الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا في الترهيب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها. أهـ (1) .
فهذا الثبوت في ميزان المسلم للأمور، وهذا الوضوح في رؤيته للواقع، جعله أهلا لأن يزن أخبار الناس، وتصوراتهم، وأنماط حياتهم المختلفة، بميزان دقيق، لا يحيف ولا يطيش، فلا يضخم الواقع فيجعله أكبر من حجمه مرات، ولا يصغره ويحقره فيجعله دون ذلك بدرجات.
(وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها، لتعرفها، ولتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، ولتستعد له استعدادا لائقا.
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال. . . في التفكير والشعور، في التنظيم والتنسيق، في الارتباط والعلاقات 000) (2) .
[المبالغة في المدح]
ومن صور المبالغة والتهويل التي على الخطيب أن يتجنبها:
1 -
المبالغة في المدح: وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإطراء، والإطراء هو المبالغة في المدح، والمبالغة في هذا تجاوز بالإنسان عن القدر الذي هو له، والمكانة التي يستحقها، وهي في مخالفة الحق لا تختلف عن ذم الإنسان، وأن ينسب إليه من النقص والعيب ما ليس فيه، ومن مساوئ المبالغة في المدح أن الشيطان يستجري المادح، ويستدرجه إلى تقديس
(1) تفسير ابن جرير (2 / 8-9) .
(2)
في ظلال القرآن (1 / 130- 131) بتصرف.
الممدوح، وربما إلى تأليهه وعبادته، كما وقع للنصارى مع عيسى عليه السلام، وكما وقع لطوائف من غلاة الرافضة، والمتصوفة، مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مع آل بيته.
روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن مطرف قال: قال لي أبي: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله تبارك وتعالى "، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان» (1) .
وعن أنس رضي الله عنه «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» (2) .
وعن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله» (3) .
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: «سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: " أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (4) .
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: «أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ويلك قطعت عنق صاحبك. . . ثلاثا " ثم قال: "من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدا، أحسب كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» (5) .
وعن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والتمادح فإنه الذبح» (6) .
(1) المسند (4 / 25) ، سنن أبي داود (الأدب- 4806) ولفظه لا يستجرينكم.
(2)
رواه البيهقي بإسناد جيد.
(3)
رواه البخاري (الأنبياء- 3445) .
(4)
رواه البخاري (الشهادات- 2663) ومسلم (الزهد- 3001) .
(5)
رواه البخاري (الشهادات- 2662) ومسلم (الزهد - 3000) .
(6)
ابن ماجه بإسناد حسن (الأدب- 3743) .