الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكون منفصلا عن هموم الأمة، ولا مبتوتا عن نبضها، وما يصلحها في عقيدتها، وأخلاقها، وما يرفع من همتها، ويعيدها للاعتزاز بدينها قولا وعملا، حكما وتحاكما.
وعلى ذلك فإن الخطبة الجامعة المستوفية لخصال النجاح هي الخطبة التي تجمع بين التعليم والوعظ، بين الإجابة عن أسئلة الحاضر والواقع، وما يطرح على الساحة العلمية والإسلامية، وتلبية الواجبات الشرعية في ترسيخ العقيدة، وأساسيات الفقه الإسلامي، والفهم الواعي السلفي النهج للكتاب والسنة، والتحذير من الانحرافات العقدية، والسلوكية إلى جانب التحذير من مكايد العدو، وأساليب الدس والمكر التي يسلكها في تدمير الأخلاق والأسرة، والوحدة الإسلامية.
ومع كل ما يقوم به الخطيب من تنبيه وتحذير وتبصير، فإنه ينبغي أن لا يهمل دور خطبة الجمعة الأساسي من الوعظ والتذكير.
[أهمية الوعظ وأدلته من الكتاب والسنة]
وحتى يتبين لك مدى أهمية الوعظ فإنني أسوق هذه الأدلة من الكتاب والسنة:
(أ) وصف الله تعالى القرآن بأنه موعظة: 1 - قال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138]
2 -
وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]
3 -
وقال جل ذكره: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120]
4 -
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور: 34]
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 57] يعني
ذكرى تذكركم عقاب الله تعالى، وتخوفكم وعيده، {مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 57] يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يفتعلها أحد فتقولوا لا نأمن أن تكون لا صحة لها، إنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله (1) .
(ب) أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعظ: 1 - قال الله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]
قال الطبري: يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم (2) .
2 -
وقال جل وعلا: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سبأ: 46]
وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه فوعظ وذكر، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:«صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» (3) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (4) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال، فظن
(1) تفسر الطبري (6 / 567- 568) .
(2)
المصدر نفسه (4 / 159) .
(3)
رواه أحمد (4 / 126)، وأبو داود (السنة- 4607) والترمذي (العلم- 2676) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (المقدمة- 42) .
(4)
رواه البخاري (العلم رقم 68) .
أنه لم يسمع فوعظهن (أي: النساء) وأمرهن بالصدقة. . .» الحديث (1) .
(ج) أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة " والموعظة الحسنة " والجدال بالتي هي أحسن: قال جل وعلا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] فالدعوة المكتملة في أسلوبها ووسائلها لا تستغني عن الموعظة الحسنة، لما للموعظة من تأثير على النفوس، وتحريك للقلوب والمشاعر، فلا يكفي إخبار الناس بالحق مجرد إخبار وإعلام، بل لا بد من دفعهم إلى التزامه واتباعه، والاقتناع به، وأجدى سبيل إلى ذلك أن تكون الدعوة إليه بهذه الأمور الأساسية الثلاثة:
1 -
الحكمة: وهي مراعاة الحق والاعتدال في الخطاب.
2 -
الموعظة الحسنة: وهي التي تنفذ إلى شغاف القلوب ترغيبا وترهيبا.
3 -
المجادلة بالتي هي أحسن: أي دون تعسف ولا عنف أو تحامل.
وقال ابن جرير: {إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام {بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125] يقول: بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله.
{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أي تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك (2) .
وقال صاحب الظلال: إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
(1) رواه البخاري (العلم- باب عظة الإمام النساء98) .
(2)
تفسير ابن جرير (7 / 663) .