المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة ن القلم، وتسمّى سورة ن: مكيّة (1) في قول الحسن، - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣٠

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الملك

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌سورة ن

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌ 4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌ 47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة الحاقّة

- ‌1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌ 6

- ‌7

- ‌8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة المعارج

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌ 26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌ 29

- ‌30

- ‌31

- ‌ 32

- ‌ 33

- ‌ 34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌سورة نوح

- ‌(1):

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌ 12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة الجن

- ‌1

- ‌2

- ‌ 3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌ 6

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌ 10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌ 14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة المزمل

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌سورة المدثر

- ‌2)}

- ‌1

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌8)

- ‌7

- ‌9

- ‌(10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌(41)}

- ‌42

- ‌43

- ‌ 44

- ‌ 45

- ‌ 46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌سورة القيامة

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌سورة الإنسان

- ‌(1)

- ‌(2):

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌9

- ‌10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌(24)}

- ‌23

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌سورة المرسلات

- ‌(4

- ‌(1):

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌(5)}

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

الفصل: ‌ ‌سورة ن القلم، وتسمّى سورة ن: مكيّة (1) في قول الحسن،

‌سورة ن

القلم، وتسمّى سورة ن: مكيّة (1) في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر. ورُوي عن ابن عباس وقتادة: أنّ من أولها إلى قوله: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)} مكيّ، وبعدر ذلك إلى قوله:{مِنَ الصَّالِحِينَ} مدنيّ، وباقيها مكيّ أيضًا، كذا قال الماورديّ.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورةٍ بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما نزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، ثم {ن} ثمّ {الْمُزَّمِّلُ} ثم {الْمُدَّثِّرُ} . وأخرج النحَّاس وابن مردويه، والبيهقي عنه قال: نزلت سورة {ن} بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة مثله.

وآيها: اثنتان وخمسون آيةً، وكلماتها: ثلاث مئة كلمة، وحروفها: ألف ومئتان وستة وخمسون حرفًا.

مناسبتها لما قبلها من وجوه (2):

1 -

أنه ذكر في آخر الملك تهديد المشركين بتغوير مائهم في الأرض، وذكر هنا ما هو كالدليل عني ذلك. وهو ثمر البستان الذي طافي عليه طائف، فأهلكه وأهلك أهله وهم نائمون.

2 -

أنه ذكر فيما قبل أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأنه لو شاء .. لخسف بهم الأرض أو أرسل عليهم حاصبًا وكان ما أخبر به هو ما أوحى به إلى رسوله وكان المشركون ينسبونه في ذلك مرةً إلى الشعر وأخرى إلى السحر وثالثة إلى الجنون، فبّرأهُ الله في هذه السورة مما نسبوه إليه، وأعظم أجره على صبره على أذاهم، وأثنى على خلقه.

وعبارة أبي حيّان (3): مناسبّتها لما قبلها: أنه سبحانه ذكر فيما قبلها أشياء من

(1) الشوكاني.

(2)

المراغي.

(3)

البحر المحيط.

ص: 74

أحوال السعداء والأشقياء، وذكر قدرته الباهرة وعلمه الواسع، وأنه تعالى لو شاء .. لخسف بهم أو لأرسل عليهم حاصبًا. وكان ما أخبر تعالى به هو ما تلقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي، وكان الكفّار ينسبونه مرّةً إلى الشعر ومرّة إلى السحر ومرّة إلى الجنون. فبدأ سبحانه وتعالى هذه السورة ببراءته مما كانوا ينسبونه إليه من الجنون وتعظيم أجره على صبره على إذاهم، وبالثناء على خلقه العظيم. انتهى.

الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم: سورة {نَ} محكم كلها إلا آيتين:

إحداهما: قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} نسخت بآية السيف.

الآية الثانية: قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ

} الآية، نسخت أيضًا بآية السيف.

والله أعلم

* * *

ص: 75

بسم الله الرحمن الرحيم

{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)} .

المناسبة

قد تقدم قريبًا بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وقد بدأ سبحانه هذه السورة بأنّه أقسم بالقلم، وما يسطر به من الكتب، إنّ محمّدًا الذي أنعم عليه بنعمة

ص: 76

النبوة، ليس بالمجنون كما تدّعون، وكيف يكون مجنونًا والكتب والأقلام أعدّت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي؟. وقد أقسم سبحانه بالقلم والكتب فتحًا لباب التعليم بهما، ولا يقسم ربّنا إلا بالأمور العظام، فإذا أقسم بالشمس والقمر والليل والفجر، فإنّما ذلك لعظمة الخلق وجمال الصنع، وإذا أقسم بالقلم والكتب فإنما ذاك ليعم العلم والعرفان، وبه تتهذّب النفوس، وترقى شؤوننا الاجتماءتية والعمرانية، ونكون كما وصف الله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ثم وعد رسوله بما سيكون له من جزيل الأجر على صبره على احتمال أذى المشركين، وأردف هذا بوصفه بحسن الخلق ورفقه بالناس امتثالًا لأمره {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن.

ثم هدد المشركين وتوعدهم بما سيَتَبَيَّنُ لهم من عاقبة أمره وأمرهم، وأنّه سيكون العزيز المهيب في القلوب وسيكونون الأذلاء، وأنه سيستولي عليهم ويأسر فريقًا منهم ويقتل آخر، وسيعلمون حينئذٍ من المجنون، والله هو العلم بالمجانين الذين ضلوا عن سبيله، والعقلاء الذين اهتدوا بهديه.

قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه لما ذكر مقالة المشركين في الرسول بنسبته إلى الجنون مع ما أنعم الله به عليه من الكمال في الدين والخلق، أردفه بما يقوّي قلبه ويدعوه إلى التشدد مع قومه مع قلة العدد، وكثرة الكفار؛ إذ هذه السورة من أوائل ما نزل كما مرّ، فنهاهم عن طاعتهم عامةً. ثم أعاد النهي عن طاعة المكذبين الذين اتصفوا بالأخلاق الذميمة التي ذكرت في هذه الآيات خاصة دلالة على قبح سيرتهم، وضعة نفوسهم وتدسيتهم لها بعظيم الذنوب والآثام.

قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر فيما سلف أن ذا المال والبنين كفر وعصى وتمرّد لما آتاه الله من النعم أردف هذا ببيان أنّ ما أوتيه إنما كان ابتلاء وامتحانًا، ليرى أيصرف ذلك في طاعة الله وشكره، فيزيد له في النعمة أم يكفر بها، فيقطعها عنه ويصبّ عليه ألوان البلاء والعذاب، كما أنّ أصحاب الجنة لما أتوا بهذا القدر اليسير من المعاصي دمَّر الله جنتهم، فما بالك بمن حاد الله ورسوله وأصر على الكفر والمعصية؟.

ص: 77

قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر حال أهل الجنة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوه، وخالفوا أمره، أعقب هذا ببيان أن لمن اتقاه وأطاعه جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفنى في الدار الآخرة، ثم رد على من قال من الكفار: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد وأصحابه لم يفضلونا، بل نكون أحسن منهم حالًا؛ لأن من أحسن إلينا في الدنيا يحسن إلينا في الآخرة بأنكم كيف تسوون بين المطيع والعاصي فضلًا أن تفضلوا العاصي عليه؟.

ثم أخذ يقطع عليهم الحجة فقال: أتلقيتم كتابًا من السماء، فقرأتم فيه أنكم تختارون ما تشاؤون، وتكونون وأنتم مجرمون كالمسلمين الصالحين؟ أم أعطيناكم عهودًا أكّدناها بالإيمان فاستوثقتم بها، هي ثابتة لكم إلى يوم القيامة؟ أم لكم أناس يذهبون مذهبكم في هذا القول. وإن صح أن لكم ذلك فلتأتوا بهم يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب، وتدعونهم حينئذٍ إلى السجود فلا يستطيعون، وتكون أبصارهم خاشعة ذليلة وقد كانوا يدعون في الدنيا إلى السجود وهم سالمون أصحاء، فيأبون كل الإباء.

قوله تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ

} إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا خوف الكفار من هول يوم القيامة، خوفهم مما في قدرته من القهر، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم مؤنبًا لهم وموبخًا: خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن، فإني عالم بما ينبغي أن أفعل بهم، فلا تشغل قلبك بهم وتوكل عليَّ في الانتقام منهم، إنا سندنيهم من العذاب درجةً فدرجةً، ونورطهم فيه بما نوليهم من النعم، ونرزقهم من الصحة والعافية فتزداد معاصيهم من حيث لا يشعرون، فكلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها. ثم قال لرسوله: ماذا ينقمون منك؟ أأنت تسألهم أجرًا على تبليغ الرسالة يثقل عليهم فامتنعوا عن إجابة دعوتك؟ أم عندهم علم الغيب المكتوب في اللوح المحفوظ، فهم يكتبون منه ما يحكمون به؟ كلَّا، لا هذا ولا ذاك، إذًا فالقوم معاندون فلم يبق إلا أن تصبر لحكم ربك، وقد حكم بإمهالهم، وتأخير نصرتك، وهم إن

أمهلوا فلن يهملوا.

ص: 78

ثم نهى رسوله أن يكون كيونس عليه السلام حين غضب على قومه، فارقهم ونزل في السفينة، فابتلعه الحوت، ودعا ربه وقال:{لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، وهو مملوء غيظًا وحنقًا. ثم أخبر رسوله بأن الكافرين ينظرون إليه شزرًا حين يسمعون منه القرآن، ويقولون حسدًا على ما آتاه الله من النبوة: إنك لمجنون تنفيرًا منه ومن دعوته. وما القرآن إلّا عظة للجنّ والإنس جميعًا لا يفهمها إلا من كان أهلًا لها.

أسباب النزول

قوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} سبب نزوله (1): ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون ثم شيطان، فنزلت هذه الآية.

قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} سبب نزوله: ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، والواحدي بسند رواه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته، إلا قال: لبيك، فلذلك أنزل الله سبحانه هذه الآية.

قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)} سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدّي قال: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، وأخرج ابن المنذر عن الكلبي مثله، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت في الأسود بن عبد يغوث، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)} فلم نعرفه حتى نزل بعد ذلك {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)} فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة.

قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جريج أنّ أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذًا فاربطوهم في الحال، ولا تقتلوا منهم أحدًا، فنزلت هذه الآية {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ

} يقول في قدرتهم عليهم كما اقتدر أصحاب الجنة على الجنة.

(1) لباب النقول.

ص: 79