الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مخالفة مقتضى الظاهر في صيغ الأفعال:
ألحق بعض الدارسين التعبير عن الماضي بالمضارع، والتعبير عن المضارع بالماضي أو بالأمر، وما شابه هذا التصرف بباب الالتفات، ملاحظين أنه -كما يرجح العلوي- هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، قال:"وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره".
وقد قلنا: إن المشهور في حده مذهبان، وهذا الذي يقوله العلوي خلاف المشهور، وقد ذكره قبله ابن الأثير.
وترانا نتجاوز ما يمكن أن يكون من حوار في مثل هذا الموقف منصرفين إلى تحليل الصور، والبحث في أسرارها للتعرف على دقائق خطرات المعاني وراء أحوال الصياغة، معتقدين بأن عد هذه المخالفة في صيغ الأفعال من الالتفات، أو قصر الالتفات على ما هو المشهور مسألة اصطلاحية لا يترتب عليها كبير أثر.
وإنما الأثر كله في تفقد روابط الكلام، وأحواله وصيغه، واستخراج ما في ذلك كله من رقائق المعاني، ولطائف الإشارات.
ولننظر في قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 1، نجد أن مقتضى الظاهر أن يقول: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم، ولكنه عد لإلى الأمر كما ترى؛ لأن المعنى المعبر عنه الذي هو إقامة الصلاة معنى مهم، وقد أفادت هذه المخالفة أن الحديث بلغ مقطعًا من المعنى يجب على السامع أن يلتفت إليه، وهذه قاعدة عامة في كل مخالفة، ثم في توجيه الأمر إليهم بإقامة الصلاة دلالة على مزيد العناية بها، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينفتل إلأيهم عند ذكر الصلاة آمرًا، ومؤكدًا إقامتها، ثم انظر إلى التعبير عن الصلاة بقوله:{بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تجد التعبير بإقامة الوجوه فيه معنى العزة، ورفع الرأس إلى السماء عند مساجد الله حيث تنحى الأصلاب لخالقها، وتسجد في ساحته مؤكدة بذلك أنها لا تنحني لمخلوق ما دامت عرفت الانحناء للخالق، ولا تطأطئ في ساحة طاغية ما دامت سجدت لله رب العالمين لا شريك له، ومن هنا كانت الصلاة، وكان التدين المستنير الواعي ثورة على الفساد في الأرض، ورفضا للطغيان وحربا لا تهادن الاستبداد.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: خالف وقال: واشهدوا بصيغة الأمر وذلك؛ لأن في أمرهم أن يشهدوا ببراءته من دينهم ضربا من التحدي المغيظ.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك، إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على
1 الأعراف: 29.
2 هود: 53، 54.
قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة كما تقول لمن يبس الثرى بينه وبينك، أشهد على أني لا أحبك".
فالمخالفة كما يذكر الزمخشري تفيد الفرق بين نوعين من الشهادة: شهادة الله على براءته مما يشركون، وتلك شهادة صحيحة وشهادتهم، وتلك شهادة لافائدة منها إلا التهاون بهم، فلما وجد هذا الفرق المعنوي بين الشهادتين، وجب أن يوجد في الصياغة ضرب من المخالفة.
والفعل المضارع يدل على الحال أي على وقوع الحدث الآن، وهذه دلالته الأصيلة، ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث؛ لأنها تحضر مشهد حدوثها، وكأن العين تراها وهي تقع، ولهذا الفعل مواقع جاذبة في كثير من الأساليب حين يقصد به إلى ذلك، وترى المتكلمين من ذوي الخبرة بأسرار الكلمات يعبرون به عن الأحداث الهامة التي يريدون إبرازها، وتقريرها في خيال السامع.
خذ لذلك قول الزبير بن العوام في غزوة بدر قال: "لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينيه، فوقع ثم أطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة من عنقه".
الأفعال في هذه القصة كلها قد وقعت قبل زمن حكايتها، ولكن الحاكي رضي الله عنه عبر عن بعض هذه الأحداث بصيغة المضارع التي تشير إلى أن الحدث يقع الآن، قال: فأطعن بها في عينيه وكان قياسه أن يقول: فطعنته كما قال: لقيت عبيدة، ولكن هذا الجزء من المعنى أعني طعنه هذا الفارس المستلئم الذي كان مدلا باقتدراه عمل جليل من الزبير رضي الله عنه، فحرص على إبرازه، واستحضار صورته شاملة يراها من يسمعه من خلال العبارة التي
استطاعت أن تنقل مشهد الحدث من واقعه الذي غبر إلى مقام الحضور، وكذلك قوله أطأ.
وهذا كثير جدا، ومما يبلغ فيه الغاية قوله تعالى:{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} 1، قال: يسبحن والسياق أن يقول: مسبحات؛ لأن التسبيح قد وقع في زمن داود عليه السلام، ولكن لما كان تسبيح الجبال من أعجب الأحداث، وأدلها على قدرة العزيز الرحيم عبر عنها بصيغة المضارع التي نقلت الحدث من الماضي السحيق، وأحضرته في مقام المشاهدة، وكأنه يقع الآن، وكأنك ترى هذا المشهد الجليل من مشاهد القدرة الباهرة.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسحبات؟ قلت: نعم وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال يراها تسبح".
وهذا كما ترى من قدرات اللغة التي تستطيع كلمة منها بل صيغة كلمة أن تحضر مشهدا هائلا كذا، وكأن الكون والزمان، والأحداث كلها مضمرات في بظون الكلمات تفصح عنها حين تديرها يد الخبير بطبائعها، وأقرأ أول معلقة زهير، وكان من أقدر الشعراء على توظيف الوسائل اللغوية، واستغلال طاقاتها التعبيرية.
والفعل الماضي يعبر عن الحدث المستقبل، فينقله إلى الزمن الذي مضى، ووراء ذلك إشارات تختلف باختلاف السياق.
انظر إلى قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} 2.
1 سورة ص: 18.
2 النمل: 87.
قال: {ففزع} : والمراد فيفزع؛ لأن الحدث لم يقع بعد، ولكنه عبر عنه بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، فهو لا محالة واقع، وما دام الأمر كذلك، فلا فرق بين الماضي والمضارع، الماضي هنا يخيل أن الزمن قد طوى، وأنه قد فزع من السموات ومن في الأرض، وانظر إلى قوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} 1، والقياس يأتي ولكنه لما كان آتيا لا محالة اعتبر كأنه قد أتى، وأنه فعلا قد أحاط بالحياة.
وانظر إلى قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} 2، وقال:{حَشَرْنَاهُمْ} ، بصيغة الماضي كأن هذا الحشر الذي ينكره المعاندون قد وقع فعلا.
وانظر إلى قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} 3، وتأمل صيغة الماضي في قوله:"فكبت"، والناس لا يزالون أحياء، وفيه كما ترى تهديد بالغ، ثم تأمل البناء للمجهول، وكيف دل على الحركة الخاطفة السريعة التي فجأتهم، فلم يدروا من أين أتت، ثم إن المجهول في هذا الموقف المخيف يثير خيالات كثيرة.
والقرآن الكريم يعرض كثيرا من مشاهد القيامة في صور الماضي، وكأنها أحدث قد وقعت، وذلك ليؤكد كينونتها، وأن زمن الدنيا في حساب الحق كأنه زمن قد انتهى ليواجه بهذا الأسلوب الحاسم دواعي الانصراف عن أمر القيامة.
ومن ذلك، قوله تعالى:
{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ
1 النحل: 1.
2 الكهف: 47.
3 النمل: 90.
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} 1.
الأحداث والمشاهد في هذه الآيات الكريمة لم تقع بعد، ولكن صياغتها تنقلها إلى المحيط الذي وقع، فقد تجلى الحق وأشرقت الأرض بالحقيقة المطلقة، ولم يعد في زواية من زواياها موضع للجحود والإنكار، ووضع الكتاب رمز العدل والفصل، وجيء بالنبيين والشهداء، وتزاحم الموقف بالصور والأحداث، ومرت كلها في رهبة ومر موكب الذين كفروا، وهم يساقون إلى جهنم زمرا بعدما انتهى الحوار بينهم وبين خزنة جهنم، ودخلوا أبوابها، وأحكم عليهم الرتاج في مثوى المتكبرين.
التعبير بالماضي عن المستقبل في هذا السياق تجاوز الزمن وطواه، فدارت بنا الأحداث، ووقفنا مع الواقفين، ووفيت نفوسنا ما عملت، ولم أجد مثل هذا في كلام الجاهليين أعني لم أجد اللغة في بيانهم قد انتزعت مشهدا متزاحما كهذا المشهد انتزعته من الزمن المقبل، وأدارته بأفاعيلها إلى زمن مضى، وكأنها أحداث قد تقضت، وانقضت كما ترى في الآية الكريمة، وكانت الصور الزاخرة عندهم هي صور حيوانات الصحراء، وصراعاتها أما مثل هذا فلا وجود له في شيء من كلامهم، والمهم أنك لا ترى في تقرير الحقائق أبلغ من هذا التعبير، ثم إن هذه الحقائق كما ترى لها أهمية كبيرة في العقيدة، وهي موضع مجاذبة؛ لأنها معتقدات بغيب فهي صور غريبة على النفوس الأرضية التي لا تؤمن إلا بما يدنو من حسها، ورؤاها مما يدور في آفاقها المحدودة.
1 الزمر: 69-72.
وانظر إلى قصة ثانية تحكي جانبا من جوانب هذا الموقف الحافل الذي تناولته آيات كثيرة كما أشرنا، وكل واحدة منها تبرز جانبًا من جوانبه.
ليس من شك في أن صيغة الماضي ألقت على الأحداث طابع الحكاية المروية، وكأن كل ذلك قد وقع، وأنت الآن تسمع تلك القصة التي تملأ قبلك إشفاقا وخشية، هذا الأسلوب لا يدعك تفكر في إمكان وقوع الأحداث كما يكون الحال لو جاء بصيغة المضارع، وإنما يدعك تفكر في الأحداث، والمواقف نفسها لتتأمل ما فيها من رهبة، أو رغبة فمسألة الوقوع، وعدمه ألغاها الفعل الماضي حين صيرها واقعا يروى، ونقلها من الممكن الذي سيكون، والآيات فيها كثير من الإشارات، والخصائص الواقعة أحسن موقع.
انظر كيف بدأت طريق القيامة من أوله أي حين يقارب خطو الإنسان عتبة الآخرة بمجيء سكرة الموت بالحق، وانظر إلى كلمة: وجاءت سكرة الموت، ولفظ الماضي الذي لا يدع الخاطر يحوم في أفق الانتظار، وإنما يلج به قلب الحقيقة التي شملته وأحاطت به، وانظر إلى اسم الإشارة الذي يتردد في هذا السياق ليبرز الحقائق التي كانت تحيد عنها النفوس، وتأمل كلمة:{تحيد} في قوله: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ، تجدها تبلغ الغاية في الدقة وتصوير حال النفس التي لا تستطيع أن تحدق في الحقائق القاسية، كلمة:{تحيد} تصف.
1 سورة ق: 19-24.
الهروب من مواجهة الحقائق، وكلمة ذلك تضع الحقيقة شاخصة في مواجهة النفس الهاربة
…
وهذا الأسلوب لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا من مهر في سياسة الأساليب، وقلما تعثر عليه في كلام القوم الذين نزل فيهم القرآن؛ لأني لم أجده بهذه الغزارة وهذه الإصابة، وهذا السخاء، وهذا الزخم.
قال ابن الأثير:
"واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة، والبلاغة الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهما، وأغمضها طريقا".