الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثاني معرفة أمراضهم ومشكلاتهم الاجتماعية ومعالجتها]
المبحث الثاني
2 -
معرفة أمراضهم ومشكلاتهم الاجتماعية ومعالجتها معظم الحضور لخطبة الجمعة هم غالبا من أهل الحي، وهم الذين يترددون على المسجد لصلاة الجمعة، فينبغي أن تتوثق بهم صلة الخطيب، حيث إن دور الخطيب لا يبدأ بصعود المنبر، وينتهي بنزوله عنه، بل عليه أن يتغلغل في معرفة الوسط الذي يعيش فيه، ويتعمق في فهم مشكلاته، وأمراضه الاجتماعية وقضاياه المحلية، وذلك لا يتأتى إلا بالتواضع للمصلين الذين يؤمون مسجده، ويقطنون حيه، وبخفض الجناح لهم، والسؤال عن أحوالهم، ومتابعة مشكلاتهم الفردية، والجماعية، والمشاركة في مشاريعهم المتعلقة بتحسين البيئة، وتطوير الحي، وبناء المجتمع.
إن بناء الثقة بين الخطيب وبين الناس لا يتأتى بالخطب البليغة فقط، بل لا بد أن يراه الناس سباقا في المجالات الاجتماعية، مؤديا للحقوق إلى أهلها.
والحقوق التي ينبغي أن يؤديها نوعان:
1 -
حقوق عامة: وهي حقوق المسلم على إخوانه المسلمين، فعليه أن يكون من أحرص الناس على أدائها، ومن أشدهم محافظة عليها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (1) .
وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (2) .
(1) أخرجه البخاري (الجنائز - 1240) ومسلم (السلام - 2162) لفظ البخاري.
(2)
رواه مسلم (السلام - 2162) .
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار القسم، ونصر المظلوم. . .» الحديث (1) .
ومن الحقوق العامة: التواد والتراحم والتعاطف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله» (3) .
ومن الحقوق العامة أيضا: الشفاعة وإيصال حاجة ذي الحاجة إلى من يقضيها له.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء» (4) .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» (5) .
والحقوق العامة للمسلم على أخيه كثيرة.
2 -
الحقوق الخاصة، كأن يكون رحما له، أو يكون جاره في السكن، ونحو ذلك، فيكون له حق الإسلام ثم حق الصلة، وحق الجوار، فعلى الخطيب أن
(1) رواه البخاري (الجنائز- 1239) ، ومسلم (اللباس والزينة- 2066) .
(2)
البخاري (الأدب- 6011) ومسلم (البر والصلة- 586 2) لفظ البخاري.
(3)
رواه مسلم (8 / 20) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
(4)
رواه البخاري (الزكاة - 1432) ومسلم (البر والصلة - 2627) .
(5)
رواه البخاري (المظالم- 2442) ، ومسلم (البر والصلة- 2580) .
يكون من المسارعين لأداء هذه الحقوق، فيراه الناس في أفراحهم، وفي عزائهم، وفي تشييع جنائزهم، وفي عيادة مرضاهم، وفي مناسباتهم المختلفة، فتتعمق الصلة به، وتعظم الثقة به، فيحله الناس في قلوبهم قبل أن يحلوه مجالسهم، وتتسع له الصدور قبل أن تفسح له المجالس.
ومن دراسة الخطيب لمشكلات الحي تلمسه لذوي الحاجة من الأسر الفقيرة المتعففة، وذوي الكربات، وأصحاب الآفات من المعاقين والمرضى، فيسعى بواسطة أهل الخير إلى سد خلتهم، وقضاء حاجتهم، والتخفيف من معاناتهم، وإن كان الخطيب مشتغلا بأمور أخرى لا يجد من الوقت ما يكفي لمتابعتهم، فيمكن أن يعهد بذلك لأهل الثقة من معارفه الذين ينوبون عنه في مواساة المحتاجين، وتضميد جراحهم.
إن دور المسجد في الحي دور عظيم، ففيه يلتقي خيرة أهل الحي خمس مرات يوميا، فيبعد أن يكون هناك مشكلة لا تنمي إلى أسماعهم، وهنا تأتي مهمة الإمام والخطيب في تفعيل دور المسجد، وإقامة الصلة ولو بصورة غير مباشرة بين الغني والفقير، وبين الموسر والمحتاج، يحثهم على الإحسان للمحتاجين، وأن هناك أسرا لا يكادون يجدون قوت يومهم، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، فعون هؤلاء وإغاثتهم أولى من زخرفة المساجد، والإسراف في تنويرها بالثريات الضخمة، وتزيينها بالمنابر العالية، والرخام الثمين، بل أولى من كثرة المساجد في الحي الواحد، فإن تقليل المساجد مع تقليل الفقراء والمعوزين في الحي، أولى من تكثير المساجد مع تكثير الفقراء فيه.
وقد شغف كثير من الأغنياء ببناء المساجد، وإنفاق الأموال الطائلة على زخرفتها، وتزيينها، ورفع مناراتها، وجلب الرخام والسجاد الثمين والثريات من بلدان مختلفة لفرشها وإنارتها، حتى أصبح كثير من المساجد فنادق من الدرجة الأولى، ولكن هؤلاء الأغنياء- إلا من رحم الله- لا يبذلون معشار هذه