الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل الرابع أثر خطبة الجمعة]
[المبحث الأول خصائص خطبة الجمعة]
الفصل الرابع
أثر خطبة الجمعة
المبحث الأول
خصائص خطبة الجمعة تعد خطبة الجمعة من أهم - إن لم تكن أهم - وسائل الاتصال بالناس، وأعظمها أثرا، فهي تتميز عن غيرها من الوسائل كالتلفاز، والإذاعة، والهاتف، وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري بعدة مزايا، منها:
1 -
الجو الروحاني الذي تتم فيه الخطبة، فهي تتم في بيت من بيوت الله تعالى تعمره السكينة، وتغشاه الرحمة، ويغمره الخشوع، وتحفه الملائكة الأطهار، ففي الحديث الثابت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (1) .
وهذا ينطبق على خطبة الجمعة، فالحضور في بيت من بيوت الله، إما يتلون كتاب الله تعالى قبل الخطبة، أو يستمعون إلى الخطيب يدارسهم القرآن بتفسير بعض الآيات، أو بيان بعض الأحكام، أو توضيح بعض الهدايات، فتتنزل السكينة عليهم، وتعمهم رحمة الله تعالى، وتحيط بهم الملائكة، ويذكرهم الله تعالى في ملأ خير من ملئهم، تباهيا بهم، وتشريفا لقدرهم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. . .» الحديث (2) .
(1) رواه مسلم (الذكر والدعاء- 2699) .
(2)
رواه مسلم (الذكر والدعاء - 2689) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه في فضل التبكير إلى الجمعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة. . .» الحديث، وفيه:«فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (1) والمراد بقوله: إذا خرج الإمام، أي خرج للناس وصعد المنبر، بدليل قوله: يستمعون الذكر، وحسبك باجتماع تشارك الحضور فيه ملائكة الرحمن يستمعون الخطبة فيه مع المصلين.
فمثل هذا الجو الروحاني الخاشع الذي بيت الله مكانه، وأفضل الأيام زمانه، وأكرم الحضور حضوره، لا يتأتى في وسيلة اتصال أخرى.
2 -
وجوب الإنصات الذي يميز الحاضرين في خطبة الجمعة، فقد أمر الحاضر للخطبة بالإنصات للخطيب، بحيث إنه نُهي أن يتكلم مع جليسه بكلمة ولو كانت خيرا، فلا يقول له: أنصت، وعدم جواز تشميت العاطس، ورد السلام على الأرجح، ولا يمس الحصى، أي لا يأتي بأي قول أو فعل يقدح في تمام الإنصات والاستماع حتى يكون كامل الاستعداد للتلقي والإفادة مما يسمع، فإن الاستماع سلم الوعي والفهم، قال تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]
وقال جل وعلا في شأن موسى عليه السلام: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13]
قال وهب بن منبه: أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع لما يحب الله (2) .
(1) رواه البخاري (الجمعة- 881) ومسلم (2 / 582) .
(2)
تفسير البحر المحيط (6 / 231) .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخطب الجمع أمر من يستنصت له الناس.
قال البخاري رحمه الله : (باب الإنصات للعلماء) ثم روى حديث جرير ابن عبد الله رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: " استنصت الناس "، فقال: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (1) .
أما في خصوص الجمعة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:«إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» (2) .
قال ابن القيم رحمه الله : الخاصة التاسعة- أي: من خصائص الجمعة- الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن تركه كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له (3) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت، ليست له جمعة» (4) .
فأين خطبة الجمعة التي يجب الإنصات فيها من غيرها من الخطب والمحاضرات، والندوات التي قد يعم اللغط والتهامس أوساط الحاضرين فيها.
(1) رواه البخاري (العلم- 121) ومسلم (الإيمان- 118) .
(2)
رواه البخاري (الجمعة- 394) ، ومسلم (الجمعة- 851) .
(3)
زاد المعاد (1 / 377)، والحديث رواه أحمد (1 / 93) وأبو داود (أبواب الجمعة- 1051) من حديث علي رضي الله عنه:" ومن لغا فليس له في جمعته تلك شيء "، وفي إسناده مولى امرأة عطاء الخراساني، وهو مجهول، وابن ماجه من حديث أبي بن كعب (إقامة الصلاة- 1111) وإسناده صحيح كما في الزوائد.
(4)
رواه أحمد (5 / 143) ورواه أحمد (5 / 198) من حديث أبي الدرداء، وقال الحافظ في البلوغ كتاب الصلاة، باب صلاة الجمعة (حديث 479) إسناده لا بأس به.
3 -
الاتصال المباشر بين الخطيب والمخاطبين، الأمر الذي يفتقد في كثير من الوسائل الأخرى، ولا ريب أن هذا الاتصال المباشر أعظم تأثيرا في النفوس لقراءة الإنسان من قريب الانفعالات العاطفية والوجدانية التي تحدث لدى الخطيب فيكون أكثر تأثرا بها، ولما تحدثه المباشرة من المشافهة، والسؤال، والحياء، والمخاطبة.
4 -
شعور المرء وهو يستمع إلى الخطبة أنه في عبادة، وطاعة لله عز وجل، بل الشعور بأنه يقوم بأداء فريضة من الفرائض وإظهار شعيرة من الشعائر الإسلامية، مما يميزها عن أي محاضرة، أو ندوة ونحوها، وهذا الشعور يضفي على المرء قدرا من المهابة والخشوع، ويحدث في نفسه قدرا من الطمأنينة والسكينة، ومزيدا من الرضى والسعادة.
5 -
وجوب حضور المسلمين إليها " فالمسلمون على اختلاف طبقاتهم، ومستوياتهم التعليمية يحضرون هذه الخطبة، ويشهدون الصلاة، فيحضرها المثقف والجاهل، والمتوسط الثقافة، والعالم، ويحضرها الكبير والصغير، ومن جانب آخر فحضورها ليس مقصورا على الأخيار وحدهم، فكثير ممن لا يشهد صلاة الجماعة يحضر الجمعة، وهذا يتيح للخطيب أن يخاطب الجميع، وأن يتحدث إلى الكثير ممن لا يحضرون المحاضرات والندوات، ودروس المساجد، فهي تعد من المجالات القليلة جدا التي يتاح للدعاة من خلالها أن يتحدثوا مع الجميع (1) .
6 -
استمرارية التواصل، فخطبة الجمعة تتكرر كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لثنتين وخمسين (52) خطبة، وحين يعتني بها الخطيب، ويرتب موضوعاتها يقدم للمستمع مادة متكاملة، إنها تمثل دورة مكثفة مستمرة (2) وهذا التكرار والاستمرار في كل الظروف، وفي جميع الفصول
(1) مجلة البيان (ع / 65 ص / 20) بتصرف يسير.
(2)
المصدر السابق نفسه.
والمواسم، له دور كبير في إرساء المفاهيم الإسلامية، وتقليل الشر والفساد، ورفع مستوى الخير والصلاح، والحث على الفضائل، فإن تنوع الموضوعات لخطبة الجمعة يجعلها تستوعب متطلبات الوعي لدى المسلم المواظب على حضور هذه الخطبة، فهناك الموضوعات السياسية التي تبصر المسلم بواقع أمته، وهموم مجتمعه، وحقوق إخوانه المسلمين، وواقع الأقليات المسلمة في البلاد الأخرى، وهناك الموضوعات الاجتماعية التي تتناول حياة المسلم في جوانبها الاجتماعية المتنوعة، وعلاقات المسلم المختلفة، وهناك الموضوعات الأخلاقية التي تسمو بخلق المسلم وتزكي سلوكه، وهناك الموضوعات المتعلقة بتصحيح العقيدة، وتجنب الشرك بأنواعه وألوانه، وما يصون إيمانه، ويحمي جناب التوحيد عنده، وهناك الموضوعات التي تبصر المسلم بفقه دينه، ومعرفة الأحكام الشرعية في شؤون حياته المختلفة، وما يجنبه من الوقوع في الحرام، وما يسخط الله تعالى.