الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل الثالث المخاطبون]
[المبحث الأول مراعاة مستواهم من حيث العلم والثقافة والسن والعادات]
المبحث الأول
1 -
مراعاة مستواهم من حيث العلم والثقافة، والسن، والعادات معرفة أحوال المخاطبين من ألزم الأمور التي تلزم الداعية والخطيب، ليكون على علم بما يحرك عواطفهم، ويؤثر في نفوسهم.
والخطيب بحكم معايشته للمصلين، ومخالطته لهم أقدر على معرفة مستوياتهم الثقافية، والاجتماعية، ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم، وما الذي يوقظ مشاعرهم وأحاسيسهم، ويثير حماستهم وغيرتهم.
فمن المعلوم أن الناس لا يخاطبون جميعا بأسلوب واحد على اختلاف عقولهم وقدراتهم، وتنوع ثقافاتهم وأحوالهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن:«إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله. . .» الحديث " (1) .
فقد بين له صلى الله عليه وسلم حال المدعوين، فهم أهل كتاب، وليسوا مشركين أو وثنيين، فينبغي أن يفرق في أسلوب خطابهم بينهم وبين عبدة الأوثان الذين لا يتفقون معه في شيء من أصول العقيدة، أو أساسيات الإيمان، ثم أخبره بأهم ما يبدأ به في دعوة هؤلاء.
قال البخاري رحمه الله : باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله (2) وتأمل قول علي رضي الله عنه: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، فإن من لا يحسن خطاب الناس بما يفهمونه ويعونه، كأنما يدفعهم بأسلوبه إلى تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يظن أنه يقيم عليهم الحجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري، وهذا لفظه (الزكاة- 1458) ومسلم (الإيمان- 31) .
(2)
البخاري (كتاب العلم- / 1272) .
قال الحافظ ابن حجر في شرح كلام علي رضي الله عنه: " بما يعرفون " أي: يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب العلم له:"ودعوا ما ينكرون " أي: يشتبه عليهم فهمه، وكذا رواه أبو نعيم في المستخرج (1) .
وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود:"ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" رواه مسلم (2) .
قال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي.
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي بدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. اهـ (3) .
وعن عروة بن الزبير: " ما حدثت أحدا بشيء من العلم قط لم يبلغه عقله إلا كان ضلالا عليه "، وعن أبي قلابة:"لا تحدث بحديث من لا يعرفه، فإن من لا يعرفه يضره ولا ينفعه "(4) .
وقد قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]
قال ابن جرير: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلا إلا العالمون بالله وآياته (5) .
(1) فتح الباري (1 / 272) .
(2)
مسلم (المقدمة / 111) .
(3)
فتح الباري (1 / 272) .
(4)
رواهما ابن عبد البر في جامع بيان العلم (ص 167) .
(5)
تفسير ابن جرير (10 / 144) .
ومن هنا فإنه ليس كل ما يعلم يصلح أن يقال في أي حال، فلكل مقام مقال، وما يخاطب به فئة العوام غير ما يخاطب به المثقفون، وما يخاطب به الشباب غير ما يخاطب به الكهول، وما يتكلم به في مناسبة الجهاد، غير ما يتكلم به في مناسبة العرس والزواج، فعلى الخطيب أن يكون ذا نظرة ثاقبة للأمور، يحسن تقدير الظروف، وقياس المؤثرات والطبائع.
وفي الصحيح عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ . .» . الحديث إلى أن قال: «قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا» . ونحوه قد وقع لعمر رضي الله عنه مع أبي هريرة رضي الله عنه.
إذا فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بعض خاصته، ونهى معاذا أن يخبر به عامة الأصحاب لئلا يتكلوا فيتركوا العمل، ولم يخش هذا على معاذ، وأبي هريرة.
فلا بد من مراعاة نوعية الخطاب، ونوعية المخاطب، أو نوعية العلم، ونوعية المتلقي لهذا العلم.
قال الشاطبي: " ومنه أن لا يذكر للمبتدي من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها إن كانت صحيحة في نظر الفقه ".
قال: " ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه، وحكم التشريعات، إن كان لها علل صحيحة، وحكم مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة رضي الله عنها على من قالت: لم تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟ وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالا وفتنة، وإن كان صحيحا. . . وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها، ولا حدث بها ".
وقال: " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على الحقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية (1) .
وكلام الشاطبي رحمه الله وإن كان بالنسبة للكلام على الفرق فهو يصلح أن يكون قاعدة للواعظ، والخطيب، والمعلم وغيرهم. وقد قال: ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره. . . فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص " (2) .
وقال أيضا في كتاب الاعتصام: " ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، والعمل بالباطل، وإما ألا يفهم منها شيئا وهو أسلم، ولكن المتحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله (3) .
وينبغي أن يدرك الخطيب أن جمهور خطبة الجمعة جمهور متنوع الثقافة، متعدد العادات والطبائع، مختلف الأعمار بين الشاب المتوقد الحماس، والكهل الذي عركته الحياة، وصقلته التجارب ".
فلا يجعل خطبته لفئة دون أخرى، ولا يوجه اهتمامه بفئة من فئات الحضور دون أخرى، كأن يجعل الحديث موجها في جملته لرجال الأعمال مثلا، أو لفئة الأطباء مثلا دون غيرهم، أو لفئة التجار دون غيرهم، وكما أن جمهوره متنوع الثقافة فإن خطبته ينبغي أن تكون متنوعة المستوى والخطاب.
(1) انظر: الموافقات (4 / 18- 191) .
(2)
المصدر نفسه.
(3)
الاعتصام (2 / 13) .