الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال في توضيح الأحكام من بلوغ المرام: ينبغي أن تكون الآيات التي يقرؤها الخطيب آيات تناسب موضوع الخطبة، وتكون دليلا على ما قال، وتأييدا لخطبته، ولتكون خطبته تفسيرا لها، ومشيرة إلى معانيها، ولئلا يشتت على السامعين أذهانهم باختلاف مواضيع الخطبة (1) .
ومما يؤسف له أن بعض الناس يصنف الخطب إلى خطبة فكرية، وخطبة وعظية، مقللا من قيمة الوعظ، كما يصنف الخطباء إلى خطيب مفكر، وخطيب واعظ، مشيرا إلى أن الأول هو الذي يجدر البحث عنه، والاستماع إليه، وهذا تقسيم عقيم، فإن كل خطبة مهما كان الطابع العام الذي يميزها، سواء في ذلك الفكرية، والفقهية، والسياسية. والاجتماعية إذا خلت من الموعظة، والتذكير بأيام الله وآلائه، والتخويف من جزائه وعقابه، فإنها لا تعدو أن تكون معلومات، وقد تكون معلومات قيمة، لكنها ميتة لا تدفع إلى العمل، ولا تخطو بحماسة نحو التغيير والتجديد.
وتأمل أسلوب القرآن العظيم، والسنة المطهرة في الترغيب والترهيب، والتبشير، والتحذير، يتبين لك وجه الحق واضحا جليا.
[البدع الميتة]
البدع الميتة: البدعة تشوه جمال الإسلام، وتطمس معالمه، وتذهب بضيائه، ولذا فإن موقف الإسلام حاسم واضح صريح من البدع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (2) .
أي: مردود على صاحبه.
والخطيب ينبغي أن يكون له دور في إماتة البدعة، وفي هتك سترها ومحاربة المنكر، ولو أطبق على ذلك الناس، أو معظمهم في حيه وفي غير حيه، لكن مما
(1) توضيح الأحكام، الشيخ عبد الله البسام (2 / 359) .
(2)
رواه البخاري (الصلح- 2697) ، ومسلم (الأقضية - 1718) .
ينبغي أن يتنبه له الحذر من أن يحيي بدعة ميتة دون أن يشعر، وذلك بأن تكون البدعة لا أتباع لها، أو لا تكاد تعرف بين الناس، فيكرر الخطب بالتحذير منها، أو يركز الخطبة بالكلام عليها، وقد كانت نائمة فأيقظها، مغمورة فشهرها، ميتة فأحياها، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضا عنها، وبعضهم يسعى للتعرف عليها، وبعضهم يدفعهم الفضول لأن يقرأ حولها، ويجادل عن فكرتها، وهكذا تصبح حديث المجالس، ويغدو الناس بين مؤيد لها، ومنظر لفكرتها، ومعارض لأصلها.
إن المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه البدع والمحدثات، والمنكرات هو دفنها بتركها، وعدم التحدث عنها.
وليس المقصود بهذا أن نتركها ونهملها حتى تحيا وتنتشر، بل لا بد من الإنكار على صاحبها في السر لمن علم به، وزجره، وردعه، وتخويفه، فإن ارتدع وإلا فيرفع أمره إلى ولاة الأمر ليأخذوا على يده، ويميتوا فتنته في مهدها.
وليس في دفن البدعة، وعدم التحدث عنها ستر على المبتدع، بل طمس على البدعة، وتضييق عليها لئلا تنتشر، ومن التضييق على البدعة أيضا أن نقوم بنشر السنة، وبيان الحق، والأدلة على الاتباع وفضله، والتحذير من مخالفة السنة.
أما إذا كانت البدعة قد انتشرت، أو اغتر بها فئات من الناس، وضل بها آخرون، فلا تهاون أبدا في إنكارها وإبطالها، وحشد أهل العلم للرد عليها ومحاربتها، ولا يصلح السكوت عنها.
قال في نهاية المبتدئين: ويجب إنكار البدع المتصلة، وإقامة الحجة على إبطالها، سواء قبلها قائلها أو ردها، ومن قدر على إنهاء المنكر إلى السلطان أنهاه، وإن خاف موته قبل إنهائه أنكره هو. . . وقال المروزي: قلت
لأبي عبد الله: ترى للرجل يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام في أهل البدع. فكلح في وجهه، وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس أليس هو إنما لنفسه؟
قلت: بلى، قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. . . يتكلم أفضل (1) .
وقال ابن عقيل رحمه الله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، وضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر في مواطأتهم أعداء الشريعة (2) .
ومما يحذر منه في هذا المجال الإخبار عن كتاب مغمور محدود النشر يحتوي على آراء ضالة وأفكار هدامة، بقصد الرد عليه فيحصل بذلك إشهاره وتوجيه الأنظار إليه دون قصد من الخطيب، ومن هذا القبيل أيضا ذكر رأي أو فتوى شاذة لعالم مشهور من أجل الرد عليها، فتكون النتيجة عكس ما قصد إليه الخطيب، وكأنه يقول للناس: إن هذا العالم الكبير يقول بمثل هذا الرأي فلا حرج على من ذهب إلى مثل ما ذهب إليه.
فعلى الخطيب أن يكون ذا بصيرة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقويم النتائج المترتبة على كلامه، فرب خطبة أيقظت فتنه.
(1) الآداب الشرعية (1 / 210) .
(2)
المصدر نفسه (1 / 237) . ومعنى مواطأتهم: موالاتهم ومعاشرتهم.