المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حذف المسند - خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني

[محمد محمد أبو موسى]

الفصل: ‌ حذف المسند

‌الفصل الرابع: أحوال المسند

1-

‌ حذف المسند

.

2-

ذكر المسند.

3-

تعريف المسند.

4-

تقديم المسند.

- حذف المسند:

وحذف المسند عند قيام القرينة يفيد ثلاث مزايا هامة هي التي ذكرناها في صدر الحيدث عن حذف المسند إليه، أعني وجازة العبارة وامتلاءها، ثم ترويقها وتصفيتها وصيانتها، ثم بناءها على إثارة الحس، والفكر حين تعول على النفس، والخيال في ملء جزء المعنى الذي لم يذكر لفظ دال عليه.

وبعد هذه المزايا العامة للحذف يبدو وراء كل تعبير سر خاص به.

ولا نستطيع أن نحدد أسرار الحذف في المسند كما نبهنا؛ لأن هذه الخصائص مظاهر لاختلاف المقامات والأحوال، ووظيفتها في الكلام هي جعله مطابقا المراد المتكلم وافيا بغرضه مبينا عن نفسه.

ومقامات الكلام متفاوتة تفاوتا يفوق الحصر، والأغراض تعدد بتعدد ما يعتور النفس من أفكار وأحوال.

قلت: هذا وأكرره ليتبين أن كل ما أذكره في هذه الدراسة ليس إلا أنماطا أوردتها على سبيل المثال لنهتدي بها في دراسة الأساليب، وتفهم أسرارها.

خذ في المسند قول ضابئ بن الحارث البرجمي: "من الطويل"

فمن يك أمسى بالمدينة رحله

فإني وقيار بها لغريب

وما عاجلات الطير تدني من الفتى

نجاحا ولا عن ريثهن يخيب

ص: 272

ورب أمور لا تضيرك ضيرة

وللقلب من مخشاتهن وجيب

ولا خير فيمن لا يوطن نفسه

على نائبات الدهر حين تنوب

وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة

ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب

وواضح من هذا النغم الرزين أن الشاعر يسيطر سيطرة مقتدرة على انفعالات جائشة قوية، يمكن أن تسمع ضجتها وراء تلك الرنة الرزينة.

وشاهدنا قوله: فإني وقيار بها لغريب.

فقد أراد أن يصف إحساسه بالغربة والوحشة، فذكر أن هذه الغربة الكئيبة قد أحسها بعيره كما أحسها هو، وأصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية؛ لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث يذهب بطلاوة الشعر؛ ولأن نفسه الضائقة بهذه الغربة تنزع إلى اللمح والإيجاز، وقيار اسم جمل الشاعر.

وفي البيت صنعة أخرى شريفة؛ لأنه لم يقل بعد الحذف: فإني لغريب بها وقيار، وإنما قال: فإني وقيار بها لغريب، فقدم قيارًا على بقية الجملة، وأقحمه بين جزئيها، وذلك لقصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب، ويفسر لنا العلامة سعد الدين هذا السر الرائع، فيقول:"إنه لو قيل: إني لغريب وقيار لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه لتأتي الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر تنبيها على أن قيارا مع أنه ليس من ذوي العقول قد ساوى العقلاء في استحقاقه الإخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر"، هذا تحليل العلامة سعد الدين، وهو واحد من أركان علم الكلام، وهو في البلاغة يتذوق ويحلل.

وكان من خبر هذه الأبيات أن صاحبها ضابئ بن الحارث استعار كلبا من بني نهشل، وأطال مكثه عنده، وطلبوه فامتنع فلما عرضوا له، وأخذوه منه

ص: 273

هجاهم ورمى أمهم به، فحبسه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ضابئ شجاعا متهورا فيه طيش، هم بقتل عثمان لما حبسه، ولكنه لم يفعل وندم على أنه لم يفعل قال:"من الطويل"

هممت ولم أفعل وكدت وليتني

تركت على عثمان تبكي حلائله

ومع حبي الشديد لذي النورين رضي الله عنه، ومقتي الشديد لمن تطاولوا عليه، فإني أحب هذه الصنعة اللطيفة البارعة في هذا البيت، وهذا اللمح السريع، والتقسيم الممتاز في قوله: هممت ولم أفعل، وكدت وليتني.

وأظن أن القارئ الجيد الذي يستشعر معنى الشعر لا بد له أن يقف قليلا بعد النطق بهممت ليدرك المدى الذي وصل إليه هم الشاعر، ثم يقف قليلا بعد:"ولم أفعل"، ليدرك مدى إحساسه بالندم الذي أفرغه في هذه الكلمة -لم أفعل- ثم ينطق وكدت نطقا منفردا غير موصول بما قبله، ولا بما بعده ليلمح ضراعة الأمل الذي يداعب خيال ضابئ، وهو يشارف الفعل ويدنو من الغاية، ثم عليه أن يقرأ بقية البيت في نفس واحد يطول طول ندم الشاعر على تولي تمنيه

أرأيت أننا في الشعر نقف عند صنعته، وبراعته وتثقيفه، وإتقانه، مع أنه يعبر عن خاطر أسود نكرهه ونمقته، وهكذا كان علماؤنا ومنهم المفسرون والمحدثون، والفقهاء وهم جميعا أهل عبادة، وأصحاب أوراد.

ويذكر البلاغيون قول امرئ القيس:

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راض والرأي مختلف

مثالا لحذف المسند من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه، إذ أصل الكلام نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض، وليس للحذف هنا فضيلة، فوق فضيلة الاختصار.

ومما لوحظ في بنائه خصوصية التقديم ليفيد معنى الاهتمام بالمقدر، ويؤكد

ص: 274

التسوية في معنى المسند قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} 1، الأصل: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله تتوانى في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله، وأنه من الله بمكان.

ومثله وعلى طريقته قوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} 2، قدم {الصَّابِئُونَ} على خبر إن وهو مبتدأ، أي: الصبائون كذلك وذلك؛ لأن الصابئين أشد هذه الفرق، ويظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت.

وقد ترى سر التأثر، ومرجع المزية في حذف المسند كامنا في تكاثر المعنى نظرالكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف، ومن ذلك قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} 3، فقوله: فأن لله خمسة مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير فحق، أو فواجب أو فثابت، قال الزمخشري: "كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلا الخلال به، والتفريط فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى للإيجاب من النص على واحد.

وقد يشعر حذف المسند بتركه وازدرائه، والضن عليه بالذكر في مقابلة المسند إليه، وذلك كقوله تعالى:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} 4، فإن ذلك الموصول مبتدأ، وخبره محذوف تقديره كما ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله سبحانه أي متول أمر كل نفس حافظ

1 التوبة: 62.

2 المائدة: 69.

3 الأنفال: 41.

4 الرعد: 33.

ص: 275

شأنها حفظ القائم يحرسه، ويصونه وهو تعبير جيد، ومثله:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} 1، أي هي قائمة على أمر كتابها تحفظ شرائعه وحدوه، وكأنها في ذلك كالشخص القائم المنتصب اليقظ على الشيء يحرسه، ويصونه والمحذوف الذي هو كمن ليس كذلك هو المعبود بالباطل، وفي حذفه إشعار إهماله وازدرائه، والضن به على أن يذكر في مقابلة الحق جل جلاله.

ومثل هذا قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} 2، أي: أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجًا، فحذف الثاني ليفيد الحذف إهماله، وانظر قوله:{فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} ، فإنها كلمة لا تجد لحسنها نهاية، وصاحبها لا يمشي على طريق منير فحسب، وإنما يمشي على نور، وهو نور يملأ القلب، ويتوهج في الضمير؛ لأنه نور من ربه، ولعل في الحذف هنا سرا آخر هو الرغبة في أن ينصرف الذهن إلى هذه الصورة ليمتلئ القلب بها، ولتبقى وحدها في التعبير لا تنازعها أخرى، ومثلها قوله تعالى:{أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 3، أي كمن ليس كذلك.

ومن حذف المسند قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 4، وأي: كمن ينعم في الجنة.

والحذف هنا مشعر بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابلة هذا الشقي، وفيه أيضًا القصد إلى أن يتجه الهم كله إلى المذكور الذي يتقي بوجهه سوء العذاب ليمتلئ القلب بصورته، وهو في النار فزع طائش لا يدري كيف يدرأ العذاب عن نفسه، فهو يتقي بوجهه، والوجه تسوءه النار، والذي فيه نبضة من نفس، وعقل يتقي وجهه من النار، ولا يتقي بوجهه النار.

1 آل عمران: 113.

2 الزمر: 22.

3 الزمر: 9.

4 الزمر: 21.

ص: 276

ولكن المذكور قد طاشت نفسه، وأفرغ لبه من هول ما يرى، فهو متخبط واله، ثم إن في ذكر الوجه هنا إشعارًا بإهانة هذه الوجوه، وذهاب أقدارها، فالوجه فيه معنى الشرف، والتقدم، ويقولون: هم وجوه يريدون بذلك السؤدد، والوجه فيه الجبين وهو متعلق المدح، ويقولون: وضاح الجبين، وكأن الثريا علقت بجبينه، وفيه العرنين والشمم، وهم يقولون:"شامخ أشم"، و"هم من العرانين والذرى"، ويريدون بذلك عظمة النفس، وعزة الضمير، وإذا كان المذكور يتقي العذاب بوجهه، فهو وجه مبتذل مهين، والمقام مقام تخويف، وترهيب، وصورة اتقاء النار بالوجه من أبلغ ما يؤثر في النفس حين تحسن تصورها، وتدبر القرآن معناه أن تجعل الصورة المضمنة في كل كلمة كأنها انخلعت من الكلمة، وصارت شاخصة بين عينيك، وهكذا كان يسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم، وهذا معنى أنهم إذا مرت بهم آية عذاب كانوا كأنهم رأوا النار، وسمعوا شهيقها وإذا مرت بهم آية نعيم رأوا الجنة ووجدوا ريحها، وهذا ما يسعى إليه الدرس البلاغي ليس في القرآن فحسب، وإنما في كل كلام صقله قائله، وهذبه ونقحه، وراجعه.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} 1، أي: كمن لم يزين له سوء عمله، وهو شبيه بما تقدم، وقال:{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} ، ولم يقل: أفمن ضل ليذيع جعله وبلادة نفسه، فهو لا يميز بين الأشياء الواضح تباينها، بل إن يرى السوء حسنا، فقد فسد طبعه المميز بين الحسن والقبح، فلا عجب إذا استحب العمى على الهدى.

وهذا ما تراه حولك حين تجد ناسا كأنهم نذروا أعمارهم للقبيح وعاشوا له.

ومن أحسن مواقع الحذف ما ترى الجملة فيه بقيت على كلمة واحدة، وقد يكون ذلك في سياق قوي مجلجل، فيزداد حسن هذا الحذف، انظر إلى قوله

1 فاطر: 8.

ص: 277

-تعالى- في حكاية فرعون مع السحرة الذين آمنوا برب موسى وهارون، قال فرعون لهم:{آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لَا ضَيْرَ} 1، فأجابوه بعد ما سمعوا قعقعة هذا الوعيد بقولهم: لا ضير -وأرادوا لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم يصمي نفاجة فرعون وحمقه، ويرد عليه إرعاده وإبراقه.

ومثله قوله -تعالى- في وصف الاضطراب، والفزع وقت البعث وقيام الساعة:{وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} 2، أي: فلا فوت لهم أي لا يفوتون الله، ولا يسبقون يد القدر، فحذف المسند وبقيت كلمة واحدة، وسياق السرعة الفائقة والحركات المتلاحقة جعل حسن الحذف لا يتناهى، وقد بني هذا التعبير على التركيز الشديد، وكأن كل كلمة فيه جمع هائل في هذا الحشد الذي ضم أطراف البشرية كلها من لدن آدم عليه السلام إلى آخر نفس تموت، وحذف الجواب يؤذن بمزيد من صور الهول التي لا تتناهى، ولا تنضبط ولا يصفها أبلغ بيان.

وقلت لك: إني لم أجد هذه الصور المتزاحمة بالخلق في كلام من نزل فيهم القرآن.

وقد يكون حذف المسند مظهرًا لأناقة العبارة، وقوة لمح المتكلم وحسن اقتداره، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين، وقد شكروا عنده الأنصار:"أليس قد عرفتهم أن ذلك لهم"؟ قالوا: بلى. قال: "فإن ذلك"، ويريد فإنك ذلك مكافأة لهم، ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل

من قريش جاء يكلمه في حاجة له، فجعل يمت بقرابته فقال عمر: فإن ذلك، ثم ذكر الرجل حاجته

1 الشعراء: 49، 50.

2 سبأ: 51.

ص: 278

فقال عمر: لعل ذلك، والأصل فإن ذلك لك، أي: أن صلتك بنا وقرابتك لنا مسلمة لك لا نأباها ولا نماري فيها، وكذلك قوله: لعل ذلك أي لعل هذه الحاجة تسير لك وتقضي.

وقد جرت الأساليب على إسقاط المسند في مواضع ذكرها النحاة، مثل القسم الصريح، وبعد لولا، والحال الممتنع كونها خبرًا، وبعد واو المصاحبة الصريحة، وبعد إذا الفجائية، والحذف في هذه الصور يرجع حسنه إلى امتلاء العبارة، وقوة دلالتها.

انظر إلى قول عمر لما هم بأن يرجم حاملا حين زنت، فقال له على رضي الله عنه: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها، فكف عمر عن الفعل، وقال: لولا علي لهلك عمر، انظر إلى حسن العبارة، ووجازتها لما وقعت في سياق مليء، ولهذا لا نمضي مع القول بأن هذه دراسة نحوية، وليس فيها تصرف يدخلها في باب الدراسة البلاغية التي تعتمد على الاختيار بين الممكنات من الأساليب، وانتخاب أفضلها، وكيف يستساغ القول بأنه لا بلاغة فيما لا يجوز سواه؟ بل إني أظن أنا ما لا يجوز سواه هو الأولى بالدراسة، والنظر المتذوق؛ لأنه لم يتعين إلا لحسن فيه يغري بتفرده في الاستعمال، ولا أظنك تغغل عن رشاقة هذه الجمل التي سوقها النحاة في باب الخبر من مثل قولهم: لعمرك لأفعلن، وضربي زيدا قائما، وكل رجل وضيعته، نعم إنها جمل حلوة تلفت النفس بوجازتها، وإن كانت مقتطعة، أو خالية من السياق الذي يضفي على العبارات مزيدا من الحياة والقوة، وقد ألفنا أن نسمعها، ونحن نتعلم صنعة الإعراب، فلم نلتفت إلى ما بنيت عليه من صنعة بلاغية، وواضح أن قول عمر: لولا علي لهلك عمر، في سياق القصة التي ذكرنها يختلف اختلافًا بينا عن قول النحاة: لولا علي لهلك عمر، وهكذا مستقلا وحده، وكأنه يمعنى معلق في الهواء، الجمل التي يذكرها النحاة، والتي قدمناها جمل عذبه، وإن كان طريقها متعينا؛ لأن المتكلم لا يستطيع أن يقول: لعمرك يميني لأفعلن، ولا أن يقول: ضربي زيدا حاصل إذا كان

ص: 279

قائمًا، ولا أن يقول: كل رجل وشيعته مقترنان، هذا مخالف لمألوف زكاء العربية؛ لأن العربي لا ينطق بما دل عليه الدليل الظاهر، العربي لا يقول: لولا علي موجود لهلك عمر، ولو نزعت لسانه من بين فكيه؛ لأن هذا ليس من لغته وكذلك لا يقول: لعمرك يمينى لأفعلن ولا يقول: لو شئت أن أفعل هذا لفعلته؛ لأن هذا يناقض طبعه وطبع لغته التي هي طبعه لهذا كان الإيجاز في طبع بلاغة العربية، وداخل في أصل هذه التراكيب، وكأنها عجنت منه.

انظر إلى: ضربي زيدا قائما تجده ينطوي على دقة عجيبة في التأليف لا يهتدي إليها إلا عارف بطبائع العلاقات في الجمل، فهو مثال يتكون من كلمات ثلاث تطوي وراءها كلمات أربع، إذ الأصل ضربي زيدا حاصل إذا كان زيد قائما، فالمحذوف أكثر من المذكور، وهذا المحذوف أشار إليه بتصرف قريب، ودقيق هو تنكير "قائما"؛ لأنه بذلك منع أن يكون وصفا لزيد، وبذلك يتعين أن يكون بقية جملة أخرى، وقوله: ضربي زيدا جزء جملة يتعين أن يكون له ما يتممه، فتحصل أن صدر هذا المثال اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف تماما له: وعجزه اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف ابتداء له، مع ضرورة أن يكون بين هذه المحذوفات ما يربط الجملتين رباطا صح معه هذا التلاؤم الذي تراه بين الجزئين المذكورين.

أرأيت دقة الصنعة، ودقة رصف الكلام، وتشابكه وتعاونه.

ومما ترى الحذف فيه يفيد العبارة قوة وامتلاء، ما ذكره سيبويه في الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال، وهي: إن، ولكن، وليت، ولعل، وكأن.

فقد ذكر أن هذه الحروف يحسن السكوت عليها مع إضمار خبرها وعبارته: "باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة لإضمارك ما يكون مستقرا لها، وموضعا لو أظهرته"، ثم مثل بقولهم: إن مالا وإن ولدا وإن عددا أي إن لنا أو لهم مالا، وإن لنا أولهم ولدا، وإن لنا أو لهم عددا، وذكر قول الأعشى:"من المنسرح"

ص: 280

إن محلا وإن مرتحلا

وإن في السفر ما مضوا مهلا

والأصل إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، قال الشنتمري في كتابه تحصيل عين الذهب: الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع، والمعنى إنا لنا محلا في الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة، وأراد بالسفر من رحل من الدنيا، فيقول في رحيل من رحل ومضى: مهل، أي لا يرجع، ويذكر سيبويه في هذا الباب قول الشاعر:

ليست أيام الصبا رواجعا

والأصل: ليت لنا أيام الصبا، أو ليت أيام الصبا أقبلت رواجعا، والمهم أن الخبر محذوف في الحالين، ويذكر قولهم: إن غيرها إبلا وشاء، أي: إن لنا غيرها، وانتصب إبل، وشاء على التمييز.

وعبارة سيبويه في هذا البحث لا ترشد إلى أن الحذف هنا جائز فحسب، وإنما ترشد إلى أنه باب من أبواب الحسن، ولعله يقصد ما نزعمه سببا في بلاغة هذه الأساليب من وجازة الجمل، ونقائها ودلالتها على قوة نفس منشئها، وامتلاء حسه، وأظن أنه لا يخطئنا ما وراء قول القائل: إن مالا وإن ولدا وإن عددا من اعتداد واعتزاز، وقوة لا تكون على هذه الدرجة لو قال: إنا لنا مالا وإن لنا ولدا إلى آخره؛ لأن استرخاء العبارة حينئذ يوحي بفتور الشعور بالمعنى، وأظن أنه لا يخطئنا أيضا أن الأعشى يصف السرعة الخاطفة في الحلول والارتحال، وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا انعكست على عبارته، فطوى فيها كثيرا من الكلمات؛ لأن سياق المعنى في اليبت طي وإضمار وابتلاع: حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم إلى بطن الغيب، وسفر لا أوبة لهم.

قال عبد القاهر، وهو يتحدث عن مزايا إن في الأسلوب:"ومنها أنها حين تقع في الجملة قد تغني عن الخبر في بعض الكلام"، ثم ذكر كلام سيبويه، ثم قال: "فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد نرى حسن الكلام

ص: 281

وصحته مع حذفه وترك النطق به، ثم إنك إن عمدت إلى إن فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر لا يحسن أو لا يسوغ، فلو قلت: مال وعدد ومرتحل، وغيرها إبلا وشاء لم يكن شيئا"، ثم ذكر سر هذا الحذف مع إن وفساده بدونها بقوله: "وذلك أن إن كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه"، وافهم منه أن إن تفيد في لسان القوم توكيد النسبة، فهي لا تدخل إلا على جملة مكونة من مسند ومسند إليه، فإذا حذف المسند فهي دالة عليه؛ لأنه لا يتصور كلام منها ومن اسم واحد، أي لا يصح قوله: إن إبلا بدون تقدير، وهذا معنى أنها حاضنته ومتكفلة به، فإذا سقطت إن من الكلام وقلنا: إبل أو غنم، احتمل أن يكون مرادنا هو اللفظ المفرد إذ ليس هناك ما يوجب التقدير، وتأمل كلمة حاضنته، وإنها من الكلام الذي تجد فيه لألفاظ اللغة حيوات كحيوات البشر.

وقد يجي الكلام على الحذف، ثم تراه يحتمل تقدير أن يكون المذكور هو المسند والمحذوف المسند إليه، والعكس.

ومن هذه الصورة قوله تعالى: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} 1، قالوا: قد يكون المحذوف مسندا إليه، والتقدير أمري صبر جميل، وقد يكون المحذوف مسندا، والتقدير فصبر جميل أجمل، وقد رجح الوجه الأول بمرجحات ذكرها سعد الدين في المطول منها أن حذف المسند إليه أكثر وقوعا في كلامهم من حذف المسند، فحمل الآية عليه أولى، ومنها: أن سوق الكلام للمدح بحصول الصبر ليعقوب عليه السلام، وحين يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير أمري صبر جميل يكون هذا الكلام دالا على حصول الصبر له عليه السلام، أما تقدير أن يكون المحذوف مسندا

1 يوسف: 18، 83.

ص: 282

والأصل فصبر جميل أجمل، فليس فيه ما يدل دلالة مباشرة على حصول الصبر لسيدنا يعقوب عليه السلام.

ومن هذه الصور قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} 1، يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير هذه سورة أنزلناها، ويحتمل أن يكون المحذوف مسندًا والتقدير: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.

وقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} 2 يحتمل أن يكون التقدير طاعتكم طاعة معروفة؛ لأن الخطاب للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، أو أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم، وقلوبكم على خلافها، والمحذوف في كل هذا هو المسند إليه، وقد قوي ابن جني هذا التقدير بما أنشده لابن أبي ربيعة من قوله:"من الطويل"

فقالت على اسم الله أمرك طاعة

وإن كانت قد كلفت ما لم أعود

فقد جاء الأسلوب فيه على ذكر المحذوف، وهو فيه مبتدأ كما ترى.

ويحتمل أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير طاعة معروفة أولى بكم، وهذا النوع من التراكيب يذكر له البلاغيون فضيلة زائدة على الصور التي يتحدى فيها نوع المحذوف، هذه الفضيلة هي تكثير الفائدة؛ لأن الكلام الذي يحتمل وجهين يكون أوفر معنى وأغزر دلالة، ووفرة التأويلات من فضائل الكلام الجيد.

ومن أخصب وأدق ما نوقش في هذا الباب الذي يحتمل الحذف فيه وجهين قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} 3.

1 النور: 1.

2 النور: 53.

3 النساء: 171.

ص: 283

فإنه يجوز في الآية الكريمة أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، وتكون الجملة مكونة من مبتدأ هو آلهة، وصفة هي قوله ثلاثة، وخبر مقدم لنا أو في الوجود، ثم حذف الخبر، وحذفه مطرد في كل ما معناه التوحيد مثل: لا إله إلا الله، أي: لا إله موجود إلا الله، ثم حذف الموصوف وهو آلهة، وحذف الموصوف واقع في كلامهم، فصار ولا تقولوا ثلاثة

ويحتمل أن يكون من حذف المسند إليه والتقدير، ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي لا تعبدوهم كما تعبدون الله، ولا تسووا بينهم في الصفة والرتبة، وذلك من قولهم: إذا أرادوا التسوية بين اثنين هما اثنان أي متساويان في الرتبة، وإذا أرادوا إلحاق واحد باثنين قالوا: هم ثلاثة..

وقد قيل: إن التقدير في الآية، ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة

وهو قول فاسد، وفيه خطأ كبير.

وبيان ذلك أنك إذا سلطت النفي على الجملة لا يتوجه النفي إلى أحد طرفيها، وإنما يتوجه إلى الحكم القائم بين الطرفين، وهذه قضية ثابتة، فإذا قلت: ليس زيد بمنطلق فأنت لم تنف زيدا، ولم توجب عدمه، وإنما تنفي إثبات معنى الانطلاق لزيد، وإذا قلت: ليس زيد النحوي عاقلا، فأنت لم تنف عن زيد كونه نحويا، وإنما نفيت عنه كونه عاقلا، وإذا قلت: ليس أمراؤنا ثلاثة، فأنت لم تنف أن لنا أمراء بل توجب ذلك، وتثبته وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، فإذا قلت: ليست آلهتنا ثلاثة، فأنت لم تنف وجود الآلهة بل توج بذلك وتقرره، وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، وهذا واضح، وفيه ما ترى.

أما قولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة أو ليس في الوجود آلهة ثلاثة، فإنه نفي، لأن تكون لنا آلهة أو في الوجود آلهة، ولذلك لا يصح في مثله أن نقوله: ليس لنا أمراء ثلاثة، وإنما هم أربعة أو هم اثنان، هذه إحالة، وهو بخلاف قولك:

ص: 284

ليس أمراؤنا ثلاثة، وإنما هم أربعة أو اثنان، وهذا كلام صحيح، فتأمل ذلك، فإنه ملخص من كلام شريف في دلائل الإعجاز.

وإذا أحسنت التدبر، والقياس علمت بعد الذي ذكرناه وجه الفساد في قولهم في قراءة:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} 1، بحذف تنوين عزير: إنه جاء على حذف المسند، والتقدير عزير ابن الله معبودنا، وذلك من حيث أفادت العبارة إثبات المسند إليه -عزير ابن الله- وخروجه من حد النفي -كما يخرج زيد النحوي من حيز النفي في قولنا: ليس زيد النحوي عاقلا، وإنما يتسلط النفي في ذلك كله على النسبة والحكم، ومثله أنك تقول: ليس زيد بن علي حاضرًا، فتنفي حضوره فقط، ولا تنفي كونه ابن علي بل تعترف بذلك.

وكذلك الحال في الآية؛ لأن قوله: ابن الله صفة لعزير، وحذف التنوين من عزير كما يحذف من زيد في قولك: زيد بن علي فالإنكار لا يتجه إلى الصفة في الآية، وإنما يتجه إلى الخبر، هذا ما قالوه وهو فاسد، وفيه ما ترى.

والوجه في الآية أن يكون التنوين مرادًا، وإنما حذف لالتقاء الساكنين كقراءة:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} 2، بحذف التنوين من أحد، وقول أبي الأسود الدؤلي:"من المتقارب"

فألفيته غير مستعتب

ولا ذاكر الله إلا قليلا

بحذف تنوين ذاكر، فأصل عزير ابن الله بدون تنوين هو عزير ابن الله بالتنوين، ثم حذف بدل الحركة التي يختلسها اللسان، والتي تشعر بها حين تسمع نفسك، وأنت تنطق عزير ابن الله بالتنوين تجد كسرة خاطفة على نون التنوين يختلسها اللسان اختلاسا؛ لينتقل إلى نطق الباء الساكنة من ابن، وهكذا في أكثر كلامهم يحركون التنوين هذه الحركة الخافتة جدا تفاديا لالتقاء الساكنين، وأحيانا يحذفون هذا التنوين كما أشرنا.

1 التوبة: 30.

2 الإخلاص: 1، 2.

ص: 285

والخلاصة أن جملة عزير ابن الله من غير تنوين جملة مكونة من مبتدأ، وخبر ولا حاجة فيها إلى الحذف

وقد يبنى الكلام على حذف المسند إليه والمسند، ويكون التركيب حينئذ أكثر امتلاء، وأكثر إصابة حين يصدر عن طبع موات، وفطرة قوية غير متكلفة ومن ذلك قولهم:"أهلك والليل"، يريدون الحق أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وأظن أنه لا يخطئك أن تدرك الملاءمة الواضحة، والفرق بين إيجاز هذا التعبير، ومدلوله كأن المتكلم يحرص على أن يقذف إليه الخبر بسرعة حتى يبادر باللحاق بأهله أن يدركه الليل، ومن لطيف ذلك، ونادره قوله تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} 1، وأراد بطغواها بطغيانها، ولكنهم يقبلون ألف فعلى واوا للفرق بين الاسم والصفة، وأشقاها هو قدار بن سالف أحيمر ثمود، وكان أشأم على قومه من ناقة البسوس، وأبشع جناية عليهم من براقش، وكم تعاني الأمم من مثله.

والمهم هو قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} ، أراد: ذروا ناقة الله واحذروا عقرها، وحسن الحذف هنا ليس له نهاية، وكان صالحهم صلوات الله وسلامه عليه مرجوا فيهم، رحيما بهم، يخاف أن يمسهم من ربهم عذاب، فصاح بهم محذرًا ملهوفا: ناقة الله وسقياها، ولو قال: ذروا ناقة الله وذكر الفعل، والفاعل أي المسند والمسند إليه لذهب بكل ما يدل عليه الحذف هنا من لهفة نفسه، وشدة حرصه على نجاة قومه، واندفاعه السريع نحو دفع الخطيئة الموبقة لهم، وقد تفسر جمال الحذف في أساليب التحذير، والإغراء بما يشبه هذا الذي ذكرناه.

1 الشمس: 11-13.

ص: 286

ومن جيد ما يجيء على حذف المسند، والمسند إليه ما يقع في كلامهم من إقامة المصدر مقام الفعل كقوله تعالى:{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} 1، أي فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وفاعله، وأفاد هذا الحذف العبارة قوة، ونفاذًا ترى اللفظ فيه قد لاءم سياقه أحسن ملاءمة سرعة ومضاء، فالضرب المأمور به هو الضرب السريع الخاطف فور اللقاء.

ومن هذا حذف القول وفاعله، وهو كثير في كتاب الله وله مواقع شريفة، من ذلك قوله تعالى في وصف هذا المشهد الهائل من مشاهد الحشر:{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} 2، والشاهد قوله:{لَقَدْ جِئْتُمُونَا} ، وأصله: فيقال لهم لقد جئتمونا ومزية هذا الحذف في بناء الكلام بعده على أسلوب الالتفات، وهو أسلوب له خطره في التصوير، والتأثير كما أشرنا، ألا ترى أن المولى عز وجل كأنه بعد ما عرضوا هذا العرض المستسلم في هذا السياق المفزع حيث التجلي الأعظم لقدرة ذي البطش، فالجبال الرواسي تسير في الجو هباء منثورًا، والأرض عارية ذهب كل من يسترها من إنسان وحيوان، ونبات أقول ترى المولى عز وجل بعد

ما عرضهم العرض المستسلم كأنه يتجه إليهم معنفا أشد تعنيف: لقد جئتمونا كما خلقناكم وكنتم تكذبون، وتقولون ذلك رجع بعيد، وتزعمون ألن نجعل لكم موعدًا، هذا المعنى الذي جاء على طريقة الالتفات التي هيأ لها الحذف هو فيصل القضاء في هذا الموقف؛ لأنه متعلق التصديق، والتكذيب في رسالات السماء.

ومثله وعلى طريقته قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} 3، والكلام على الحذف كما قالوا في سابقه، أي فيقال لهم: أذهبتم، والعرض هنا غير العرض في الآية السابقة،

1 محمد: 4.

2 الكهف: 47، 48.

3 الأحقاف: 20.

ص: 287

فالعرض هناك عرض في الحشر، والعرض هنا عرض على النار أي تعذيب بها وإحراق، والعبارة عن التعذيب بقوله: يعرض الذين كفروا على النار، فيها مزيد من السخرية فالقوم متاع للنار يقدم إليها، ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم بالخطاب، وهم في هذا العرض الكارب، وتذكيرهم بما أوبقهم من حب العاجلة له في صرف النفس عن ملذات الدنيا الصارفة عن طيبات الآخرة أثر بالغ.

ومن جديد ذلك قوله -تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} 1.

وفي حذف القول وفاعله، والاتجاه بالخطاب إليه مباشرة -كما قالوا- مزيد عناية بأمر التوحيد، وكأنه قال: إياك وهذه، وقوله: وإن جاهداك، تعبير له مغزى جليل، أي لا تفعل ذلك أبدًا وإن حملاك، وبلغا منك الجهد في ذلك.

ومما جاء فيه حذف الفعل، والفاعل في غير باب القول قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر:"ما تزوجت"؟ قال: ثيبا

فقال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"2، يريد: فهلا تزوجت جارية فحذف الفعل، وفاعله لدلالة الكلام، ولهذا الحذف فضيلة الإيجاز الذي طبع عليه بيان النبوة، وسياقه لا يقتضي أكثر من أن يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الموجزة.

1 العنكبوت: 8.

2 رواية البخاري: "هلا تزوجت بكرًا تلاعبها"، انظر ج4، ص9-ط بولاق.

ص: 288