الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 -
عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» (1) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، وهي داله على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الحفاظ على مشاعر المسلمين، وعدم مواجهتهم باللوم، وعدم مجابهتهم بالتعنيف.
فتوسع بعض الخطباء في هذا المجال من منطلق الصدع بالحق، وعدم المداهنة فيه، لا يخلو من مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النصح، وعدم إحكام لفقه الموازنات، وترجيح المصلحة الشرعية، ودرء المفاسد.
[تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات والأحزاب أم الأشخاص]
(ب) تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات والأحزاب أم الأشخاص: ينفذ الخطيب بحسن أدبه، وقوة بيانه، وجزالة أسلوبه، ورقة عاطفته إلى قلوب الناس وأرواحهم، فيملؤها تأثرا، ومما يعين الخطيب على تحقيق مراده من التأثير إلى جانب ما ينبغي أن يتحلى به من صفات المسلم الكريمة، وخصاله النبيلة، أن يتجنب التجريح في خطبه، فإن تجريح المعينين فضح لأمرهم على رؤوس الأشهاد، ونقل لأخطائهم وعيوبهم من حال السر والستر إلى حال الفضح والعلن. والمسلم مأمور بأن يستر على أخيه المسلم، والمطلوب هنا ستر المسلم العاصي لا ستر المعصية أو التستر على الفساد، ثم الستر عليه من أجل انتشاله من معصيته، وإنقاذه من خطيئته.
فالمنكر لا ينكر بأي أسلوب كان، ولا على أي حال، ومهما كانت نتيجته، بل لإنكار المنكر آداب، وضوابط قد بينها العلماء في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(1) رواه مسلم (2 / 591)، وودعهم أي: تركهم.
إن الستر على العاصي يعني توسيع الفرصة له للأوبة إلى الحق، والرجعة إلى الله تعالى، والتوبة الصادقة من الذنب، ويعني الفسح له في المجلس حتى يجد مكانا بين الصالحين، والستر عليه يعني الصلة بينه وبين أهل الإيمان حتى لا ينفرد به الشيطان فيمعن في إضلاله.
ولئن كان الجرح مشروعا في مواطن مثل جرح الرواة لصيانة الدين، وجرح الشهود، وفي الاستشارة، ونحو ذلك مما بينه العلماء بدليله، فإن مجال الخطبة ليس من هذه المجالات، لأن الجرح في الخطبة تشهير، وإبراز لعيوب الشخص، ونشرها على الملأ، في حين أن الخطيب ينبغي أن يكون حريصا على التقويم لا على التأثيم، وعلى التغيير لا على التعيير، كما أنه ينبغي أن يلتزم بأدب الإسلام في النصح، وأن يراعي ضوابط النصيحة، ولا يجدر به أن يكون أداة لأي اتجاه سياسي، أو حزبي، أو مذهبي لا يستند إلى أصل شرعي، فيندفع إلى الطعن والتجريح بدافع التعصب دون مراعاة لآداب الإسلام وهديه.
ومن المعلوم أن من عرف بالفساد والمجاهرة بالمعاصي، والتمادي في الطغيان، فإنه لا يستحب أن يستر عليه، لكن لا يكون ردعه عن طريق التشهير به، وفضح أمره في الخطب العامة، بل ينصح، ويخوف، فإذا لم يرتدع رفع أمره إلى من له الولاية وحق الردع بالقوة.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: " واعتبر الشيخ تقي الدين المصلحة- أي في هجر المبتدع- وذكر أيضا أن المستتر بالمنكر، ينكر عليه ويستر عليه، فإن لم ينته فعل ما ينكف به إذا كان أنفع في الدين، وأن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتا إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته " أهـ.
قال: " وهذا لا ينافيه وجوب الإغضاء، فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرا جمعا بين المصالح "(1) .
(1) الآداب الشرعية (1 / 234) .
وقال النووي في شرح صحيح مسلم في قوله صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلما ستره الله عز وجل يوم القيامة» وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم. ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، ويؤدي إلى جسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو يعد متلبسا فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيره، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة (1) .
إن على الخطيب أن يفرق بين الستر الواجب الذي يكون فيه مصلحة شرعية، وبين ما لا يكون فيه مصلحة شرعية، بل تكون فيه مفسدة، بل ربما فتح باب فتنة وشقاق، أما إذا كان الإنكار للخلاف في الرأي والاجتهاد فإنه لا يسوغ للخطيب أن يذكر اسم شخص أو جماعة معينة، فيصمها بالفساد، أو سوء النية، أو الابتداع في الدين، فإن المنابر ما شيدت للانتصار للرأي، والرد على المخالفين وتقريعهم وتجريحهم، مما يؤدي إلى نشر المنازعات والاختلافات، وتعميق النفرة، وبلبلة العامة، كما أن للآخرين منابرهم التي يقفون عليها، ويردون من فوقها، ويجرحون ويطعنون، إن بني عمك فيهم رماح.
قال العلماء: ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلد مجتهدا فيه (2) .
وكلما استغنى الخطيب في ألفاظ الجرح عن التعيين كان أولى، إلا أن تكون المصلحة الشرعية بضوابطها تقتضي هذا التعيين، كأن يكون المعين إماما في البدعة، رأسا في الضلالة يخشى على الأمة من ضلاله وبدعته، أو يكون قد
(1) شرح مسلم (16 / 135) .
(2)
الآداب الشرعية (1 / 166) .