الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموضوع، واضحة الفكرة تؤدى في وقت قصير، فليست مملة في طولها، ولا مخلة في موضوعها، فإن البلاغة هي البلوغ إلى المعنى دون أن يطيل سفر الكلام.
[المطلب الثاني إعداد الخطبة]
المطلب الثاني
إعداد الخطبة ومن الأمور التي تساعد الخطيب على إعداد الخطبة واختيار الموضوعات المؤثرة:
1 -
أصول الشريعة، وأحكام الإسلام من عبادات ومعاملات وآداب إسلامية.
2 -
مخالفات الناس في مجال العقيدة والعبادة، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، وبيان العقيدة الصحيحة والخلق الرفيع الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم.
3 -
الأحداث اليومية والأخبار التي يسمعها.
4 -
الأحداث التاريخية.
5 -
ما يقرؤه من الصحف والمجلات.
6 -
ما قرأ من الكتب والمؤلفات.
7 -
مشاهداته في أسفاره ورحلاته، وعجائب مرئياته.
8 -
مسائل الناس ومشكلاتهم التي يسألونه عنها ويطلبون رأيه فيها.
وينبغي أن يقيد ذلك ويدونه، حتى لا يفلت منه، فآفة العلم النسيان.
وبعد أن يقوم الخطيب بتحديد موضوع الخطبة، والهدف الذي يرمي إليه، يقوم بإعداد أفكار الخطبة وعناصرها، والإعداد من الأمور الضرورية في مجال الخطبة، حتى من كان يملك القدرة على الارتجال، فإنه لا يستغني عن الإعداد المسبق ولو في نفسه، وإلا فإنه يعد غير مقدر لمهمة الخطابة، وغير محترم لفكرته، غير آبه بجمهوره.
إن إعداد الخطبة له فوائد متعددة تنعكس على الخطبة نفسها، وعلى الخطيب وعلى الجمهور المخاطب مما يكون له آثار واضحة على مدى قبول الناس وتأثرهم مما يسمعون، ومن هذه الفوائد:
1 -
ترتيب الأفكار والعناصر بحيث لا تكون مبعثرة لا ترابط بينها، الأمر الذي يؤدي إلى تشويش السامعين، وتنافر أذهانهم، وعدم تركيزهم على الموضوع الأساسي للخطبة.
2 -
إعطاء عناصر الخطبة وأفكارها ما تستحقه من البيان والإيضاح، بشكل متوازن دون أن يطغى فيها عنصر على آخر، حيث إن بعض الخطباء أحيانا يطيل الكلام حول فكرة واحدة على حساب الأفكار الأخرى، وبذا لا يوصل كل ما يريد إلى الناس بصورة متكاملة شاملة لجوانب الموضوع.
3 -
ظهور الخطيب بمظهر المستعد للخطبة، المتأهب لها، وما عدا ذلك يعني أن يظهر الخطيب أمام الجمع بمظهر المجازف الذي لم يعد القول، وهذا فيه اعتداد بالنفس واستهانة بالحاضرين، وتبجح بعدم الاهتمام ودعوى أن خاطره أسرع من خواطر الناس، وهذه كلها صفات لا ترتضيها الجماعات، ولقد يعسر على المرتجل تفكيرا وتعبيرا أن يعالج الموضوع، وأن يصل منه إلى نتيجة، فهو كساع إلى الهيجا بغير سلاح، أو كهائم لا يعرف وجهته، ولا المسالك إليها:
ويرتجل الكلام وليس فيه
…
سوى الهذيان من حشو الخطيب
لذا كان كثير من البلغاء القدامى يعدون خطبهم ويهذبونها، ويتمرنون على إلقائها (1) .
4 -
نضوج الفكرة، وعمقها، وتخلص الأسلوب من التكرار الكثير، واختيار الألفاظ والتراكيب القوية التي تبرز المعاني في أثواب جذابة، فرب معنى جميل
(1) فن الخطابة (ص 186) الحوفي، أحمد محمد، بتصرف يسير، وانظر للاستزادة: خصائص الخطبة والخطيب (ص 152- 153) .
صرف الناس عن التأمل فيه، ضعف الألفاظ، ورداءة الأسلوب، وسوء التعبير.
الإعداد ليس ضعفا: وربما ظن بعض الخطباء أن إعداد الخطبة كتابة دليل على الضعف وعدم التمكن من الخطابة (1) وهذا ظن ليس في محله، فقد بينا أهمية الإعداد، وفوائده.
وإذا أردنا تجلية هذه الحقيقة فلنتصور نموذجين لخطيبين:
أحدهما لا تنقصه الحماسة وقوة الطرح، وإثارة المشاعر، لكنه لم يعد الخطبة ولا أخذ لها أهبتها، لا من حيث الموضوع، ولا من حيث الأفكار والعناصر الأساسية، فبدت عليه السطحية، وعدم النضج وإعادة بعض الأفكار من خطبه القديمة، مما قلل من أثر خطبته ومن قيمتها العلمية أو التربوية، فلم يخرج المخاطبون من هذه الخطبة إلا بصدق العاطفة وقوة الصوت، وكلمة من هنا وفائدة من هناك، وهذا وحده غير كاف ولا مقنع للمخاطبين، ولا يؤدي إلى الأثر المطلوب من خطبة الجمعة، والهدف الأساسي منها هو تربية الأمة، والأخذ بقيادها إلى معاقد العزة والقوة والقدوة.
أما الخطيب الثاني فيتصف بالصفات نفسها من حيث العاطفة، وجزالة الأسلوب، وقوة التعبير، وهو بالإضافة إلى ذلك يتناول في خطبته موضوعا محددا، بأفكار وعناصر محددة يضرب لها الأمثال، ويسوق لها الصور الواقعية.
إننا لا نملك إلا أن نحكم للخطيب الثاني بالنجاح، وأن خطبته أوقع في النفوس، وأكثر أثرا، وأعظم فائدة من الخطبة الأولى.
وخلاصة القول أن الإعداد هو الذي ينتج الأفكار الناضجة، والمعاني المتناسقة، والألفاظ المناسبة المنمقة الموحية، والسبك الرائع المعجب، والأداء القوي المشرق، والنفس الطويل الموقظ.
(1) فن الخطابة (ص 186) الحوفي، أحمد محمد، بتصرف يسير، وانظر للاستزادة: خصائص الخطبة والخطيب (ص 152 - 153) .