المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

والطريق الموصل إلى مرضاته.   ‌ ‌20 - ثم رخص لأمته في ترك - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ٣٠

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الملك

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌سورة ن

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌ 4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌ 47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة الحاقّة

- ‌1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌ 6

- ‌7

- ‌8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌سورة المعارج

- ‌(1)

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌ 26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌ 29

- ‌30

- ‌31

- ‌ 32

- ‌ 33

- ‌ 34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌سورة نوح

- ‌(1):

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌ 12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة الجن

- ‌1

- ‌2

- ‌ 3

- ‌ 4

- ‌ 5

- ‌ 6

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌ 10

- ‌ 11

- ‌ 12

- ‌ 13

- ‌ 14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌سورة المزمل

- ‌(1)}

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌ 13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌سورة المدثر

- ‌2)}

- ‌1

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌8)

- ‌7

- ‌9

- ‌(10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌(41)}

- ‌42

- ‌43

- ‌ 44

- ‌ 45

- ‌ 46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌سورة القيامة

- ‌(1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌ 9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌ 24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌سورة الإنسان

- ‌(1)

- ‌(2):

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌ 8

- ‌9

- ‌10)}

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌(24)}

- ‌23

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌سورة المرسلات

- ‌(4

- ‌(1):

- ‌(2)

- ‌(3)

- ‌(5)}

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌ 27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

الفصل: والطريق الموصل إلى مرضاته.   ‌ ‌20 - ثم رخص لأمته في ترك

والطريق الموصل إلى مرضاته.

‌20

- ثم رخص لأمته في ترك قيام الليل كله للمشقة التي تلحقهم إذا هم فعلوا ذلك، فقال:{إِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ} ؛ أي: تصلي كقوله: {قُمِ اللَّيْلَ} ، لما كان أكثر أحوال الصلاة القيام عبر به عنها. {أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ}؛ أي: أقل منهما. فإطلاق الأدنى على الأقل مجاز (1) مرسل من قبيل إطلاق الملزوم على اللازم، لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز والحدود، وإذا بعدت كثر ذلك.

روي: أنه تعالى افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا مع مشقة عظيمة من حيث إنه يعسر عليهم تمييز القدر الواجب حتى قام أكثر الصحابة الليل كله خوفًا من الخطأ في إصابة القدر المفروض، وصاروا بحيث انتفخت أقدامهم، واصفرت ألوانهم، وأمسك الله خاتمة السورة من قوله:{إِنَّ رَبَّكَ} إلخ، اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فنسخ تقدير القيام بالمقادير المذكورة مع بقاء فرضية أصل التهجد حسبما تيسر، ثم نسخ نفس الوجوب أيضًا بالصلوات الخمس، لما روي: أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع.

{وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} بالنصب عطفًا على {أَدْنَى} . والثلث: أحد الأجزاء الثلاثة، والجمع أثلاث؛ أي: أنك تقوم أقل من ثلثي الليل، وتقوم نصفه وثلثه.

وقرأ الجمهور (2): {مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} بضمّ اللام. وقرأ الحسن، وشيبة، وأبو حيوة، وابن السميفع، وهشام، وابن مجاهد عن قنبل فيما ذكر صاحب "الكامل" بإسكانها، وجاء ذلك عن نافع، وابن عامر فيما ذكر "صاحب اللوامح". وقرأ العربيّان: أبو عمرو وابن عامر، ونافع {ونصفه وثلثه} بجرهما عطفًا على {ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} . وقرأ باقي السبعة، وزيد بن علي بالنصب عطفًا على {أَدْنَى}؛ لأنه منصوب على الظرف؛ أي: وقتًا أدنى من ثلثي الليل، فقراءة النصب مناسبة للتقسيم الذي في أوّل السورة؛ لأنّه إذا قام الليل إلا قليلًا صدق عليه أدنى من ثلثي الليل؛ لأن الزمان

(1) روح البيان.

(2)

البحر المحيط.

ص: 362

الذي لم يقم فيه يكون الثلث وشيئًا من الثلثين، فيصدق عليه قوله:{إِلَّا قَلِيلًا} . وأما قوله: {وَنِصْفَهُ} فهو مطابق لقوله أولًا: {نِصْفَهُ} ، وأما ثلثه فإن قوله:{أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا} ، قد ينتهي النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلث الليل. وأما قوله:{أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} فإنه إذا زاد على النصف قليلًا كان الوقت أقل من الثلثين، فيكون قد طابق قوله:{أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} ، ويكون قوله تعالى:{نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)} شرحًا لمبهم ما دل عليه قوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)} . والمعنى على النصب: إن ربك يعلم أنك تقوم أقل من ثلثي الليل وتقوم نصفه وتقوم ثلثه. قال الفراء: وقراءة النصب أشبه بالصواب.

وأما قراءة الجرّ فالمعنى (1): أنه قيام مختلف مرّة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من النصف، ومرة أدنى من الثلث. وذلك لتعذر معرفة البشر مقادير الزمان مع عذر النوم، وتقدير الزمان حقيقة إنّما هو لله تعالى، والبشر لا يطيقون ذلك.

والمعنى عليه: أنّ ربك يعلم أنك تقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه.

{وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} مرفوع معطوف (2) على الضمير في {تَقُومُ} وجاز ذلك للفصل بينهما؛ أي: ويقوم معك طائفة من أصحابك الذين آمنوا معك حين فرضية قيام الليل. و {من} تبيينية فلا دلالة فيه على أن قيام الليل لم يكن فرضًا على الجميع.

وحاصل المعنى: يتابعك طائفة في قيام الليل، وهم أصحابك. وفيه وعد لهم بالإحسان إليهم. وفي "قوت القلوب": قد قرن الله تعالى قوام الليل برسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجمعهم معه في شكر المعاملة وحسن الجزاء.

والمعنى: أي إنّ ربك يا محمد لعليم بأنك تقوم أقل من ثلثي الليل، وأكثر من النصف، وتقوم النصف وتقوم الثلث أنت وطائفة من صحبك المؤمنين حين فرض عليكم قيام الليل.

{وَاللهُ} وحده {يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ؛ أي (3): يعلم مقادير الليل والنهار على

(1) البحر المحيط.

(2)

روح البيان.

(3)

الشوكاني.

ص: 363

حقائقها، ويحصي بذلك دون غيره، وأنتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة. قال عطاء: لا يفوته علم ما تفعلون؛ أي: إنه يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل.

والمعنى: لا يقدر على تقديرهما ومعرفة مقادير ساعاتهما وأوقاتهما أحد أصلًا، فإن تقديم الاسم الجليل مبتدأ وبناء {يُقَدِّرُ} عليه موجب للاختصاص قطعًا. قال الراغب: التقدير: تبيين كميّة الشيء. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ} إلخ. إشارة إلى (1) ما أجرى من تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل. أي: إدخال هذا في هذا إلخ. وأن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما، وتوفية حق العبادة منهما في وقت معلوم.

والحاصل: أن العالم بمقادير ساعات الليل والنهار على حقائقها هو الله، وأنثم تعلمون بالتحري والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ، فربما يقع منكم الخطأ في إصابتها، فتقومون أقل من المقادير المذكورة. ولذا قال:{عَلِمَ} الله سبحانه {أَنْ} أي: أن الشأن {لَنْ تُحْصُوهُ} ؛ أي: لن تقدروا على تقدير الأوقات على حقائقها، ولن تستطيعوا ضبط الساعات أبدًا. فالضمير (2) عائد على المصدر المفهوم من {يُقَدِّرُ}؛ أي: علم أنّه لا يمكنكم إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة، ولا يمكنكم تحصيل تلك المقادير على سبيل الظن إلا مع المشقة التامة. واحتج بعضهم بهذه الآية على وقوع التلكيف بما لا يطاق، فإنه تعالى قال:{لَنْ تُحْصُوهُ} ؛ أي: لن تطيقوه، ثم إنه كلفهم بتقدير الساعات والقيام فيها حيث قال. {قُمِ اللَّيْلَ

} إلخ. ويمكن أن يجاب عنه: بأنّ المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه أصلًا، كما يقال: لا أطيق أن أنظر إلى فلان إذا استثقل النظر إليه.

أي (3): علم أنه لن تطيقوا قيامه على هذه المقادير؛ إلا بشدة ومشقة، وفي ذلك حرج. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}؛ أي: فخفف عليكم، وأسقط عنكم فرض قيام الليل. {فَاقْرَءُوا}؛ أي: فصلوا {مَا تَيَسَّرَ} لكم {مِنَ الْقُرْآنِ} ؛ أي: من صلاة الليل؛ أي: فصلوا ما تيسر وسهل عليكم من صلاة الليل غير مقدرة بكونها في ثلث الليل أو نحوه، ولو قدر حلب شاة، فهذا إنما يكون أربع ركعات وقد يكون ركعتين. عبّر

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

(3)

النسفي.

ص: 364

عن (1) الصلاة بالقراءة كما عبّر عنها بسائر أركانها على طريق إطلاق اسم الجزء على الكل مجازًا مرسلًا، فتبين أن التهجد كان واجبًا على التخيير المذكور، فعسر عليهم القيام به فنسخ بهذه الآية، ثم نسخ نفس الوجوب المفهوم منها بالصلوات الخمس. وقيل: إنه نسخ في حق الأمة وبقي فرضًا في حقه صلى الله عليه وسلم. والأولى القول بنسخ قيام الليل على العموم في حقه صلى الله عليه وسلم، وفي حق الأمة. وفيه تفضيل صلاة الليل على سائر التطوعات، فإن التطوع بما كان فرضًا في وقت ثمّ نسخ أفضل من التطوّع بما لم يكن فرضًا أصلًا، كما قالوا: صوم يوم عاشوراء أفضل لكونه فرضًا قبل فرضيّة رمضان. وفي الحديث: "فليصلّ أحدكم من الليل، فإذا غلب عليه النوم فليرقد".

ومعنى قوله: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

} إلخ؛ أي: (2) ولا يعلم مقادير الليل والنهار إلّا الله، وأما أنتم .. فلن تستطيعوا ضبط الأوقات ولا إحصاء الساعات، فتاب عليكم بالترخيص في ترك القيام المقدّر، وعفا عنكم ورفع هذه المشقّة. قال مقاتل وغيره: لمّا نزلت: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)} إلخ، شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه؟ فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، فانتفخت أقدامهم وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله، وخفف عنهم فقال تعالى:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} .

والخلاصة: الله يعلم أنكم لن تحصوا ساعات الليل إحصاء تامًّا، فإذا زدتم على المفروض .. ثقل ذلك عليكم وكلفتم ما ليس بفرض، وإن نقصتم .. شق هذا عليكم. فتاب عليكم، ورجع بكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى يسر، وطلب إليكم أن تصلوا ما تيسر بالليل، كما أشار إلى ذلك بقوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ؛ أي: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل. قال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء. وقال السدّي: ما تيسّر منه هو مئة آية. وفي بعض الآثار: من قرأ مئة آية في ليلة .. لم يحاجّه القرآن. وعن قيس بن حازم قال: صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله رب العالمين، وأول آية من البقرة، ثم ركع، فلما انصرفنا أقبل علينا فقال: إنّ الله يقول: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ} ، أخرجه

(1) روح البيان.

(2)

المراغي.

ص: 365

الدارقطني، والبيهقي في "سننه".

ثم ذكر أعذارًا أخرى تسوغ هذا التخفيف، فقال:{عَلِمَ} الله سبحانه {أَن} أي: أنّ الشأن {سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} استئناف مبيّن لحكمة أخرى داعية إلى الترخيص والتخفيف؛ أي: علم الله سبحانه أنّه سيوجد منكم مرضى لا يستطيعون الصلاة بالليل {وَآخَرُونَ} عطف على {مَرْضَى} ؛ أي: وسيوجد منكم أقوام آخرون {يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: يسافرون في نواحي الأرض وأرجائها للتجارة حال كونهم {يَبْتَغُونَ} ؛ أي: يطلبون في سفرهم {مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ورزقه. وهو الربح ما يحتاجون إليه في معاشهم، فلا يطيقون قيام الليل. وفيه (1) تصريح بما علم التزامًا، وبيان أن ما حصلوه من الرزق من فضل الله. ومحل {يَبْتَغُونَ} النصب على أنه حال من {يَضْرِبُونَ} . وقد عمّ ابتغاء الفضل تحصيل العلم، فإنه من أفضل المكاسب، وفيه أن معلم الخير وهو رسول لله صلى الله عليه وسلم كان حاضرًا عندهم وقت نزول الآية، فأين يذهبون؟ إلا أن يجعل آخر السورة مدنيًّا، فقد كانوا يهاجرون من مكة إلى المدينة لطلب العلم، وأيضًا إنَّ هذا بالنسبة إلى خصوص الخطاب. وأمّا بالنسبة إلى أهل القرن الثاني، ومن بعدهم فبقاء الحكم بلا نسخ يوقعهم في الحرج. وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: أنّه قال: حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة، وأفضل من شهود ألف جنازة، ومن عيادة ألف مريض. قيل: ومن قراءة القرآن؟ قيل: وهل تنفع قراءة القرآن بلا علم؟.

{وَ} علم أن سيوجد أقوام {آخَرُونَ} منكم عطف على {مَرْضَى} أيضًا {يُقَاتِلُونَ} الأعداء {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ويجاهدونهم لإعلاء كلمة الله، فلا يطيقون قيام اللّيل. وسبيل الله هو ما يوصل إلى الأجر عند الله كالجهاد. وفيه تنبيه على أنه سيؤذن لهم في القتال مع الأعداء.

والمعنى (2): أي علم سبحانه أنه سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار لا يستطيعون معها القيام بالليل كمرض وضرب في الأرض ابتغاء الرزق من فضل الله، وغزو في سبيل لله، فهؤلاء إذا لم يناموا في الليل تتوالى عليهم أسباب المشقّة، ويظهر عليهم آثار الجهد. وفي هذا إيماء إلى أنّه لا فرق بين الجهاد في قتال العدوّ

(1) روح البيان.

(2)

المراغي.

ص: 366

والجهاد في التجارة لنفع المسلمين. قال ابن مسعود: أيّما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن الإسلام صابرًا محتسبًا، فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء، ثم قرأ قوله تعالى:{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن عمر رضي الله عنه قال: ما من حال يأتيني عليه الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إلى من أن يأتيني، وأنا بين شعبتي جبل ألتمس من فضل الله، وتلا:{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} .

ولما ذكر سبحانه ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص، ورفع وجوب القيام عن هذه الأمّة ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص، فقال:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} والفاء: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر كما ذكر من الأعذار، وتعاضدت الدواعي إلى الترخيص، وأردتم بيان ما هو الأسهل عليكم .. فأقول لكم: اقرؤوا ما تيسّر منه؛ أي: صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، أو فاقرؤوا في صلاة الليل ما خف عليكم وتيسر لكم منه من غير تحمل المشاقّ.

وهذا (1) تأكيد للأوّل، فالأوّل مفرع على قوله تعالى:{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} إلخ، وهذا مفرع على قوله:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} إلخ. فكل من المؤكّد والمؤكّد مفرع على حكمة.

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ؛ أي: صلوا الصلاة المفروضة، وأدّوها في أوقاتها، وقوموها بأركانها وشروطها وآدابها، فلا تكون قلوبكم غافلةً، ولا أفعالكم خارجةً عمّا رسمه الدين. {وَآتُوا الزَّكَاةَ}؛ أي: أعطوا الزكاة الواجبة في أموالكم لمستحقيها. وقيل (2): هي زكاة الفطر، إذ لم يكن بمكة زكاة غيرها، وإنما وجبت بعدها. ومن فسّرها بالزكاة المفروضة في الأموال جعل آخر السورة مدنيًّا. وذلك إن لم نجعلها من باب ما تأخر حكمه عن نزوله ففيه دلالة على أنه سينجز وعده لرسوله، ويقيم دينه، ويظهر حتى تفرض الزكاة وتؤدي.

{وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ؛ أي: أنفقوا إنفاقًا حسنًا لا منّ فيه، ولا أذى من أموالكم في سبيل الخير، والتطوع للإفراد والجماعات مما هو نافع لها في رقيّها

(1) المراح.

(2)

روح البيان.

ص: 367

المدنيّ والاجتماعيّ، وسيبقى لكم جزاء ذلك عند ربكم. والقرض ضرب من القطع، وسمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط رد بدله قرضًا؛ لأنه مقروض مقطوع من ماله، أريد به الإنفاقات في سبيل الخيرات غير المفروض، فإنها كالقرض الذي لا خلف في أدائه. وفيه حث على التطوع، كما قال صلى الله عليه وسلم "إنّ في المال حقًّا سوى الزكاة". على أحسن وجه، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعًا للفقراء بحسن النية وصفاء القلب إلى أحوج الصلحاء. ونحو الآية قوله:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} .

ثم حبب في الصدقة وفعل الخيرات، فقال:{وَمَا} شرطية {تُقَدِّمُوا} في الدنيا ذخرا {لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} أي خير كان مما ذكر ومما لم يذكر {تَجِدُوهُ} جواب الشرط، ولذا جزم؛ أي: تجدوا ثوابه {عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه في الآخرة {هُوَ} تأكيد للضمير {خَيْرًا} وأنفع لكم من متاع الدنيا {و} تجدوه هو {أَعْظَمَ} ؛ أي: أكثر {أَجْرًا} وثوابًا من الذي تؤخّرونه إلى الوصية عند الموت، أي: ما تنفقونه في حال الصحة أكثر ثوابًا مما تنفقونه بالوصية بعد الموت. وقوله: {خَيْرًا} (1)، ثاني مفعولي {تَجدُوُه} و {هُوَ} تأكيد للمفعول الأول لـ {تَجدُوُه} وفصل بينه وبين الفعول الثاني وإن لم يقع بين معرفتين فإنّ أفعل في حكم المعرفة. وذلك يمتنع من حرف التعريف وقوله:{وَأَعْظَمَ} عطف على {خَيْرًا} و {أَجْرًا} تمييز عن نسبة الفاعل. والأجر: ما يعود من ثواب العمل دنيويًا كان أو أخرويًا.

وقال بعضهم: المشهور أنّ وجد إذا كان بمعنى. صادف يتعدى إلى مفعول واحد، وهو هاهنا بمعناه لا بمعنى علم، فلا بُدَّ أن يكون {خَيْرًا} حالًا من الضمير. وفي الحديث:"اعلموا أنَّ كل امرىء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم". وعنه صلى الله عليه وسلم: "إنّ العبد إذا مات .. قال الناس: ما خلف وقالت الملائكة: ما قدم". ومر عمر ببقيع الغرقد؛ أي: مقبرة المدينة، سمّيت بذلك لأنها كانت منبت الغرقد، وهو بالغين المعجمة اسم شجر. فقال: السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتف يا ابن الخطاب أخبار ماء عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفنا

(1) روح البيان.

ص: 368

فقد خسرنا.

قَدِّمْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوتِكَ صَالِحًا

وَاعْمَل فَلَيْسَ إِلَى الْخُلُوْدِ سَبِيْلُ

وقرأ الجمهور (1): {هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} بنصبهما، واحتمل هو أن يكون فصلًا، وأن يكون تأكيدًا لضمير النصب في {تَجِدُوهُ} . وقرأ أبو السمال، وابن السميفع {هو خير وأعظم} برفعهما على أن يكون {هُوَ} مبتدأ، و {خَيْرٍ} خبره، و {وَأَعْظَمَ} معطوف عليه، والجملة في محل نصب على أنها ثاني مفعولي {تَجِدُوهُ} ، إن كان بمعنى علم، أو على الحال إن كان بمعنى صادف، كما مرّ آنفًا.

والمعنى: أي وما تقدّموا لأنفسكم في دار الدنيا من صدقة أو نفقة تنفقونها في سبيل الله، أو فعل طاعة من صلاة أو صيام أو حج، أو غير ذلك تجدوا ثوابه عند الله يوم القيامة خيرًا مما أبقيتم في دار الدنيا، وأعظم منه عائدة لكم.

{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} ؛ أي: سلوا الله المغفرة لذنوبكم في جميع أوقاتكم. وكافّة أحوالكم، فإن الإنسان قلما يخلو عن تفريط، وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر، ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح. واستحب (2) الاستغفار على الأسماء من القرآن مثل أن يقول: أستغفر الله إنه كان توّابًا، أستغفر الله إنّ الله غفور رحيم، أستغفرُ الله إنه كان غفّارًا، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}؛ أي: كثير المغفرة لمن استغفره يغفر ما دون أن يشرك به. {رَحِيمٌ} ؛ أي: كثير الرحمة لمن استرحمه، فيبدل السيئات حسنات.

وفي "عين المعاني": (3) غفور يستر على أهل الجهل والتقصير، رحيم يخفف عن أهل الجهل والتوقير. ومن عرف أنّه الغفور الذي لا يتعاظمه ذنب يغفر له أكثر من الاستغفار، وهو طلب المغفرة. ثم إن كان مع الانكسار .. فهو صحيح، وإن كان مع التوبة .. فهو كامل، وإن كان عريًّا عنهما .. فهو باطل. ومن كتب سيد الاستغفار وجرعه لمن صعب عليه الموت انطلق لسانه وسل عليه الموت، وقد جرب مرارًا. وسيد الاستغفار قوله: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا

(1) البحر المحيط.

(2)

روح البيان.

(3)

روح البيان.

ص: 369

عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

الإعراب

{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)} .

{يَا أَيُّهَا} {يا} حرف نداء، {أيُّ} منادى نكرة مقصودة، مبني على الضمّ، و {الهاء}: حرف تنبيه زائد تعويضًا عمّا فات {أيُّ} من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. {الْمُزَّمِّلُ} نعت لـ {أيُّ} أو بدل منه، {قُمِ} فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. {اللَّيْلَ} منصوب على الظرف، متعلق بـ {قُمِ} ، {إِلَّا} أداة استثناء، {قَلِيلًا} منصوب على الاستثناء، وفيه دليل على أنَّ المستثنى قد يكون مبهم المقدار. {نِصْفَهُ} ، بدل من {اللَّيْلَ} ، أو من {قَلِيلًا} ، فإذا كان بدلًا من {اللَّيْلَ} كان الاستثناء منه، وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلًا. {أَوِ} حرف عطف وتخيير {انْقُصْ} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {قُمِ} {مِنْهُ} متعلق بـ {انْقُصْ} ، {قَلِيلًا} مفعولى به، {أَو} حرف عطف وتخيير، {زِدْ} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {انْقُصْ} ، {عَلَيْهِ} متعلق بـ {زِدْ} ، والضمير في {مِنْهُ} و {عَلَيْهِ} عائدان على النصف. {وَرَتِلِ} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {قُمِ اللَّيْلَ} ، {الْقُرْآنَ} مفعولى به، {تَرْتِيلًا} مفعول مطلق، {إِنَّا} ناصب واسمه، {سَنُلْقِي} السين حرف استقبال، {نلقي} فعل مضارع وفاعل مستتر، {عَلَيْكَ} متعلق بـ {نلقي} ، {قَوْلًا} ، مفعول به، {ثَقِيلًا} صفة {قَوْلًا} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إنّ} ، وجملة {إنّ} معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ

} إلخ. {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} ناصب واسمه ومضاف إليه، {هِيَ} ضمير فصل أو مبتدأ، {أَشَدُّ} خبر {إنّ} أو خبر المبتدأ، والجملة خبر {إنّ} ، {وَطْئًا} تمييز، {وَأَقْوَمُ} معطوف على أشدّ {قِيلًا} تمييز، وجملة إنّ مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بقيام الليل.

{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ

ص: 370

وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)}.

{إِنَّ} حرف نصب، {لَكَ} خبرها مقدم، {فِي النَّهَارِ} حال من {سَبْحًا} ؛ لأنه كان صفة نكرة قدمت عليها، {سَبْحًا} اسمها مؤخّر، {طَوِيلًا} صفة {سَبْحًا} ، وجملة {إِنَّ} معترضة أيضًا. {وَاذْكُرِ} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على قوله:{قُمِ اللَّيْلَ} . {اسْمَ رَبِّكَ} مفعول به، {وَتَبَتَّلْ} فعل أمر وفاعل مستتر، معطوف على {اذْكُر} ، {إِلَيْهِ} متعلق بـ {تبتل} ، {تَبْتِيلًا} مفعول مطلق، {رَبُّ الْمَشْرِقِ} بالرفع خبر لمبتدأ محذوف ومضاف إليه؛ أي: هو ربّ المشرق، ويقرأ بالجرّ على أنه بدل من {رَبِّكَ} . {وَالْمَغْرِبِ} معطوف على المشرق. {لَا} نافية تعمل عمل {إنّ} المكسورة، {إِلَهَ} في محل النصب اسمها، وخبر {لا} محذوف تقديره: موجود، {إِلَّا} أداة استثناء، {هُوَ} ضمير للمفرد المنزَّه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من الضمير المستتر في خبر {لا} المحذوف، وجملة {لَا} في محل النصب حال من رب المشرق، أو معطوفة على جملته بعاطف مقدر. {فَاتَّخِذْهُ} الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انفراده بالربوبية والألوهية، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: اتخذه يا محمد وكيلا. {اتخذه وكيلا} فعل أمر وفاعل مستتر ومفعولان؛ لأنّ {اتَّخَذَ} من أخوات ظنّ، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.

{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14)} .

{وَاصْبِرْ} فعل وفاعل مستتر، معطوف على اتخذه، {عَلَى مَا} جار ومجرور، متعلق بـ {اصبر} ، وجملة {يَقُولُونَ} صلة لـ {ما} ، والعائد محذوف؛ أي: على ما يقولونه. {وَاهْجُرْهُمْ} فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على {اصبر} ، {هَجْرًا} مفعول مطلق، {جَمِيلًا} صفة هجرا، {وَذَرْنِي} الواو: عاطفة، {ذر} فعل أمر وفاعل مستتر، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة اصبر، {وَالْمُكَذِّبِينَ} معطوف على الياء أو مفعول معه، {أُولِي النَّعْمَةِ} صفة لـ {المكذبين} ، منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، {وَمَهِّلْهُمْ} فعل

ص: 371

أمر، ومفعول به وفاعل مستتر، معطوف على {ذرني} ، {قَلِيلًا} صفة لمصدر محذوف؛ أي: إمهالًا قليلًا أو ظرف محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا. {إِنَّ} حرف نصب، {لَدَيْنَا} خبرها مقدم على اسمها، {أَنْكَالًا} ، اسمها مؤخّر، وجملة {إِنَّ} جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل الأمر بالإمهال. {وَجَحِيمًا} معطوف على {أَنْكَالًا} ، {وَطَعَامًا} معطوف عليه أيضًا، {ذَا غُصَّةٍ} صفة لـ {طعاما} ، منصوب بالألف؛ لأنّه من الأسماء الستة، {وَعَذَابًا} معطوف على {أَنْكَالًا} ، أيضًا، {أَلِيمًا} صفة {عذابًا} ، {يَوْمَ} ظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به {لَدَيْنَا} أو بمحذوف صفة لـ {عذابًا}؛ أي: عذابا واقعًا يوم ترجف، وجملة {تَرْجُفُ الْأَرْضُ} في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} ، {وَاَلجبَالُ} معطوف على {الْأَرْضُ} ، {وَكَانَتِ الْجِبَالُ} فعل ناقص واسمه، {كَثِيبًا} خبره، {مَهِيلًا} صفة {كَثِيبًا} ، وجملة {كَانَ} معطوفة على جملة {تَرْجُفُ} .

{إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)} .

{إِنَّا} ناصب واسمه، وجملة {أَرْسَلْنَا} خبره، وجملة {إنّ} مستأنفة. {إِلَيْكُمْ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {رَسُولًا} مفعول به، {شَاهِدًا} صفة {رَسُولًا} ، {عَلَيْكُمْ} متعلق بـ {شَاهِدًا} ، {كَمَا} جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف تقديره: أرسلنا إليكم رسولًا إرسالًا كائنا كإرسالنا موسى إلى فرعون. و {ما} مصدرية، وجملة {أَرْسَلْنَا} صلتها، {إِلَى فِرْعَوْنَ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} ، {رَسُولًا} ، مفعول به، {فَعَصَى} {الفاء}: عاطفة، {عصى فرعون الرسول} فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله:{أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ} . {فَأَخَذْنَاهُ} {الفاء} : عاطفة، أخذناه فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {فَعَصَى} ، {أَخْذًا} مفعول مطلق، {وَبِيلًا} صفة {أَخْذًا} ، {فَكَيْفَ} {الفاء}: استئنافية، {كيف} اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل {تَتَّقُونَ} ، {تَتَّقُونَ} فعل مضارع مرفوع بالنون، و {الواو}: فاعل، والجملة مستأنفة، {إن} حرف شرط، {كَفَرْتُمْ} فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، والجواب محذوف دل عليه ما قبلها؛ أي:

ص: 372

إن دمتم على كفركم .. فكيف تتقون؟ وجملة {إن} الشرطية معترضة لاعتراضها بين الفعل ومفعوله، {يَوْمًا} مفعول به لـ {تَتَّقُونَ} ، {يَجْعَلُ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على {يَوْمًا} ، {الْوِلْدَانَ} مفعول به أوّل لـ {جعل} ، {شِيبًا} مفعول ثان، وجملة {يَجْعَلُ} في محل النصب صفة لـ {يَوْمًا} .

{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19)} .

{السَّمَاءُ} مبتدأ، {مُنْفَطِرٌ} خبره {بِهِ} متعلق بـ {مُنْفَطِرٌ} ، والجملة في محل النصب صفة لـ {يَوْمًا} ، {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. {فَمَن} {الفاء}: عاطفة، {من} اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، {شَاءَ} فعل ماض في محل الجزم بـ {مَنْ} على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، ومفعول {شَاءَ} محذوف تقديره: فمن شاء النجاة. {اتَّخَذَ} فعل ماض وفاعل مستتر في محل الجزم بـ {مَنْ} الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة {مَنْ} الشرطية معطوفة على جملة {إنَّ} ، {إِلَى رَبِّهِ} في موضع المفعول الثاني لـ {اتَّخَذَ} ، {سَبِيلًا} مفعول أوّل له.

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}

{إِنَّ رَبَّكَ} ناصب واسمه، وجملة {يَعْلَمُ} خبره، والجملة مستأنفة، {أَنَّكَ} ناصب واسمه، وجملة {تَقُومُ} خبر {أنّ} ، وجملة {أنّ} في تأويل مصدر ساد مسدّ مفعولي {يَعْلَمُ} ، {أَدْنَى} منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ {تَقُومُ} أي: وقتًا أدنى، {مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} متعلق بـ {أَدْنَى} ، {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} معطوفان على {أَدْنَى} ، {وَطَائِفَةٌ} معطوف على فاعل {تقوم} المستتر لوجود الفاصل، {مِنَ الَّذِينَ} صفة لـ {طائفة} ، {مَعَكَ} صلة الموصول. {وَاللَّهُ} مبتدأ، {يُقَدِّرُ اللَّيْلَ} فعل وفاعل مستتر ومفعول به، {وَالنَّهَارَ} معطوف على {اللَّيْلَ} ، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.

{عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

{عَلِمَ} فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. {أَن}

ص: 373

مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: علم أنه. {لَنْ} حرف نصب واستقبال، {تُحْصُوهُ} فعل مضارع منصوب بـ {عَلِمَ أَنْ لَنْ} ، والواو: فاعل، والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر؛ لـ {أَن} المخففة، وجملة {أَن} المخففة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي {عَلِمَ}. {فَتَابَ} {الفاء}: عاطفة، {تابَ} فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على {علم} ، {عَلَيْكُمْ} متعلق بـ {تاب} ، {فَاقْرَءُوا} {الفاء}: عاطفة، {اقرؤوا} فعل أمر، وفاعل معطوف على {تاب} ، {مَا} اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة {تَيَسَّرَ} صلة لـ {ما} الموصولة، {مِنَ الْقُرْآنِ} حال من فاعل {تَيَسَّرَ} أو متعلق به، {عَلِمَ} فعل ماض وفاعل مستتر، مستأنف، {أَن} مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. أي: علم أنه. {سَيَكُونُ} فعل مضارع ناقص، والسين حرف استقبال، {مِنْكُمْ} خبر يكون مقدم، {مَرْضَى} اسمها مؤخّر، وجملة {يكون} في محل الرفع خبر {أَن} المخفّفة، وجملة {أَن} المخففة في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي {عَلِمَ} ، {وَآخَرُونَ} معطوف على {مرضى} ، وجملة {يَضْرِبُونَ} صفة {آخرون} ، {فِي الْأَرْضِ} متعلق بـ {يَضْرِبُونَ} ، وجملة {يَبْتَغُونَ} في محل النصب حال من فاعل {يَضْرِبُونَ} ، {مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} متعلق بـ {يَبْتَغُونَ} {وَآخَرُونَ} معطوف على {آخرون} الأول، وجملة {يُقَاتِلُونَ} صفة لـ {آخرون} ، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} متعلق بـ {يُقَاتِلُونَ} .

{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{فَاقْرَءُوا} فعل وفاعل، معطوف على علم أن {سَيَكُونُ} . {مَا} اسم موصول في محل النصب، مفعول به، وجملة {تَيَسَّرَ} صلة لـ {مَا} ، {مِنْهُ} متعلق بـ {تَيَسَّرَ} أو حال من فاعل {تَيَسَّرَ} . {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} فعل وفاعل ومفعول به معطوف على {اقرؤوا} ، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} معطوف عليه أيضًا، {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ} فعل وفاعل ومفعول به، معطوف عليه أيضًا، {قَرْضًا} مفعول مطلق، {حَسَنًا} هو صفة {قَرْضًا} {وَمَا} {الواو}: اعتراضية، {مَا} اسم شرط جازم في محل النصب، مفعول مقدم لـ {تُقَدِّمُوا} ، {تُقَدِّمُوا} فعل مضارع مجزوم بـ {مَا} على كونه فعل شرط لها، {والواو}: فاعل، {لِأَنْفُسِكُمْ} متعلق بـ {تُقَدِّمُوا} ، {مِنْ خَيْرٍ} حال من الضمير المحذوف في {تُقَدِّمُوا} ، {تَجِدُوهُ} فعل وفاعل ومفعول به، مجزوم بـ {مَا} على

ص: 374

كونه جواب الشرط، {عِنْدَ اللَّهِ} متعلق بـ {تَجِدُوُه} ، {هُوَ} ضمير فصل أو تأكيد للضمير، {خَيْرًا} مفعول به ثان لـ {تَجدُوُه} ، {وَأَعْظَمَ} معطوف على {خَيْرًا} ، {أَجْرًا} تمييز، وجاز أن يكون {هُوَ} فصلًا، وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأنّه وقع بين معرفة ونكرة، ولكن النكرة تشبه المعرفة لامتناعه من التعريف بأداة التعريف إذا كان معه من لفظًا أو تقديرًا، وهنا من مقدرة؛ أي: خيرًا مِمّا خلّفتم في الدنيا، وجملة {ما} الشرطية معترضة. {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على {فَاقْرَءُوا} ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} ناصب واسمه وخبره، {رَحِيمٌ} خبر ثان، والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب مسوقة لتعليل الأمر بالاستغفار.

التصريف ومفردات اللغة

{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)} أصله: المتزمّل، وهو الذي تزمّل في ثيابه؛ أي: تلفّف بها، فأبدلت التاء زايًا، وأدغمت الزاي في الزاي. وفي "المصباح": زمّلته بثوبه تزميلًا فتزمّل مثل: لفّفته فتلفّف، وزملت الشيء: حملته، ومنه قيل للبعير: زاملة بالهاء للمبالغة، لأنّه يحمل متاع المسافر. {قُمِ اللَّيْلَ} أمر من قام يقوم؛ لأن الأمر قطعة من المضارع المجزوم الذي حذف منه حرف المضارعة، والجازم؛ لأن مضارعه المجزوم لم يقم، فإذا حذفت منه الجازم وحرف المضارعة يكون الباقي منه قم، فهو أمر {اللَّيْلَ} هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أمر مأخوذ من لم يزد، لأنه الباقي من المضارع بعد حذف الجازم وحرف المضارعة. {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ} أمر من رتل يرتل ترتيلًا من باب فعل المضعف. قال في "الكشاف": ترتيل القرآن: قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيهًا بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، وأن لا يهزه هزا ولا يسرده سردًا، كما مرّ.

{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} وناشئة الليل: القيام بعد النوم، فهي صفة لمحذوف؛ أي: إن النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة؛ أي: ترتفع وتنهض، من نشأت السحابة إذا ارتفعت. وقيل: إنها مصدر بمعنى القيام من نشأ إذا قام ونهض، فتكون كالعافية. وفي "المختار": وناشئة الليل أول ساعاته. وقيل: ما ينشأ فيه من الطاعات. {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} ؛ أي: انقطع إليه. و {تَبْتِيلًا} مصدر على غير القياس، وهو

ص: 375

واقع موقع التبتل؛ لأن مصدر تفعل تفعلًا نحو: تصرف تصرفًا وتكرم تكرّمًا، وأما التبتيل فمصدر بَتَّلَ، نحو: صرَّف تصريفًا. قال في "الخلاصة":

وغَيْرُ ذي ثَلَاثَةٍ مَقِيْسُ

مَصْدُرُ كَقُدِّسَ التَّقْدِيْسُ

{وَأَقْوَمُ قِيلًا} القيل: اسم مصدر من القول بمعناه بقلب الواو ياء أي أزيد من جهة السداد والاستقامة في المقال، ومن جهة الثبات والاستقرار على الصواب. {سَبْحًا طَوِيلًا} قال الراغب: السبح: المر السريع في الماء، أو في الهواء، استعير لمر النجوم في الفلك كقوله تعالى:{وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، ولجرى الفرس كقوله تعالى:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} ، ولسرعة الذهاب في العمل كقوله تعالى:{إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)} . والمعنى هنا: إنَّ لك في النهار تقلبًا وتصرفًا في مهام أمورك واشتغالًا بشواغلك، فلا تستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليكها في الليل. {أُولِي النَّعْمَةِ} والنعمة بفتح النون: التنعم وبكسرها: الإنعام وما أنعم به عليك، وبالضم: السرور. والتنعُّم: استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات. {هَجْرًا جَمِيلًا} الهجر الجميل: ما لا عتاب معه. {وَمَهِّلْهُمْ} ؛ أي: اتركهم برفق وتأن، ولا تهتم بشأنهم. {أَنْكَالًا} ، والأنكال: جمع نكل، والنكل بكسر النون وفتحها: القيد الثقيل. قالت الخنساء:

دعاك فَقَطَّعْتَ أَنْكَالَهَ

وقَدْ كُنَّ قَبْلَكَ لَا تُقْطَعُ

{وَجَحِيمًا} والجحيم: النار الشديدة الإيقاد. {كَثِيبًا} ؛ أي: رملًا مجتمعًا. {مَهِيلًا} ؛ أي: سائلًا اجتماعه. أصله: مهيول اسم مفعول من هال الثلاثي يهيل هيلا نظير: باع يبيع بيعًا فهو مبيع، نقلت حركة الياء إلى الهاء فسكنت الياء فالتقى ساكنان: الياء وواو مفعول، فحذفت واو مفعول على الصحيح ثم كسرت الهاء لمناسبة الياء الساكنة، كما قالوا: مبيع. هذا على رأي سيبويه والجمهور. أما الأخفش فإنه يرى أن المحذوف عين الكلمة، ولما حذفت كسرت الفاء وقلبت الواو ياء فرقًا بين ذوات الواو وذوات الياء. والأول أولى. وفي "المختار": هال الدقيق في الجراب: صبه من غير قيل، وكل شيء أرسله إرسالًا من رمل أو تراب أو طعام ونحوه فقد هاله فانهار؛ أي: جرى وانصبَّ، وبابه: باع، وأهال لغة فيه فهو مهال ومهيل. {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} أعاده بالألف واللام ليعلم أنه الأول، فكأنّه قال:

ص: 376

فعصاه فرعون جريًا على القاعدة المشهورة عندهم المذكورة في قول بعضهم:

ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَه

إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَه

تَغَايَرَتْ وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِي

تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ

{وَبِيلًا} ؛ أي: ثقيلًا شديدًا لا يطاق، من قولهم: كلأٌ وبيلٌ، وضيمٌ لا يستمرأ لثقله، والوبيل: العصا الضخمة، ومنه: الوابل للمطر العظيم. وفي "المصباح": وبلت السماء وبلا من باب وعد، ووبولًا: اشتد مطرها، وكان الأصل: وبل مطر السماء، فحذف للعلم به، ولهذا يقال للمطر: وابل، والوبيل: الوضيم وزنا ومعنى. {يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ} والولدان: جمع وليد، يقال لمن قرب عهده: بالولادة، وإن كان في الأصل يصح إطلاقه على من قرب عهده بها، ومن بَعُدَ. {شِيبًا} جمع أشيب، والشيب: بياض الشعر، وأصله: أن يكون بضم الشين كحمر في جمع أحمر؛ لأن الضم يقتضي الواو فكسرت لأجل صيانة الياء فرقًا بين مثل سود وبين مثل بيض. {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} قال في "الصحاح": الوعد يستعمل في الخير والشر، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، انتهى. {تَذْكِرَةٌ} بوزن تفعلة، ووزن التفعلة غير مقيس في فعل الصحيح، بل هو مقيس في معتل اللام منه كزكى تزكية وعزَّى تعزية، وقياسه هنا التذكير ولكنه جاء على سبيل النيابة كفرَّق تفرقة والقياس التفريق.

{تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} أصله: أدنى بوزن أفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {وَثُلُثَهُ} والثلث: أحد أجزاء الثلاثة، والجمع أثلاث. {وَطَائِفَةٌ} فيه إعلال بالقلب، أصله: طاوفة؛ لأنه من طاف يطوف، قلبت الواو همزة حملًا للوصف على فعله طاف في الإعلال. {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ} قال الراغب: التقدير: تبيين كمية الشيء، وقوله تعالى:{وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ}

إلخ، إشارة إلى ما أجرى من تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل؛ أي: إدخال هذا في هذا، كما مرّ. {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} أصله: تحصيوه، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فلما سكنت حذفت لإلتقاء الساكنين، وضمت الصاد لمناسبة الياء. قال الراغب: الإحصاء: التحصيل بالعدد. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أصله: توب بوزن فعل، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتح.

ص: 377

{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} جمع مريض كقتلى جمع قتيل، والمرض: الخروج عن الاعتدال الخاصّ بالإنسان. {يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ} من ضرب في الأرض إذ سافر فيها ابتغاء الزرق. قال الراغب: الضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو بالأرجل. {يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}؛ أي: يطلبون من رزق الله، أصله: يبتغيون استثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت فحذفت لالتقاء الساكنين، وضمت الغين لمناسبة الواو. {قَرْضًا حَسَنًا} والقرض: ضرب من القطع، وسمي ما يدفع إلى الإنسان من المال بشرط ردّ بدله قرضًا، لأنّه مقروض مقطوع من ماله. {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} تجدوه فيه إعلال بالحذف، أصله: توجدونه، حذفت نون الرفع للجازم حيث وقع جوابًا لـ {ما} الشرطية، وحذفت فاء الكلمة من المضارع اطرادًا لوقوع الواو بين عدوتيها الياء المفتوحة والكسرة. {أَجْرًا} الأجر: ما يعود من ثواب العلم دنيويًّا كان أو أخرويًّا، كما مرّ.

البلاغة

وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: الطباق بين {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا} و {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} ، وبين {الْمَشْرِقِ} {وَالْمَغْرِبِ} ، وبين {اللَّيْلِ} {وَالنَّهَارِ} .

ومنها: تأكيد الفعل بالمصدر في قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ، وقوله:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} ، وفي قوله:{وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} . وفي قوله: {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} . زيادة في البيان والإيضاح وفي هذه الأمثلة أيضًا. جناس الاشتقاق.

ومنها: الاستعارة التصريحية الأصليّة في قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)} ، حيث استعير السبح الذي هو المر السريع في الماء لسرعة الذهاب في طلب المعاش، وقضاء حوائج الناس بجامع التردّد في كل منهما؛ أي: إن لك في النهار تصرّفًا وتقلّبًا في المهمّات كما يتردّد السابح في الماء.

ومنها: التنكير في قوله: {عَذَابًا أَلِيمًا} إشارة إلى هوله وشدّته، بحيث لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه.

ص: 378

ومنها: إفرد الجبال بالذكر في قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} مع كونها من الأرض لكونها أجسامًا عظامًا طوالًا، تظهر فيها الزلزلة أكثر من الأرض، ومن زلزلتها تبلغ القلوب الحناجر خوفًا من الوقوع.

ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} إشعارًا بتحقق وقوعه، وفيه أيضًا لتشبيه البليغ؛ أي: وكانت الجبال كالثيب المهيل؛ أي: كالرمل السائل في عدم التماسك.

ومنها: تخصيص هذا التشبيه بالجبال دون الأرض؛ لأنَّ ذلك خاصة لها، فإن الأرض تكون مقررة في مكانها بعد الرجفة حتى تبدل بغيرها، كما دل عليه قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)} الآية.

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا} .

ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا} . ولو جرى على مقتضى السياق .. لقال: إنا أرسلنا إليهم. والغرض من هذا الالتفات التقريع والتوبيخ على عدم الإيمان.

ومنها: عدم تعيين الرسول فيه لعدم دخله في التشبيه.

ومنها: تخصيص فرعون دون ملئِهِ؛ لأنه من رؤساء أولى النعمة المترفهين المتكبرين، فبينه وبين قريب جهة جامعة ومشابهة حال ومناسبة سريرة.

ومنها: إعادة فرعون والرسول مظهرين تفظيعا لشأن عصيانه، وأن ذلك لكونه عصيان الرسول لا لكونه عصيان موسى.

ومنها: ترك ذكر أملاء فرعون إشارةً إلى أن كل واحد منهم كأنه فرعون في نفسه لتمرده.

ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} ، حيث أسند الجعل إلى اليوم للمبالغة في شدّته، وإلا فنفس اليوم لا تأثير له ألبتة.

وفيه أيضًا لاستعارة التمثيلية بأن شبه اليوم في شّدة هوله بالزمان الذي يشيب الشبّان لكثرة همومه وأهواله.

ص: 379

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ} ؛ أي: أقل منهما، فإطلاق الأدنى معنى الأقرب على الأقل مجاز مرسل من قبيل إطلاق الملزوم على اللازم، لما أن المسافة بين الشيئين إذا دنت .. قل ما بينهما من الأحياز والحدود، ماذا بعدت .. كثر ذلك، ذكره في "روح البيان".

ومنها: تقدم الاسم الجليل وبناء الخبر الفعلي عليه في قوله: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} لإفادة الاختصاص قطعًا.

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ، حيث استعار التوبة بمعنى رفع الحرج عن التائب للتخفيف والترخيص، فاشتقّ منه تاب بمعنى: خفف ورخّص على طريقة الاستعارة التبعية.

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ؛ أي: صلوا ما تيسّر من صلاة الليل، حيث أطلق الجزء على الكلّ، لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة؛ أي: أركانها.

ومنها: تصريح ما علم التزامًا في قوله: {يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ؛ لأنّه معلوم من قوله: {يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ} ؛ لأن السفر لا يكون إلا لحاجة.

ومنها: التكرار بقوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، تأكيدًا للحث على قيام الليل بما تيسر.

ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} حيث شبه الإنفاق لوجه الله تعالى بالإقراض المعروف من حيث إن ما أنفقه يعود إليه مع زيادة، فاستعار له اسم المشبّه به، فاشتق من الإقراض بمعنى الإنفاق في سبيل الله {أقرضوا} بمعنى أنفقوا في سبيل الله على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. وفيه أيضًا جناس الاشتقاق.

ومنها: ذكر العام بعد الخاصّ في قوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} ، حيث عمم بذكره بعد أن خصص بذكر الصلاة والزكاة والإقراض الحسن.

ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 380

خلاصة ما جاء في هذه السورة من أوامر ونواه

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأشياء:

1 -

أن يقوم من الليل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه.

2 -

أن يقرأ القرآن بتؤدة وتمهل.

3 -

أن يذكر ربه ليلًا ونهارًا بالتحميد والتسبيح والصلاة، وأن يجرد نفسه عما سواه.

4 -

أن يتخذه وكيلًا يكل إليه أموره متى فعل ما يجب عليه.

5 -

أن يصبر على ما يقولون فيه من أنه ساحر أو شاعر، وفي ربه من أن له صاحبة وولدًا، وأن يهجرهم هجرأ جميلًا بمجانبتهم ومداراتهم، وأن يكل أمرهم إلى ربهم، فهو الذي يكافئهم، وسيرى عاقبة أمرهم وأمره.

6 -

أن يخفف القيام للصلاة بالليل بعد أن شق ذلك عليهم لأعذار كثيرة، والاكتفاء بما تيسّر من صلاة الليل، ففي الصلاة غنية للأمة مع إيتاء الزكاة ودوام الاستغفار (1).

والله أعلم

* * *

(1) إلى هنا تم تفسير هذه السورة الكريمة ليلة السبت بين العشائين الليلة السابعة من شهر الربيع الآخر من شهور سنة ألف وأربع مئة وستّ عشرة سنة 7/ 4/ 1416 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيّة، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين آمين.

ص: 381