنها تكفت الأحياء والأموات جميعًا للتفخيم، كأنّه قيل: أحياء لا يعدون وأمواتًا لا يحصون على أنّ أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد
1 -
الإخبار بأنّ يوم الفصل آتٍ لا شكّ فيه، وقد أكد ذلك بالقسم بملائكته الكرام.
2 -
وعيد الكافرين بأنه سيستن بهم سنة الأولين من المكذبين.
3 -
توبيخ المكذّبين على نكران نعم الله عليهم في الأنفس والآفاق.
4 -
وصف عذاب الكافرين بما تشيب من هوله الولدان.
5 -
وصف نعيم المتقين، وما يلقونه من الكرامة في جنات النعيم، ويتخلل ذلك وصف خلق الإنسان، والأرض والجبال وبيان عظمة الخالق وكمال قدرته (1).
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(1) إلى هنا تمت سورة المرسلات بعون خالق البريات، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمدٍ النبيّ الأمّي، وعلى آله وصبحه وسلم.
وكان الفراغ من مسودة هذا الجزء في يوم الثلاثاء قبيل الغروب اليوم السابع من شهر الجمادى الأخيرة من شهورة سنة ألف وأربع مئة وست عثرة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. بعد أن عاقني عن موالاته شواغل الدهر، فلله الحمد على كماله، والشكر له على نواله. وصلى الله تعالى على سيّدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين آمين آمين يا ربّ العالمين ألف ألف آمين.
شعرٌ
إِنّيْ إِذَا مَا خَتَمْتُ خَتْمًا
…
أَقُوْلُ يا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
لَكَ الحَمْدُ حَمْدًا يُوَافِي
…
وَلَكَ الشُّكْرُ شُكْرًا يُكَافِي
عَلَى مَا بِهِ مِنَ التَّفْسِيْرِ أَكْرَمْتَنِي
…
وَمَا بِهِ مِنَ الفُنُوْنِ أَلْهَمْتَنِييْ
آخرُ
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ
…
وَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيْهِ خُسْرَانُ
عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا
…
فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
آخرُ
وَمِنْ عَجَبِ الأَيَّامِ أنَّكَ قَاعِدُ
…
عَلَى الأَرْضِ فِيْ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَسِيْرُ
فَسَيْرُك يَا هَذَا كَسَيْرِ سَفِيْنَةِ
…
بِقَوْمٍ قُعُوْدٍ وَالقُلُوْبُ تَطِيْرُ
آخرُ
كُنْ مِنَ الْخَلْقِ جَانِبَا
…
وَارْضُ بِاللهِ صَاحِبَا
قَلِّبِ الْخَلْقِ كَيْفَ شِئْـ
…
ـتَ تَجِدْهُ عَقَارِبَا