المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب إحياء الموات - حاشية ابن قائد على منتهى الإرادات - جـ ٣

[ابن قائد]

الفصل: ‌باب إحياء الموات

‌باب إحياء الموات

وهِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ فَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ كُلِّ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ

باب إحياء الموات

قال الأزهري: هو الأرض التي ليست لها مالك، ولا ماءَ بها، ولا عمارة، ولا ينتفع بها. انتهى. وتسمَّى ميتة وموتانا. ثم اعلم: أن المواتَ خمسة أقسام؛ لأنه إما أن لا يجري عليه ملكٌ لأحدٍ ولم يوجد فيه عمارة، أو يجري عليه ملك مالكٍ، فالأوَّل: يملك بالأحياءِ بغير خلافٍ بين القائلين بالإحياء. والقسم الثاني: وهو ما جرى عليه ملك مالكٍ، إما أن يكون المالك معيناً أو لا، والأول: وهو المالك المعين، إما أن يمكله بنحو شراءٍ فلا يملك بالإحياء بغير خلافٍ، وإما أن يملك بالإحياء ثمَّ ترك حتى دثر وصار مواتاً، فلا يملك أيضاً كالذي قبله. والثاني: أعني: مالم يجر عليه ملكٍ، لمعين بل وجد فيه آثار ملك، نوعان؛ لأنه إما أن يكون أثر الملك جاهلياً، أو إسلامياً، فيملك فيهما. فتأمل.

قوله: (المنفكة) أي: الخالصة. قوله: (عن الاختصاصات) لمعصوم مسلم، أو كافر خرج به المتحجر قبل تمام إحيائه. قوله: (وملك

إلخ) ها الحد جامع مانع، كما أفاده الحارثي. قوله: (كل مالم

إلخ) أي: كل موات لم يعلم جريان ملك معصوم عليه. قوله: (ولم يوجد فيه أثر عمارة)

ص: 269

وَإِنْ مَلَكَهُ مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَإِنْ وُجِدَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ وَكَذَا إنْ جُهِلَ وَإِنْ عُلِمَ وَلَمْ يُعَقِّبْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ وَإِنْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا لَمْ يُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ

لا مفهوم له، كما سيجيء في قوله: (أو كان به أثر ملك

إلخ) قال في «الإقناع» : وأما مساكن ثمود، فلا تملك فيها؛ لعدم دوام البكاء مع الانتفاع. قاله الحارثي. قوله أيضا على قوله:(أثر عمارة) أي: بغير خلافٍ عند القائلين بالإحياء.

قوله: (وإن ملكه) أي: الخراب. قوله: (من له حرمة) من مسلم أو ذميٍّ، أو مستأمن. قوله:(أو شُك فيه) أله حرمةٌ، أو لا؟ قوله:(وكذا إن جهل) مالكه؛ بأن لم تعلم عينه مع العلم بجريان الملك عليه لذي حرمة، فلا يملك بالإحياء. قوله:(ولم يعقب) أي: لم يكن له ورثة. قوله: (أقطعه الإمام) أي: فيء. قوله: (دثر) بابه: قعد: اندرس.

قوله: (ملكه) أي: الخراب. قوله: (غير معصوم) وهو الكافر الذي لا أمان له.

ص: 270

فَإِنْ أَحْيَاهُ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِهِ أَثَرُ مِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ كَالْخَرِبِ الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهَا مَالِكٌ

قوله: (فإن أحياه بدار حرب

إلخ) أي: وإن كان بدار إسلام، فالصحيح أنه لا يملكه بالإحياء، فلا أثر لإحيائه، فلا مفهوم لقوله:(بدار حرب). وإن ملكه بنحو شراء؛ بأن وكل غير المعصوم معصوما ليشتري له مكاناً، فاشتراه ثم ترك حتى درس وصار مواتا، فالظاهر: أنه لا يملك بالإحياء، فيكون فيئا بمنزلة ما جلوا عنه خوفاً منا، لكن مقتضى التعليل أنه يملك بالإحياء. قاله منصور البهوتي.

وظاهر كلام المصنف: أنه يملكه المسلم والذمي، وقيده في «الإقناع» بالمسلم. قال في «شرحه». ولعله غير مراد. قوله:(أصلي) أي: يملكه من أحياه. قوله: (وإن تردد

إلخ) فيه روايتان. قوله: (عليه) أي: وليس به اثر ملك، كما يعلم مما تقدم في قوله:(ولم يوجد فيه أثر عمارةٍ)؛ ليصح عطف قوله (أو كان به). فتأمل.

قوله: (أو كان به

إلخ) فيه روايتان.

ص: 271

أَوْ جَاهِلِيٍّ قَدِيمٍ أَوْ قَرِيبٍ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ وَمَنْ أَحْيَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ ذِمِّيًّا مَوَاتًا سِوَى مَوَاتِ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ، ومَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا، ومَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ وَمَسِيلِ مَائِهِ وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ وَحَرِيمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْدِنٍ جَامِدٍ

قوله: (قديم) كديار عاد. قوله: (أو قريب

إلخ) فيه روايتان. قوله: (بإحياء) أي: في الأربع. قوله: (سوى

إلخ) علم منه: أن موات العنوة كأرض مصر والشام والعراق وصرح به في «الإقناع» . قوله: (من أرض كفار) عامرًا كان أو مواتا؛ لأنه تابع لأرضهم. قوله: (وما قرب) أي: عرفًا، وقيل: غلوة. قوله: (وتعلق بمصالحه) فهم منه: أنه لو لم يتعلق بمصالحه مع قربه، ملك، كما يأتي. قوله:(وفنائه) أي: ما اتسع أمامه. قوله: (ونحو ذلك) كمدفن موتاه ومطرح ترابِهِ. قوله: (ملكه) جواب (من) قوله: (بما فيه) أي: مع ما فيه. قوله: (من معدن

إلخ) أي: مع ذلك قال في «الشرح» و «المبدع» : ولو تحجر الأرض أو أقطعها، فظهر فيها معدن قبل إحيائها، كان له إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق بتحجره

ص: 272

باطن كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وظَاهِرٍ كَجَصٍّ وَكُحْلٍ

وإقطاعه، فلم يمنع من إتمام حقه. قال في «المغني»: ولو ظهر في ملكه معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه، فحفر إنسان من خارج أرضه، كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه؛ لأنه لم يملكه إنما ملك ما هو من أجزاء أرضه.

قوله: (باطنٍ) أي: ما يحتاج في إخراجه إلى حفرٍ ومؤنةٍ. قوله أيضا على قوله: (باطن) أي: ظاهر على وجه الأرض أو لا. قوله: (وظاهر) أي: ما يتوصل إلى ما فيه بلا مؤنة، يعني: ظهر بإظهاره وحفره. أما ما كان ظاهرا قبل إحيائها، فلا يملك؛ لأنه يقطع نفعًا واصلا للمسلمين، بخلاف ما ظهر بإظهاره، فإنه لم يقطع عنهم شيئاً. قوله:(كجص) الجص - بالكسر - معروف، وهو معرَّب؛ لأن الجيم والصَّاد لا يجتمعان في كلمة عربيةٍ؛ ولهذا قيل: الإجَّاص معرب. «مصباح» .

ص: 273

وَعَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً وَيُمْلَكُ بِإِحْيَاءٍ وَيُقْطَعُ مَا قَرُبَ مِنْ السَّاحِلِ مِمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا أَوْ مِنْ الْعَامِرِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ لَا مَعَادِنُ مُنْفَرِدَةٌ وَلَا يُمْلَكُ مَا نَضَبَ مَاؤُهُ وَإِنْ ظَهَرَ فِيمَا أَحْيَا عَيْنُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ كَنَفْطٍ وَقَارٍ

قوله: (وعلى ذميِّ

إلخ) أي: لا مسلمٍ، وهل يملكه مع ذلك أم لا؟ الأقرب: أنَّه لا يملكه، كما هو صريح «الإنصاف». ثانياً: وفهم من كلامه أنه لا شيء عليه في غير العنوة، وهو الصحيح. قاله في «الإنصاف» . قال منصور البهوتي؛ ولعل مرادهم بغير العنوة العشرية، بدليل مقابله وهو أن عليه عشر زرعه وثمره، وأن المراد بالعنوة: ما يعمُّ ما جلا عنها أهلها خوفاً منَّا، وما صالحناهم على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج. انتهى. قوله:(صار ملحاً) وإحياء هذا النوع بتهيئه لما يصلح له من حفر ترابِهِ وتمهيده وفتح قناة إليه؛ لأنه يتهيأ بهذا للانتفاع. قوله: (بمصالحه) علم منه: أنه ليس للإمام إقطاع مالا يجوز إحياؤه مما يتعلق بمصالح العامر. قوله: (ولا يملك ما نضب ماؤه) من الجزائر. هذا ما قطع به في «التنقيح» . وفي «الإنصاف» عن ابن عقيل والموفق والشارح: يجوز. وجزم به في «الإقناع» ، ونص عليه الحارثي مع عدم الضرر. قال منصور البهوتي: ولعل من منع الإحياء، منعه بالبناء، ومن أجازه فمراده: بالزرع

ص: 274

أَوْ كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ يَجِبُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ وَزَرْعِهِ مَا لَمْ يَجِدْ مُبَاحًا أَوْ يَتَضَرَّرُ بِهِ أَوْ يُؤْذِيهِ بِدُخُولِهِ أَوْ لَهُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا بِمَوَاتٍ

ونحوه، كما يدلُّ عليه التعليل. انتهى. قوله:(جارٍ) أي: إذا أخذ منه شيء خلفه غيره.

قوله: (أو كلأ) الكلأ - مهموز- العشب رطباً كان أو يابسا، والجمع أكلاء، مثل سببٍ وأسباب. «مصباح». قوله:(وما فضل من مائه) أي: الذي لم يحزه. قوله: (وحاجة عياله) في شربٍ، وعجينٍ، وطبخ، وطهارة، وغسل ثياب، ونحو ذلك. قاله الحارثي؛ لأن ذلك كله من حاجته. قوله:(وزرعه) أي: وبساتينه. قوله: (مالم يجد مباحًا) يعني: رب البهائم أو الزرع. قوله: (أو يؤذه) أي: طالب الماء. (أو له فيه) أي: البئر؛ لأنه ملكه بالحيازة بخلاف العد. قوله: (ويخاف عطشاً) وحيث لزمه بذله، لم يلزمه حبل ودلو وبكرة مالم يضطر إلى ذلك مع عدم الضَّرر، كما يأتي في الأطعمة. قوله: (ومن حفر بئرًا

إلخ) اعلم: أنَّ البئرَ

ص: 275

لِلسَّابِلَةِ فِي سَقْيِ زَرْعٍ وَشُرْبٍ وَمَعَ ضِيقٍ بِسَقْيِ آدَمِيٍّ فَحَيَوَانٍ فَزَرْعٍ، وارْتِفَاقًا كَالسِّفَارَةِ لِشُرْبِهِمْ ودَوَابِّهِمْ فَهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهَا وَقَامُوا وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ فَاضِلٍ لِشَارِبٍ فَقَطْ وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنْ عَادُوا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا تَمَلُّكًا فمِلْكٌ لِحَافِرٍ

المحفورة في الموات على ثلاثة أقسامٍ؛ لأنها إما أن تحفر لنفعٍ عام أو خاص، فالأوَّل: حافر فيها كغيره، والثاني وهو الخاصُّ: إما أن يكون موسعًا أو مضيقًا، فالأول، كالآبار التي يحفرها المسافرون؛ لشربهم ودوابِّهم فهذا يختص به الحافر ما دام مقيمًا. والثاني: وهو الخاص المضيق: وهو القاصد بحفره التملك، فهذه ملك لحافرها. فتدبر.

قوله: (للسَّابلة) اي: نفع المجتازين. قوله: (ومع ضيق) أي: تزاحم. قوله: (لشارب فقط) أي: دون نحو زرع. قوله: (فملك لحافر) قال في «المغني» : وعلى كل حال، لكل أحدٍ أن يستقي من الماء الجاري لشربه وطهارته وغسل ثيابه وانتفاعه به في أشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه من غير إذنٍ، إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع من

ص: 276

فصل

وإحياء أرض بحوز بحائط منيع أَوْ إِجْرَاءِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهُ

ذلك. نقله في «الإقناع» وأقره.

قوله: (وإحياء أرض) أي: موات. قوله: (بحوز) أي: ضم إليه. قوله: (بحائط منيع) أي: يمنع ما وراءه مما جرت عادة أهل البلد بالبناء به من لبن أو غيره، سواء أرادها لبناءٍ أو زرع أو غيرهما، ولا يعتبر تسقيف ولا نصب باب، لا بحرث أو زرع بل بتحجيرٍ. قوله:(أو إجراء ماء) بأن يسوقه إليها من نهر أو بئر. قوله: (أو منع ما لا تزرع معه) يحتمل أن يكون قوله: (ما) ممدودًا، هو الذي يدل عليه كلامه في «شرحه» أي: بأن تكون الأرض غارقة بالماء، بحيث لا يمكن زرعها إلا بحبسه عنها، فمتى حبسه عنها فقد ملكها؛ لأن بذلك يتمكن من الانتفاع، ولا يعتبر أن يزرعها ويسقيها، ويحتمل أن يكون قوله:(ما) مقصورًا، فتكون (ما) نكرة موصوفة، أو اسمًا موصولا، والمعنى: أو منع شيء لا يمكن زرعها معه، أو الشيء الذي لا يمكن زرعها معه. وهذا أولى؛ ليشمل ما ذُكر من الماء

ص: 277

أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا وَبِحَفْرِ بِئْرٍ يَمْلِكُ حَرِيمَهَا وَهُوَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي قَدِيمَةٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وفِي غَيْرِهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ

وغيره، كما لو كان المانع من زرعها كثرة الأحجار، كأرض اللجاة - ناحية بالشام - فإحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها، وكما لو كانت غياضًا وأشجاراً، كأرض الشعرى، فأحياؤها، بأن يقلع أشجارها، ويزيل عروقها المانعة من الزرع. وجزم بذلك كله في «الإقناع» . فتدبر، قوله:(أو حفر بئر) يصل إلى مائها مع طي لحاجة. قوله: (أو غرس شجر فيها) بأن كانت لا تصلح لغرس، لكثرة أحجارها ونحوها، فينقيها ويغرسها؛ لأنه يراد للبقاء بخلاف زرع. قوله:(وبحفر بئر) استخرج ماءها. قوله: (في قديمة) هي المراد بالعادية، أي: وهي التي انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه. قاله في «الإقناع» . قال في «شرحه» : وعلم من كلامه: أن البئر التي لها ماء ينتفع به الناس، ليس لأحد احتجاره، كالمعادن الظاهرة. قوله:(خمسون ذراعًا) لعل المراد: بذراع اليد. منصور البهوتي.

ص: 278

وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ونَهْرٍ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ وَطَرِيقِ شَاوِيهِ وَنَحْوِهِمَا وشَجَرَةٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا وأَرْضٍ تُزْرَعُ مَا تَحْتَاجُ لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ ودَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءِ مِيزَابٍ وَمَمَرٍّ لِبَابٍ وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ عَادَةٍ وَإِنْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا

قوله: (وقناة) أي: من موات حولها. قوله: (لطرح كرايته) أي: يلقى منه طلبًا لسرعة جريه. قوله: (شاويه) أي: قيمه. قوله: (ونحوهما) أي: من مرافقه. قوله: (وشجر) أي: غرس بموات، وفي نسخة (وشجرة) وما في الأصل موافق لخط المصنف. قوله:(وكناسةٍ) أي: الزبالة. قوله: (بحسب عادةٍ) في الانتفاع، فإن تعداها منع. قوله:(وإن وقع في الطريق نزاع) أي: في قدره. قوله: (بعد وضعها) يعني: ولو زادت على سبعة أذرع؛ لأنها للمسلمين

ص: 279

وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاءَهَا أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يُرْكِبْهُ وَنَحْوِهِ أَوْ أَقْطَعَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ووَارِثُهُ ومَنْ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ عَنْ وَظِيفَةٍ لِأَهْلٍ أَوْ آثَرَ شَخْصًا

قوله: (ومن تحجر

إلخ) أي: وهو أن يشرع في إحيائه، كما مثَّله المصنف. قوله:(بأن أدار حوله أحجارًا) يعني: أو ترابا، أو شوكا، أو حائطا غير منيع. قوله: (أو سقى شجرًا

إلخ) قال في «حاشية التنقيح» الصواب: شفى بالشين المعجمة وتشديد الفاء، أي: قطع الأغصان الرديئة؛ لتخلفها أغصان جيدة، تصلح للتركيب، وهو التطعيم. قوله:(ولم يركبه) أي: يطعمه، فإن ركبه، ملكه. قوله:(ونحوه) أي: كحرث أرضٍ. قوله: (أو أقطعه) أي: أقطعه الإمام مواتا ليحييه، وعلم منه: أن للإمام ذلك. قوله: (لم يملكه) أي: قبل إحيائه. قوله: (وهو أحق به) أي: من شرع في إحياء شيء لم يتمه، تحجر الموات، أو حفر البئر ولم يصل ماءها، أو شفى الشجر المباح ولم يركبه ونحوه، أو أقطعه. قوله:(أو عن وظيفة) أي: من إمامة، أو خطابة، أو تدريس ونحوه. قوله:(لأهل) فهم منه: أنه لا يتعيَّن إذا كان غير أهلٍ. قال الموضح: ملخص كلام الأصحاب: يستحقُّها منزول له إن كان أهلا، وإلا فلناظرٍ توليةُ مستحقها شرعاً.

ص: 280

بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ فَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَلَا يَمْلِكُ بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ

قوله: (وليس له) أي: لمن قلنا: إنه أحق بشيء مما سبق. قوله: (بيعه) أي: لعدم الملك. قال منصور البهوتي: ولعل هذا لا ينافي ما ذكره ابن نصر الله؛ لأن العوض ليس خاصاً في البيع. قوله: (فإن طالت المدة) أي: لنحو التحجر. قوله: (عرفاً) أي: نحو ثلاث سنين. كما في «الإقناع» . قوله: (متشوِّف) أي: منتظر. قوله: (فإن طلب المهلة لعذر) فإن لم يكن عذر، قيل له: إما أن تعمر أو ترفع يدك، فإن لم يعمرها، فلغيره عمارتها. قوله:(فيها) أي: في مدةِ المهلة، وبعدها من أحيا مَلَك. قال في «الإنصاف». لا أعلم فيه خلافا. قوله:(وكذا لا يقرر غير منزول له) أي: في أرض

ص: 281

ولَا لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ أَنْ يَسْبِقَ: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ

خراجية أو وظيفة نزل عنها لأهل، فإن قرَّر المنزول له من له الولاية كالناظر، ثم الأمرُ له، وإلا فهي للنازل، وأخذ العوض عن ذلك قريب في الخلع، كما قاله ابن نصر الله وغيره. قال منصور البهوتي: قلت: وإن لم يتم النزول، فله الرجوع بما بذله من العوض؛ لأن البدَلَ لم يسلم له. انتهى. وكذا ينبغي أن النازل بعوضٍ إذا لم يسلم له، فله الرجوع في وظيفته؛ لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته بل مقيدةٌ بعوض ولم يحصل له. فتدبر.

قوله: (أن يسبق) من باب: ضرب، كما في «المختار» للرازي. قوله:(إقطاع جلوس) وهذا إقطاع الإرفاق. قوله: (غير محوطة) علم منه: أن الرحبة لو كانت محوطةً، لم يجز إقطاع الجلوس بها؛ لأنها مسجد.

تتمة وفائدة: الأسباب المقتضية للملك: الإحياء، والميراث، والمعاوضات، والهبات، والوصايا، والوقف، والصدقات، والغنيمة، والاصطياد، ووقوع الثلج في المكان الذي أعده، وانقلاب الخمر خلا، والبيضة المذرة فرخًا. قاله في «حاشية الإقناع» .

ص: 282

بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا فَإِنْ أَطَالَهُ أُزِيلَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ أُقْرِعَ وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ وَلَا يُمْنَعُ

قوله: (بل يكون أحق به) ولو نقل قماشه عنها، بخلاف السابق إليها بلا إقطاع، كما سيأتي.

تتمة: من جلس في مسجدٍ لفتوى أو إقراء، فهو أحق به ما دام فيه، أو غاب لعذر وعاد قريباً، ومن سبق إلى نحو رباط، لم يبطل حقه بخروجه لحاجة. منصور البهوتي.

قوله: (ككساء) أي: لا بناءٍ. قوله: (ولم يتوقف فيها

إلخ) أي: المذكورات من الخان والرباط والمدرسة والخانكاه. قوله: (إلى معدنٍ) أي: مباح؛ بأن يكون غير مملوك سواءٌ كان المعدن باطناً، أو ظاهرًا، فمتى شرع في حفر المعدن ولم يصل إلى النيل، صار أحق بالأخذ منه ما دام مقيماً على الأخذ منه. قوله: (ولا يمنع

إلخ) ما دام آخذًا.

ص: 283

إذَا طَالَ مُقَامُهُ وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ وَالسَّابِقُ إلَى مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ أَحَقُّ بِهِ وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ بِالسَّوِيَّةِ وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا

قوله: (إذا طال مقامه) قال في «المغني» و «الشرح» . فإن أخذ قدر حاجته، وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره منه، منع من ذلك. قاله في «الإقناع». قال في «شرحه»: لعدم دعاء الحاجةِ إليه. انتهى. قوله: (أقرع) فلو حفر إنسانٌ من جانب آخر، فوصل إلى النيل، لم يكن للسابق منعه.

قوله: (وعنبرٍ) أي: على ساحل البحر، وإلا فلقطةٌ. قوله:(رغبة عنه) أي: كالنثار في الأعراس. قوله: (أحق به) أي: مسلمًا كان أو ذميًا، لكن الملك مقصورٌ فيه على القدر المأخوذ، فلا يملك ما لم يحزه، ولا يمنع غيره منه. قاله في «الإقناع» و «شرحه» قوله:(ويقسم) أي: بين عدد، أي: أخذوه دفعة. قوله: (بالسوية) ولو كان بعضهم يأخذ للحاجة، وبعض للتجارة؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة. قوله:(غير موات) أي:

ص: 284

وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ وحَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق وَلَهُ نَقْضُ مَا حَمَاهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ،

بل من العامر العائد إلى بيت المال، وإنما نص عليه؛ لكونه يتوقف على إقطاع الإمام بخلاف الموات؛ فإنه لا يتوقف على إقطاع الإمام مع جوازه أيضًا. كما علم مما تقدَّم، فلا مفهوم له. فتدبر.

قوله: (وانتفاعاً) أي: بزرع وإجارة وغيرهما مع بقائه للمسلمين، وهو إقطاع الاستغلال. قوله:(للمصلحة) قال في «الإقناع» : والظاهر: أن مرادهم - أي: الأصحاب - بالمصلحة، ابتداء ودواما، فلو كان ابتداؤه لمصلحة، ثم في أثناء الحال فقدت، فللإمام استرجاعها، أي: لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فتدبر. قوله: (وحمى موات

إلخ) أي: منع الناس منه. قوله: (لرعي دواب المسلمين التي يقوم بها) أي: بحفظها من الصدقة والجزية، ودواب الغزاة، وماشية الضعفاء، وغير ذلك، ثم إن كان الحمى لكافة الناس، تساوى فيه جمعيهم، فإن خص به المسلمون، اشترك فيه غنيهم وفقيرهم، ومنع منه أهل الذمة، وإن كان خص به الفقراء، منع منه الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز تخصيص الأغنياء وأهل الذمة به، ولا يجوز لأحد أن

ص: 285

لَا مَا حَمَاهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا يُمَلَّكُ بِإِحْيَاءٍ وَلَوْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ

فصل

ولمن في أعلى ماء غير مملوك كالأمطار والأنهار الصغار أن يسقي ويحبسه حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ ثُمَّ

يأخذ من أرباب الدواب عوض مرعى مواتٍ أو حمى، ومن أخذ مما أحياه إمام، عزر في ظاهر كلامهم. قال في «الإقناع»: وظاهره: ولا ضمان. قوله: (لا ما حماه رسول الله

إلخ) أي: لأن النص لا يُنقض بالاجتهاد.

فصل في الانتفاع بالمياه غير المملوكة ونحوه

أيضًا هذا الفصل معقود لمسائل من أحكام الانتفاع بالمياه غير المملوكة ونحو ذلك. ثم الماء على أربعة أقسام؛ لأنه إما أن يكون واقفًا، أو جاريا، والجاري، إما أن يكون في نهر غير مملوك، أو لا، فإن كان في نهر غير مملوك فإما أن يكون في نهر عظيم كالنيل والفرات، فلكل أن يسقي منها متى شاء ما شاء، وإما أن يكون في نهر صغير أو سيلا يتشاح فيه، وهو المشار إليه بقوله: (ولمن في أعلى

إلخ) وأشار إلى المملوك بقوله: (وإن حفر نهر صغير

إلخ) قوله: (والأنهار الصغار

إلخ) أي: حيث لم يعلم المحيي أو لا.

ص: 286

هُوَ كَذَلِكَ مُرَتَّبًا إنْ فَضَلَ شَيْءٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي فَإِنْ كَانَ لِأَرْضِ أَحَدِهِمْ أَعْلَى وَأَسْفَلُ سُقِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ وَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قُرْبٍ قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أُقْرِعَ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ وَاحِدٍ سَقَى الْقَارِعُ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ لَمْ يُمْنَعْ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ وَلَا يَسْقِي قَبْلَهُمْ وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ فِي أَسْفَلِهِ ثُمَّ آخَرُ فَوْقَهُ ثُمَّ ثَالِثٌ فَوْقَ ثَانٍ سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا ثُمَّ ثَالِثٌ

قوله: (على حدته) أي: على انفراده. قوله: (في قرب) أي: من أول نهر. قوله: (على قدر الأرض

إلخ) فلو كان لواحدٍ جريب، ولآخر جريبان، ولثالثٍ ثلاثة، فللأول السدس، والثاني الثلث، والثالث النصف. قوله:(وإلا أقرع) أي: وإن لم يمكن قسمُ الماء على قدر الأرض، أقرع، فمن قرع سقى أرضه أولا بجميع الماء، ثم يرسله إلى من بقي، هذا إذا كان الماء يكفي الجميع، فلو كان الماء لا يفضل عن سقي أحدهما، فكما قال المصنف: يسقي القارع بقدر حقه من الماء، وإنما القرعة للتقدم، بخلاف الأعلى مع الأسفل، فإنه ليس للأسفل حق إلا في الفاضل عن الأعلى، كما تقدَّم. قوله:(منه) أي: السيل أو النهر الصَّغير. قوله: (في أسفله) أي: النهر.

ص: 287

وَإِنْ حُفِرَ نَهْرٌ صَغِيرٌ وَسِيقَ مَاؤُهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ مَلَكَهُ وَهُوَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ عَلَى حَسَبِ عَمَلٍ وَنَفَقَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ وَإِلَّا قَسَمَهُ حَاكِمٌ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ والْمُشْتَرَكُ. لَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَلِكَ وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا فَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقُ أَوْ أَسْفَلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ

قوله: (ملك) أي: الماء الداخل فيه. قوله: (على قسمته) أي: بمهايأة أو غيرها. قوله: (على قدر ملكهم) أي: في النهر، فتؤخذ خشبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط، فيه ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم، فيوضع ذلك على موضع مستوٍ من الأرض في مصدِم الماء، فيخرج من كل ثقب إلى ساقيةٍ مفردةٍ لكل واحد منهم، فإن كانت أملاكهم مختلفةً، قسم الماء على قدر ذلك، فإذا كان لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، جعل فيه ستة ثقوب، لصاحب النصف ثلاثة تصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد.

تتمة: نقل يعقوب في من غصب حقه من ماء مشترك، للبقية أخذ حقِّهم.

ص: 288

مِنْ الدُّخُولِ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا فِي أَرْضِهِ وَلَا يَمْلِكُ تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ وَمَنْ سُدَّ لَهُ مَاءٌ لِجَاهِهِ فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةِ مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ

قوله: (من الدخول بها) أي: بأرضه. قوله: (ولو كانت رسومها) أي: ولو كانت رسوم القناة المحياة في أرض المانع، فلا يدخل المحيي بالقناة في أرض غيره بغير إذنه، ولا ينافي هذا ما ذكروه في الصلح، من أن من وجد رسوم خشبه أو مسيل مائه ونحوه في أرضِ غيرِه، يقضى له به، عملا بالظاهر؛ لأن هنا علمنا عدم سبق الملك؛ لأن المحيي إنما ملك ما أحياه بالإحياء، وقبله لا ملك له، بخلاف ما هناك، ذكره في «حاشية الإقناع» .

قوله: (فلغيره) أي: غير المتجوه ممن لا استحقاق له في أصل الماء إلا بالحاجة، أن يسقي أرضه من هذا الماء المسدود للمتجوه، مالم يكن ترك هذا الغير السقي من الماء المسدود، سبباً في رد المتجوه الماء الذي سد له إلى أصحابه، لم يجز لغيره السقي منه، وإن كان لا يردُّه إليهم، سواء سقى غير المتجوه أو لا، فله السقي. قوله: (مالم يكن تركه يرده

إلخ) يعني: مالم يكن ترك بعض الشركاء السقي من الماء المسدود للمتجوه سببًا لرد الفضل عليهم، بحيث يكون المتجوه إذا رأى أحدًا منهم يسقي من الماء يمنعهم الفضل مضارة، وإذا لم ير أحدًا يسقي منه، ردَّ على الشركاء فضل الماء،

ص: 289

_________

فلا يجوز في هذه الحالة لأحد السقي منه؛ لأنه يتسبب في ظلم غيره. فتأمل ذلك، فإنها مسألة بعيدة الفهم على كثير من الناس، حتى عدت هذه العبارة من الألغاز، وقد نبهنا على ذلك شيخنا محمد الخلوتي، رحمه الله تعالى.

ص: 290