الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحميد، ومجاهد {حتى يلقوا} مضارع لقي.
والمعنى: دعهم في تكذيبهم وعنادهم إلى يوم البعث، وحينئذٍ يعلمون عاقبة وبالهم ويذوقون شديد نكالهم، حين يعرضون للحساب والجزاء يوم تجزى كل نفس بما عملت، يوم لا شفيع ولا نصير، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم.
43
- ثم فصل أحوالهم في هذا اليوم، فقال:{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} بدل من {يومهم} ، ولذا حمل على يوم البعث. والأجداث: جمع جدث، وهو القبر. وقرأ الجمهور (1):{يَخْرُجُونَ} مبنيًا للفاعل. وقرأ السلميّ (2) والأعمش، والمغيرة، وعاصم في رواية مبنيًا للمفعول. {سِرَاعًا} منتصب على الحال من ضمير {يَخْرُجُونَ} . جمع سريع كظراف جمع ظريف، أي: مسرعين إلى جانب الداعي وصوته، وهو إسرافيل ينادي على الصخرة، كما سبق. وقوله:{كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ} حال ثانية (3) من الضمير المذكور، وهو كل ما نصب وعبد من دون الله. وعن أبي عمرو: هو شبكة يقع فيها الصيد فيسارع إليها صاحبها، واحد الأنصاب كعنق وأعناق، كما قال تعالى:{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} . وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها. وقال الأخفش: جمع نصب كرهن ورهن، والأنصاب جمع الجمع. {يُوفِضُونَ}؛ أي: يسرعون أيّهم يستلمه أوّلًا من الإيفاض، وهو الإسراع. وفيه تهجين لحالهم الجاهلة، وتهكم بهم بذكر جهالتهم التي اعتادوها من الإسراع إلى ما لا يملك نفعًا ولا ضرًّا.
وقرأ الجمهور (4): {نصب} بفتح النون وسكون الصاد. وأبو عمران الجوني ومجاهد بفتحهما، وابن عامر وحفص بضمّهما، والحسن وقتادة بضم النون وسكون الصاد. والنصب: ما نصب الإنسان فهو يقصده مسرعًا إليه من علم أو بناء أو صنم، وغلب في الأصنام حتى قيل: الأنصاب هي الأصنام.
44
- {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} حال من فاعل {يُوفِضُونَ} ، و {أَبْصَارُهُمْ} فاعلها على الإسناد المجازي. يعني: وصفت بالخشوع مع أنه وصف للكل لغاية ظهور آثاره فيها.
(1) الشوكاني.
(2)
البحر المحيط.
(3)
روح البيان.
(4)
البحر المحيط.
والمعنى: ذليلة خاضعة لا يرفعونها مخافة ما يتوقعون من العذاب. {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} ؛ أي: تغشاهم ذلة شديدة وحقارة عظيمة. قال قتادة: هي سواد الوجوه، ومنه: غلام مراهق إذا غشيه الاحتلام. والجملة حال أيضًا من فاعل {يُوفِضُونَ} .
والمعنى (1): أي يوم يخرجون من قبورهم إذا دعاهم الداعي إلى موقف الحساب سراعًا، يسابق بعضهم بعضًا كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، يبتدرون أيهم يستلمه قبل مع خشوع الأبصار وذلتها لهول ما تحققوا من العذاب، تعلو وجوههم القترة لما أصابهم من الكآبة والحزن.
ثم ذكر أن ذلك العذاب الذي وقعوا فيه كانوا قد أنذروا به، ولم يأتهم بغتة، فقال:{ذَلِكَ} اليوم المذكور الذي سيقع فيه الأهوال الهائلة. وهو مبتدأ، خبره قوله:{الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} ؛ أي: يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل، وهم يكذّبون به. فاندفع توهم التكرار؛ لأن الوعد الأول محمول على الآتي والاستمراريّ كما مرّ، وهذا الوعد محمول على الماضي بدلالة لفظ {كان} .
والمعنى: أي ذلك اليوم وما فيه من أهوال عظام كانوا قد أنذروا في الدنيا أنهم ملاقوه، وانوا به يكذّبون، فلا عذر لهم فيما سيموا به من سوء العذاب.
وقرأ الجمهور (2): {ذِلَّةٌ} منونًا، {ذَلِكَ الْيَوْمُ} برفع الميم، مبتدأ وخبر. وقرأ عبد الرحمن بن خلاد عن داود بن سالم عن يعقوب، والحسن بن عبد الرحمن عن التفار {ذلّة} بغير تنوين مضافًا إلى {ذلك} ، و {اليوم} بخفض الميم.
الإعراب
{سَأَلَ سَائِلٌ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، {بِعَذَابٍ} متعلق بـ {سَألَ} ، والباء بمعنى عن، و {وَاقِعٍ} صفة لـ {عذاب} ، {لِلْكَافِرِينَ} متعلق بـ {وَاقِعٍ} ، واللام بمعنى على، {لَيْسَ} فعل ماض ناقص، {لَهُ} خبرها مقدم، {دَافِعٌ} اسمها مؤخر،
(1) المراغي.
(2)
البحر المحيط.
وجملة {لَيْسَ} في محل الجرّ صفة ثانية لـ {عذاب} ، أو حال من {عذاب} ، لأنّه تخصّص بالوصف. {مِنَ اللَّهِ} متعلق بواقع؛ أي: واقع من عنده ومن جهته، أو متعلق بـ {دَافِعٌ} بمعنى ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته. {ذِي الْمَعَارِجِ} صفة للجلالة، {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ} فعل مضارع وفاعل، {وَالرُّوحُ} معطوف على الملائكة من عطف الخاص على العام، والجملة الفعلية مستأنفة، {إِلَيْهِ} متعلق بـ {تَعْرُجُ}. {فِي يَوْمٍ} جار ومجرور متعلق بمحذوف دلَّ عليه {وَاقِعٍ}؛ أي: يقع العذاب بهم في يوم، أو متعلق بـ {تَعرُجُ} ، {كَانَ مِقْدَارُهُ} فعل ناقص واسمه، {خَمْسِينَ} خبره، {أَلفَ سَنَةٍ} تمييز خمسين، وجملة {كَانَ} في محل الجر صفة لـ {يَوْمٍ} ولكنها سببية.
{فَاصْبِرْ} {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وتدبّرت فيه وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: اصبر. {اصبر} فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لجواب (إذا) المقدرة، وجملة (إذا) المقدرة مستأنفة. {صَبْرًا} مفعول مطلق، {جَمِيلًا} صفة {صَبْرًا} . {إِنَّهُمْ} ناصب واسمه، {يَرَوْنَهُ} خبره، والضمير لـ {عذاب} ، {بَعِيدًا} مفعول ثان؛ لأنّ الرؤية علميّة. وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. {وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعولان، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، داخلة في حيّز الخبر. {يَوْمَ} ظرف متعلق بمحذوف تقديره: يقع بهم العذاب يوم تكون السماء كالمهل، أو متعلق بـ {قَرِيبًا} . {تَكُونُ السَّمَاءُ} . فعل ناقص واسمه، {كَالْمُهْلِ} خبره، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} ، {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)} معطوف على الجملة السابقة، مماثلة لها في إعرابها، {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)} فعل وفاعل ومفعول به ثان، والأوّل محذوف تقديره: شفاعته أو نصره. والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: {تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} .
{يُبَصَّرُونَهُمْ} فعل مضارع، مبني للمجهول، {والواو}: نائب فاعل، {والهاء}: مفعول به ثان، وعدّي بالتضعيف إلى المفعول الثاني، والجملة مستأنفة، أو حالية. {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو حالية {لَوْ} مصدرية، {يَفْتَدِى} فعل مضارع وفاعل مستتر، {من عَذَابِ} متعلق بـ {يَفْتَدِى} {عَذَابِ} مضاف، {يَوْمِئِذٍ} {يومِ} مضاف إليه، {إذ} مضاف إليه، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة تقديرها: يوم إذ تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، وجملة {لَوْ} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {يَوَدُّ}؛ أي: يودّ المجرم افتداءه من عذاب يومئذٍ {بِبَنِيهِ} متعلق بـ {يَفْتَدِى} أيضًا، {وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ} معطوفات على {بِبَنِيهِ} ، {الَّتِي} صفة للفصيلة، وجملة {تُؤْوِيهِ} صلة الموصول، {وَمَن} اسم موصول في محل الجر معطوف على {بنيه} ، {فِي الْأَرْضِ} صلة الموصول، {جَمِيعًا} حال من الضمير المستقرّ في الصلة، {ثُمَّ} حرف عطف للتراخي لشدَّة الهول، {يُنْجِيهِ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الافتداء، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة {يَفْتَدِى}؛ أي: يود لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء؛ أي: يودّ افتداءه بهؤلاء المذكورين جميعًا ثم إنجاءه. و {ثم} لاستبعاد الإنجاء كما مر.
{كَلَّا} حرف ردع وزجر لودادتهم الافتداء، وتنبيه على أن ذلك التمنّي غير وارد، وليس بذي طائل. {إِنَّهَا} ناصب واسمه، {لَظَى} خبرها، والضمير للنار الدال عليها العذاب، {نَزَّاعَةً} حال مؤكدة أو مبيّنة، أو نصبت على الاختصاص للتهويل، وعلى الحال يكون العامل فيها ما دلت عليه {لَظَى} من معنى الفعل؛ أي: تتلظى نزاعة. وقرىء بالرفع، فهو خبر ثان لـ {إن} ، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هي نزاعة. وقيل: {لَظَى} بدل من اسم {إنّ} ، و {نَزَّاعَةً} خبرها، {لِلشَّوَى} متعلق بـ {نَزَّاعَةً} ، {تَدْعُو} فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على {لَظَى} ، {مَنْ} اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة حال من الضمير في {نَزَّاعَةً} ، وجملة {أَدْبَر} صلة {مَنْ} الموصولة، وَتَوَلَّى معطوف على {أَدْبَرَ} ، {وَجَمَعَ} معطوف أيضًا على {أَدْبَرَ} ، {فَأَوْعَى} معطوف على {جمع} ، ومعنى {أوعى}: جمع المال فجعله في وعاء وكنزه، ولم يؤد حقه تعالى فيه.
{إِنَّ الْإِنْسَانَ} ناصب واسمه، وجملة {خُلِقَ} في محل الرفع خبره، ونائب فاعله ضمير يعود على {الْإِنْسَانَ} ، {هَلُوعًا} حال مقدرة من {الْإِنْسَانَ} ؛ لأنه ليس متصفًا بهذه الصفات قبل ولادته ووقت خلقه. {إِذَا} ظرف مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ {جَزُوعًا} ، وجملة {مَسَّهُ الشَّرُّ} مضاف إليه لـ {إذَا} و {جَزُوعًا} حال من الضمير في {هَلُوعًا} أو نعت له، أو حال من {الْإِنْسَانَ} . {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ} متعلق بـ {مَنُوعًا} ، و {مَنُوعًا} حال من الضمير في {هَلُوعًا} أو نعت ثان له أو حال من {الْإِنْسَانَ} . {إِلَّا} أداة استثناء، {الْمُصَلِّينَ} مستثنى من {الْإِنْسَانَ} المراد به الجنس، فهو استثناء متصل، {الَّذِينَ} نعت لـ {الْمُصَلِّينَ} ، {هُمْ} مبتدأ، {عَلَى صَلَاتِهِمْ} متعلق بـ {دَائِمُونَ} ، و {دَائِمُونَ} خبر {هُمْ} ، والجملة الاسمية صلة الموصول.
{وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول على كونه نعتا لـ {الْمُصَلِّينَ} ، {فِي أَمْوَالِهِمْ} خبر مقدم، {حَقٌّ} مبتدأ مؤخّر، و {مَعْلُومٌ} نعت له، والجملة الاسمية صلة الموصول، {لِلسَّائِلِ} نعت ثان لـ {حَقٌّ} ، {وَالْمَحْرُومِ} معطوف على السائل، {وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول، وجملة {يُصَدِّقُونَ} صلة الموصول {بِيَوْمِ الدِّينِ} متعلق بـ {يُصَدِّقُونَ} ، {وَالَّذِينَ} معطوف أيضًا على الموصول الأوّل {هُمْ} مبتدأ، {مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ} جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ {مُشْفِقُونَ} ، و {مُشْفِقُونَ} خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ} ناصب واسمه، {غَيْرُ مَأْمُونٍ} خبره، وجملة {إِنَّ} معترضة مسوقة لتعليل الإشفاف، {وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول أيضًا، {هُمْ} مبتدأ، {لِفُرُوجِهِمْ} متعلق بـ {حَافِظُونَ} ، و {حَافِظُونَ} خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول، {إِلَّا} أداة استثناء مفرغّ من أعم الأحوال، {عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} متعلق بـ {حَافِظُونَ}؛ أي: حافظون لفروجهم من المحرمات في جميع الأحوال إلا في حال استمتاعهم بأزواجهم الخ. {أَوْ} حرف
عطف، {مَا} اسم موصول في محل الجر معطوف على {أَزْوَاجِهِمْ} ، {مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما ملكته أيمانهم. {فَإِنَّهُمْ} الفاء تعليلية، {إنّهم} ناصب واسمه، {غَيْرُ مَلُومِينَ} خبره، وجملة {إنّ} مستأنفة مسوقة لتعليل الاستثناء.
{فَمَنِ} {الفاء} : فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حكم هذا الاستثناء، وأردت بيان حكم من ابتغى وراء ذلك فأقول لك: من ابتغى. {مَنْ} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط أو هما، {ابْتَغَى} فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونه فعل شرط لها، {وَرَاءَ ذَلِكَ} مفعول به، ومضاف إليه، فقد خرجت {وَرَاءَ} عن الظرفية؛ أي: طلب وراء الاستمتاع بالنكاح، أو بملك اليمين. {فَأُولَئِكَ} {الفاء}: رابطة لجواب {مَنْ} الشرطية وجوبًا، {أُولَئِكَ} مبتدأ، {هُمْ} ضمير فصل، {الْعَادُونَ} خبره، والجملة الاسمية جواب لـ {من} الشرطية، وجملة {مَنْ} الشرطية مقول لجواب (إذا) المقدرة، وجملة (إذا) المقدرة معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المتعاطفين. {وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول أيضًا، {هُمْ} مبتدأ، {لِأَمَانَاتِهِمْ} متعلق بـ {رَاعُونَ} ، {وَعَهْدِهِمْ} معطوف على {آماناتهم} ، {رَاعُونَ} خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. {وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول أيضًا، {هُمْ} مبتدأ، {بِشَهَادَاتِهِمْ} متعلق بـ {قَائِمُونَ} ، و {قَائِمُونَ} خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. {وَالَّذِينَ} معطوف على الموصول الأول، {هُمْ} مبتدأ، {عَلَى صَلَاتِهِمْ} متعلق بـ {يُحَافِظُونَ} ، وجملة {يُحَافِظُونَ} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. {أُولَئِكَ} مبتدأ، {فِي جَنَّاتٍ} خبر المبتدأ، {مُكْرَمُونَ} خبر ثان، ولك أن تعلق {فِي جَنَّاتٍ} بـ {مُكْرَمُونَ} .
{فَمَالِ} {الفاء} : استئنافية، {ما} اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ،
{للذين} جار ومجرور خبر {ما} ، والجملة الاسمية مستأنفة، وجملة {كَفَرُوا} صلة الموصول {قِبَلَكَ} منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بمحذوف حال من {الَّذِينَ}؛ أي: متوجهين قبلك أو متعلق بـ {مُهْطِعِينَ} ، و {مُهْطِعِينَ} حال من الموصول أيضًا؛ أي؛ مسرعين إليك. {عَنِ الْيَمِينِ} جار ومجرور، حال من الموصول؛ أي: كائنين في جهة يمينك. {وَعَنِ الشِّمَالِ} معطوف على قوله: {عَنِ الْيَمِينِ} . وقيل: الجار والمجرور متعلق بـ {مُهْطِعِينَ} أو بـ {عِزِينَ} ، و {عِزِينَ} حال من الموصول أيضًا. فالأربعة أحوال من الموصول. وقيل: غير ذلك. {أَيَطْمَعُ} الهمزة للاستفهام الإنكاري، {يطمع} فعل مضارع، {كُلُّ امْرِئٍ} فاعل، {مِنْهُمْ} صفة لـ {امْرِئٍ} ، والجملة مستأنفة. {أَن} حرف نصب، {يُدْخَلَ} فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بـ {أن} ، ونائب فاعله ضمير يعود على {كُلُّ امْرِئٍ} ، {جَنَّةَ نَعِيمٍ} مفعول به ثان، منصوب على السعة، وجملة {أن} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: أيطمع في دخوله جنة نعيم {كَلَّا} حرف ردع وزجر عن طمعهم بدخول الجنة {إِنَّا} ناصب واسمه {خَلَقْنَاهُمْ} فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر {إِنَّا} . {مِمَّا} متعلقان بـ {خَلَقْنَاهُمْ} . {يَعْلَمُونَ} فعل وفاعل، والجملة صلة {ما} .
{فَلَا} {الفاء} استئنافية؛ {لا} زائدة، {أُقْسِمُ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه، والجملة مستأنفة، {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} متعلق بـ {أُقْسِمُ} ، {إِنَّا} ناصب واسمه، {لَقَادِرُونَ} {اللام} حرف ابتداء، و {قادرون} خبره، وجملة {إنّ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب، {عَلَى} حرف جر، {أَن} حرف نصب ومصدر، {نُبَدِّلَ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، وجملة {أَن} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ {عَلَى}؛ أي: على تبديلنا. الجار والمجرور متعلق بـ {قادرون} ، {خَيْرًا} مفعول به، {مِنْهُمْ} متعلق بـ {خَيْرًا} ، {وَمَا} {الواو}: حالية، {ما} حجازية، {نَحْنُ} اسمها، {بِمَسْبُوقِينَ} خبرها، و {الباء}: زائدة، والجملة في محل النصب حال من فاعل {نُبَدِّلَ} .
{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42)} .
{فَذَرْهُمْ} : {الفاء} : الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنهم لا يفوتوننا، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك:{ذرهم} . {ذر} فعل أمر وفاعل مستتر، والهاء: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب {إذا} المقدرة، وجملة {إذا} المقدرة مستأنفة. {يَخُوضُوا} فعل مضارع، مجزوم بالطلب السابق، و {الواو}: فاعل، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. {وَيَلْعَبُوا} فعل وفاعل، معطوف على {يَخُوضُوا} ، {حَتَّى} حرف جر وغاية، {يُلَاقُوا} فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد {حَتَّى} الجارة، و {الواو}: فاعل، {يَوْمَهُمُ} مفعول به. والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} ، تقديره: إلى ملاقاتهم يومهم الذي يوعدون، الجار والمجرور متعلق بـ {ذرهم} ، {الَّذِي} نعت لـ {يَوْمَهُمُ} ، وجملة {يُوعَدُونَ} من الفعل المغيّر، ونائب فاعله صلة الموصول.
{يَوْمَ} بدل من {يَوْمَهُمُ} ، وجملة {يَخْرُجُونَ} في محل الجرح بإضافة الظرف إليه {مِنَ الْأَجْدَاثِ} متعلق بـ {يَخْرُجُونَ} ، {سِرَاعًا} حال من الواو في {يَخْرُجُونَ} ، {كَأَنَّهُمْ} ناصب واسمه، {إِلَى نُصُبٍ} متعلق بـ {يُوفِضُونَ} ، وجملة {يُوفِضُونَ} من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر {كأنّ} ، وجملة {كأنّ} في محل النصب حال ثانية من الواو أيضًا، فتكون مترادفة أو من الضمير في {سِرَاعًا} ، فتكون متداخلة {خَاشِعَةً} حال من فاعل {يُوفِضُونَ} ، أو من فاعل {يَخْرُجُونَ} ، والأول أقرب، {أَبْصَارُهُمْ} فاعل بـ {خَاشِعَةً} ، {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} فعل ومفعول وفاعل، والجملة حال ثانية من فاعل {يُوفِضُونَ} ، ولك أن تجعلها مستأنفة. {ذَلِكَ} مبتدأ، {الْيَوْمُ} خبره، والجملة الاسمية مستأنفة أو مفسرة لا محل لها من الإعراب. {الَّذِى} صفة لـ {يوم} ، {كَانُوا} فعل ناقص واسمه، وجملة {يُوعَدُونَ} خبره، وجملة كان صلة الموصول.
التصريف ومفردات اللغة
{سَأَلَ سَائِلٌ} قرىء {سَألَ} بهمزة هي عين الفعل، وعليه فقوله:{سَائِلٌ} لا
إعلال فيه، اسم فاعل من سأل المهموز. وقرىء {سال} بألف ليّنة وتحتمل أوجهًا:
الأوّل: أن يكون من السؤال كالقراءة بالهمز، لكن الهمزة أبدلت ألفًا على غير القياس، لكنه مسموع عن العرب، ومنه: قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
سَالَتْ هُذِيل رَسُوْلَ اللهِ فَاحِشَةً
…
ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِمَا جَاءَتْ وَلَمْ تُصِبِ
فقوله: سَالَتْ يعني: سألت ومنه: قول الفرزدق:
رَاحَتْ بِمَسْلَمَةً البِغَالُ عَشِيَّةً
…
فَارْعيْ فَزَاوَةً لَا هَنَاكَ المَرْتَعُ
فقوله: لا هنَّاك؛ أي: لا هناك، فأبدل الشاعران الهمزة في البيتين ألفًا. ومن ذلك قراءة نافع وأبي عمرو البصري {منساته} بألف لينة. وعلى هذا فليس في {سَائِلٌ} إعلال.
والوجه الثاني: أن الألف فيه مبدلة من واو كالألف في {خاف} ، وعليه فتكون الهمزة في {سَائِلٌ} مبدلة من واو كما في خائف.
والوجه الثالث: أن تكون الألف فيه مبدلة من ياء، والأصل: سيل من السيل، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح كالألف في قال، وعليه فتكون الهمزة في {سَائِلٌ} بدلًا من ياء. وفسروه بأنه وأد في جهنم اسمه سائل. فالمعنى: سأل هذا الوادي الذي في جهنم بعذاب، وعليه فالباء هنا في موضعها، وإذا جعل من السؤال فالباء بمعنى عن.
{ذِي الْمَعَارِجِ} ؛ أي: المصاعد، والمعارج: جمع معرج بفتح الميم هنا بمعنى مصعد، وهو موضع الصعود. قال الراغب: العروج: ذهاب في صعود، والمعارج: المصاعد.
{إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ} أصله: يرأيونه، نقلت حركة الهمزة إلى الراء نقلًا مطردًا كما تقدم ثم حذفت للتخفيف، فصار اللفظ: يريونه فقلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ثم حذفت لما التقت سنة مع واو الجماعة. {وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} أصله أيضًا: نرأيه فعل بالهمز ما فعل بهمزة {يرونه} ، ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح، ولم تحذف لعدم التقاء الساكنيني. {كَالْمُهْلِ} المهل: درديّ الزيت، وهو ما يكون في قعر الإناء منه
لسيلانه على مهل لثخانته، أو خبث الحديد ونحوه مما يذاب على مهل وتدريج. وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلونها أو كالقير والقطران في سوادهما.
{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)} {والعهن} : الصوف مطلقًا، وقيل: بقيد كونه أحمر، وقيل: بقيد كونه مصبوغًا، وقيل: بقيد كونه مصبوغًا بألوان شتّى اهـ سمين. وهذه الأقوال في معنى {العهن} في اللغة اهـ. {حَمِيمٌ حَمِيمًا} و {الحميم} : القريب. {يُبَصَّرُونَهُمْ} ؛ أي: يبصر الأحماء الأحماء، ويرونهم. {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ}؛ أي: يتمنى الكافر، أصله: يودد مضارع ودد بكسر العين. وفي "المصباح": نقلت حركة الدال إلى الواو، وهذا النقل غير معهود؛ إذ المعهود نقل حركة حرف اللين إلى الساكن الصحيح، وهنا بالعكس. فلما وقع هذا النقل سكنت الدال الأولى، وأدغمت في الثانية. {لَوْ يَفْتَدِي} من الافتداء، والافتداء: حفظ الإنسان نفسه عن النائبة بما يبذل عنه. {وَفَصِيلَتِهِ} الفصيلة؛ العشيرة، وقال ثعلب: الآباء الأدنون، فهي فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: مفصول منها. {تُؤْوِيهِ} من أوى إلى كذا: انضم إليه، وآواه غيره، كما قال تعالى:{آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} ؛ أي: ضمه إلى نفسه. فمعنى {تُؤْوِيهِ} : تضمه إليها في النسب، أو عند الشدائد، فيلوذ بها.
{كَلَّا} ردع للمجرم عن الودادة، وتصريح بامتناع إنجاء الافتداء؛ أي: ليس الأمر كما يتمنى. {إنَهَا لَظَى} علم لجهنم؛ لأنها تتلظى؛ أي: تتلهب على من يصلاها. {نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16)} يقال: نزع الشيء: جذبه من مقره وقلعه. والشوى: جمع شواة، وهي جلدة الرأس، وفيه إعلال بالقلب، أصله: الشوي قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)} أوعى فيه إعلال بالقلب، أصله: أوعى بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {هَلُوعًا} قال في "الصحاح": الهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، يقال: هلع بالكسر من باب فرح، فهو هلع وهلوع على التكثير، والهلوع مبالغة هالع. وقال عكرمة: هو الضجور، وقيل غير ذلك، فالهلوع والجزوع والمنوع كل من الثلاثة صيغة مبالغة؛ لأنها على زنة فعول كضروب بمعنى: كثير الضرب. {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)} أصله: المصليين بياءين، الأولى لام الكلمة والثانية ياء الجمع، حذفت حركة الياء الأولى للتخفيف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} الأصل: داومون بالواو، أبدلت الواو همزة في الوصف حملًا له على فعله "دام" في الإعلال، فأصل دام
دوم، أعِلّ بقلب الواو ألفًا فحمل عليه الوصف فاعل بقلب الواو همزة. {حَقٌّ لِلسَّائِلِ} والسائل: هو الذي يسأل ويظهر الفقر. {وَالْمَحْرُومِ} هو الذي لا يسأل إما حياء أو توكلا على الله، فيظن أنه غني فيحرم. {لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} جمع فرج من الانفراج، وهو الفتحة، وفرج الرجل والمرأة سوءتهما؛ أي: قبلهما. {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} جمع ملوم، اسم مفعول من لام الثلاثي، وأصله: ملوومين نقلت حركة الواو إلى اللام فسكنت فالتقى ساكنان فحذفت واو مفعول على الصحيح. {هُمُ الْعَادُونَ} جمع عاد من العدوان، يقال: عدا عليه إذا تجاوز في الظلم. {مُهْطِعِينَ} ؛ أي: مسرعين نحوك مادي أعناقهم مقبلين بأبصارهم عليك، فهو من الكلمات التي يحتاج في تفسيرها إلى جمل. وفي "القاموس": هطع كمنع هطعًا وهطوعًا: أسرع مقبلًا خائفًا، وأقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه، وهطع: مد عنقه وصوب رأسه كاستهطع وكأمير الطريق الواسع وكمحسن من ينظر في ذل وخضوع لا يقلع بصره، أو الساكت المنطلق إلى من هتف به، وبعير مهطع في عنقه: تصويبٌ خلقةً، وقد تقدم شرح هذه المادة في سورة إبراهيم.
{عِزِينَ} جمع عزة. قال أبو عبيدة: جماعات في تفرقة، وقيل: الجمع اليسير كثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الأصمعي: في الدار عزون؛ أي: أصناف من الناس. وعزين: جمع عزةٍ، والهاء فيه عوض عن لام الكلمة التي قيل: إنها واو، يقال: عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وقيل: إنها ياء يقال: عزيته بالياء أعزيه بمعنى: عزوته. وقيل: إنها هاء، والأصل: عزهة. والقولان الأولان أولى من الثالث، وعليه فلام الكلمة محذوفة، والياء الموجودة ياء الجمع؛ لأن هذا اللفظ من الألفاظ الملحقة بالجمع المذكر السالم، فوزنه: فعين. {يَخُوضُوا} أصله: يخوضوا بوزن يفعلوا، نقلت حركة الواو إلى الخاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد. {يُلَاقُوا} أصله: يلاقيوا، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت القاف لمناسبة الواو، فوزنه: يفاعوا. {نُصُبٍ} تقدم القول فيه مفصلًا، ونضيف إليه هنا أنه قرىء {نصب} بالفتح والإسكان، وقراءتنا بضقتين، وقرىء بفتحتين، وقرىء بضم فسكون، فالأول اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع الشخص نحوه. وقال أبو عمرو: هو شبكة الصائد يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة.
والثاني: أنه جمع نصاب ككتب وكتاب.
والثالث: أنه جمع نصب كرهن في رهن وسقف في سقف، وجمع الجمع: أنصاب. وأما الثالثة ففعل بمعنى مفعول؛ أي: منصوب كالقبض بمعنى المقبوض، والرابعة تخفيف من الثانية. {يُوفِضُونَ} من الإيفاض، وهو الإسراع.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: {سَأَلَ سَائِلٌ} وقوله: {تَعْرُجُ} و {ذِي الْمَعَارِجِ} .
ومنها: إيراد صيغة تدل على الماضي في قوله: {وَاقِعٍ} دون سيوقع، للدلالة على تحقق وقوعه إمّا في الدنيا كما في يوم بدر، وإمّا في الآخرة وهو عذاب النار.
ومنها: فن التمثيل والتشبيه في قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)} ، فهذا من التمثيل، فليس المراد حقيقة ذلك العدد، بل المراد الإشارة إلى أنه يبدو للكافر طويلًا لما يلقاه خلاله من الهول والشدائد، فلا تنافي مع آية السجدة {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} . والعرب تصف أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر. قال الشاعر:
فَقِصَارُهُنَ مَعَ الْهُمُومِ طَوِيلَةٌ
…
وَطِوَالُهُنَّ مَعَ السُّرُوْرِ قِصَارُ
أو من باب التشبيه البليغ، والأصل كمقدار مدة خمسين ألف سنة.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)} .
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} ، فالروح هو جبريل، أفرده بالذكر إظهارًا لشرفه وفضله.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8)} لحذف وجه الشبه، ووجه الشبه فيه التلون، وكذلك قوله:{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)} ، ووجه الشبه في هذا التطاير والتناثر. وقد رمق أبو العلاء هذه السماء العالية من البلاغة، إذ قال في رثاء أبيه:
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلَ يَخِفُّ وَقَارُهُ
…
إِذَا صَارَ أُحْدٌ في الْقِيامَةِ كَالعِهْن
ومنها: الطباق بين قوله: {بَعِيدًا} و {قَرِيبًا} وبين {الْيَمِينِ} و {الشِّمَالِ} وبين {الْمَشَارِقِ} و {الْمَغَارِبِ} .
ومنها: التنكير في قوله: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)} إفادة للتعميم.
ومنها: ذكر العام بعد الخاص في قوله: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)} ، جاء بالتعميم في قوله:{وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} بعد التخصيص فيما قبله لبيان هول الموقف.
ومنها: إيراد لفظ {مَنْ} في قوله: {وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} تغليبًا للعاقل على غيره.
ومنها: المجاز العقليّ في قوله: {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17)} ، فهو مجاز عن إحضارهم كأنها تدعوهم فتحضرهم، أو من مجاز الحذف؛ أي: تدعو زبانيتها، فهو على حذف مضاف، أو من الإسناد المجازي حيث أسند فعل الداعي إلى المدعوّ له.
ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)} ، قابله بقوله:{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)} .
ومنها: تقديم لفظ {هم} في قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} إفادة لتقوية الحكم، وتقريره في ذهن السامع كما في قولك: هو يعطي الجزيل قصدًا إلى تحقيق أنه يفعل إعطاء الجزيل.
ومنها: الطباق بين السائل والمحروم في قوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)} .
ومنها: التعبير عن سوءتي الرجل والمرأة؛ أي: قبلهما بلفظ الفروج في قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29)} ، تعليمًا للأدب في الكلام وأدب المرء خير من ذهبه.
ومنها: التعبير بـ {ما} في قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من الولائد إجراءً لهن لمملوكيتهن مجرى غير العقلاء، أو لأنوثتهن المنبئة عن القصور كما مرّ.
ومنها: تكرير الصلاة في قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)} اهتمامًا بشأنها وتنويهًا بفضلها، وفيه أيضًا تصدير الجملة بالضمير تقويةً للحكم وتقريرًا له
في ذهن السامع.
ومنها: تقديم الجار والمجرور على الفعل إفادة للاختصاص الدال على أن محافظتهم مقصورة على صلاتهم، لا تجاوز إلى أمور دنياهم.
ومنها: فعلية الخبر، فتفيد الجملة الاسمية الدوام والاستمرار. وتفيد الجملة الفعلية التجدد مع الاستمرار. وهذا نمط عجيب انفرد به كتاب الله تعالى.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخيّ في قوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)} .
ومنها: إيراد لفظ {كُلُّ} في قوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ} إشعارًا بأن من آمن منهم بعد قولهم هذا، وأطاع الله ورسوله حق له الطمع، وتعميمًا للردع لكل منهم كائنًا من كان ممن لم يؤمن.
ومنها: تنكير {جَنَّةَ} إشعارًا بأنهم مردودون من كل جنة، وإن كانت الجنان كثيرة.
ومنها: توصيفها بنعيم إشعارًا بأن كل جنة مملوءة بالنعمة، وأن من طرد من راحة النعيم، وقع في كدر الجحيم، كما مرّ جميع ذلك.
ومنها: الكناية الفائقة الرائقة في قوله: {إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} ، فإنّه كناية عن المنيّ القذر مع النزاهة التامّة في التعبير، وحسن الإيقاظ والتذكير بألطف عبارة وأبلغ إشارة.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} ، وفي هذا التشبيه تهجين لحالهم الجاهلية، وتهكّم بهم بذكر جهالتهم التي اعتادوها من الإسراع إلى ما لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، وتعريض بسخافة عقولهم، وتسجيل عليهم بالجهل المشين، حيث أسرعوا إلى عبادة من لا يستحق العبادة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
خلاصة ما حوته السورة الكريمة من أغراض ومقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
1 -
وصف يوم القيامة وأهواله.
2 -
وصف النار وعذابها.
3 -
صفات الإنسان التي أوجبت له الجحيم، وكيف يجتهد لإزالة ما به من النقص حتى يرتقي إلى المعارج، ويخرج من عالم المادّة.
4 -
وعيد الكافرين على ما يلاقونه في ذلك اليوم الرهيب من الأهوال العجيبة (1).
والله أعلم
* * *
(1) تم الفراغ من تفسير هذه السورة قبيل المغرب من اليوم الثاني عشر من شهر الربيع الأول من شهور سنة 3/ 12/ 1416 هـ ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيّين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين، آمين يا ربّ العالمين.