الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثاني اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية]
[المطلب الأول اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية]
المبحث الثاني
اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
المطلب الأول
اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية مهما ملك الخطيب من أسباب البيان، وبلاغة الخطاب، ومهما كانت قوة عباراته وجزالة أسلوبه، فلن يصل إلى درجة تأثير القرآن في القلوب، وقرعه للعقول، وأين كلام البشر من كلام الله تعالى؟!!
ولذا كان جديرا بالخطيب أن يضمن خطبته الآيات القرآنية التي تزين خطبته، وتجلي حجته، وتجعله ينطق بالحق، فإن الاستشهاد بالآية، وتلاوتها في الوقت المناسب والموضع المناسب، إقامة للحجة، وبيان وبرهان يأخذ بمجامع القلوب، ويشنف الأسماع، ويقرع العقول.
قال ابن كثير: {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: 71] أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه (1) .
وإن أظلم الظلمة من يعرض عن آيات الله تعالى بعد أن تتلى عليه، ويذكر بها فيولي مستكبرا كأن لم يسمعها، قال جل وعلا:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57] وقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22](2) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: " أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته، وبينها له
(1) تفسير ابن كثير (4 / 66) .
(2)
السجدة: 22.
ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها، قال قتادة:" إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرر"(1) .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان يجعل خطبته أو جلها تلاوة سورة من القرآن لما يشتمل عليه من ابتداء الخلق والبعث، والحساب، والجنة، والنا ر، والترغيب والترهيب.
أخرج مسلم في صحيحه عن عمرة بنت عبد الرحمن رحمها الله عن أخت لها كانت أكبر منها قالت: «أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» .
وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت: «لقد كان تنورنا وتنور رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا سنتين أو سنة وبعض السنة، وما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» .
وعن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه: «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ} [الزخرف: 77] » (2) . الزخرف-77.
قال النووي رحمه الله في شرحه: " فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلها آية "(3) .
قال الشيخ عبد الله البسام: " وفيه مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وهي واجبة عند بعض العلماء، ومنهم الحنابلة، فلا بد من قراءة آية من كتاب الله، وفيه استحباب ترديد المواعظ لتذكير الناس في الخطبة، وأنفع
(1) تفسير القرآن العظيم (3 / 463) .
(2)
مسلم (الجمعة- 6 / 160- 162) .
(3)
شرح مسلم (6 / 160) .
ما يوعظ به العامة والعصاة هو ذكر الموت والبعث والجزاء " (1) .
ومما ينبغي التنبيه له عند الاستشهاد بالآيات القرآنية في الخطبة ونحوها ما يلي:
1 -
الحذر من الخطأ في تلاوة الآية، فإن هذا مما يعيب الخطيب، ويفسد عليه جمال أفكاره، وأهمية موضوعه، ويصرف السامع عن التأثر بالخطبة إلى التصحيح والنقد، وتتبع الأخطاء، فينبغي على الخطيب حفظ الآيات التي يستشهد بها في الخطبة حفظا دقيقا وسليما، فإن لم يتيسر له ذلك فلتكن مكتوبة يرجع إليها عند الحاجة، حتى ولو كان مرتجلا لخطبته ارتجالا.
2 -
الحذر من قراءة الآية بقراءة غير معروفة ولا مشهورة لدى السامعين، وإن كانت قراءة سبعية، فهذا من شأنه أن يشوش أذهان السامعين، ويصرفهم عن تدبر المعنى إلى الوقوف عند اللفظ، ومن كان محدثا للناس فليحدثهم بما يعرفون، وليترك ما ينكرون.
قال علي رضي الله عنه: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله "(2) .
فإن أحب الخطيب أن يلفت النظر إلى معنى يكون في قراءة دون أخرى فلينبه إلى أن ذلك في قراءة " فلان " وهي قراءة سبعية.
3 -
الحذر من الاستشهاد بالآية في غير موضعها، وإنزالها على غير واقعها، والتكلف في حمل الآية على حادثة معينة، أو على جماعة معينة، أو واقع معين مما يعد من التحريف، وتحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على تفسير الآيات من كتب التفسير المعتمدة، فلا أقل من أن يطلع على تفسير واحد من هذه التفاسير حتى يكون على علم
(1) توضيح الأحكام (2 / 334) .
(2)
رواه البخاري (العلم- / 1 272) .
بفهم السلف للآيات وتأويلها، مما يقيه من التأويلات الباطلة، والأقوال الواهية في ذلك، وليحذر من الاعتماد على تفاسير المبتدعين، من الباطنية والصوفية، والرافضة ونحوهم.
4 -
الحذر من إقحام الآيات المتشابهة أو المحتملة المعاني في مواطن الخلاف بين المذاهب، والجماعات الإسلامية، وجعلها نصا قاطعا في الرد على بعضها، أو نصا له فيما يذهب إليه من رأي، وإنما حسبه في ذلك أن يبرز دلالة الآية القرآنية كما فهمها سلف الأمة، وليكن دور الخطبة هو جمع الأمة وتأليف القلوب على منهج علماء الأمة وسلفها، لا في تفتيت صفها، وتمزيق وحدتها، وهذا يتطلب سعة صدر وحكمة.
5 -
الحذر من إقحام الآيات في مجال المخترعات الحديثة أو الصناعات والوسائل العلمية المستجدة ما لم يكن ذلك نصا أو معنى راجحا مرضيا من العلماء الأخيار، فإن ولوج ذلك الباب لا يخلو من التكلف والتعسف في لي النصوص وتحميلها ما لا تحتمل من المعاني، وهذا باب يستهوي كثيرا من الخطباء رغبة في التميز، وإعجاب الناس بسعة علمه، وثقافته، ودقة نظره، واستنباطه للطائف المعرفة، وهو أمر محفوف بالمخاطر، ربما فتح الباب للتأويلات الفاسدة، والتجرؤ على الخوض في أمور من العلم لا يحسنها.
6 -
الحذر أيضا من التكلف في تطويع الآيات للمناسبات المختلفة سواء أكانت مناسبات عامة أو خاصة.
قال الأستاذ نذير مكتبي: " إن من أقبح ما يقع فيه كثير من الوعاظ والخطباء إساءة قراءة النص القرآني، وعدم الاهتمام بأحكام التجويد وآداب الترتيل، فنجد أحدهم يتلو الآية أو الآيتين كأي كلام آخر غير القرآن، فلا يبالي بأي خطأ يعتري قراءته، إن رفع أو خفض أو غير أو بدل، أو أخرج الحرف من غير مخرجه، ولا ضير على الخطيب إذا لم يستوثق من متانة حفظه للشاهد القرآني