الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تنكير المسند إليه:
يأتي المسند إليه نكرة؛ لأن قصد المتكلم إفادة معنى النكرة، أي: النوعية أو الإفراد.
فقولك: جاءني رجل، تعبير صالح، لأن يراد به النوعية، أي جاءني رجل
لا امرأة: وصالح؛ لأن يراد به الإفراد أي: جاءني رجل لا رجلان، والإفراد يعني فردا شائعًا في جنسه، فهو رجل شائع في جنس الرجال.
قال الزمخشري في قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1: "فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود، فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، وأما رجل ورجلان وفرس، وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله: إلهين اثنين؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد، والتثنية دال على الجنسية، والعدد المخصوص،
فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكد بواحد لم يحسن، وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية".
فالتنكير في قوله: إلهين يراد به العدد بدليل أنه شفع بقوله اثنين؛ لأن إلهين صالح للدلالة على شيئين، الجنسية والعدد، فلما وصف بما يدل على العدد تمحضت دلالته عليه، وكذلك قوله: إله يمحضها ما بعدها للمراد منها.
ومن الصور التي يراد فيها بالنكرة النوع، أي الجنس حين يأتي وصف النكرة بعدها دالا على ذلك قوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} 2، فإن قوله: دابة، صالح، لأن يراد به الإفراد والجنس، وقد جاء قوله في الأرض وصفا لدابة؛ لبيان أن القصد إلى الجنس لا إلى الإفراد، وكذلك قوله طائر، فإن صالح لأن يراد به طائر واحد أو جنس الطائر، ولكن قوله: يطير بجناحيه محض النكرة للدلالة على الجنس، والنكرة حين تقع في سياق النفي تدل على العموم، وعموم الجنس
1 النحل: 51.
2 الأنعام: 38.
هنا يشير إلى أنه ما من دابة قط في أي شعب من شعاب الأرض، وفي أي مجهل من مجاهلها، وما من طائر قط يطير في أي أفق من آفاق السماء إلا أمم أمثالكم، وهذا دال على غاية الحكمة والإتقان، وعموم النظام، وبسط الملك وتمام السلطان.
وقد يدل مقام الحديث على الإفراد، فتتمحض النكرة للدلالة عليه من غير أن يمحضها لذلك وصف كما في الآيتين السابقتين، مثال ذلك قوله تعالى:{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} 1، أي فرد من أشخاص الرجال، وقد يدل مقام الحديث على إرادة النوعية، فتتمحض النكرة للدلالة عليه كقوله تعالى:{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} 2، أي جنس من الأغطية، ونوع منها غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله سبحانه، قالوا: ومما يصلح للإفراد أو النوعية قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} 3، يصلح للإفراد فيكون المعنى: خلق كل نوع من أنواع الدواب، وجنس من أجناسه من نوع من أنواع المياه، وجنس من أجناسه.
هذان هما المعنيان الأساسيان للتنكير، ويردان على ما ذكرنا، ثم إن التنكير، أعني كون الشيء مجهولا ومنكورا، معنى شامل وعميق صالح، لأن يتولد منه معاني كثيرة، وذلك إذا أجراه في التعبير بصير بأحوال الكلمات خبير بسياسة التراكيب، وقد أكد عبد القاهر على أن المهارة، والبراعة في إشباع هذه الخصوصيات بالمعاني، والإشارات هي التي بها يستحق الشاعر الفضل.
أقرأ قول أبي السمط، وهو من الشواهد المشهورة:"من الطويل"
له حاجب في كل أمر يشينه
…
وليس له عن طالب العرف حاجب
تأمل التنكير في كلمة حاجب في شطري البيت، واعتبر في تأملك المغزى، ومراد الشاعر، وسوف تجد أن التنكير في الحاجب الذي يحجبه عن الخلال الشائنة ينبغي أن يكون حاجبًا عظيمًا يباعد بينه، وبينها حتى لا يقربها، ولا يكاد،
1 القصص: 20.
2 البقرة: 7.
3 النور: 45.
وأن نفي الحاجب الذي يحول بينه، وبين ذوي الحاجات لا بد أن يتوجه النفي هنا إلى أي حاجب مهما ضؤل ليبين أن ليس بينه، وبين قاصديه حجاب ما، ولو كان ساترًا رقيقًا، التنكير إذن في الأول للتعظيم وفي الثاني للتحقير، والكلمة واحدة، والسياق العام واحد، ولكن لكل كلمة في موقعها مقام يختلف عن الأخرى.
واقرا قول إبراهيم بن العباس: "من الطويل"
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب
…
وسلط أعداء وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة
…
ولكن مقادير جرت وأمور
تجد أنه نكر دهرًا ليشير بهذا إلى أنه دهر منكر مجهول، فليس هو الدهر الذي عهده الشاعر في أيام نعمته، وولايته على الأهواز، وقد كان الشاعر عاملا عليها
من قبل الواثق بالله، ثم عزل في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات، فهو ضائق شجر بدهر غادر، وصاحب خائن، وقد أراد بقوله:"وأنكر صاحب": أنكرت
صاحبًا، ولكنه جاء على هذا الأسلوب حتى لا يسند إنكار الصاحب إلى نفسه صريحا في اللفظ، وإن كان صاحبا لئيما محتقرا غير معروف بالصحبة، ولا مشهور بخلالها، وتنكير الأعداء في قوله:"وسلط أعداء"، وفيه معنى التحقير وقلة الشأن، وأنهم ليسوا من مشاهير الرجال، ورمز ببناء الفعل للمجهول في قوله، وسلط إلى أنهم أداة في أيدي غيرهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، فهم لا يستطيعون عداوتي إلا إذا دفعوا إلهيا من مجهول ساقط، ومما حسن فيه تنكير المسند إليه قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا
…
لتجمح مني نظرة ثم أطرق
فقد نكر النظرة التي جمحت منه إلى صاحبته ليشير بهذا إلى أنها نظرة من نوع خاص، نظرة ظامئة شرود، تجمح منه جماحًا لا يستطيع معه حبسها مهما بلغ إشفاقه وخوفه من الرقباء، وانظر إلى قوله: ثم أطرق، وكيف أفادت كلمة، ثم التي تفيد التراخي: أن هذه النظرة الجامحة لم تعد إلا بعد
زمن طويل مع هذه المراقبة ومع إشفاق الشاعر، وكأنه قد شهل عن نفسه، وعن الرقباء، ووراء هذا أن محاسنها قيد الجفون، أو أنها تزيده حسنا إذا ما زادها نظر، وكما يقول ابن أبي أمية الكاتب:
أراك فلا أرد الطرف كيلا
…
يكون حجاب رؤيتك الجفون
وقد يفيد التنكير معنى الكثرة كقول العرب: "إن له إبلا وإن له لغنما" يريدون بذلك: الكثرة.
وقد يفيد التنكير معنى التقليل، ومنه قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} 1، فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنيكر؛ لأن القليل من الله كثير وكثير، وانظر إلى كلام البلاغيين في بيان سر التعريف، والتنكير في قوله تعالى في قصة يحيى عليه السلام:{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} 2، وفي قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام:{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ} 3، قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى عليه السلام؛ لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى:{سَلَامٌ {قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} 4، وقوله:{اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} 5، وقوله:{سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ} 6، وقوله:{سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} 7، وأما تعريف السلام في قصة عيسى عليه السلام؛ لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه،
1 التوبة: 72.
2 مريم: 15.
3 مريم: 33.
4 يس: 58.
5 هود: 48.
6 الصافات: 79.
7 الصافات: 130.
وفي تعريفه معنى آخر هو الدعاء، وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سحبانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم، تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة يا غفور، وفي سؤال الرحمة يا رحيم، وفي سؤال العفو يا عفو.
وقد يفيد التنكير معنى التعظيم، والتكثير كقوله تعالى:{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} 1، فتنكير الرسل يشير إلى أن المراد رسل كثير وذوو آيات عظام، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن دقيق ما أفاده التنكير ما جاء في قول الشاعر، وقد ذكره صاحب المطول.
إذا سئمت مهندة يمين
…
لطول الحمل بدلها شمالا
فإنه نكر يمين والمرد يمين الممدوح؛ لأنه لو قال: يمينك أو يمينه سيؤدي إلى إسناد السأم إلى يمينه، هكذا وفي ذلك جفوة ينبو عنها حس الشعر في باب المديح.
والتنكير في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ} 2، يفيد التقليل، أي: نفحة قليلة ضيئلة، وقد رفض الخطيب هذا، وقال: إن معنى التقليل مستفاد من بناء الفعل للمرة، أعني قوله نفحة؛ ولأنها تدل بمادتها على القلة؛ لأنها من قولهم: نفحته الريح إذا هبت عليه هبة، ورد ذلك بأنه لا يمنع أن يكون التنكير أيضا مفيدا للتقليل، وبذلك يكون هذا التقليل مفادا بالبناء للمرة، وبأصل الكلمة وبالتنكير، وكلمة نفح تستعمل في كلامهم للخير كنفح الطيب، ونفح الريح الناعمة، واستعملت هنا في الشر على طريق التهكم فهي من قبيل قوله -تعالى-:{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ} 3.
قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم عليه السلام لأبيه:
1 آل عمران: 184.
2 الأنبياء: 46.
3 آل عمران: 21.
{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} 1، يفيد التعظيم والتهويل أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذلك المسر؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى:{لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 2، كما لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن من حيث إن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن؛ لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بالله من غضب الحليم".
وهذا الذي قلته في الآية هو كلام البلاغيين غير الزمخشري؛ لأنه لحظ فيها معنى آخر ذا مسلك أدق وألطف، وذلك؛ لأن سيدنا إبراهيم كما قال: لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به لا محالة، بل إنه قال: أخاف، ولم يقل سيمسك، ثم ذكر المس، وهو أقل تمكنا من الإصابة، ونكر العذاب للتقليل، ثم ذكر به باسم الرحمن، وهذا أقر إلى طريقة حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه فيه مواضع أخرى من الكتاب العزيز.
والتنكير في قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} 3، يدل على نوع من الذهاب بالغ لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة البالغة سبحانه.
وفي قوله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} 4، لم يقل: الأرض؛ لأنه أراد اطرحوه في ارض مجهولة منكورة، لا يعرفها أحد فلا يهتدي إليه أبوه.
وهكذا يهديك النظر إلى إدراك معان لطيفة، فحين تنظر في قصيدة الحصين
1 مريم: 45.
2 النور: 14.
3 المؤمنون: 18.
4 يوسف: 9.
ابن الحمام المري: "جزى الله أفناء العشيرة كلها" يلفتك قوله: "من الطويل"
ولما رأيت الود ليس بنفاعي
…
وأن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر فينا سجية
…
بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من رجال أعزة
…
علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ترى في تنيكر قوله كفا ومعصما -إشارة إلى التعظيم، والمنعة والقوة أي أننا قطعنا أكفا قادرة على الدفع، والمنع ومعاصم لا يطيق قطعها إلا من كان على مثل حالنا من البسالة والاقتدار، وقوله: يفلقن هاما أي رءوسا كثيرة وعزيزة، فإذا تابعت فتك قوله:
عليهن فتيان كساهم محرق
…
وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
أراد فتيانا بهما أمرها في القوة والاقتدار، ويجهلهم من كان يعرفهم لغرابة أفاعيلهم في الطعن والكر، وكذلك كقوله:
ولولا رجال من رزام بن مازن
…
وآل سبيع أو أسوءك علقما
يلفتك التنكير في رجال؛ لأن الشاعر يعني رجالا ليسوا كالرجال الذين يعرفهم الناس، وإنما هم رجال من نوع آخر، كأنه غريب في خلائقه، وشجاعته ومروءته، أو بلغوا في معنى الرجولية مبلغا لا يحاط به، ولولا هم لأعمل الحصين في بني محارب بن خصفة بين قيس حتى لا تنفك منه إلا على آلة حدباء:
لأقسمت لا تنفك مني محارب
…
على آلة حدباء حتى تندما
وقوله:
وحتى يروا قوما تضب لثاتهم
…
يهزون أرماحا وجيشا عرمرما
وتضب لثاتهم جمع لثة بكسر اللام، أي تسيل من شهوة الحرب، وهذه