المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أغراض تقييد الفعل: - خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني

[محمد محمد أبو موسى]

الفصل: ‌أغراض تقييد الفعل:

‌أغراض تقييد الفعل:

أما أغراض تقييد الفعل بمفعول، ونحوه من المتعلقات، فقد قال الخطيب: إنه يكون لتربية الفائدة أي تكثيرها، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: ضربت فقد أفدت فائدة، فإذا قلت: ضربت زيدا كانت الفائدة أكثر، فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة زادت عن سابقتها، وهكذا كلما زاد الحكم قيدا زاد فائدة، ألا ترى أنك في المثال الأول أفدت وقوع الضرب منك فقط، وفي الثاني أفدت وقوع الضرب منك على زيد، وفي الثالث أفدت وقوع الضرب منك على زيد يوم الجمعة، وهكذا كل مثال كان أكثر فائدة مما قبله باعتبار ما قد أضيف إليه.

وتربية الفائدة تعني أيضا تقرير المعنى وتأكيده، انظر إلى قوله تعالى:{ذلكم قولكم بأفواهكم} 1، فقد ذكر بأفواهكم قيدا للفعل، ولو حذف لفهم معناه؛ لأن القول لا يكون إلا بالفم، ولكن لما كان هذا القول فيه افتراء على الله تعالى شدد على قائله لتقير الوعيد في النفس، وبثه في أنحائها حتى تنجز عن هذا القول الزور.

ومثله قوله تعالى في قضية الإفك: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} 2، ففي هذا القيد إشعار بتعظيم الأمر المقول، وأنه مقول بالأفواه من غير أن يتصل بالقلوب التي تعلم كذبه واختلاقه، ونلحظ أن مثل هذا الأسلوب يأتي في القرآن الكريم في مواقف التشديد، والإنكار لتربية المعاني وتقريرها في النفوس، انظر إلى قوله تعالى:{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} 3، والمراد: إنكار أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وللتشديد والمبالغة في هذا الإنكار صور الجمع بين الزوجية، والأمومة في صورة جمع القلبين لرجل واحد، وذكر القيد وهو قوله:{فِي جَوْفِهِ} ، والقلب لا يكون إلا في الجوف ليقوي التصوير على التأثير بوضع جوف يشتمل على قلبين، وتصوير هذه الصورة الغريبة الشاذة أمام الحس

1، 3 الأحزاب:4.

2 النور: 15.

ص: 318

والشعور، فيكون ذلك أدعى إلى أن تنكر النفس جعل الزوجة أما، وفي هذه الآية كثير من الإشارات استوفينا مزيدا منها في دراستنا لسورة الأحزاب.

ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} 1، وخرور السقف لا يكون إلا من فوق، وقد قال ابن الأثير في قيمة هذا القيد:"ولذكر لفظة فوقهم فائدة لا توجد مع إسقاطها، من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فأنت إذا تلوت هذه الآية تخيل إليك سقف خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاطه تلك اللفظة".

تذكر ما قلناه عن ابن الأثير، وكيف يرى الصور وكأنها تنخلع من الكلمات، وتصير أحداثا تتحرك على وفق ورودها في سياق البناء اللغوي.

ومنه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه:

{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} 2.

قال في آية السفينة: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، ثم قال في آية قتل الغلام:{أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، فزاد قيدا للمسند في الثانية لتربية الفائدة أعني لتأكيد اللوم في الثانية؛ لأن المخالفة الثانية أحوج إلى مزيد من اللوم بتقريره وتأكيده.

ومما يأتي على هذه الطريقة قولهم: رأيته بعيني، ووطئته بقدمي،

1 النحل: 26.

2 الكهف: 71-75.

ص: 319

وقبضته بيدي، وذقته بفمي، وقد يظن من لا معرفة له بأسرار الكلام، وخصائص التراكيب أن هذه القيود فضلات ثقيلة في الكلام، إذ الرؤية لا تكون إلا بالعين، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والقبض لا يكون إلا باليد، والذوق لا يكون إلا بالفم، ولكن المعنى هنا بالقيد أكبر منه بدونه، فليس المعنى على أنه رآه، ووطئه وذاقه فحسب، وإنما يضاف إلى ذلك قدر كبير من التصوير والتقرير، لذلك لا يقولون هذا إلا في شيء يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد القول فيه دلالة على نيله والحصول عليه، وقريب من هذا ما يقال في الحروف التي يقولون: إنها زائدة ويريدون أن أصل المعنى يبقى مع إسقاطها، كما يبقى أصل المعنى في قولك: رأيته من غير أن تضيف بعيني.

ومما يتصل بأحوال متعلقات الفعل، أو بالقول في تقييد المسند القول في معاني الحروف الجارة التي تتعلق بهذه الأفعال، وهو باب خصب في المعاني الأدبية، ودرس جليل في فهم اللغة وسرائرها، وقد نبه إليه الدارسون لأسلوب القرآن، وانتفع به البلاغيون وأخذوه عنهم، وكان الزمخشري من أكثر المفسرين التفاتا إلى هذه الحروف.

يقول في قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} 1 مشيرا إلى خلابة لام الجر، وكيف نهضت ببعث مشهد ساخر:"فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} ؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبا؟ قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم، وإنكارهم وليس في عند الناس هذا المعنى".

وانظر إلى الفرق بين علي واللام حيث يقع الفعل مرة معدى بعلي، وأخرى باللام، وذلك كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى}

1 يونس: 2.

2 الأنبياء: 101.

ص: 320

وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} 1، وقال معديا الفعل بعلي، {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} 2، فجاء بعلي عند سبق الضار؛ لأنهم يلحظون فيها معنى القهر، والاستعلاء يقولون: اللهم عليه لا له، كما جاء باللام عند سبق النافع، ومثله:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} 3.

وقول عمر: "ليتها كانت كفافًا لا علي ولا ليا".

وانظر إلى الفرق بين "علي"، و"في" في قوله تعالى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 4، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس، أو جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يرى أين يتوجه.

وللزمخشري مقدرة عجيبة في لمح ما رواء الحروف من تصوير وتجسيد.

وانظر كيف أشار القرآن بالمحافظة بين "اللام"، و"في" في آية الصدقة إلى الأهلية، وأولوية الاستحقاق في قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 5.

قالوا: فهذه أصناف ثمانية جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها، ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأولى باللام دون علي، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذلك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث

1 الصفات: 171.

2 هود: 40.

3 البقرة: 286.

4 سبأ: 24.

5 التوبة: 60.

ص: 321

كانت "في" دالة على الوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب. وفي الغرم من الخلاص من الرق، والدين اللذين يشتملان على النفس، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرر الحرف في قوله:{وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي مرة ثانية مع سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه، وشموله لجميع القربات".

وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.

ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.

- تقييد الفعل بالشرط:

عنى البلاغيون بتقييد المسند بأن -وإذا- لأن للتقييد بهما لطائف، واعتبارات بلاغية، أو لكثرة مباحثهما الشريفة المهملة في علم النحو كما يقول العلامة سعد الدين.

قالوا: إن "إن" للشرط في الاستقبال أي تقييد حصول الجزاء بحصول الشرط في الاستقبال مثل قولك: إن جئتني أكرمتك، ومثلها "إذا".

والفرق بينهما هو أن "إن" تستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، تقول: إن جئتني أكرمتك، إذا كنت غير قاطع بمجيئه، و"إذا" تستعمل في الشرط المقطوع بوقوعه تقول: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت قاطعا بمجيئه، أو مرجحا ذلك.

ص: 322

وهذا الفرق الكائن في أصل الدلالة كما ترى، هو الذي تتفرع عنه الدلالات البلاغية لهاتين الأداتين، ويظهر ذلك في تحليل الشواهد.

خذ قوله -تعالى-: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} 1، فإنه لما كان مجيء الحسنة أمرا مقطوعا به جيء بلفظ إذا، عرفت الحسنة تعريف الجنس ليشتمل كل ما هو من جنس الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرا، وذكر لفظ "إن" مع إصابة السيئة؛ لأن إصابة السيئة نادرة بالنسبة لإصابة الحسنة، وقد نكرت السيئة لإفادة التقليل، فأشارت إلى هذه الندرة.

ومثله قوله -تعالى-: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} 2، جيء بإذا في جانب الرحمة للإشارة إلى أن إذاقة الناس قدرا قليلا من الرحمة أمر مقطوع به، ولإفادة هذا المعنى نكرت الرحمة لتفيد التقليل، فيكون التقليل أقرب إلى القطع بالوقوع، وقال:{وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، فأفاد أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، وأن الله لا يؤاخذهم دائما بما قدمت أيديهم، ولكنه يعفو عن كثير.

أما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ} 3، جيء فيه بلفظ:"إذا" مع الضر، وهذا بخلاف الطريقة في الآيتين السابقتين وذلك؛ لأنه ذكر هنا لفظ المس والمس أقل من الإصابة، ونكر الضر ليفيد قدرا يسيرا من الضر، وذكر لفظ الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، والحديث عن الناس الذين إذا مسهم الضر دعو ربهم منيبين إليه، وإذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، فكان في هذا إشارة إلى أن مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء، حقه أن يكون في حكم المقطوع به.

ومثله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} 4، جاء بلفظ "إذا" مع

1 الأعراف: 131.

2 الروم: 36.

3 الروم: 33.

4 فصلت: 51.

ص: 323

مس الشر؛ لأن المراد مسا لإنسان الذي إذا أنعم الله عليه أعرض، ونأى باجنبه أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه، ومثله بحق أن يكون تكبر، ومثله بحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعًا به.

وقال عبد الرحمن بن حسان يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة، فلم يقضها:

ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي

تولى سواكم أجرها واصطناعها

أبى لك كسب الحمد رأي مقصر

ونفس أضاق الله بالخير باعها

إذا هي حثته على الخير مرة

عصاها وإن همت بشر أطاعها

واضح أن الشاعر يذم الرجل ويهجوه هجاء صريحًا، ويذكر رأيه المقصر ونفسه الضائقة بالخير، وقوله: إذا هي حثته على الخير مرة، يفيد: أن حث نفسه على الخير أم مقطوع به، وقوله: وإن همت بشر يفيد: أن همها بالشر أمر نادر، والنفس التي تحدث على الخير قطعا، وتهم بالشر نادرًا نفس ممدوحة محمودة، فكيف يتفق هذا مع سياق الذم، وتصريحه بأن نفسه أضاق الله بالخير باعها، ولو قال: إن هي حثته على الخير مرة عصاها، وإذا همت بشر أطاعها لاستقام المعنى، ولذلك قال الزمخشري رحمه الله: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع.. ثم ذكر القطعة والأبيات، وقال: لو عكس لأصاب.

وقد سمعت من بعض شيوخنا أن ابن حسان أعلم بطبائع اللغة من البلاغيين، وأن الزمخشري مع سعة ذرعه لم يتنبه إلى قوله مرة: ومهما كانت النفس قد أضاق الله بالخير باعها، فإن حثها على الخير مرة أمر متوقع؛ لأن الله ألهمها فجورها وتقواها، وهو كلام واقع.

وترى في الشعر المطبوع الذي يقوم على الخبرة العميقة لطائبع الكلمات، ودقيق دلالاتها ترى فيه هاتين الأداتين، ووراءهما إشارات لطيفة.

ص: 324

خذ قول عامر بن الطفيل يذكر بلاءه، وبلاء قومه:"من الطويل"

وقد علم المزنوق أني أكره

هلى جمعهم كر المنيح المشهر

إذا ازور من وقع الرماح زجرته

وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر

والمزنوق اسم فرسه، والشاعر يكر فرسه على جمع الأعداء كرا كثيرا الجولان، وهو وفرسه في قلب المعمعة لا يريم عن ميدانها يجول فيها جولان المنيح، وهو قدح لا حظ له، وهو كثير الجولان في القداح تكثر به، وإذا خرج من القداح رد فيها، وإذا خرج منها قدح آخر غير المنيح عزل عنها.

والشاهد قوله: "إذا ازور من وقع الرماح زجرته"، وقد جاء بإذا ليشير إلى صعوبة الموقف وشدة الوطأة فيه، وإأن الخيل العتاق لا تطيقه، فهي كثيرا ما تزور عن اللقاء وتميل، ولذلك تجد الشاعر يتعهد فرسه ويقول له: ارجع مقبلا غير مدبر، وينبهه إلى أن الفرار خزاية، وأن حالي كحالك في مواجهة صعوبة الثبات، فهذه رماحهم في شرعا، وأنت حصان ماجد العرق، قال بعده:

وأنبأته أن الفرار خزاية

على المرء ما لم يبل جهدا ويعذر

ألست ترى أرماحهم في شرعا

وأنت حصان مجاد العرق فاصبر

أرايت كيف يستجيش الفرس، وينفره من الدنية وما يورث الخزية، ويذكره آباءه الأكرمين، ولله هذا الرجل لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكفى بالله منه، وكان سيدا شريفا فارسا شاعرًا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترط لإسلامه أن يكون له الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما رفض النبي صلى الله عليه وسلم مقالته توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، فقال صلى الله عليه وسلم:"اللهم اكفني عامرًا"، فأكلته الضبع في طريقه.

ومنه قول سعد بن ناشب، وكان شاعرًا شجاعا طلبه الوالي في رجل قتله، فلما لم يظفر به هدم داره.

ص: 325

قال": "من الطويل"

ويصغر في عيني تلادي إذا أنثنت

يميني بإدراك الذي كنت طالبا

فإن تهدموا بالغدر داري فإنها

تراث كريم لا يبالي العواقبا

ويقول:

إذا هم لم تردع عزيمة همه

ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا

فيا لرزام رشحوا بي مقدما

إلى الموت خواضا إليه الكتائبا

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه

ونكب عن ذكر العواقب جانبا

قوله: إذا أنثنت يميني جاء فيه بإذن ليشعر أن ظفر مثله بحاجاته أمر متوقع.

وانظر إلى الصورة البديعة في قوله: انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا، وقوله:"فإن تهدموا بالغدر داري"، جاء فيه بإن ليشير إلى أن هذا الذي وقع منكم ما كان ينبغي أن يكون إلا على سبيل الشك، والاحتمال النادر، فإن الرجل الذي يغسل عن نفسه عاره بسيفه، ويفتك بمن يناله في عرضه لا يجوز في شريعة الجد أن تهدم داره، الشاعر باستعمال كلمة إن، كأنه يرفض هذا الواقع؛ لأنه مناقض لما يجب أن تكون عليه أخلاق الرجال، وقوله: إذا هم لم تردع، جاء فيه بإذا ليشير إلى أنه ذو عزمات مواض، وأن همه لمواقف المروءة شيء كثير غالب، فحياته كلها همم وعزائم كريمة، وقوله: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه يؤكد هذا المعنى، ويأتي بلون جديد، ففي البيت الأول ذكر أنه لا ينثني عن عزمه، من غير أن يشير إلى إنصباب نفسه صوب غاياته، وذكر في هذا البيت الانصباب، أو الانهماك في تحقيق غايته، فالعزم كأنه شيء تجسد، وأخذ مكانه بين عينيه، فلا يلتفت إلا إليه.

ولا شك أنك أيها القارئ الكريم -مثلي تحب كل أدب وكل شعر، وكل فكر يستنهض في النفس عزائمها، ويجلي جوهرها وفضائلها، ويستثير منها شيم الرجولة، وشمائل النفس الحرة، إننا جميعا نحب الشعر والأدب، والفكر الذي ينفر النفس من الخساسة والخزاية، والصغار والعبودية، والهوان.

ص: 326

وكان علماؤنا يحرصون على أن تكون النفوس التي هي أوعية العلم الشريف نفوسا حرة شريفة، فكانوا يتخيرون شواهد العلوم من الشعر الذي يغلب عليه هذا الطابع الحي الحر، وكأنهم يثبتون من خلال الدراسة قيما جرت في علومنا ودمائنا وتاريخنا، حتى إنك لترها في تراثنا تجري في دم الخيل فهاتا، "حصان ماجد العرق"، وإنك لترى الثور الوحشي الذي تحيط به كلاب الصيد إذا حدثته نفسه بالهرب راجعه كبر، "فكر محمية من أن يفر"، ويثبت هذا الثور ذو الكبرياء في معمعان الدفع عن نفسه عرضه حتى الموت:"ولو شاء نجى نفسه الهرب"، بل إنك لترى حمار الوحش في الشعر:"معضضا"، أي عض من كل جانب في معمعة المدافعة عن كرامته وعرضه.

وهكذا أفرغ آباؤنا شرف النفس، وسموها وسموقها، ورفضها الهوان، والعبودية والذل أفرغوا ذلك، وأفضل من ذلك على ما حولهم حتى مطاياهم، فما بالنا الآن ترى العربي يضرب على أنف الغيرة، فلا يغضب؟!! ماذا حدث؟ لقد ربيت هذه الأجيال الضائعة على غير أصولها، وعروقها وغير علومها، وتاريخها وقيمها، وبقيت معلقة في الهواء تحتضن الوهم، وتكرع من كئوس مترعة بالسراب، ويجب أن تعود هذه النفوس التائهة إلى مستقرها حتى تعيش كبقية أمم الأرض في تاريخها، وقيما وأصولها الحضارية، وتغرس في علومها حتى يتغلغل ماؤها مرة ثانية في أصولها وفروعها، وتعرف كيف تدق باب الحرية الحمراء.

وللحرية الحمراء باب

بكل يد مدرجة يدق

وأعود إلى الموضوع بعد هذه المراوحة اللازمة، وأقول: انظر قول محمد بن المولى ليزيد بن قبيصة بن المهلب، والي مصر في عهد أبي جعفر، وقد قصده الشاعر ومدحه، وأقام عنده طويلا:"من الوافر":

وإذا تباع كريمة أو تشترى

فسواك بائعها وأنت المشتري

ص: 327

وإذا توعرت المسالك لم يكن

منها السبيل إلى نداك بأوعر

وإذا صنعت صنيعة أتممتها

بيدين ليس نداهما بمكدر

جاء بإذا في الأبيات الثلاثة ليشير إلى أن اشتراءه المكارم، وإقباله عليها حين ينصرف الناس عنها لصعوبة محملها أمر كثير، وكأنه من عاداته، وكذلك اتجاه ذوي الحاجات إليه عند توعر المسالك، وشدة الحاجة وهكذا.

وانظر إلى قوله المتنبي: "من الطويل"

أجزني إذا أنشدت سعرا فإنما

بشعري أتاك المادحون مردَّدا

ودع كل صوت دون صوتي فإنني

إنا الصائح المحكي والآخر الصدى

وقوله: "من الطويل"

إذا سأل الإنسان أيامه الغنى

وكنت على بعد جعلتك موئلا

تجد أن: "إذا" تشير إلى كثرة شعره في الممدوح، وأنه الصوت الحقيقي المادح، وذلك يعني ذيوع معانيها وقوتها، وأنها غلبت الشعراء، فصاروا لا ينفكون عن دائرتها، فكان شعرهم ترديدا لشعره، وكذلك قوله:"إذا سأل الإنسان أيامه الغنى"، أنه يجعله مؤئله كثيرا؛ لأن الناس لا يفتئون يسألون الغنى.

ومنه قوله المشهور: "من الطويل":

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وقد أصاب حين ذكر إذا في سياق إكرام الكريم؛ لأن هذا مما ينبغي أن يوجد

دائما، وذكر إن في سياق إكرام اللئيم للإشارة إلى أن مثله من القليل النادر، وذلك لصعوبة تجشم النفس إكرام اللئيم.

ومنه قوله في بني كلاب، وقد بلغ فيه الغاية في دقة استخدام هاتين الآداتين:"من الوافر":

ص: 328

إذا صرف النهار الضوء عنهم

دجا ليلان ليل والغبار

وإن جنح الظلام انجاب عنهم

أضاء المشرفية والنهار

انظر إلى قوله: "إن جنح الظلام"، وكيف أشار بإن إلى أن هذه القطع من الظلام جاثمة عليهم متثاقلة توشك ألا تنجاب، وواضح أن ذهاب الليل، وحلول النهار مثل ذهاب النهار، وحلول الليل في توقع الوقوع؛ لأنها ظواهر لا تنفك الواحدة منها عن الأخرى، ولكن الشاعر أشار بإذا لانصراف النهار، وحلول الليل كأنه وشيك الانصراف في كل حال، ثم أشار بإن لانصراف الليل، وكأن ذلك يوشك ألا يكون، الشاعر هنا أحسن كل الإحسان حين تصرف هذا التصرف البصير في موقع هاتين الأداتين، وكأنه يصور بها تصويرا دقيقا الواقع النفسي لهذا الجماعة التي بلغ في وصف حالها غاية ما يبلغ الشعر في مثله، انظر إلى قوله:

يرون الموت قداما وخلفا

فيختارون، الموت اضطرار

إذا سلك السماوة غير هاد

فقتلاهم لعينيه منار

ومما أصاب فيه المتنبي في موقع "إن" قوله وهو مشهور: "من البسيط"

إن كان سركم ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

انظر كيف جاء بأن مع هذا الحدث الواقع، وكأنه يقول: ما كان ينبغي لما بيني وبينك من طول المودة، والمخالطة أن يكون منك هذا، وأن يسرك ما قال حاسدنا.

وقد تجدك في حاجة إلى شيء من التأمل، وسعة النظر لتدرك دلالة هذه الأداة في بعض مواقعها، انظر إلى قول الأحوص:"من الطويل"

إذا رمت عنها سلوة قال شافع

من الحب ميعاد السلو المقابر

ستبقى لها في مضمر القلب والحشا

سريرة حب يوم تبلى السرائر

ص: 329

فقوله: "إذا رمت عنها" لا يعني أن رومه السلو وإرادته له كثيرة، وإنما أراد أن يؤكد استمرار هذا الحب، ودوامه وأنه سيبقى في السرائر يوم تبلى، فأتى إلى هذا المعنى الجليل، من هذا الأسلوب فقال: إنه بقا هذا البقاء، ومستمر هذا الاستمرار رضيت أم كرهت؛ لأنه غالب علي حتى لو أنني رمت السلو، وعزمت على ذلك، وقطعت عزمي عليه، وتكرر مني ذلك، فلن أجد إلا هذا الصوت الذي يقضي على هذه المحاولات، ويقول: ميعاد السلو المقابر، وهذا من دقيق الصناعة، وجيدها كما ترى.

وإياك أن تتكلف في بيان دلالة التراكيب؛ لأن ذلك مما يفسد الحس والروح، وكان القدماء يقولون: إياك واهتماط الشعر -أي أخذه من غير تقدير- فتهرط في كلامك فيه أي تسف، والمهم أنه إذا لم يكن المغزى بيننا، فدع القول فيه فذلك أبر بنفسك وبالشعر، وخذ هذه الأبيات وفيها ما يمكن أن ترى وراءه دلالة لطيفة إذا نبهت إليها الدراس انتبه، ورأى فيها ما يخصب فهمه، ويكشف له من معاني الكلام ما كانت مستورًا عنه.

قال قيس بن الملوح: "من الطويل":

أراني إذا صليت يممت نحوها

بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

وما بي إشراك ولكن حبها

كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا

إذا ما طواك الدهر يا أم مالك

فشأن المنايا القاضيات وشانيا

خليلي إن دارت على أم مالك

صروف الليالي فابغيا لي ناعيا

والصورة في البيت الأول جيدة خلوب، ولله هذا المصلي لربه والذي يمم وجهه نحو بيت ليلاه، وجعل بيت ربه وراءه، وقد اعتذر عن هذه الشناعة بأنه رفع الحرج عنه، فقد أعيا الطبيب المداويا وليس في التهالك أبلغ من هذا، وقد غلبت السوداويه على الشاعر فذكر طي الردى، والمنايا القاضيات، وصروف الدهر والناعي، وهذا متلائم جدا مع قوله: أعيا الطبيب المداويا.

ص: 330

ويقول أحمد محرم:

ترضى الشعوب إلى مدى فإذا أبت

رضي الأبى وطاوع الغضبان

والحكم إن وزن الشعوب بواحد

غبن الشعوب وخانه الميزان

في عصمة الشورى وتحت ظلالها

تحمي الممالك كلها وتصان

وتأمل هذا الشعر واحفظه، ومر طلابك أن يحفظوه، وأن يرددوه في أرجاء البلاد لعل وعسى.

وموقع "إذا" في البيت الأول و"إن" في البيت الثاني فيه من الدقة ما ترى ومعناه: أن الإيباء آت لا محالة فتعسا للجبناء.

وتأمل قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} 1، تجد أن "إن" تشير إلى أن خلوص الموت لله مما هو عزيز ونادر؛ لأن تخليص العمل لله من أصعب ما يعانيه أهل الله.

وقوله: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} 2، تجدها تشير إلى غفلتهم، وكأنهم في حال من لا يتوقع الموت، وقوله:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} 3، تجدها في الأولى تشير إلى أن أهليتكم لنصر الله أمر عزيز ونادر، وفي قوله: وإن يخذلكم كأنه مسحة شفوقة حانية على القلوب المؤمنة من حيث إنه يشعرهم أن تخلي العناية عنهم، وخذلانهم أمر نادر وإنما يكون لحكمة، ثم اقرأ قوله:{إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} 4، وابحث لها عن مغزى فإني لا أرى فيها أكثر من مجرد الربط.

إذا رأينا ذوي عنايته

لديه خلناهم ذوي رحمه

1 آل عمران: 157.

2 آل عمران: 158.

3 آل عمران: 160.

4 النساء: 135.

ص: 331

وإن نزلنا حريمه فلنا

هناك أمن الحمام في حرمه

ولا أرى لإن في البيت الثاني دلالة أكثر من مجرد الربط أيضا إلا إذا قلنا: إن البحتري يهيج الممدوح، ويستحثه في الإقبال عليهم وذلك بقوله: إننا نادرًا ما ننزل حريمك يعني ديارك، وإذا قلت: إن ما قالوه في إن وإذا هو ما يكون في أكثر، وأغلب مواقعهما وأنهما في النادر يكونان لمجرد الربط من غير دلالة على أن الأمر مقبطوع به مع "إذا"، ونادر مع "إن" لم تبعد عن الصواب.

أو قلت: إن مجيئهما لمجرد الربط ناظر إلى استعمال قديم قبل أن تتحدد دلالة كل بما تحددت به، وأغراني بهذا القول المخالف أني رأيت التبريزي يقول في بعض استعملات أبي تمام الغريبة، يقول: لعله قرأها في كلام قديم، وقد سمعت مثله

من شيخنا محمود محمد شاكر فيما خالف فيه النحاة الفرزدق، وكان يوافق

الفرزدق، ويقول كلاما معناه هذا في طبع العربية لم يعرفه النحاة، وهو قائم في سليقة الفرزدق.

ومن الشواهد المتداولة في استعمال "إن" في الشرط المقطوع به لمغزى بلاغي قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} 1، فكونهم قوما مسرفين حقيقة متقررة، وقد استعملت "إن" في هذا الحكم المقطوع به؛ لأن المراد توبيخهم على الإسراف، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط من أصله لا يصلح، إلا لفرضه كما يفرض المحال -هذه عبارتهم- ومرادهم

بالمقام أي ما يحيط بهؤلاء المسرفين من آيات الله البينات في الكون، والنفس والقرآن، كل ذلك إذا أحسنوا تدبره يقتلع الشرط من أصله أي الإسراف في العناد والكفر.

وتأمل عبارتهم تجد فيها من الإتقان، والجزالة ما تعيا به أقلامنا.

1 الزخرف: 5.

ص: 332

وقد ناقش العلامة سعد الدين استعمال "إن" في المجالات المفروضة، وحرر ما يمكن أن يرد عليه من اعتراضات، وعبارته:

"لا يقال: المستعمل في فرض المحالات ينبغي أن يكون كلمة -لو- كما في قوله تعالى: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} 1، يعني الأصنام دون -إن- لما مر من أن -إن- يشترط فيها عدم الجزم بوقوع الشرط أو لا وقوعه، والمحال مقطوع بلا وقوعه، فلا يقال: إن طار الإنسان كان كذا بل يقال: لو طار؛ لأنا نقول: إن المحال في هذا المقام ينزل منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة، وإرخاء العنان لقصد التبكيت، فمن هنا يصح استعمال إن فيه كما ذكره صاحب الكشاف في قوله -تعالى:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} 2، أنه من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا يوجد له مثل، فجيء بكلمة الشك على سبيل الفرض، والتقدير أي إن حصلوا دينا آخر مساويًا لدينكم في الصحة والسداد فقد اهتدوا، وفي قوله تعالى:{إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} 3، أي إن كان حقا فعاقبنا على إنكاره، والمرد نفي حقيقته، وتعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه باطل تعليق بالمحال، ومنه قوله تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} 4، انتهى كلامه وهو كلام شريف بحرص على تحصيله من ينشط لمعرفة الحقائق، كما يقول شيوخنا رحمهم الله.

ومما جاء على طريقة قوله: {أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} ، قوله تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} 5، والقوم في ريب قطعا، والمغزى هو توبيخهم على الريب، والإشارة إلى أن المقام يشتمل على ما يقلعه

1 فاطر: 14.

2 البقرة: 137.

3 الأنفال: 32.

4 الزخرف: 81.

5 البقرة: 23.

ص: 333

من أصله، ويجلي حقائق الرسالة، وصدقها تجلية كاشفة، فوقوع الريب منكم لا ينبغي أن يكون إلا على سبيل الغرض كما يفرض المحال.

وقد ذكر البلاغيون في هذه الآية أنه من الممكن أن يتكون من باب التغليب، أي تغليب غير المتصف بالريب من المخاطبين على المتصف به منهم، فإنه كان في الكفار من يعرف الحق وينكره عنادا، واعترض على هذا بأنه جمع بين مرتاب يقينا وغير مرتاب يقينا، وكلاهما لا يصلح موقعا لـ"إن"؛ لأنها إنما تكون في غير المقطوع به لا في المقطوع بعدمه.

وقد استطرد البلاغيون في حديث التغليب لهذه الملابسة، وذكروا أنه "إعطاء أحد المتصاحبين، أو المتشابهين حكم الآخر بجعله موافقا له في الهيئة أو المادة"، فالأولى كقوله تعالى:{وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} 1، والأصل كانت من القانتات، فغلب الذكور على الإناث، وصار القانتون في الآية يشمل القانتات والقانتين، والثاني أي جعله موافقا له في المادة قولهم: الأبوين للأب والأم إلا أن الأب غلب على الأم، وصار لفظ الأم موافقا له في المادة، فقيل: الأبوين كما قيل: العمرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر.

وقد جاءت آيات كثيرة على طريقة التغليب، انظر إلى قوله تعالى:{لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} 2، ولم يكن شعيب عليه السلام في ملتهم، وخرج منها حتى يطلق على دخوله فيها عود، ولكنهم أدخلوه معهم بحكم التغليب، ومثله قول شعيب عليه السلام:{إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} 3.

هذا، وللعرب مسالك دقيقة في هذا الباب تكشف صورًا من إدراكهم للأشياء، فتغليب المذكر على المؤنث ناشئ من اعتقادهم الحسن في الذكور، وتراهم إذا جمعوا اليوم، والليلة غلبوا التأنيث على التذكير فيقولون: مضى

1 التحريم: 12.

2 الأعراف: 88.

3 الأعراف: 89.

ص: 334

منذ خمس عشرة يوم وليلة، فيذكرون خمس؛ لأنهم نظروا إلى ليلة، قال سيبويه:

"وتقول: مسار خمس عشرة من بين يوم وليلة؛ لأنك ألقيت على الليالي، فكأنك قلت: خمس عشرة ليلة، وقوله: من بين يوم وليلة توكيد بعدما وقع على الليالي؛ لأنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي، وعندهم أن الليالي قبل النهار، فهلذا يؤرخون بها وتقول: أعطاه خمسة عشرة من بين عبد، وجارية لا غير لاختلافها، ثم قال: وقد يجوز في القياس خمسة عشرة من بين يوم وليلة، وليس على حد كلام العرب".

وواضح أن التغليب في هذا كما قال سيبويه ناشئ من اعتقاد أن الليل سابق النهار.

وترى هذا الأسلوب في أكثر صوره إنما يعول على السياق، والقرائن، وكأنه باب من أبواب شجاعة العربية كما يقول ابن جني

- مجيء الماضي لفظًا مع إن:

عرفت أن "إن" و"إذا" للشرط في الاستقبال، وأن معنى كونهما للشرط أنهما لتعليق أمر بغيره أي تعليق حصول الجزاء على حصول الشرط، وهذا يستوجب أن يكون الجواب، والشرط غير ثابتين؛ لأن الثبوت ينافي التعليق، فإذا قلت: إن تكرمني أكرمك، فقد علقت إكرامك له بإكرامه لك، فكلا الإكرامين غير حاصل الآن، وإنما يحصل في المستقبل، ولما كانت دلالة الاسم بأصل وضعه على الثبوت، ودلالة الفعل على الحدوث، والتجدد كان المناسب للشرط هو الفعل بخلاف الاسم، فإن دلالته على الثبوت تنافي التعليق الذي هو معنى الشرط، وإذا عرفت أن "إن" و"إذا" للتعليق في الاستقبال، فاعلم أن الشرط وجوابه لا يصح أن يكونا ماضيين لفظا ومعنى؛ لأن ذلك ينافي كونهما للمستقبل، وهناك صور جاء فيها الشرط لفظا، ومعنى وللنحاة فيه

ص: 335

تأويلات، وتحليلات خصبة ونافعة فلتراجع في الأشموني، وحاشية الصبان جـ4 ص15 ومابعدها؛ لأن سياقنا يقتضي فقط الحديث عن وقوع الماضي لفظا مع إن.

وقد قالوا: إن الأصل إن تقول: إن تكرمني أكرمك، فإذا قلت: إن أكرمتني أكرمتك كنت مشيرا بصيغة الماضي إلى رغبتك في حصول الشرط، حتى كأنك تبرزه في معرض الحاصل، وأقول لك: إن تقرأ كتاب مقاييس اللغة تجد فيه فوائد كثيرة، فإذا قلت: إن قرأت مقاييس اللغة

هكذا بالماضي كانت تلك الصيغة مشيرة إلى رغبتي في أن تقرأ هذا الكتاب، حتى كأنه لشدة هذه الرغبة تصورت غير الواقع واقعا، وتحدثت عنه بصيغة الماضي، وهذه واحدة من تلك الأسرار، وسوف نورد لها شواهد من الكلام البليغ، وقالوا أيضا: إن مجيء الماضي لفظا مع إن يكون للإشارة إلى أن ذلك الفعل كائن قطعا، وكقولك: إن مت كان كذا، أو أن زالت الشمس كان كذا، أو إن أتى الليل كان كذا، وواضح أن "إن" هنا دخلت على المقطوع به وذلك؛ لأن المتكلم لأمر ما كأنه يستعبد وقوع هذه الأحداث الكائنة قطعا، وليس ذلك بعيدا ولا متكلفا؛ لأن المهم ليس هو الأشياء كما هي في الواقع، وإنما المهم هو حس المتكلم بها، وكم يستهوينا من يدعو الكواكب لتدنو له فينظمها، ومن يخاطب الشباب ويستعطفه ليعود، ومن يتعجب؛ لأن دار هند استعجمت ما تكلمه؛ وهكذا ليست التعبيرات افي الحقيقة إلا مظهرا للرؤية النفسية، وانعكاسا للاستجابات الداخلية، وهي في كثير من صورها تتخطى حدود الواقع وجموده، فالذي يقول: إن مت كان كذا يكره أن يموت ويتمنى ألا يكون، ومن حق النفس أن ترفض الواقع، والذي يقول: إن زالت الشمس كان كذا، كأنه لا يتوقع ذلك؛ لأنه مشغول بالجواب جدا كأن يقول مثلا: إن زالت الشمس انتهينا من العناء الذي

نحن فيه، أو التقينا بالأحبة أو هاجمنا الأعداء، أو غير ذلك مما له وقع خاص حبا أو بغضا، فانعكس هذا على الإحساس بالزوال، فجعله كأنه غير متوقع، وهكذا، وأظن أن الذي يشتد به

ص: 336

الظمأ في نهار رمضان من حقه أن يقول: إن غربت الشمس روينا، وهو بهذه الأداة يشعرنا بثقل مرور الساعات الظامئة حتى كأنه لا يرى لها آخرًا، ولا تبالغ في قياس الدلالات اللغوية على الواقع، والحكم عليها من خلاله؛ لأن للغة خلقا آخر هو الخق اللغوي، وله كوائنه ومقاييسه ومنطقه، واقرأ من الشعر ما شئت لترى هذا.

ومما جاء فيه الماضي لفظا مع إن لسر بلاغي قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} 1، والأصل إن يردن ولكنه آثر التعبير بلفظ الماضي لما عرفت من أن الطالب لأمر يكثر تصوره إياه، حتى يخيل إليه غير الواقع واقعا، وقد جاء القرآن على طريقة القوم في كلامهم، وخاطبهم بما يخاطبون به أنفسهم، فآثر الماضي على المضارع لإظهار الرغبة في وقوع إرادة التحصين من الفتيات، واختار كلمة إن دون إذا للإشعار بندرة إرادة التحصن بينهن، وأن الكثيرات كن يفعلن ذلك عن طواعية ورغبة منهن، وأن ما وجد من الرفض، والإباء كان من يحز الشاذ النادر، والمراد بالفتيات الإماء، أما فائدة تعليق النهي عن الإكراه على إرادة التحصن، المشعر بأن الإماء إذا أردن البغاء فلا نهي، فقد قال فيه ابن المنير صاحب حاشية الانتصاف -وله لفتات في الأساليب جديرة بأن تدرس- قال:"إن فائدة هذا الشرط -والله أعلم- أن يبشع عند الغاصب الوقوع فيه؛ لكي يتيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة، وإن لم يكن زاجر شرعي، ووجه التبشيع أن مضمون الآية النداء عليه بأن أمته خير منه؛ لأنها آثرت التحصن على الفاحشة، وهو يأبى إلا إكراها عليه، ولو أبرزت مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه".

ومما هو من هذا الباب ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى:

1 النور: 33.

ص: 337

{إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} 1.

فقد ذكر أن الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم، وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا، والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض، وردكم كفارًا، وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم، وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم باذلون لها دونه، والعدو أهم شيء أن يقصد أعز شيء عند أصحابه"، ورحم الله أبا القاسم ولو عاش في زماننا لرأى هم اليهود والنصارى، والزنادقة كالذي قال وينضم إليهم منا فريق من الذين فسقوا، وصاروا لطول فسوقهم كالمخنثين لا هم من المسلمين ولا من الكافرين، وقد تصديتهم خطاطيف الصهيونية، وهذه الخاطيف في عالمنا العربي الذي هزمته قياداته كخطاطيف النعمان التي وصفها النابغة خطاطيف حجن في حبال متينة.

وقد ذكر السكاكي أن الماضي يجيء مع إن لما ذكرنا، وللتعريض وذلك كقوله تعالى:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 2، فالغرض من الماضي التعريض بمن يشرك بعد إيمانه؛ لأنه من المقطوع به أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لن يشرك أبدا، وما أشرك قبل النبوة فكيف بعدها، وفضل هذا الأسلوب على أسلوب التصريح، وأنه لم يقل: لئن أشركتم ليحبطن عملكم أن فيه أبلغية في النسبة إليهم؛ لأن المعنى: إذا كان محمد وهو الحبيب المقرب يحبط عمله إن أشرك فكيف بغيره، ثم فيه تبلغيهم الموعظة من طريق غير مباشر، وهذا أفعل في النفوس وأعطف لها.

ومثله قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} 3، فاتباع سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه

1 الممتحنة: 2.

2 الزمر: 65.

3 البقرة: 145.

ص: 338

أهواءهم مستحيل، والمقصود التعريض بغيره، والفائدة ما ذكرناه في الآية السابقة.

ثم في هذا الأسلوب فائدة أخرى جليلة هي الإشارة إلى سلطان الألوهية القاهرة، وتحديد منزلة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا السلطان، وأنه ليس إلا رجلا منكم يخاطب خطابكم، فلا يتوهم متوهم أنه صلى الله عليه وسلم على شيء من صفات الألوهية، وإن قربه ربه أحسن تقريب، وكرمه أكمل تكريم وبهذا، ومثله مما يحدد ويعمق صفة البشرية في رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمن القرآن، ويحفظ نقاء عقيدة التوحيد، فلا يشوبها في الإسلام ما شابها في الشرائع الأخرى، حيث قال النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وشيء آخر في هذا الأسلوب هو الإشارة إلى أن التفاضل، والقرب عند الله مناطه العبادة والتقوى، فأنت يا محمد وإن كنت رسولا من أكرم الرسل، ونبيا مقدما في الأنبياء إنما مرجع ذلك لخشيتك، وتقواك، وعبادتك وخلوصك في الوحدانية، فإذا كان منك غير ذلك حبط كل عمل عملته، ولهذا المعنى يذكر القرآن الأنبياء بلفظ العبد كما في قوله:{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} 1، للإشارة إلى أن البشرية كلها سواء في العبودية، وإلى أن فضيلة هؤلاء إنما كانت بالعبادة.

ثم نعود إلى النسق، فنقول: ذكر السكاكي من صور التعريض، وإن لم يكن بطريق -إن- قوله تعالى على لسان سيدنا محمد:{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 2، والمراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وإليه ترجعون؛ لأنه لو كان على ظاهره لقال: ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، وقد سيقت هذه الآية في شواهد الالتفات؛ لأنه انتقل فيها من التكلم إلى الخطاب، ومثلها قوله تعالى:{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 3. إذ المراد: أأتخذ من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر

1 الجن: 19.

2 يس: 22.

3 يس: 23، 24.

ص: 339

لا تغني عنكم شفاعتي شيئا، ولا ينقذونكم إنكم إذن لفي ضلال مبين، ولذلك قال: آمنت بربكم دون ربي.

ويقول البلاغيون في فضل هذا الأسلوب وقيمته في الدعوة: "ووجه حسنه تطلب أسماع المخاطبين الذين هم أعداء المسمع الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله لكونه أدخل في أمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه".

والواضح أن التعريض في هذه الأساليب، ودلالته الرفاضة ليس مناطه، هو وقوع الماضي بعد "إن" كما يقول السكاكي؛ لأننا لو جئنا بالمضارع مكان الماضي لبقيت دلالة التعريض، فلو قلنا: لئن تشرك ليحبطن عملك لبقيت الدلالة تعريضية بالنسبة إلى غير المخاطب صلى الله عليه وسلم.

ص: 340