الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث السابع تثبته من المعلومات والأحكام التي يلقيها على الناس]
المبحث السابع
تثبته من المعلومات والأحكام التي يلقيها على الناس هذا الأمر من أهم الأمور المتعينة على الخطيب، لما له من أثر على مصداقيته عند الناس، ولما يترتب عليه من نقل للأخبار.
والتثبت من الأخبار والمعلومات من الأمور المطلوبة شرعا، وإن لم يكن الخطيب متثبتا من أخباره، وما ينقله للناس، سيكون من حيث لا يدري مصدرا من مصادر الشائعات، وتعميمها على الناس، وآثار هذا خطيرة على الأمة، ولا سيما إذا كان الخطيب ثقة معروفا عندهم، أو ذائع الصيت، فإن الشائعة ستنتشر وتعم بقدر شهرته، وذيوع صيته، أما إذا تعلقت الأخبار والمعلومات التي ينقلها الخطيب بعرض شخص، أو فئة من الناس، أو بسياسة دولة، أو جماعة من الجماعات، أو عالم من العلماء، فإنها تكون- ولا ريب- أشد خطرا وأعظم ضررا على الأمة، بما تبعثه من فتنة، وما تثيره من فرقة.
ولا يسامح الخطب في عدم التثبت لشدة حماسته، أو قوة تأثره وغيرته، فإن هذه الحماسة، وهذه الغيرة، إذا لم تكن مستندة إلى أصل شرعي، لا تعدو أن تكون انفعالات عصبية، أو حمية قومية.
لذا فإن على الخطيب أن يراعي الأمور التالية في نقل الأخبار والتحدث بها حتى لا يقع فريسة للأوهام والإشاعات:
(أ) عدم التسرع في نقل الأخبار قبل أن يتضح أمرها تماما، وتتبين حقيقتها، ومن الخطأ البين ما يقوم به بعض الخطباء من المسارعة إلى إعلان الخبر، أو الخوض في أمره، وكأنه يريد بذلك أن يحقق سبقا إخباريا، أو انتصارا صحفيا، متغافلا عما ينتج عن ذلك من آثار ومخاطر على الأمة.
(ب) تحري الصدق والدقة في مصدر المعلومة، والتثبت من ذلك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. . .» (1) .
فتحري الصدق مطلوب في نقل الخبر، وفي التحدث به، وهو من صفات الصديقين.
(ج) ومن هذا التحري أن لا يأخذ الخبر إلا من مصدر معتمد موثوق، ولا يقتصر في ذلك على ما تنشره الصحف أو الإذاعات المرئية أو غير المرئية، ولا على أي شخص كان، فإن " معظم مواقف الناس- مع الأسف- لا تبنى على ما يحدث فعلا، بل على تفسيرهم لما يحدث "(2) .
(د) التنبه إلى تقاعس شروط التوثيق في زماننا، وقصور صفات العدالة والضبط عند معظم الناس، وان أدق منهج عملي لتمحيص الروايات هو ما أصله المحدثون في هذا المجال، فينبغي أن يجعل منهجا عاما لقبول الأخبار أوردها [فربما كان الراوي من أهل العدالة والصلاح، فإن المحدثين لم يكتفوا في هذا بظاهر عدالة الراوي وصلاحه وورعه، بل اشترطوا أن يكون إلى جانب ذلك يقظا غير مغفل، ضابطا لما يروي صائنا لما يكتب عن الزيادة أو النقص، وقد ردوا أحاديث أناس من أهل الصلاح ممن لم يتوفر فيهم شرط الضبط والإتقان، وربما كان بعضهم قاضيا، أو مؤرخا، أو فقيها، أو مفسرا، ولكن لا يؤخذ بخبره في الرواية لعدم ضبطه] أو على ضوء هذا المنهج ينبغي أن يفهم قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] الآية [الحجرات- 6] .
فالأمر بالتبين في خبر الفاسق لا يعني قبول خبر العدل على إطلاقه، فإن الفاسق- وهو الساقط العدالة- لا يقبل خبره ولو كان ضابطا، وكذا العدل لا
(1) أخرجه البخاري (الأدب- 6094) ، ومسلم (البر والصلة- 2607) من حديث عبد الله بن مسعود.
(2)
الاتصال الجماهيري والمجتمع الحديث (ص 77) .
يقبل خبره إذا لم يكن ضابطا، وخبر معظم الناس في زماننا هذا هو من قبيل خبر المستور لتعذر الخبرة الباطنة في حقهم.
وإذا تضمن الخبر الطعن في معلوم العدالة، كان الاحتياط أشد في رده وعدم قبوله.
وإذا تأملت كثيرا من الإشاعات تجد أنها تبدأ "خبرا صحيحا تماما، فإذا تناقله الناس زادوا عليه من خيالهم حتى يغدو مشوقا مثيرا، فما إن يمشي خطوات حتى يغدو ككرة الثلج لا تزال تتزايد كلما دحرجتها (1) .
وربما وقع الشك في الخبر لأسباب في المخبر غير قادحة في عدالته، لكنها مانعة من قبول خبره، كما يقع بين الأقران والمتعاصرين بسبب عداوة دنيوية، أو معاصرة، أو تأويل، أو وهم، وما شابه ذلك.
ومن هنا فإنه يتعين على الخطيب ديانة التحري عن مصدر المعلومة أو الخبر، وكيف نشأت، ثم التحري عن ناقل المعلومة، أو من يوصل إليه الخبر، مدى ضبطه، عدالته، كيفية تلقيه لهذه المعلومة، إذا كان يريد أن يطرحها على الناس.
ثم على الخطيب أن يحسن التعامل مع هذه المعلومة أو هذا الخبر، فإنه ربما كان الخبر صحيحا تماما لكن المصلحة الشرعية الراجحة تقتضي عدم نقله، أو إخبار الناس به، لما يترتب على ذلك من أسباب تجر إلى الفتنة، وتفتح أبوابا من الشر يصعب إغلاقها.
وليعلم الخطيب أن من أهم مسئولياته التثبت من الأخبار، وتمييز سقيمها من صحيحها، وما يصلح منها أن يذاع على الناس وما لا يصلح، فإن الخطبة ليست كلاما يقال لا يعرف قبيله من دبيره.
ومن التثبت المطلوب أيضا التثبت في عزو أي قول إلى قائله سواء أكان قديما أم معاصرا، وسواء أكان ما يعزوه رأيا سياسيا، أم فقهيا، أم طبيا، وليتثبت من
(1) الإشاعة، د. أحمد نوفل (ص 59) .
المصدر الذي أخذ منه الرأي، ليكون حجته إذا جادله في ذلك مجادل، أو اتهمه بالخطأ في نسبة قول إلى قائله.
وكذلك التثبت في موضوع التحريم والتحليل، والفتوى في النوازل والقضايا المعاصرة التي يفتي فيها جهات متخصصة، بعد دراسة وترو.
وكذلك التثبت في وصف الأحداث التي تقع وأسبابها.