الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. . . وبعد:
فإن الخطابة إحدى وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، وهي من أهم وسائل التربية والتوحيد والتأثير، لذا فقد كانت جزءا من مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة أقوامهم إلى توحيد الله جل وعلا وطاعته، وتحذيرهم من غضبه وبطشه، وأليم عقابه، ليقلعوا عما هم عليه من ضلال وفساد عقدي، وخلقي، واجتماعي. وما زالت الخطابة- أيضا- وسيلة ناجحة من الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون، والعلماء، والدعاة، والقادة في كل العصور لتحريك العقول، وبعث الثقة في النفوس للدفاع عن فكرة معينة، أو النهوض بمهمة معينة.
جاء في معجم كامبردج لتاريخ الأدب الأمريكي أن الرئيس " لنكولن " صاحب الشعبية الواسعة لم يفز بموقع الرئاسة في حزبه عام 1860م بسبب سياساته أو أعماله، وإنما بأسلوبه المؤثر في التخاطب والتعبير، وهكذا الحال في كل الحركات التغييرية، فإن الأقدر على قوة التعبير والخطاب هم الأقدر على القيادة (1) .
وعلى رغم التأثير الكبير لوسائل الإعلام بأنواعها فإن من الباحثين من يذهب إلى أن الحديث المباشر بين الأشخاص، والمخاطبة المباشرة تؤدي إلى تغيير الآراء، والتأثير في الآخرين أكثر من الاستماع إلى الإذاعة، أو مشاهدة التلفاز، أو قراءة الجريدة، أو المجلة ونحو ذلك (2) .
(1) انظر: دليل التدريب (ص 65) .
(2)
انظر: الاتصال الجماهيري والمجتمع (ص 232) .
وكم من خطبة تناقل الناس عباراتها، واحتجوا بأفكارها، وتداولوها بينهم إعجابا واستحسانا بها، وكم من خطبة أحدثت تحولا في عادات الناس وتصوراتهم وكم من خطبة فتحت باب الأمل والتوبة لدى بعض المخاطبين.
غير أنه بالمقابل ربما كان للخطبة آثار سيئة، وأضرار خطيرة على المخاطبين من تهييج أو تيئيس، أو تناقل أخبار من قبيل الشائعات، أو نشر بدعة، وطمس سنة، أو بث فتنة وفساد بين الناس.
فإن المرء لا يكون خطيبا بمجرد صعوده المنبر، ومخاطبة الجموع، فالخطابة لها قواعدها، ومعالمها، وآدابها التي ينبغي أن يحرص عليها الخطيب حتى يكون ناجحا فاعلا مؤثرا، فلا بد أن يأخذ بحظ وافر من المران والممارسة، والتأهل والإعداد والتحضير، والعلم والثقافة المتنوعة.
ولقد كان لعدد من خطباء العرب البارزين في الجاهلية دور كبير جلي في إخماد الفتنة بين القبائل أو إشعالها، وكان لهم أثر واضح في المناسبات الاجتماعية من حض على القتال، وإدراك الثأر، أو الدعوة إلى رفيع الشيم، ومعالي الأخلاق، أو في خطب الوفود أو النكاح، أو المفاخرات والمبارزات الكلامية، مما جعل القبيلة تعتز بخطيبها وتفاخر به القبائل الأخرى تفاخرها بشعرائها أو أشد من ذلك.
وهكذا كانت الخطابة في العصور الإسلامية المتعاقبة، وقد جعل الإسلام أهمية بالغة، ومكانة عظيمة لخطبة الجمعة لما تختص به من خصائص، وتتميز به من مزايا تحتم على الخطيب أن يكون على مستوى هذه المكانة، وتلك الأهمية ليؤتي جهده أكله، ويثمر الثمرات المرجوة.
إن خطبة الجمعة تتميز بمزايا، وتختص بخصائص لا تتوفر في أي نوع من أنواع الخطب الأخرى، حيث إنها تمثل شعيرة من شعائر الإسلام، وتتم في جو مهيب خاشع تتهيأ فيه النفوس للتلقي والاستماع، ويشعر المسلم فيه أنه في
صلاة وطاعة لله جل وعلا، كما أنها تتميز بوجوب الإنصات إلى الخطيب. وعدم التشاغل عنه، مما يفردها عن سائر الخطب، والمحاضرات، والندوات التي لا ينطبق عليها الحكم الشرعي نفسه.
وتتميز خطبة الجمعة أيضا بالاستمرارية والتكرار في كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لاثنتين وخمسين خطبة، وهذا يمثل مساقا دراسيا متكاملا، فإذا أحسن إعداده كانت آثاره جليلة، وثمراته عظيمة.
وتتميز خطبة الجمعة إلى جانب ذلك بتنوع الحاضرين إليها، وباختلاف مستوياتهم وطبقاتهم العلمية، والاجتماعية، فإن الخطيب في خطبة الجمعة يخاطب جميع فئات المجتمع، ولا يختص الحضور على فئة دون أخرى، وهذا التنوع يعني تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ طرائق الإصلاح الاجتماعية، فإن العامل وصاحب العمل، والطالب والمعلم، والموظف والرئيس كلهم يخاطبون في آن واحد، ويوضعون أمام مسؤولياتهم، فلا تخاطب فئة منهم في غياب الفئة الأخرى، ولا تحمل المسئولية على فئة منهم دون الأخرى.
ومن هنا كانت الكتابة في موضوع خطبة الجمعة ودورها في الأمة على جانب كبير من الأهمية، وتدعو إليه الحاجة الملحة.
لذا فقد رأيت الكتابة في هذا الموضوع الجليل خطره العظيم أثره، مشاركة في الارتقاء بمستوى الخطبة، وإحياء لدورها في الأمة، ونهوضا بمستوى الخطيب، وإبرازا لدوره في إيقاظ الهمم، وشحذ العزائم، في تبصير المسلمين بحقائق دينهم، وعقيدتهم، ومكايد عدوهم، ومما يجب عليهم، وما لا يسعهم جهله.
وقد قسمت هذا الكتاب إلى أربعة فصول رئيسية:
الفصل الأول: مقومات الخطبة المؤثرة، ويشتمل هذا القسم على المباحث التالية:
1 -
قصر الخطبة وأثر ذلك.
2 -
اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
3 -
اشتمالها على ضرب المثل من التاريخ، ومن واقع المخاطبين.
4 -
اختيار موضوع الخطبة وأثر ذلك.
5 -
اشتمالها على الأسلوب الحسن، وذلك يتمثل في الآتي:
(أ) تجنب التخصيص في الخطاب غالبا وأثر ذلك.
(ب) تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات أم الأشخاص.
(ج) تجنب المبالغة والتهويل في الخطاب.
(د) تجنب أسلوب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين.
6 -
اشتمال الخطبة على العظة، والحث على التقوى، وما يرقق القلوب ويقوي الإيمان واليقين في النفوس.
الفصل الثاني: مقومات الخطيب المؤثر، وفيه المباحث الآتية:
1 -
الإخلاص وصدق اللهجة وأثر ذلك.
2 -
سيرة الخطيب وأخلاقه وأثر ذلك.
3 -
علمه وثقافته.
4 -
لغته وفصاحته.
5 -
نبرة صوته وحركة يده.
6 -
حسن مظهره الخارجي.
7 -
تثبته من المعلومات، والأخبار، والأحكام التي يلقيها للناس.
8 -
حسن عرضه وخطابه للناس.
9 -
تجنبه للتقعر والتكلف، والتقليد في الكلام والحركة.
10 -
إعداده للخطبة سواء أكان مرتجلا للخطبة أم لا.
11 -
تقويمه لكل خطبة من خطبه.
الفصل الثالث: المخاطبون، وفيه المباحث التالية:
1 -
مستواهم من حيث السن والعمل والعرف.
2 -
أمراضهم الاجتماعية، وحسن معالجتها.
3 -
أمراض القلوب وحسن معالجتها.
وبناء الثقة بينهم وبين الخطيب بمخالطتهم وتحسس مشكلاتهم، ومشاركتهم في همومهم وتطلعاتهم، والتواضع لهم.
ورصد انفعالاتهم بالخطبة، ومتابعة تقويم ذلك، وتلمس آثار الخطبة في سلوكهم وعاداتهم وعلاقاتهم المختلفة.
الفصل الرابع: أثر الخطبة في تربية الأمة، وفيه مبحثان:
1 -
خصائص خطبة الجمعة.
2 -
بروز آثارها في الواقع.
خاتمة: وتتضمن خلاصة الكتاب وبعض التوصيات والمقترحات.
والله تعالى أسأل أن يجعل هذا الكتاب من العلم النافع لكاتبه، وقارئه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، مبرءا من كل شرك أو رياء، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم.
وكتبه
عبد الغني أحمد مزهر