الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الالتفات:
لون من ألوان الصياغة يعين ذا الموهبة الصادقة على الإيحاء بكثير من اللطائف والأسرار، ويلفت النفس المتلقية الواعية إلى كثير من المزايا، وكلما أمعنت النظر في مواطنه من الكلام الرفيع بانت لك وجوه من الحسن تزيدك إحساسًا بقدرته.
وقد كلفت بهذا السلوب، وتابعت أقوال العلماء فيه، وهي كثيرة كثرة تدل على أهميته وعنايتهم به، ثم إن هذه الكثرة من الدراسة، والأقوال المختلفة حوله ربما كانت لونا من الصعوبة عند التصدي لدراسته، إلا أنني سوف أحاول استخلاص زبدة أقوالهم في بيان ضروبه، ومزاياه معرضا عما توارد عليه من آراء في نشأته، ونضوجه؛ لأنني هنا كما أشرت لست معنيا بالنشأة والتطور؛ لأن لهذا درسا ينبغي أن يكون جادا وحافلا، ونرجو أن نفرغ له يوما، وغياب تاريخ هذا العلم بصورة جادة يعد نقصا ظاهرًا في المكتبة البلاغية، وليس بين أيدي الناس منه كتاب يعتبر إلا كتاب الدكتور شوقي ضيف، وهو رجل معان؛ لأنه مع سعة ميدانه يصل به جده الدءوب إلى فوائد كثيرة أعان الله بها طلاب العلم، ونسأل الله له العافية، وأن يجعل جهاده في موازينه.
وابن الأثير يبين لنا علاقة التسمية بالموضع، فيقول بعد إشارة إلى أنه خلاصة علم البيان: "وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه من صيغة إلى صيغة، كانتقاله من خطاب حاضر إلى غائب، ويسمى أيضا شجاعة العربية، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذلك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه،
وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات".
وتفسير الشجاعة هنا بإقدام اللغة العربية على طريق من التعبير لم تقدم عليه غيرها من اللغات فيه شيء من المجازفة؛ لأن هذه الخصوصية تصف حالة، أو شعورا إنسانيا عاما، والقول بأن المتكلمين بغير العربية لم يجدوا في نفوسهم هذه الحالة التي تدعو الإنسان إلى مخاطبة نفسه، أو تدعوه إلى أن يصرف القول عن مخاطبه، أو أن يقبل بالخطاب على من ليس في حضرته، قول بعيد، والذي نراه أن الشجاعة هنا إقدام على أنماط من التعبير مخالفة لما يقتضيه الأصل؛ لأنها تعبير بأسلوب الخطاب في سياق الغيبة، وذكر الغيبة في سياق الخطاب، وهكذا، والمعتمد عليه في ذلك سياق الكلام وشفافية الدلالة، وهذا إن تأملته ضرب من الشجاعة، واقتحام سبيل غير السبيل المألوف، وتفسيرنا هذا لشجاعة العربية هو ما يتلاءم مع ما ذكره ابن جني في باب سماه:"شجاعة العربية"، وأراد به الحذف والتقديم، والحمل على المعنى، وغير ذلك مما هو خلاف الأصل، ولا ضير في أن يقودنا هذا التفسير إلى أن نعد كثيرا من فنون التعبير من شجاعة العربية، والمهم في كلام ابن الأثير أنه يقول: إنك ترى الكلام بهذا الفن البلاغي يلتفت ههنا وههنا، وكأن الأسلوب حي يتحرك ويتلفت، ونشاط اللغة وحيوتها عند ابن الأثير باب واسع تراه يصف الكلمات أحيانا بأنها جيش له جلب، وأحيانا بأنها حسان رود لها دل إلى آخره.
هذا وقد اشتهر في تحديد الالتفات مذهبان:
مذهب الجمهور، ومذهب السكاكي.
أما الجمهور فيقولون في تحديده: إنه التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، والطرق الثلاثة هي: التكلم والخطاب، والغيبة.
وواضح من قولهم: بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، أنه لا يكون في أول الكلام سواء وافق مقتضى الظاهر أو خالفه، فقول القائل، وهو يعني نفسه: ويحك ما فعلت وما صنعت ليس التفاتا عند الجمهور، وإن كان مقتضى الظاهر أن يقول: ويحي ما فعلت وما صنعت، ومثل هذا كثير في الشعر وخاصة في مطالع القصائد، وهذا يعد التفاتًا عند السكاكي؛ لأنه يعني به أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره، وهذا القسم الأخير هو ما خالف فيه الجمهور، ويشمل ما ذكرناه من قول القائل: ويحك ما فعلت؛ لأنه عبر عن المتكلم بطريق المخاطب، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بطريق التكلم، ولهذا قالوا: إن كل التفات عند السكاكي التفات عند الجمهور من غير عكس، وهذا واضح إن شاء الله.
والالتفات عند الجمهور يتضمن ست صور:
الأولى: الانتقال من التكلم إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى في حكاية مقالة الرجل المؤمن الذي كان يدعو قومه من أهل أنطاكية قال: {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1.
قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ، فجاء بكلامه على طريقة التكلم، ثم قال:{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وكان السياق أن يقول: وإليه أرجع ولكنه جاء على طريقة الالتفات، وفيه شدة تحذير لهم، وتنبيه إلى أنهم صائرون إلى الله وراجعون إليه، ولا يتأتى هذا لو قال: وإليه أرجع، الالتفات فيه مواجهتهم بصيرورتهم إلى
من يكفرون به، وكأنه يقول لهم: كيف لا تتقون من يئول أمركم إليه وتسألون بين يديه؟
1 يس: 20-22.
الثانية: من التكلم إلى الغيبة
ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 1، قال:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ، فجاء بالكلام على طريقة التكلم، ثم انتقل إلى الغيبة في قوله:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ، ومقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، وفيه إشارة إلى حثه إلى الصلاة؛ لأنها لربه الذي رعاه ورباه، فكأنه يقوي داعي الصلاة بذكر ربه.
ومثله قوله تعالى: {حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 2، فقد جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: {إنا أنزلناه
…
إنا كنا
…
من عندنا
…
} ثم انتقل إلى طريق الغيبة: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقول: رحمة منها، ولكن هذا الانتقال هيأ خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المنزل عليه الكتاب، ولو قال: رحمة منا، لما كان هناك سبيل إلى ذكره صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لما قال: رحمة، ناسبها ذكر الرب؛ لأنه يشير إلى معنى التربية والرفق والعناية.
جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ} ، ثمانتقل إلى طريقة الغيبة:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وكان مقتضى ظاهر الأسلوب أن يقول: فآمنوا بالله وبي: والالتفات إلى الاسم الظاهر هيأ إلى
1 الكوثر: 1، 2.
2 الدخان: 1-6.
3 الأعراف: 158.
الأوصاف المذكورة بعده: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} 1، وهي أوصاف مهمة في السياق؛ لأنها تحدث على الإيمان به، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى تصديقه، لا لذاته ولكن لهذه الأوصاف، أي كونه رسولا أميا، وهذه الأوصاف تتضمن نوعا من البرهان على رسالته؛ لأن ما يخبرهم به من وحي السماء، وليس من معارفه المحصلة بالقراءة.
ومثله من الشعر وهو كثير، قول الحصين بن الحمام في مفضليته:"من الطويل"
وأنجين من أبقين منا بخطة
…
من العذر لم يدنس وإن كان مؤلما
أبى لابن سلمى أنه غير خالد
…
ملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسبة
…
ولا مبتغ من رهبة العيش سلما
والبيت الأول يصف خيلهم، وقد نجت من بقى منهم في معركتهم الظافرة يوم دارة موضوع -وكان لهم على بني سعد بن ذبيان- وقوله: بخطة من العذر أراد من بقي منهم، ولم يقتل في هذا الحرب، فقد أبلى بلاء يعذر فيه، فلا يلام على بقائه، فلم يدنس وإن كان مؤلما من جراحه.
قال: أبى لابن سلمى وهو يريد نفسه، وكان قد ذكرها بضمير جماعة المتكلمين في قوله: من أبقين منا، ولكنه نقل الحديث إلى الغيبة ليخيل بذلك أنه يحدثنا عن فارس همام، ويروي لنا قصة شجاعته العجيبة، ثم رجع إلى نفسه، واستمر الحديث عنها في البيت الثالث: فلست بمبتاع الحياة، وطريقة التكلم فيه هي التي تتسع لفيض شعوره، واعتزازه بفضائله، ولو تابعت متصرفات الضمير في القصيدة وكيف ينتقل، أو يلتفت كما يقول ابن الأثير، ونظرت في مقاطع المعاني التي يلتفت عندها، ودرست ذلك لوجدت بابا من أبواب فقه الصنعة لا يزال في مهجعه من الشعر صامتا لم ينطقه أحد بعد.
1 الأعراف: 158.
الثالثة: من الخطاب إلى التكلم
ومنه قول علقمة بن عبدة: "من الطويل"
طحا بك قلب في الحسان طروب
…
بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلى وقد شط وليها
…
وعادت عواد بيننا وخطوب
قوله: "طحا بك قلب"، ومعناه ذهب بك وأتلفك، وقوله:"شط وليها" أي: بعد قربها والشاهد فيه هو أن الكلام جرى في البيت الأول على طريق الخطاب في قوله: طحا بك، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله: يكلفني وحسن هذا الانتقال هو أن التكليف بليلى، والحا لكما وصف مقطع مهم من مقاطع المعنى، ووقعه على نفسه وقوعا واضحا، ومباشرا مما يقوى به الكلام، قال المرصفي: وقد مدح -يعني علقمة- ملك غسان واستعطاه، وسأله مع طلب الجائزة أن يمن على أخيه شاس بن عبدة، وكان أسيرًا عند الملك، ولم يكتف بهذا بل طلب الجائزة لأخيه، وكل ذلك في قصيدته التي مطلعها: طحا بك قلب.
الصورة الرابعة: من الخطاب إلى الغيبة:
قال: {كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} ، فجاءت على طريق الخطاب ثم قال:{وَجَرَيْنَ بِهِمْ} فنقل الأسلوب إلى الغيبة والمخاطبون هم الذين إذا نجاهم الله من هول البحر، والموج يغبون في الأرض بغير الحق، وكأن نقل الحديث
1 يونس: 22.
إلى الغيبة فيه معنى التشهير بهم، وكأنه يروي قصتهم لغيرهم؛ لأن هذه الطبائع العجيبة جديرة بأن تذاع وتروى، ثم فيه لطيفة أخرى هي أنهم كانوا في مقام الخطاب كائنين في الفلك:{كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} ، فهم في مقام الشهود والوجود، ثم لما جرت بهم الريح ذهبوا بعيدا عن مقام الخطاب، فلاءم هذه الحال طريق الغيبة، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} 1.
جرى الكلام على طريقة الخطاب في قوله: "أمتكم
…
ربكم
…
فاعبدون
…
"، ثم انتقل إلى أسلوب الغيبة في قوله: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} ، والأمة المذكورة هي أمة المسلمين، قال الزمخشري في سعر هذه الالتفات: "كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عندها فعلهم وقوله لهم: إلا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله"، ومعنى تقطيع الأمر صيرورة الأمة أحزابا، وفرقا بمخالفتها لمنهج القرآن الذي يؤلف بينها ويجمع وحدتها، وفي هذا الالتفات إشارة أخرى هي أن الله سبحانه ينصرف عن هذه الأمة حين يتقطع أمرها بينها، وفيه أيضًا أنها تغيب عن مشهد الحياة حين تنحرف عن منهج القرآن، وانظر إلى الصورة الحية الكامنة في قوله:{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} ، وكيف يصير أمر الأمة وقوتها، وكيانها قطعا حين الاختلاف، ويخربون بأيديهم أمرها، وشأنها ويهدمون قوتها وريحها.
الصورة الخامسة: الانتقال من الغيبة إلى التكلم
ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} 2، قال:{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} ، فجرى على طريق الغيبة، ثم قال:{فَسُقْنَاهُ} ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فساقه، ولكنه انتقل إلى التكلم ليحدث إيقاظًا عند هذا المقطع المهم من مقاطع المعنى
1 الأنبياء: 92-93.
2 فاطر: 9.
لأن سوق السحاب إلى الأرض الميتة، فتحيا ضرب من قمسة الأرزاق، فناسب أن ينقل الإسناد إلى ضمير ذي الجلالة سبحانه، ولهذا أيضا لم يسند إلى الرياح على طريق المجاز كما في الجملة السابقة {فَتُثِيرُ سَحَابًا} ؛ لأن إثارة السحاب ليس في خطورة سوقها، واتجاهها نحو ما يشاء الله من عباده؛ الالتفات مهنا يشير إلى أن الله سبحانه يسوق السحاب بذاته العلية، ويقسمه رحمة ورزقا بيديه، ولا يدع ذلك لأحد من خلقه.
وقد جاء ذلك مفصلا في سورة الأعراف آية 57: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} .
جاء الكلام على طريق الغيبة في قصة خلق السموات والأرض، وهي أخبار تروي من الغيب البعيد بيننا وبينها ملايين السنين هي عمر هذه الأرض، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله:{وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا} ، وكان الالتفات هنا ذا مغزى مهم؛ لأن السماء الدنيا وما فيها من كواكب من أظهر، وأوضح الآيات التي تشير إلى القدرة الخالقة التي يحث القرآن على النظر إليها كثيرًا، الالتفات إذن كأنه لفت إلى الموضع الذي تؤخذ منه العبرة، وتدنو به الحقيقة الدالة من القلوب المعتبرة.
ومنه قوله المخبل السعدي في مطلع مفضليته: "من الكامل"
1 فصلت: 11، 12.
ذكر الرباب وذكرها سقم
…
فصبا وليس لمن صبا حلم
وإذا ألم خيالها طرفت
…
عيني فماء شئونها سجم
كاللؤلؤ المسجور أغفل في
…
سلك النظام فخانه النظم
قال: ذكر الرباب، وهو يريد نفسه بدليل قوله: طرفت عيني، وهذا التفات عند السكاكي، وطريقة الغيبة هنا توهمنا أنه يحكي قصة صب مدله ذهب الوجد بحلمه، فصار أمره في الناس حديثا يروى، والرباب صاحبة المخبل، وهو اسم شعري عرفناه في شعر النابغة الجعدي، وامرئ القيس وابن أبي ربيعة، والأخطل وجميل وبشار وغيرهم، وكان أبو العلاء يعجب بها المطلع، وذكر في رسالة الغفران أن جواري من كواكب الجنة قد لحن هذه الأبيات في مجلس من مجالس الفردوس جمع الأعشى، ولبيدا والنابغة الجعدي، فلا يمر حرف ولا حركة إلا ويوقع مسرة لو عدلت بمسرات أهل العاجلة منذ خلق الله آدم إلى أن طوى ذريته من الأرض لكانت الزائدة على ذلك زيادة اللج المتموج على دمعة الطفل، ولله أنت يا أبا العلاء ما أغزر حليك، وأوفر طرقك التي تسلكها إلى ما تريد، لقد أراد أن يحدثنا عن نغم هذه الأبيات، فساق هذه الصورة الرائعة، وتثبت ما أراده بهذا الخبر الذي لا ينسى.
وقوله: طرفت عيني، عدول عن طريق الغيبة في قوله: ذكر الرباب وصبا إلى طريق التكلم وفيه فضلا عن الإيقاظ، وتجديد نشاط السامع ملاءمة دقيقة هي أن هذا الحديث الذي هو غزارة دمعه، أو طرف عينه إنما هو حدث يحسه هو بنفسه، فحسن أن يعبر عنه بطريق التكلم الذي يدل على معاناته هو، وهذا أفضل من أن يجري مثل هذا الحدث عن شخص يخاطبه أو يخبر عنه.
الصورة السادسة: الانتقال من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1، جرى الأسلوب على طريقة الغيبة كما ترى، ثم انتقل إلى الخطاب في قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وقالوا في سر ذلك: إن المعاني السابقة من حمد الله والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعاملين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال صوب الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة، وهكذا يكون الالتفات هنا مشيرا إلى تصاعد الإحساس بالجلال حتى تخلص النفس في مراحل عروجها من شئونها الأرضية، فتشافه الحق وتعلن هناك غاية العبودية والاستسلام.
ويلحظ ابن الأثير في صياغة: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} 2، فرقا دقيقا بين أنعمت عليهم حيث أسند الإنعام صراحة إليه وبين:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، حيث تحايل الداعي في أمر الغضب فلم يسنده إليه، ولم يقل غضبت عليهم ليوازن ما قبله.
ويفسر ابن الأثير هذا تفسيرا واعيا بأحوال النفس المتضرعة بهذه الآيات، فيقول:"لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء بالفلظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وروى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا"، وهذا من التفقد الواعي لصيغ الكلام، وتحليل نظمه، وعلاقاته وروابطه، واستكثر منه.
ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} 3.
والإد كما قال ابن خالويه: العجب أو هو العظيم المنكر.
جرى الأسلوب على طريق الغيبة فقال: {وقالوا} : ثم انتقل إلى طريق الخطاب في قوله: {لقد جئتم} ، والالتفات كما هي فائدته العامة لفت
1 الفاتحة: 2-5.
2 الفاتحة: 7.
3 مريم: 88، 89.
وتنبيه، ويكون ذلك عند مقطع مهم من مقاطع المعنى، وهذا يعني هنا أن إنكار هذه الفرية أمر مهم، ومحتاج إلى أن تتهيأ القلوب لتسمع من الحق رده وإبطاله، ثم هو مجابهة لهم ببطالهم، ورمى به في وجوههم.
ومنه قول تأبط شرا في مطلع مفضليته: "من البسيط"
يا عيد مالك من شوق وإيراق
…
ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات محتفيا
…
نفسي فداؤك من سار على ساق
قالوا: العيد ما اعتادك من حزن وشوق، قوله: مالك أي ما أعظمك، والإيراق مصدر آرقه يورقه من الأرق، والأين نوع من الحيات أو الإعياء.
وشاهدنا قوله: نفسي فداؤك، فقد توجه الأسلوب إلى مخاطب، وكان يجري على طريقة الغائب كأنه يروي أوصافا جديرة بأن تحكي هي أوصاف هذا الفتى الجسور الذي يمر على الأهوال مر الطيف، والذي يسري على الإعياء والحيات محتفيا، وكأن هذه القدرات في هذا الفتى استجاشت الشاعر، وهو جد ولوع بها، على أن يقبل عليه يخاطبه ويفديه، وواضح أنه يريد نفسه في الحالين.
ومنه قوله أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل: "من الخفيف"
تلك عرساي تنطقان على عمـ
…
ـد لي اليوم قول زور وهتر
سألتاني الطلاق أن رأتا ما
…
لي قليلا قد جئتماني بنكر
انظر كيف أحضرهما خيال الشاعر لما أحماه سوء الصنيع حيث تنكرت له صاحبتاه لما افتقر، وسألتاه الطلاق، انظر كيف أحضرهما ليقذف في وجهيهما بهذه الإدانة الساخطة "قد جئتماني بنكر".
وهذه هي صور الالتفات وشواهدها، وقد رأينا أن مزيته البلاغية تختلف من أسلوب إلى أسلوب، ولا يمكن أن نضبطه ونحدد مزاياه، والمهم في إدراكه هو حسن التأتي، وصدق النظر، والوعي بسياق الكلام ونوع المعنى، نعم هناك فائدة عامة لهذه الخصوصية تتحقق أينما وجدت، وقد أحسن الزمخشري
بيانها بقوله: "إن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن نظرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد كرر هذا المعنى كثيرا كما كرره البلاغيون بعده، وهي فائدة ذات قيمة كبيرة في الأسلوب؛ لأن إيقاط الحس وإثارة الملكات من أبرز العناصر التي تتوفر في الكلام المختار، وينبغي أن نذكر هذه المزية في كل صورة من صورة الالتفات كما قلنا، وكنا في الشواهد السابقة مهتمين بالدلالات الخاصة التي هي ولائد السياق، والتي تختلف تبعا لذلك، ولا يجوز لك أن تغفل هذا الأصل مع كل شاهد، فتقع في التقصير الذي وقعنا فيه.
وبعد، فإنه ينبغي قبل أن ندع هذا الموضوع أن ننبه إلى أمر مهم، هو أن القول بالانتقال في الأسلوب حين يكون بين أبيات ينبغي أن يؤخذ بمزيد من الحيطة، وخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام، وعهد بني أمية وذلك؛ لأن ترتيب الأبيات -وهو أساس الاستشهاد- قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات، وتحقيق مواقع بعضها من بعضها، وإلا كان النظر ضربا من العبث، خذ مثلا لذلك قول ابن الدمينة، وهو من شعراء البادية:"من الطويل"
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
…
لقد زادني مسراك وجد على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى
…
على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن
…
جليدا وأبديت ما لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا
…
يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
…
على أن قرب الدار خير من البعد
تجد الشاعر يجري الكلام على طريقة المخاطب في قوله: "بكيت كما يبكي الوليد"، وقد أراد نفسه، وفي البيت الآخر يقول:"بكل تداوينا فلم يشف ما بنا"، واضح أن البيت يضعف لو قال: بكل تداويت وأجراه على أسلوب الخطاب؛ لأنه يصف ما يجده مع هذا الدواء الذي زعموا أنه يشفي من
الوجد فلو أجراه على طريق الخطاب لكان كأنه يقول لمخاطبته: إنك لم تشف من الوجد بعد تجربة الدواء، والوجد داء السرائر المضمرة لا يحس به علة، وشفاء إلا من يعاني لواعجه، طريق التكلم هنا يقوي صدق الخبر، ومن هنا كان الخطاب هو أسلوب البيت الأول: لأنه عتاب على بكاء، وأشجان أثاره هتاف الحمامة، وعتابك الباكي في مثل هذا مما هو شائع، ويلاحظ أنه قال: أإن هتفت ورقاء فأدخل همزة الإنكار على السبب الذي هو هتاف الورقاء، ولم يقل أبكيت لأن هتفت ورقاء؛ لأنه لا ينكر عليه البكاء، فله أن يبكي أحبابه وذلك لا ينكر، وإنما المنكر أن يسلم نفسه لما يحيط به من كل ما يعين على تذكر أيامه الخوالي؛ لأنه ما دام كذلك فلن يرقأ له دمع، وكأنه لا يطلب منه التجلد وعدم البكاء؛ لأنه يعلم أن ذلك مما لا سبيل إليه، وإنما يطلب منه قدرا من التماسك يحفظ به نفسه، فلا يندفع اندفاع الطفل في بكائه لهتفة حمامة أو لمعة برق، وهذا معنى جليل يذهب كله لو قال: أبكيت.
والمهم أنك حين تنظر نظرة دقيقة ينكشف لك ضرب من الملاءمة الدقيقة الجليلة بين المعنى والطريق المعبر عنه، وإياك أن يقع في وهمك أنني أقول: إن في قوله: بكل تداوينا، التفاتا، من الخطاب في قوله: بكيت؛ لأني سقت الأبيات شاهدا على غير ذلك، وسقته شاهدًا على ما يمكن أن يقع فيه الباحث من خطأ إذا أخذ برواية واحدة في الشعر في العصور التي أشرنا إليها.
فهذه الأبيات وردت بهذا الترتيب المذكور في حماسة أبي تمام، وفي دوان ابن الدمينة ذكر قوله: وقد زعموا أن المحب إذا دنا، وما بعده، قبل قوله: ألا يا صبا نجد بخسمة أبيات، وفي ذيل الأمالي قوله: ألا يا صبا نجد لابن الطثرية، وفي مطالع البدور نرى قوله: الا يا صبا نجد، وقوله: بكيت كما يبكي، وقوله: وقد زعموا، وقوله: وبكل تداوينا، منسوبا كل ذلك إلى ابن الطثرية، وفي مسالك الأبصار قوله: وقد زعموا وما بعده، منسوب لقيس بن الملوح وغير ذلك مما لا نستقصيه، وهذا هو الذي دفعني إلى القول بأن دراسة علاقات المعاني بين الأبيات، وصلات الخصائص البلاغية بعضها ببعض في الشعر لا بد أن يكون مسبوقا بجهد واع وكبير، وقد رأينا نموذجا لهذا العمل في دراسة للعلامة محمود شاكر لقصيدة، إن بالشعب الذي دون سلع، وهو في تقديرنا نموذج يحتذى في هذا الباب.