الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الخامس اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن]
[تجنب التخصيص في الخطبة]
المبحث الخامس
اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن (أ) تجنب التخصيص في الخطبة: عندما يواجه الخطيب الناس ينبغي أن يوجد لديهم شعورا بأنه واحد منهم، غير متميز عنهم بفضل، وإن تميز عنهم بعلم أو ثقافة، ومن هنا عليه ألا يخصهم باللوم والنقد، وكأنه منزه عن ذلك.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء أسلوب التخصيص في خطبته، وأكثر ما يكون هذا مؤلما عندما يخص الخطيب إنسانا بعينه باللوم، أو بتحمل المسؤولية في مشكله معينة، وهذا من شأنه أن يكسر نفس الخصوص باللوم، أو يجعله يتخذ موقفا عدائيا من الخطيب، وربما حذا حذوه أقاربه، ومعارفه، وأنصاره، فليس من حق الخطيب أن ينصب نفسه قاضيا في قضية لم ترفع إليه، ولم يستكمل حق النظر فيها من حيث البينات والقرائن والملابسات المختلفة، ولا يكفي أن يكون قد أخبره بذلك بعض الثقات، فإن الثقة ربما وهم أو أخطأ، وربما تلقى الخبر عن غير متثبت.
والخطيب يجب أن يكون حريصا على تآلف القلوب، ووحدة الأمة، واجتماع الكلمة، وعليه أن يتجافى عن كل ما من شأنه أن يفرق وحدة المسلمين، حتى ولو كان ما يقوله حقا، فقد «قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ، وكان يصلي بالناس إماما ويتلو عليهم كلام الله تعالى: " أفتان أنت يا معاذ؟» وتدبر كلمة "فتان " المشتقة من الفتنة، والتي جاءت بصيغة المبالغة، فالأخوة بين المؤمنين ليست خيار مصلحة، أو مطلبا اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو سياسيا أو جغرافيا، بل هي واجب شرعي، وفريضة إسلامية، قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]
وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم» (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو. . .» الحديث " (2) .
وكل إخلال بهذه الحقيقة إنما هو إخلال، وتقصير في فريضة، فكيف يأتي هذا التقصير من قبل الخطيب، وهو يعلم أن هذا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، والنصوص فيها أكثر من أن تحيط بها هذه الورقات.
لذا فإن على الخطيب أن يحذر من كل سبب يؤدي إلى اهتزاز هذه الحقيقة في النفوس، وأن يجتنب كل عبارة أو فكرة تؤدي إلى زعزعتها، ومن ذلك:
1 -
تخصيص شخص معين بالنقد.
2 -
تخصيص جماعة معينة بذلك.
3 -
تخصيص بلد أو جنسية معينة بالفساد وسوء الأحوال.
وهذا لا يقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصد به مداراة الفساد والمفسدين أيا كانوا، فمما لا يخفى أن هذه المحاذير لا تحول بين الخطيب وبين الصدع بالحق، وهتك أستار الباطل، وتعرية المفسدين دون الحاجة إلى التعيين والتخصيص.
فهدي النبي صلى الله عليه وسلم خير الهدي، وأكمله، وأنفعه، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم عدم التخصيص إلا عندما تدعو مصلحة شرعية راجحة لذلك، ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأحاديث الصحيحة:
1 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب
(1) رواه مسلم (البر والصلة- 2580) .
(2)
رواه البخاري (الأدب- 6101) ، ومسلم (البر والصلة - 2586) .
فحمد الله ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (1) .
2 -
عن عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة قالت: «ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، إنما الولاء لمن أعتق» (2) .
3 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: " ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» (3) .
4 -
5 -
6 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم» (6) .
(1) رواه البخاري (الأدب- 6101) .
(2)
رواه البخاري (العتق 5 / 167) ومسلم (العتق رقم 1504) .
(3)
رواه أبو داود (الأدب- 4788) بإسناد لا بأس به.
(4)
رواه أحمد (3 / 435) والدارمي (2 / 223) والحاكم (2 / 123) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر:(سلسلة الأحاديث الصحيحة 402) .
(5)
رواه أبو داود (الترجل- 4182) والبخاري في الأدب المفرد (ص155 رقم 437) .
(6)
رواه مسلم (الصلاة- 117، 118) .